Category

مقالات

2002, مقالات, نشرة رعيتي

عيد الرقاد/ الأحد 11 آب 2002 / العدد 32

يذكر سفر اعمال الرسل ان العذراء كانت في علية صهيون مع التلاميذ لما حل الروح القدس عليهم خمسين يوما بعد القيامة. بعد هذا لا يذكر العهد الجديد شيئا عنها، لا عن موتها ولا عن تاريخه. غير ان التقاليد القديمة المدونة في بعض الكتب التي لم تصنف في العهد الجديد تقول انها رقدت بالرب في اورشليم. ثم نلحظ ان قديسَين هما اندراوس الكريتي في القرن السابع ويوحنا الدمشقي في القرن الثامن كتبا عن رقادها وانتقالها الى السماء.

         هذا معتقد انتشر بين المسيحيين وجعل منه عيدا يقع في الخامس عشر من آب. ولكن المجامع المسكونية لم تحوله الى عقيدة ملزمة مثل الثالوث المقدس او تجسد ابن الله. ولكنه دخل في العبادات، في الإنشاد والايقونة. والايقونة تمثلها راقدة وابنها واقفا الى جانب السرير يحمل روحها على ذراعه. وتراها طفلة مقمطة للدلالة على هذه الروح التي قبضها المسيح.

         اجيال كثيرة منذ 15.. سنة تقريبا آمنت بهذا الأمر. ولذا يعتبر جزءا من تراثنا.

         الفكرة التي تهيمن على هذا المعتقد ان التي حملت بيسوع وظللتها نعمة الله العلي عصم الله جسدها من الانحلال ونقلها اليه كما نقل مسيحه اليه. هذه المشاركة الأساسية بينها وبين ابنها جعلتها تموت كما مات السيد وجعلتها تنتقل الى السماء بجسد ممجد كما سنكون نحن بعد القيامة بحيث انها دخلت المجد الإلهي كاملا على طريقة الشهداء. بتعبير آخر هي لا َتمثُل امام الديان العادل بل صارت “اكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا من السيرافيم” وهي اقدس من كل القديسين.

         وبسبب هذا المجد جعلت لها الكنيسة اعيادا كثيرة ما عدا الرقاد. حبل حنة بها عيد، وكذلك مولدها، ولها عيد جامع ثاني الميلاد. ورتبت لها الكنيسة صوما بين اول آب وعيد الرقاد، وفي هذا الصوم تقام، إكراما لها، خدمة معروفة بالبراكليسي اي الابتهال وتقام لها “خدمة المديح الذي لا يجلس فيه” خلال خمسة اسابيع من الصيام الكبير، وهي صلوات مستمدة من عيد البشارة التي اشتركت بها من حيث انها قبلت نداء الملاك لها لتصبح أُمًا للإله الابن.

         هذا الاحتفاء الكبير بها جعلنا نضع ايقونتها على الايقونسطاس (جدار الايقونات الفاصل بين القدس اي الهيكل وصحن الكنيسة) وهذا ما حدا بالمؤمنين ان تقام لها كنائس في كل انحاء العالم المسيحي مخصصة لهذا العيد او ذاك الذي نقيمه لها.

         الى هذا هي مذكورة دائما في صلاة الغروب والسَحَر والقداس الإلهي بكمية من الصلوات لا تحصى لأنها واقفة قرب عرش الرب تشفع دائما بنا.

         ولعل من اهم ما قيل عنها في الكتاب العزيز قول يسوع المصلوب الى تلميذه الحبيب: “هذه امك”. والكلام يتجاوز كون يوحنا هو الذي خاطبه المخلّص بهذا الكلام اذ الإنجيلي لا يسمي نفسه باسمه بل يقول عن نفسه انه التلميذ الحبيب. وتكون العذراء هكذا أمًّا لجميع المؤمنين بيسوع.

         ماذا تعني هذه الأمومة؟ لسنا نعرف ذلك بالدقة. ولكن الكلام في ظاهره يعني ان ثمة علاقة حميمية بيننا وبين العذراء. فمَن تجاهلها في عبادته يكون متجاهلا لبعض من الإنجيل. ألم تقل لإليصابات: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال”؟ ان هذا التطويب لا يعني فقط ان نعظمها عقليا ولكن ان نخاطبها كأبناء في الصلاة والوحدة بها.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة اليوم/ الأحد 4 آب 2002 / العدد 31

بعد أن أسهب بولس في الرسالة الى أهل رومية في بحث الإيمان، يبيّن في قراءة اليوم ان هذا الإيمان ينشئ الكنيسة المتعددة الموهبة. وهذا كله من الله. فلا يفتخر أحد على أحد لأن هذه المواهب مجتمعة هي التي تنشئ كنيسة حيّة.

      لا يذكر بولس موهبة الكهنوت اذ لا كنيسة بلا كهنوت. ولكن كنيسة رومية كنيسة ناشئة. عندما كتب اليها لم يكن قد ذهب اليها رسول. كانت المسيحية قد انتشرت منذ ربع قرن تقريبًا قبل كتابة بولس اليها وعرفت بإيمانها الكبير. فكانت غنية في العطايا الروحية.

      هذا الإيمان الواحد ينشئ النبوءة، والنبوءة في العهد الجديد ليست حديثًا عن المستقبل ولكنها كشف إرادة الله للجماعة، للرعية الرومانية هنا. فالنبي بهذا المعنى هو من كانت له قوة التحذير والتوعية والتوجيه والتوبيخ. والنبي طبعًا هو من استند على الإيمان الذي يسكبه الروح القدس.

      اما الخدمة فلا بد انها تعني اولا خدمة الكلمة. ولا خدمة لأحد ما لم يكن ممتلئا من الكلمة. ولكنها أخذت معنى خدمة الفقراء. ولما ظهرت رتبة الشمامسة سُمّوا خدامًا بالمعنيين: المعنى الطقوسي لأنهم كانوا يشتركون بالقداس الإلهي، والمعنى العملي لأن وظيفة رئيسة لهم كانت العناية بالفقراء.

      اما المعلّم فهو الذي يعرف الإنجيل الذي لم يكن قد دُوّن في ذلك الوقت ولكنه كان تقليدًا شفهيا مُختَزلا في ما سُمّي “انجيل بولس”. النبي هو المُلهم في الآن الذي يتكلم فيه. واما المعلّم فلا، فهو الذي فهم المبادئ المسيحية الأساسية وعرف ارتباطها بعضها ببعض.

      الواعظ يأخذ التعاليم الأساسية ويشرحها ويثقف الناس بها. المعلّم هو الانسان النظري، المتماسك الأفكار، يلقن التعليم كأستاذ. اما الواعظ فيوزع الانجيل على الرعية المجتمعة حسب حاجاتها. هو نظري وعملي معًا.

      اما المتصدق فينبغي أن يكون بسيطًا لا يستعلي على من يُحسن اليهم. غير التصدق الفردي عندنا الصدقة الجماعية التي أخذت الكنيسة تنظمها.

      المدبر الذي يدبّر بالرب وينذر ويتعب بالكلمة والتعليم.

      هذه المواهب كانت تتلاقى وتتقاطع، وقد يكون المؤمن عنده أكثر من موهبة واحدة. واعتقادنا ان الذي جمع أكثر من موهبة هو الذي صار قسًّا ومسؤولا عن الجماعة.

      بعد هذه الخدم التي تجعل وحدة الجماعة، انتقل بولس الى كون هذه المواهب لا يمكن تفعيلها بلا المحبة فأكد عليها ورأى انها تقود الى إكرام الواحد للآخر اي الى الاعتراف بموهبته، وهذا يجب ان يظهر في الاجتهاد، في التغلب الداخلي على ما يمنع المحبة التي تجعلنا “حادّين بالروح”، عابدين، فرحين، صابرين. هذه الفضائل ان ظهرت تدلّ على ان مواهب الروح القدس المذكورة اولا هي حقيقية لا وهم فيها. ودليل الصدق ان نؤآسي القديسين اي فقراء اورشليم، مضيفين للغرباء اي      المسيحيين الوافدين الى رومية من أطراف العالم. ولعلّ بولس كان يتوقع الاضطهاد الذي حلّ فعليًا بعد سنوات قليلة على عهد نيرون. المضطهِدون يجب ألا نلعنهم بل ان نباركهم لكي يسطع في المدينة نور المسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

في روح مجالس الرعية/ الأحد 28 تموز 2002 / العدد 30

كان لي خال استلم منذ ستين سنة وحده كل أوقاف مدينة طرابلس فرفع مواردها عشرة أضعاف في بضع سنين. وكان يبني كثيرا. سألته غير مرة: ماذا ينفعك مال الوقف؟ قال لنبني. فقلت له وبعد البناء ماذا تفعل به. قال لنبني.

طبعا فيما كان خالي يضيف عقارا على عقار كان الفقراء يتضورون جوعا وكان إحساسي أن بعضا من العائلات كانت تقبض بضع ليرات في الشهر لإسكاتها ولم تكن خطة لرفع شأنها الحياتي. وكانوا يعتقدون آنذاك انه محكوم على الناس أن يبقوا فقراء أو أغنياء. ولا يزال شعوري أن بعضا من متولّي أمورنا الوقفية يهربون من الفقراء بالحجر. لذلك سُررت سرورا عظيما لما اتخذ مجلس الرعية في منصورية المتن قرارا مسلكيًا سجله في محضر إحدى جلساته: البشر قبل الحجر، وقرارًا آخر يجعل الفقراء الهاجس الأول.

المال يعطي شعورا بالقوة والحجر بالثبات. هذا هو الإنسان العتيق فينا، الإنسان المشتهي هذه الدنيا. ولكن الذي يشعر بأن الفقراء همه الأول هذا يعرف انه يثبت في ملكوت الله. إن عبارة «نحافظ على الوقف» عبارة على الأقل ناقصة لأن السؤال لماذا تريد أن تحافظ؟ لم أسمع أحدا قال لي مرة: أنا أحافظ على الوقف ليدر عليّ مالا حتى أبدده على المساكين. هذه هي كلمة المزامير: «بدَّدَ، أعطى المساكين، فيدوم بره إلى الأبد». نحن لسنا وراء تثبيت أقدامنا في الأرض، ولكن وراء تثبيت عقولنا وقلوبنا في السماء.

المطرانية رازحة تحت عبء إحسانها. والإخوة الذين يطلبون إحسانا بسبب من مرض أو التأخر عن دفع الإيجار لمسكنهم أو أقساط أولادهم يأتونني من رعايا تملك مالا في المصارف. لماذا نكثر هذه الودائع؟ لماذا يتصرف بعض في الإمساك بالأموال وكأنهم يبخلون بأموالهم الخاصة؟ هناك تسلط على المحتاجين واضح أو إهمال لهم إذا كنا لا ننهرهم أو نتضجر منهم؟

هذا ليس كل المصيبة. المصيبة الكبرى هو أن نريد المسؤولية المالية إلى العائلات، والقانون يسندها إلى الأتقياء الموهوبين روح الخدمة والملمّين بأساليبها، وقد تكون عائلتك خالية من هؤلاء الموهوبين أو تكون روح الخدمة ضعيفة فيها. أنت تريد إذًا لعائلتك السلطة، ولا تجد ميدانا للسلطة إلا في الكنيسة. أو قد لا يكون في أهل بيتك مَن عنده روح الشورى أو قدرة على المناقشة الهادئة. وإذا كنت حقا محبا لله وتؤثر مجد المسيح في قريتك، فلا تتمسك بعائلتك في هذا المجال، وأَقلِع عن فكرة التمثيل العائلي، لأن كنيسة يسوع الفقير وإنكاره للمجد يخدمها فقط الودعاء العارفون بالأصول.

ولعل الخطأ الأفتك في العائلية أن تظن أن الكنيسة مؤلفة من عائلات في حين أنها مؤلفة من أفراد. مرات عديدة شعرت بالذل لما كان يقال لي: أنت لست فقط كاهنا (أو مطرانا) ولكنك واحد من العيلة. هؤلاء ما كانوا يرون أن شرف الكهنوت الذي أنا حامله أهم من انتمائي إلى عيلتهم.

إذا لم نتحرر من كابوس العيلة، نحن لسنا للمسيح. «مَن أَحبَّ أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني». نحن لم نولد من لحم ودم ولا من شهوة رجل وامرأة، نحن وُلدنا من الله، وليس بيننا من شراكة إلا لكوننا صرنا أبناء الله.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

نحن وسوريا / السبت 27 تموز 2002

  هب أن سوريا خرجت فورا بسحر ساحر أو قدرة قادر -والقادر نعرفه- هل يتوب أولئك الحكام الذين عندهم مرتزقة لا يعرفون الدوائر التي عينهم فيها أربابهم؟ من أغرى من؟ نحن أم السوريون؟ طبعا لا إغراء بلا شهوة كائنا ما كان مجالها. ولكن لا بد من القول ان التقرب يحمل خطر المصانعة والمداهنة وان المداهنة كذب وإذا كان الكبير في دنياه يشدك إليه فلكونك راغبا في الانشداد ويجعلك في حالة الدلع والدلع كسب أو انتظار كسب.

  وصداقة السوريين نافعة للكثيرين إذ التزلف يقتضي الاشتكاء محمولا دائما على شيء من نفاق فالزعيم اللبناني لا يقوى إلا بإلغاء سواه ولا إلغاء بلا نميمة وكثيرا ما قادت النميمة إلى الافتراء. والمقربون يتزاحمون استرضاء وهو إياه الفساد أو وجه من وجوهه. ولماذا تنتظر من السوري العفة إذا تملقته أو الحياد إذا دعوته أن ينصرك؟ ويبدو من جراء الأحداث أن الكثيرين من أهل المناصب لم يكتب لهم أن يكونوا فيها لو لم يستنصروا السوريين. ومن الواضح أن هؤلاء المدعومين يكونون بلا شيء لو لم يلتمسوا الدعم. يقول السوريون من وقت إلى آخر أنهم على مسافة واحدة من الزعماء اللبنانيين المتنافسين. غير أن الحاصلين على البركات يسعون إلى شد الأشقاء من الوسط إلى مواقعهم هم. وكل شيء يدل على أن القلة من النافذين في شعبنا لا تستعطف الأشقاء وان بعض الرافضين كلاميا للحضور السوري إنما هم “فاتحون” على السوريين. ولكنهم يحتاجون إلى تمثيل موقف الرفض ليجدوا لأنفسهم مكانا في الوسط اللبناني الرافض بحيث يرحب بهم سوريًا بلا تبريك فصيح ويرحب بهم عند ناخبيهم بآن معا.

  في تصوري أن الحضور العسكري لا علاقة له بالاستراتيجية العامة في المنطقة. فلا نحن ولا السوريون القائمون على أرضنا قادرون على رد هجوم إسرائيلي حقيقي. فالسؤال الذي يبقى هو هل إن وظيفة العسكر السوري أن يكون قوى أمن داخلية عندنا شبحها (ولو لم تتدخل) داعم لجيشنا الذي لا يكون جيشا إلا إذا كان أداة لشعب موحد. لقد عشنا قرارا لعدم إنزال الجيش في الحرب. هل “تعلمن” جيشنا حقا بحيث ينفذ أوامر يحس أنها صادرة عن دولة لا تتصرف طائفيا؟ إذا كان الحكم عندنا ضامنا “علمانية” العسكر، هناك أسباب أخرى لا تخفى على أحد تشير إلى أن جيشنا ليس أداة كافية لبسط سلطان الدولة على المخيمات أو على قطاعات حزبية معسكرة ولعل هناك ما يشير إلى أن الدولة لا ترى ثنائية بينها وبين بعض الميليشيات المسلحة. ملف التعسكر اللبناني ملف متكامل على ضوئه يبحث في الحضور العسكري السوري.

  ثم هب أن السوريين أعادوا انتشارهم وقد جاء منهم وفد ليتباحث وضباطنا في طريقة التنفيذ. هب أن هذا حصل فعلا وتقيد الجميع بمنطوق الطائف ماذا يتغير في الحياة السياسية عندنا؟ ليس السوريون في حاجة إلى جيشهم عندنا ليبقوا على النفوذ الذي اكتسبوه. عندما سأل بعض قادة الرأي العربي في الولايات المتحدة الرئيس فورد أن يتدخل في شأن لبنان لإنقاذه في بدايات الحرب رفض تدخل بلده بجيش وقال انه يرغب في “تدخل محدود للسوريين في لبنان”. ويشاع أن مثل هذا الالتماس عبّر عنه رجالات كبار من عندنا عُرفوا بتمسكهم بالكيان اللبناني. هل بقي هذا التدخل العسكري محدودا أم اتسع ليصبح تدخلا في القرار السياسي؟ سوريا لبت طلبا أوحي به إليها من اجل السلام في لبنان. ثم ظهرت مسألة القرار الداخلي عندنا.

***

ليس لنا حرية القرار، يقولون. الرد على هذا من قبل أصدقاء سوريا أو الملتزمين بتوجيهاتها لا يكون بالقول أن لها فضلا علينا بإيقاف الحرب أو بمنع الفلسطينيين من إكمال مسيرتهم في حرب الجبل. فمن ينكر فضل الإخوة في ذلك ولكن الإنسان لا يعيش في التسبيح للماضي ورفض التأمل الموضوعي في حاضره. ولكن خطأ التابعين في تغنيهم بحسنات التدخل في الماضي أن يرغبوا اليوم في استمرار تدخل لم يبق له معنى ولم يبق له مبرر. هذا الإصرار على مدح الحكم السوري في الماضي القريب سبب مباشر للفتنة الطائفية لأنه يتضمن اتهاما للفريق الآخر على انه ناكر جميل أو انه مبغض لسوريا.

الحل ليس باستجداء حرية القرار ولكن بفرض حرية القرار. وإذا همسوا في الأوساط أن الضغط شديد جدا فلا يمكن رفضه ماذا يمنع قابليه أن يستقيلوا؟ لماذا يستميتون ليصيروا نوابا ووزراء؟ شهوة المجد هي التي تدفع المسؤولين اللبنانيين أن يقبلوا فرض القرار عليهم. في تصوري أن الحضور العسكري الذي لا تطلب حكومتنا زواله ولا جدولته الزمنية لا يغير شيئا في الانصياع لأن الانصياع هو من طبائع الزبانية ومن شهوتها والزبانية هم أكثر مما تتصورون لأن الشطارة اللبنانية ترفض قول المسيح: “ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا”. أو كما يفسر بولس هذا الكلام: “اعنوا النعم إذا قلتم نعم واعنوا اللا إذا قلتم لا”. نحن في حاجة إلى تحديد المصطلحات وان نسلك حسب التحديد.   وإذا أردنا النعم أو اللا فليقل كل واحد من المسؤولين ما يعنيه. ليس احد يرفض الحرية. وليس من خلاف بيننا على الحرية. وهي ليست حكرا على طائفة. ولكن هناك قوما لا يجترئون على اللا ولو قصدوها وهناك من يجترئ عليها وقد لا يقصدها حتى النهاية. وان كان ثمة من حجج مقنعة ولم يكن هناك باطنية فلتتوسع الحلقة لتشمل غير انتماء طائفي واحد. وإذا لم نستطع هذا يكون الخصام الطائفي أوسع مما نتصور أو

يكون التردد بين اللا والنعم فيه منافع طائفية أي فيه إرادة إخضاع جماعة لجماعة. يخفي، إذ ذاك، الاختلاف في القول تشنجات لبنانية.

  كل موضوع علاقاتنا مع السوريين تنتابه أزمة ثقة. هل تعالج؟ إذا تركنا جانبا كل الأسباب التاريخية المتعلقة بذاكرة العلاقات وذلك من قبل وصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم نرى أنها في حاجة إلى تطهير وان هناك قراءة سورية للبنان وقراءة لبنانية لسوريا وان هاتين القراءتين في حاجة إلى تدقيق وإعادة نظر. هناك إحساس أن سوريا ترى نفسها الأخت الكبرى وإحساس آخر عندها أن لبنان ولد غير شرعي لاتفاقات سايكس-بيكو ما يعطي سوريا شعورا بأن عليها واجب الحضن لهذا الوليد الصغير الذي تدفعه تعدديته إلى أن يعوض عن صغر حجمه بتطلعات حضارية كان تأويلها في الماضي على أنها عروبة ناقصة. هناك تململ باطن في البلدين يتجاوز الحضور العسكري والمداخلات ذات الطابع السياسي.

  أنا لا أنكر وجود مشكلة قديمة ومتجددة ودائمة. ولكنها تحل أولا عندنا. هناك مرض فينا لا نشفى منه بمجرد قولنا نريد الكرامة لنا ولجيراننا. الكرامة لا تقوم فقط على الصعيد التعبيري والحقوقي. أنت قبل تصحيح العلاقة يجب أن تكون أي أن تكون أخلاقيا. مهما كانت النيات السورية ماذا يمنع أن نكافح الفساد عندنا؟ هل نحن في حاجة كيانية إلى بركة سورية لنحاول النهوض وإقامة دولة حضارية؟ كيف يتنقى رجال الدولة من خطاياهم؟ عندما تنخرط الدولة في مسؤولياتها ووعيها على أنها التعبير التاريخي والمتحرك عن لبنان نكون قد أدركنا العفة التي تؤهلنا وحدها لعلاقة سليمة مع أي كيان آخر.

  لا احد يستطيع أن يسلبك حرية القرار إن كنت أنت حرا في أعماق كيانك. كن حرا ومت عند الحاجة. هل كنا نعيش في كرامتنا الإنسانية قبل بسط “الهيمنة” السورية؟ وهل نريد الكرامة حقا لكل مواطن أم نحن طوابير متراكمة كانت تشرى وتباع على مر العصور وبلا استثناء عصر لكوننا تجارا صغارا نعيش على حقارة النفس ويسحرنا المال والشهرة واستعباد بعضنا بعضا؟ على هذا نتمرد لنصير كبارا. وإذا صار الكبر ميزتنا لا احد يستطيع أن يسلب منا استقلال الذات الداخلية التي هي كل الإنسان وكل الوطن.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

قائد المئة/ الأحد 21 تموز 2002 العدد 29

الأحد 21 تموز 2002                   العدد 29

وجد علماء الآثار في تل حوم – وهي غالبا كفرناحوم – مجمعا يهوديا يعود الى القرن الثاني، قام – على ما يظن – على المجمع الذي بناه قائد المئة الذي يتحدث عنه إنجيل اليوم. كان ضابطا رومانيا يأمر مئة جندي. هذا الجيش كان قوى أمن داخلي.

         وعلى كون الرجل وثنيا، آمن بأن يسوع كان قادرا على صنع العجائب. جاء ليطلب شفاء “فتاه” التي تعني الخادم والابن معا. لوقا الذي اورد الحادثة يقول ان هذا الفتى عبد الضابط. اهتمامه به خارج عن المألوف لأن العبد كان شيئا من الأشياء ولم يكن له في الشريعة الرومانية مكانة انسان له حقوق. قائد المئة اعتبره انسانا كأنه مواطن حر.

         كيف عرف قائد المئة ان ليسوع قوة الشفاء؟ الرواية التي يرويها لوقا تقول ان الرجل بعث بشيوخ اليهود الى السيد ليأتي ويشفي ذلك العبد. كان اذًا مطلعا على موقف بعض اليهود الايجابي من المعلم. لا ندري اذا كان يشاطرهم ايمانهم بالإله الواحد. ولكنه كان يؤمن بأن هذا المعلم الجليلي الجديد كان على علاقة مع الله تمكّنه من الشفاء.

         قال السيد للضباط: انا آتي وأشفيه. الرجل لم يكن يطلب انتقال يسوع الى البيت، فقال: “لست مستحقا ان تدخل تحت سقف بيتي”. ظاهر الكلام ان الرجل يعرف خطيئته فتواضع وأقرّ بها ضمنا. ولكن كان يعلم ان اليهود لا يدخلون عادة بيوت الوثنيين. فقال: لا داعي ان تأتي. يكفيك ان تقول كلمة فيبرأ فتاي. ثم أخذ من حياته المهنية صورة العلاقة بين الضابط والعسكري وان الاول يأمر فيطاع. وهكذا يستطيع يسوع ان يأمر من بعيد.

         عند ذاك تعجب يسوع من رجل ايمانه اقوى من ايمان بني اسرائيل حتى قال: “سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب. واما بنو الملكوت فيُلقَون في الظلمة البرانية”. هنا أشار السيد الى انه تأتي ساعة حيث الغرباء عن الموعد وعن الكلام الإلهي يؤمنون بيسوع ويصبحون هم ابناء الملكوت ويُطرح اليهود خارجا.

         هذا ما سيصبح تعليم بولس القائل ان الإنسان يُبرَّر بالإيمان وليس بأعمال الناموس. فليس لليهودي ان يفتخر بأنه من ابناء ابراهيم فإن “الله قادر ان يجعل من هذه الحجارة اولادا لإبراهيم”.

         هذا الوثني علّمنا ان نثق بيسوع ثقة كاملة، ان نؤمن ليس فقط انه غالب للمرض ولكنه غالب للخطيئة. فالخاطئ هو المفلوج الحقيقي. والثقة تزيدنا حبا للمسيح، والحب الذي يجمعنا بيسوع قائم على ايماننا بأنه كامل القدرة وانه يرفع عنا كل تعب وكل حزن وكل وجع، ويجعلنا له اصدقاء بعد ان استعبدتنا الخطيئة.

         ونتربى على المحبة اذا عرفنا بصلواتنا وقراءتنا للكتاب الإلهي ما صنعه المسيح لنا. ديانتنا تقوم كلها على هذا الشعور المتبادل بيننا وبين الرب والذي وصل الى ذروته على الصليب وفي القيامة.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد الآباء/ الأحد 14 تموز 2002/ العدد 27

القراءة الإنجيلية اليوم جزء من العظة على الجبل كما وردت عند متى. ويستهلها بقول السيد لتلاميذه: “انتم نور العالم”. لا شك ان هذا النور مصدره المسيح نفسه كما ان نور القمر يأتي من الشمس. وقد قال الرب: “انا هو نور العالم” (يوحنا 8: 12 و 9: 5). وفي العهد القديم سمي الله نورا وكذلك التوراة.

         النور له وظيفة وهي ان يشع. لذلك يوضع على المنارة اي على مكان مرتفع في اية قاعة من البيت. وظيفة النور الذي يضيء في قلوب التلاميذ وعقولهم ان يحمل بسلوكهم وأقوالهم النور الى الناس. هذا شيء يحصل تلقائيا لأن الرسل لكونهم حاملي الكلمة في حالة تواصل مع الناس. بهذا الاحتكاك يرى الناس اعمال الرسل (ومن بعدهم المسيحيين) ولكن الغاية ليست تمجيد الرسول كاهنا كان ام علمانيا ولكن ان يمجدوا الآب. حامل الإنجيل لا يدعو الى شخصه احدا. يدعو السامعين الى المسيح.

         ثم ينتقل الى موضوع آخر بقوله: “لا تظنوا اني جئت لأحلّ الناموس والأنبياء. اني لم آتِ لأحل لكن لأتم”. ظاهر هذا الكلام يعني ان يسوع يقبل كل ما أتت به ديانة العهد القديم. ومن الواضح ان السيد يؤمن بأن هذا الكتاب موحى به من الله وانه تاليا لا يلغي حرفا واحدا فيه. الكل يذكر بعد هذا المقطع قول يسوع: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل… واما انا فأقول لكم ان كل من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم”. يسوع لا ينقض ولكن يعمق. يريد مكافحة الخطيئة من شروشها. كذلك ما يتعلق بالزنى. الرب يريد ان يضربه من اصوله فيبين ان الشهوة منبع الخطيئة.

         لقد قيلت اشياء كثيرة في الإنجيل عن السبت وكيف مانع الفريسيون الرب من ان يشفي في السبوت. هو ما قال: وصية السبت غلط. قال لا تنطبق في حالات الشفاء، فأنا لا أنقض السبت، ولكني اخفف الصرامة التي اوجدها العلماء فمنعوا حتى الشفاء. بعد هذا، في الكنيسة، سقط السبت من ذاته.

         عندما امتدت الكنيسة الى الأمم الوثنية ظهر هذا السؤال: هل يتهود هؤلاء اولاً ثم يُعمدون؟ مجمع الرسل في اورشليم قرر ان الناموس لا يُفرض على المسيحيين الجدد وظهر فهم روحي لنواميس العهد القديم. فالختان لم يعد ملزما اذ حلت المعمودية محله. والذبائح الدموية أُبطلت بدم المسيح. ما قيل ان هذه كانت خطأ في ايام الوحي بها. قيل تجاوزناها الى ما هو روحي.

         يبقى قول المعلم: “اما الذي يعمل ويعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات”. هنا يكشف يسوع ان التعليم لا يكفيك وحده لتصير انت نورا للعالم. ينبغي ان تعمل العمل الصالح الذي بينت المسيحية انه نابع من المحبة. فاذا كان التعليم يشير الى ايمان صاحبه فالعمل يدل على ان هذا الإيمان حي ويحيي صاحبه وسامعيه. المسيحية هي إيمان ومحبة لا ينفصلان. هي كلمة نتممها في واقع حياتنا.

         والنور يشع كثيرا ان تعاونا في الكنيسة على تعليم الإيمان وعلى تنفيذه، مشتركين، بالعمل الصالح. وهكذا سلك آباؤنا القديسون الذين نعيد لهم اليوم. كانوا لاهوتيين وابرارا معا.

Continue reading