Category

2015

2015, جريدة النهار, مقالات

الرجاء / السبت أول آب 2015

الله لا يقحم نفسه فيك. يريدك مريدا للخلاص. والخلاص أنت ترجوه فإنه في الله كامل وهو يعطيك إيّاه كاملا وأنت تقبله. وإذا قبلت فهذا هو الإيمان. وفي اللغة الإيمان ان تعرف الله مأمنًا لك أي مكان أمنك بحيث لا يكون لك وجود خارجا عنه. هذا هو السر ان تكون قائما في الله أي انه هو حيزك. هو فقط حيزك وأنت لست هو ومع ذلك أنت فيه. هذا كله لا تفهمه الا بالحب. أنت في الله تعني أيضا انك اليه لأن كل علاقتنا به حركة. أهل الحب يفهمون هذا الكلام لأنهم تحرروا من الحيز.

وجودنا في الله حركتنا اليه والحركة اليه هي منه أيضا. وهذه الحركة هي الرجاء الذي يجعلنا الرب فيه إذا شاء. نحن راجون أي اننا نصير إلى ما نرجو لأن الله آت. هو ما أتى فقط وانتهى مجيئه. هو دوما آت وتراه في كل إطلالة منه وتراه جديدا. الله ثابت بمعنى انه وفي لنفسه أي انه لا يقلل أبدا مما يعطيك اذ لا يعطيك اقل من ذاته. وهو إيّاه «أمس واليوم وإلى الأبد». وإذا رجوت تعرف ان ما ترجوه هو عندك ومعك.

أنت ترجو الله أي تطلب الآتي منه كل يوم لأنك تعرفه أمينًا لذاته وانه معطيك ما عنده أي كل شيء. الرجاء هو إلى ما سوف يأتي ولكن في الله الآتي أتى أي انك تطلب دوام العطاء الإلهي اليك. فإذا كان الإيمان تحديدا هو الثبات في الله يكون الرجاء ما تنتظره من عطايا الرب الدائمة. ترجو معناها الحقيقي انك تتحرك إلى ما جاءك لأن ما يعطيه الرب انما كان وهو كائن وسيكون. نحن مع الله في الحقيقة لسنا إلى ما يأتي ولكن إلى هذا الذي لا يتغيّر. مع الله نحن في الدوام.

ليس الرجاء ان تنتظر للغد ما كان أفضل مما جاءنا في الأمس. الرجاء هو الإيمان الحقيقي بدوام العطاء الإلهي وبأن ما يعطيه هو إيّاه ما أعطاه بالأمس. أنت ترجو لأن لك في الغد ما كان لك بالأمس لأن ربك هو إيّاه وهو على العطاء الواحد.

عندما نتكلم على الرجاء لا نتكلم عن شيء ما عرفناه وذلك لأن الله واحد مع نفسه. نحن نريد ان يكون الرب هو إياه معنا ولا يزاد على هذا شيء. في الحقيقة او في العمق اذًا الرجاء والإيمان واحد. ليس الا الإيمان بمعنى انك لا ترجو الا ما تؤمن به أي لا ترجو الا القائم.

ضد الرجاء الإذعان إلى المتغيّر. أنت تعرف ان الله لم يأت فقط ولكنه آتٍ أبدًا ويأتي هو إيّاه أي في محبته. أنت لا تؤمن ان الغد أفضل من الأمس. تؤمن ان الدائم الإلهي يرافقك ويجعلك موافقا إيّاه ومرافقا. الرجاء هو الثقة بأن الله موافق لذاته لأن الزمان لا يغيره. ويبقى على تغييراتك مرافقا إياك.

ليس الرجاء الاعتقاد ان الغد بما يحمل من متغيرات أفضل من اليوم ولكن بمعنى ان الله بمحبته واحد مع نفسه اليوم وغدا. ومن هذا المنظار ليس الرجاء غير الإيمان. فلكون الله هو إيّاه يعطيك اليوم ما أعطاك بالأمس. أنت مؤمن بشيء واحد وهو ان الله أمين لنفسه. من هذه الزاوية أمكن القول ان الرجاء هو إيّاه الإيمان.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

لماذا أكتب؟ / السبت في ٢٥ تموز ٢٠١٥.

أنا المؤمن أكتب لأن الله فوضني بذلك، لأنه يكلم كل الناس ببعض من الناس. أنا لا استطيع ان احتفظ لنفسي بما أخذته منه. «بلغ، انك مبلغ» فالوحي للناس والرسول رسول اليهم. أنت كلمة الله تحضنها وتعطيها. وما استودع رسول كلمة لنفسه.

من أحسّ انه ملهم مضطر على التبليغ. الله يكلم الناس بالملهَمين. إذا أمرهم يكتبون أو يتكلمون. لا يعطي الله دائما كلمات. إذا أراد التبليغ يلهم. ومن استودع الكلمة لا يستطيع حجزها. وإذا حجزها يخون. هناك من يتكلم باسم الله ولست أريد فقط الأنبياء أو المرسلين. أنت ان كنت مؤمنا كبيرا تميز بين من يبلغك كلمة من الله وكلمة من عنده. وان كنت عميق الاحساس بالله تقبل الكلمة التي من عند الله. والكاتب ان كان حقا مؤمنا يعرف ما جاءه من عند الله وما جاءه من نفسه. إذا جاءه القول الإلهي وعرفه يبلغه تبليغا آمرا والا يلازم الصمت. الإلهيون لا يكتبون من أنفسهم ولكن مما استلموا ويعرفون بوضوح الفرق بين الذي نزل عليهم من فوق والكلام الذي من الدنيا. وإذا قبض عليهم الإلهام يضطرون إلى الكلام والا أحسوا بالموت. وأمام الملهمين تحس بالخيانة ان لم تتبعهم. ان كان الله معك واقتنعت بذلك اقتناعا كاملا لا تستطيع ان تناقش. تنقل ما جاءك وان كانت كلمتك حقا كلمة الله ولم يأخذها من اقتنع بها يموت موتا روحيا. الله لم يكلمنا فقط بالكتب المقدسة. فكثيرا ما يكلمنا بالصادقين وبالأبرار. صعب عليك ان ترفض كلمة بار. الخوف ان فعلت ان تموت موتا روحيا.

الحقيقة ان الرب لم يكلمنا فقط بالكتب الموحاة. هو يكلمنا أيضًا بالناس المقدسين بما قالوا أو بما سلكوا. هذا ما يسميه المسيحيون شركة القديسين. عندنا من لم يقرأ الكتاب الإلهي مرة لأنه أمي. له ان يصل إلى معرفة الرب في القلب. الله ليس مقيدا بكتاب.

ولكن هناك من يقرأ. وإذا عرفت الكتابة فعليك ان تكتب. وقد تظن ان أحدا ممن حولك لا يقرأك ثم يكتشف المتتبعون آثارك ان ثمة من قرأك.

أكتب وقد تلحظ ان قراءك قلائل. لا تخشَ. قد يأتي من يقرأك. هذا ما حصل لي منذ خمسين سنة إذ كنت طالبا في بيروت ومستأجرا غرفة في أحد منازل الأشرفية القريب من الجامعة وفي غرفتي كانت مكتبة عظيمة من القرن التاسع عشر وتأثرت ان قلة طالعت ما فيها. ما كنت أعرف ان رجلا من ذاك العصر يعرف الكثير الكثير. هل كان هذا يحسب ان شابا سيأتي بعده ليستأجر غرفة في بيته ويقرأ فيها كتبا بالعربية وغير العربية ويتجدد فكره بها؟ غالبا ما ظن انه يترك المكتبة لأولاده وأحفاده. لم أعرف عنهم شيئا. أنا صرت إذا وريث هذا الرجل.

أكتب ان استطعت لمن يأتي ويقرأ. ما من كلمة تموت. إذا جاءتك كلمة الله خذها واحفظها وبلّغها. لا يحق لك ان تحتفظ لنفسك بطيات الفكر. الفكر فيك عطاء من الله. وزعه، هذا أمر إلهي إلى ان يقبضنا الله في رحمته.

أنت مؤتمن على الفكر الإلهي الذي استقر فيك أي انك مأمور بتبليغه. الحقيقة ليست ملكا لك.

أنت تكتب لأنك مؤمن بأن أحدا سيأتي ويقرأك ويصير بهذا إنسانا سويا. تكتب لأنك تحب من لم تره عيناك. ان كان في فكرك شيء لا تتركه لنفسك. أنت لا تعرف بالضرورة قيمة ما عندك. دع الآخرين يقبلون إلى ما تركت. الكاتب من أحب وترك للناس كلمات قد يحيون بها. هو يستخلف ناسا لا يعرفهم. المعرفة محبة ليس فيها انسباء. أكتب ومت. قد يأتي من يقرأك ويحيا.

فكرك ليس ملكا لك. هو وديعة وفي الكتابة يأخذ الوديعة من استطاع. أنت في الكتابة ليس لك نسيب. الناس كلهم عيالك بدّد إذًا ما عندك ليحفظك الله عنده. ما من سطر فيه فهم لا يظهر يوما أحد لا يكون له قارئا. أكتب ولو بدا لك انك تبدد. قد يأتي يوما من يقرأك تعيش روحه بما قلت.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

عقل وحب / الجمعة في 17 تموز 2015

الله عاقل ولكنه ليس تحت العقل. أنت تحبه. هذا لا يعني انك تجعله تحت المعقولية. غير ان الكتاب قال: «الله محبة». هل أراد في هذا تعريفا عنه أم أراد ان المحبة هي ذاته؟ فكر الآباء ان الله لا يدخل في المعقولية لأنها تحده، بأي معنى يكون إذًا حبيبك وأنت لا تسعه؟ واضح ان العقل ليس عنده جواب واننا في الرؤية.

من كل ما كتبه يوحنا رسول المسيح يفهم انك لا تقدر ان تعقل الله. ان تعقله في اللغة تعني ان تجعله تحت العقل أي ان تقيده بشريًا. لذلك كنت دائما في ضيق أمام محاولات الفلاسفة ان يثبتوا وجود الله. ولنفرض جواز هذا. كيف تكون العلاقة بينك وبينه بالعقل؟ لماذا أراد فلاسفة الدين ان يثبتوا الله بوسائلهم؟ أليس هو المعطى الأول الذي لا يحتاج إلى تأييد عقلي؟ لماذا لا يكون حبنا له وسيلة لمعرفته؟ لماذا الحب أدنى من العقل في الإدراك؟

هذا هو طغيان العقل اليوناني على الفكر انك تحتاج إلى أدلة في تعاطيك الله. العقل اليوناني طغى. لماذا تريد برهانا على الله؟ أليس الله اسطع من البرهان؟ يلفتني القرآن عندما يقول: «قل هو الله أحد». لا يطلب إثباتا. يطلب اعترافا. أليس هذا هو طغيان الفلسفة اليونانية علينا ان نسعى دائما إلى الأدلة؟

المسيحية في أدب يوحنا الرسول قالت ان الله محبة أي انها عرفته بها. ما اكتفت بالقول انه محب، هذا يعني إذًا ان من أحب يكون في الله. المسيحية تاليا في أعلى كلام لها ما أدخلت مقولة العقل في الحديث عن الله ولا إذا اعتبرتم ان قول الكتاب ان الله هو الكلمة في التعريف كما ورد عند يوحنا هو في الصميم يعني ان الله هو العقل الأسمى الذي لا يبلغه عقل بشري. من هذا المنظار وجب القول ان في الله وحده العقل والحب واحد.

إذا كان العقل في الإنسان خاليا من كل خطأ يمكننا القول انه واحد مع الحب. غير ان ميل الفلاسفة اعتبار العقل كاملا لأن الفلاسفة القدماء لم يعرفوا المسيحية وما عرفوا انها كانت ترى خطايا البشر تدخل إلى العقل وتشوهه. مشكلتنا ان الفلسفة اليونانية وهي سابقة للمسيح طغت ولم تعرف خبث الخطيئة وانها قادرة ان تسيء إلى العقل دائمًا. لذلك نرى نحن أتباع المسيح ان العقل يحتاج إلى تصحيح الحب له، الحب الخالي من الشهوات. إذا صححت المحبة قلبك يلتقي العقل. ولما كان آباؤنا في الإيمان يتكلمون عن العقل أرادوا انه الفكر المحرر من الشهوة.

المحبة في أعلى مقامها المحررة من الدنس هي الفكر بمعنى انها الرؤية إذ المحبة عندنا تعني اللصوق أولاً بالله بحيث لا تكون لك رؤية الا رؤيته ولذلك في كنيستي بنوع خاص لا نعتبر أحدا لاهوتيا بالمعنى الكبير الا إذا رأيناه قديسا. الشرق المسيحي لا يعرف الفصل بين العقل والقلب. القلب ليس عندنا ارتعاشات. هو الرؤية.

أهل الغرب يقولون انهم يثبتون الله بالعقل. نقول نحن لهم نقبل كلامكم إذا أردتم انه العقل المحب. اليونانيون القدماء أنفسهم لم يفرقوا العقل عن المحبة. هذا التفريق ابتدأ في الفكر من بعد ديكارت.

عندما تقرأ جيدا وعميقا آباء الكنيسة لا ترى انهم يفرقون بين العقل والقلب. ما كان العقل أبدا عندهم تلك القوة الذهنية المستقلة عن العاطفة. وما فهموا العاطفة ارتجاجات في الذات. لذلك لم ترد لفظة القلب عند الأقدمين مرادفة لما تسميه اليوم العاطفة ولكنها دلت على كل القوة الداخلية في الإنسان عقلا وقلبا.

العاطفة تحتاج إلى فحص إذ قد تدخلها الضلالة. ليس عندنا في ذاتنا مرجعية الحقيقة. الله هو المرجعية. الضمير نفسه يخطئ. الله مرجع الضمير.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

مولدي / السبت في 4 تموز 2015

ولدت في 6 تموز. هذا يهمني لأتذكر نواقصي والتي لا تزول الا بالموت. أنت في الطبيعة ابن والديك. ولكنك تصير مولودا من الله إذا شئت. كلمة لا يستسيغها المسلم لأنها في أذنه تتصل بالولادة البشرية. المسيحيون أدركوا المعنى الروحي للكلمة: تسعون سنة انقضت وأنا في ضعفي. المسيحيون يعيدون لقديس في ذكرى موته وهذا لإيمانهم ان حياته الحقيقية ظهرت شهادة من بعد موته. نحن المسيحين المشرقيين من فترة قريبة ما كنا نقيم مولد أحد منا. كنا نقيم ذكرى موته إذا اعتبرنا انه شهد للحق في حياته.

المولد مجرد وعد لذلك لا تقيم الكنيسة عيدا الا ليوم انتقالنا من هذه الدنيا لأنه التقاؤنا بالله. قبل ذلك الإنسان وعد. لذلك المحافظون في كنيستي لا يهتمون لمولد قديس ولكن لتاريخ موته. كل إنسان وعد والكنيسة لا تطوب بارا الا بعد موته. أهلي لم يذوقوا الحضارة الغربية. لذلك لم يعيدوا لمولدي. عيد الإنسان في موته. لا تعيد لك الكنيسة الشرقية في ذكرى ميلادك فالميلاد عندها المعمودية. بعد اتصالنا بأهل الغرب أي من فترة قصيرة بتنا نعيد لمولدنا. قبل ذلك ما كنا نعرف الا القديسين وأعيادهم. من تكون لنعيد لك في يوم مولدك من امرأة؟

قبل ان تتحقق بالمعمودية تكون من البشرة. وجودك الكبير لا يأتيك منها. البشرة وعد كل شيء من النعمة النازلة عليك من فوق.

في الإيمان المسيحي أنت ابن الله في الخلق. الفداء يعلن بنوتك. المسيحية تصر على إعلان الله أبا لأنها ترى اننا مولودون من الروح القدس أي من الله. وإذا قلنا انك ابن الله فانما نعني انك من جنسه. هذا لا يعرف معناه الحقيقي الا الله. ولكن في الذوق الروحي نعرف اننا من جنس الله. هذا طبعا لا نفهمه الا بالحب إذا سكبه علينا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

المجمع المقدّس الأرثوذكسي / السبت في 27 حزيران ٢٠١٥

أنت، كاتبا، تأتي من الأبدي وتقوله في الحال. ان أتيت من الحاضر تكون صحفيا. ولكنك لا تكون كاتبا عظيما الا إذا قلت الأبدي باللغة الحاضرة والا كنت مجرد راوية للقديم أي ناقدًا في أحسن حال. ولكن الكاتب الذي لا علاقة له بالقديم أي بالأبدي يكون صحفيا تفها إذ الصحفي العظيم يأتي أيضًا من قديم الأزمنة أي من أبدية الحقيقة.

مشكلة الكاتب الديني انه لا يستطيع ان يتجاهل الماضي إذ لا يأتي أحد من زمانه فقط ولا يقدر ان يجتر الماضي. اليوم الأساقفة الأرثوذكس مجتمعون لمناقشة شؤون الكنيسة كما هي مطروحة وغالبا ما يكون فيها بحث الانتخابات في الأبرشيات الشاغرة. وهذا دائما بحث دقيق يحق للمطارنة ان يختلفوا فيه لأنه قائم على تقدير كل منهم للمرشحين المطروحة أسماؤهم. وهذا الاختلاف من طبيعة البشر. الأسقف الناخب له تقواه وله خبرته وثقافته اللاهوتية وهذه كلها تختلف بين أسقف وأسقف.

طبيعي ان نختلف في الإدارة الكنسية بسبب من اختلاف الرؤى بين الأساقفة وتباين العواطف، هذا ما عدا النزاهة المفروضة عند الناخبين. لا يجمع كل المطارنة على رؤية الأحسن. فإن بينهم اختلافا في التقوى وفي العلم والخبرة. وهذا الاختلاف يحاولون تذليله ما أمكن بتبادل الفكر فيما بينهم ولكن وحدة الرؤية لا تحصل دائما ولو صلوا إذ الخيارات في أحوال كثيرة تكون محسومة.

يصلون في بدء اجتماعهم على رجاء استلهام الله. ولكن هل تقبل القلوب نعمة الله اذا نزلت؟ هذه صعوبة الفكر في كل مجتمع يعتبر صادقا انه يستلهم الله.

الكنيسة الأرثوذكسية صعبة إدارتها لأنها قائمة على اتفاق مطارنة مجتمعين. والمطارنة بشر مختلفون في العلم أولاً وفي الخبرة وفي الاطلاع على سيرة كل مرشح للأسقفية. رؤساء الدين ولو أتقياء يمكن ان يختلفوا. انتخاب المطران والبطريرك مهما فعلنا يبقى انتخابا بشريا نسعى فيه سعيا أخلاقيا. وليس من انتخاب يضمن وصول الرجل الأصلح.

المجمع المقدس يبقى محاولة بشرية في المنطلق ما لم تنزل نعمة الله وتغير كل شيء. النظام المجمعي بلا تفرد سلطان يبقى الأفضل إذ لا بد ان تتوافر فيه نيات سليمة وعالمة. كل نظام في العالم بشري ويحمل ضعفات البشرة. ولكن في المبدأ عندنا ترجيح على ان الأكثرية تخطئ أقل من الفرد.

النظام الأرثوذكسي دقيق جدًا وصعب وأظن ان صعوبته الكبرى في هذا انه يفترض ان الإدارة الكنسية هي دائما في أيد طاهرة وقلوب مؤمنة وعقول ذكية.

التقاء المطارنة هيئة واحدة يدعى مجمعا مقدسا. هل هذا النعت يأتي من تصديق ان الله يلهم الأساقفة دائما وانهم دائما يطيعونه؟ مشكلتنا ان كل اجتماع بشري فيه من البشرة أي الانفعالات. القديسون قلائل. ولكن ليس لنا خيار الا النظام المجمعي. الناس كلهم يحسبون ان المسؤولين إذا اجتمعوا لهم نصيب معقول من قول الحقيقة والإتيان بأفضل الحلول. في حكم الفرد تسطع المصالح الفردية. مبدئيا إذا كثر المجتمعون يقتربون من الحقيقة. يمكن ان تقتنع بحكم الفرد إذا ثبت انه قديس عالم. ولكن الناس مقتنعون ان كثرة الآراء إذا صدق أصحابها وتطهروا ترجح الحقيقة وليس عندنا في الحقل الفكري في هذه الدنيا الا الترجيح.

قناعة الناس جميعا ان الكثرة أقرب إلى الحقيقة من الفرد الواحد وانها غالبا هي الأضمن. ليس لأحد إذا تكلم تأكيد من الله انه على حق. الفكر بما فيه الفكر الديني مسعى. ما من أحد في الكنيسة يقول ان مئات الأساقفة إذا اجتمعوا هم آليا على حق. هذا تعرفه بعد اجتماعهم وبتصديق مجمع لاحق. ولكن هذا أيضا غير مؤكد بالمطلق. ما من مجمع بحد ذاته له ضمانة العصمة. العصمة تؤكدها الأجيال اللاحقة. الناس ناس. المجمع مسعى وليس ضمانة بمجرد انعقاده بدليل ان أكبر قوة لمجمع مطارنة يتخذها من المجامع اللاحقة. الحقيقة المسيحية لا تظهر من آلية الاجتماع ولكن مما تبقى من قناعة في الكنيسة.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

ما الإنسان حتى تفتقده؟ / السبت ٢٠ حزيران ٢٠١٥

هناك من تشتاق كلامهم. تريد ان تسمعهم قبل ان يموتوا لإيمانك بأن ما يقولون فيه دائما حياة. هناك ناس كلامهم نزل عليهم. تفتقدهم حيثما حلّوا. أنت لا تعلم دائما من أين يأتي كلامهم وهم لا يعلمون. هم كلام من ليس له فم بشري. كلامهم لا يخرج منهم الا جرحا لهم. هؤلاء وحدهم كلامهم لقاء. لأن الله ينطق فيهم بصمت.

عندما تكون الكلمة فقط حبا تصل. لذلك يمكن ان تتواصل أحيانا بصمت وفي الصراخ لا تتواصل. وفي الحقيقة اذا لم تصر أنت الآخر الذي تواصله لا تخرج منك كلمة. ليس الكلام دائما في ما تقول. هو في ما تحب. واذا لم يكن الحب لا ينفع النطق. الكلام اذا كان عقلا محضا لا يصل. القلوب كثيرا ما كانت موصولة بلا كلام. «قل هو الله أحد». أجل أدركتك وحدانيته بلا كلام ولكن الكلام يزيد قناعتك ويبلغ الآخرين.

«قل هو الله أحد. لم يلد ولم يولد». أفهمها ان ليس مثله واحد ولا يليه أحد في المنزلة اذ ليس من منزلة. ولكونه أحدا أنت له وحده ويستحيل عليك الشرك. يستحيل ذلك لأن الله لا يقع تحت مقولة أي لا يقع العقل عليه وأنت مخطوف اليه وفي الانخطاف تفهم. هو الحب والحب هو الفهم ويأتي العقل معاونا.

ما همك ان تقول كلامك الذي تظنه صادرا عنك؟ لماذا تحس ان كلام الله يملى عليك؟ من تكون حتى لا تقبل كلام حياة أفضل مما أنت تقول. دائما كان عندي مشكلة مع القائلين ان بينهم وبين الله عداء. الحوار بين متعادلين. أأنت لا تعرف انك دون الله. واذا تكلّم كبار المؤمنين عن حوار فلأنهم يريدون ان يعظموا الانسان ويقنعوه بأنه شبيه بالله لكي يطمئن اذا كلم الرب ان ربه لا يريد ان يسحقه. من قال هذا لا يعرف ان الحبيب يريد ان ينسحق.

الحبيب ليس له حضور الا عند الحبيب. لذلك لا يحتاج إلى ان يتكلم. ولكن اللاهوت يسعف ضعفنا اذ لا يكفينا القلب أحيانا وربما حاجتنا ان نخرج من أنفسنا بالكلام. هذه مشكلة الروحانيين الكبار انهم يريدون ان يبلّغوا وهم يعرفون ان التبليغ الحقيقي يقوم به القلب.

صعوبة التواصل بين الروحانيين ان الكلام يخون وان الاتصال بالكلام. في أوج العلاقة بالروح لا تحتاج الا للروح ولكن هذا صعب في دنيا الكلام. هذه جدلية صعبة ان المحبة تصل بك إلى الكلام مع ان الكلام يخونها.

هذه هي الحقيقة والصعوبة معا ان الفكر لا بد له ان يصير جسدا أي كلمة مقولة ليصل. واذا وصل الكلام في عمقه يكون الحب ويعطل التعبير. هذه هي مشكلة الفصاحة انها تبطل القلب واذا بطل ماذا يبقى؟

ما الإنسان حتى تذكره وابن الإنسان حتى تفتقده؟ هذا السؤال المرفوع إلى الله رده الله عندما نزل إلى الإنسان بالتجسد، قال بهذا ان الله يجعله عديله بالحب. واذا فهمنا ان الحب من الله ماذا يحل بالحب عند الناكرين؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الكتابة معية / السبت ١٣ حزيران ٢٠١٥

كل من كتب يحاور. لا يكتب ليقرأ نفسه. انه يجعل ذاته في معية أو يطلبها لإيمانه بأن ما قاله من الله وان هذا القول يجب ان ينتشر. الكتابة في طبيعتها تفاوض، لقاء.

يكتب لأنه يحب ان يعرف الناس قوله، لأنه يسعى إلى مشاركتهم أي ان يقول حبه اياهم أو انه يلتمس محبتهم. الكتابة عمل من أعمال الحب الذي هو في كشف الحقيقة. أنت اذا أحببت تقول الحق. لذا جاء في القداس البيزنطي: «لنحب بعضنا بعضا لكي نعترف بآب وابن…» فيكون المعنى ان المحبة شرط الكلام الحلال. وهذا ينفي الظن الشائع ان المحبة شيء والعقل شيء واذا آمنا بهذا حتى النهاية نقول انك ان لم تكن في حالة حب لا يجوز لك ان تتكلم.

أنت تخاطب دائما ناسا تحبهم. وان لم يكن في خيالك وجوه لا تتكلم اذ يأتي عندئذ حديثك لغوا. ان تكلمت قل الصدق دائما لئلا تكون جرحت إنسانا حاضرا أو غائبا. أنت، كاتبا، تسعى إلى إيصال الناس الى الحقيقة. انها الجامع الوحيد بينك وبين الناس. وللناس عليك حق وهو ان يفهموا ان الحقيقة مما تقول وان غابت عنك اخرس. انها العلاقة الوحيدة بينك وبين الناس لأن إيصالها وجه من وجوه المحبة.

وإن لم تحب تقع تحت الدينونة. لك ان تكتب ضد أفكار بعض الناس ولكن لا يجوز أن تكتب حاقدًا إذ يعسر جدً على الحاقد أن يقول الحقيقة.

المبغضون لا يستطيعون أن يكتبوا. اذا كنت تحت تأثير البغض لا تكتب إذ يكون هذا دائما شرًا. المحبة وحدها مبدعة عند الذين يتعاطون الكلمة. الحب شرط لها.

المحبة كل الوجود. انت لا ترى إلى وجوه الناس لتحبهم، ترى إلى وجه الله وحده. ولكن إذا منحت لهم قلبك لا بد أن يعودوا إلى الله. ابذل نفسك تجدها. احبسها عن الناس تفنى في قوقعتها. اعط ذاتك تر ان الرب حافظها. لا تموت نفسك بالحب. سر الله فينا أننا نحيا به من موت شهواتنا ويحيا بنا الآخرون. الحياة ليست بعد كل موت. هي من الموت المبذول حبًا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

غسان تويني / السبت في ٤ حزيران 2015

صعب على صديق ان يقول في صديقه قولا حلالا. وإذا كان الكلام في حياته أمرا عسيرا فيمسي بعد فراقه شبه مستحيل ولكنكم أردتم شهادة اعتبرتم انها علي واجب. هل المحبة تجعل الكلام عسيرا؟ غير انكم رغبتم في ان اتخطى العسر لاحتسابكم اني قادر على ان أقول الحق.

قبل ان يدرك الرجل العشرين وأنا كنت قد جاوزتها بقليل عرفت انه غير عادي وانك ولو فتيا ينبغي عليك ان تقاربه بوقار. معنى ذلك على ما أرجو، ان أكون صادقا والا يكون في المودة مبالغة. إذا قلت ذكرى يفهم انك تجاوزت الوجه. انى لي ذلك وغسان وجه لست مستقلا عنه واحتسابي اننا جئنا إلى الحق مترافقين قبل ان ندرك العشرين.

صعب الكلام عن موت بقي عندك مرا ولكن الأيام تنقضي وعليك ان تستبقي حلوها حتى لا تموت أنت. اظن اني احتفظت بشيء من الهدوء في الكلام عن هذا العزيز لأتمكن من الحق. غير انه ذهب. صعوبتي في ان الرجل كان عظيم الخلابة وان الخلابة تعرقل تعبيري. وما زاد في صعوبتي اني عرفت غسانا في احتدام محبتي للمسيح وكان لا يزال في المسيح فتيا. واظن ان فتوته هذه بقيت في ذهني وقلبي ولست مستعدا لبرودة فيّ أراه عليها. وأنا عارف بأني أموت قبل غسان لكوني أسنّ غير ان ربكم يرتب الأعمار.

هل مشكلتي مع سن غسان لأنه أفتى وان لم يكن بكثير؟ نمضي، كلنا يمضي ويجمع الله وجوهنا في الرحمة اليوم وغدا حتى تزول السماء والأرض. ثلاث سنوات كثيرة وبعض الأحبة استدعاهم ربهم ورقدوا في الرحمة. ليس لي مكان واحد مع غسان ولكن متى ألقاه؟

كل ما مضى ذكرى. إلى متى اللقاء؟ ثلاث سنوات كانت كثيرة وكثيفة ولكنا جميعا إلى موت ونلتقي فقط في رحمة ربك.

بعض من فرحي اني التقيت غسانا وهو دون العشرين وكان يتفتح للإيمان بعقله بعد ان شاهده في قلبه في الفتوة. واظن انه على نضج هذا العقل بقي على رؤية ربه في شباب ظل عليه. ما كان يذهلني في انه حافظ على إيمانه وأدركه إدراكًا أكبر لأني أعرف مصدره في العائلة وفيها مصدره قلب أمه ولكني أعرف أيضًا ان بعضًا منه كان يتضح له في الجامعة وان شيئا من عمقه كان يجيئه من رفاق له. إيمانه في كنيسته التي عرفها بخاصة من أمه مع اعتقادي ان أباه كان في حقيقته مؤمنا.

كنا في مطالع الأربعينات شبانا طلابا في بيروت نصلي في دير البلمند وغسان معنا ومرة ترك إليه ان يؤم الصلاة فسمعته لا يتقيد بالصلوات التي بين يديه ولكنه يؤلف وكنا نتعجب ان شابًا غير مشهور بالتزامه الكنسي كان يقول كلمات إلهية غير مدونة في الكتاب الذي معه. الأرثوذكس يحبون الصلاة المكتوبة ولكنه لم يتقيد بها ولم يخرج عنها. كيف كان معنا ولم يكن منا؟ ربما كان سره عندي كما كنت أراه آنذاك في بدء معرفتي به انه كان من العصر ومع ذلك ما كان من قراء كتبنا. هكذا تكون الأشياء ان آمنت بأن الرب حر ان يتجاوز ما كتب وما استقرأ وانك تأتي إليه منه دون ان تعبر الكتب.

غسان تويني كان خلقا جديدا من حيث انك لا تعرفه من الكتب ولا مما قيل عنه. هو من أولئك الناس الذين يجب ان تحبهم لتفهمهم. هذا طبعا يعرقل الذين يهتدون بالعقل وحده. ولكن نحن المؤمنين لنا وسائل أخرى للفهم.

عبر غسان تويني هذا الوجود حرا من كل المعوقات مرتبطا بالرب أكثر مما يظن بعضهم ولكنه خفر ولا يتلفظ بالإلهيات كثيرا على طريقة الأتقياء.

ذهب غسان وأنا عرفت إيمانه. ليس الذين يمارسون قليلا قليلي الإيمان بالضرورة. المؤمن يعرف عند الملمات. وغسان رجل الأوجاع كما يقول الكتاب عن السيد. وأعرف انه كان لا يقرأني وأنا لم أكتب عنه كثيرًا. الصداقة كانت تمنعني عن ذلك.

ذهب غسان ونحن حافظوه وحفظة لتراثه وأنا احفظه كما كان عندما كنا نجتمع في حضرة أمه أي عندما كان قلب كل واحد يتكلم مع اننا كنا تعلمنا شيئا من العقل. كان يؤمن بشارل مالك وتتلمذ عليه. كنت على مودة مع الدكتور مالك ولكني تتلمذت في أماكن أخرى.

ذهب غسان وإذا صح التعبير أقول ان هذا كان عندي مؤلمًا لا من ناحية عاطفية وحسب ولكن من حيث اننا تلاقينا روحيا في انضمامنا الواحد العميق إلى كنيستنا قبل ان تكون معروفة عند الخاصة من المفكرين. الموت صعب أيضًا عند الذين يحسون انهم واحد في الفكر وليس فقط في العاطفة. مشكلتي مع بعض الذين ذهبوا عنا ليست في انهم تواروا ولكن في اننا غير قادرين اليوم على التخاطب. المواجهة في هذه الدنيا أمر طيب. تعزيتي في غسان كثيرة الوجوه ولكن واحدا منها انه إذا اصغى وإذا تكلم ترى نفسك مع عقل وقلب.

السماء إذا أدركناها تنهي هذه الأوجاع. الكثيرون سوف يدركونها وهم لا يعلمون. هل إيماني كبير إذا لم أحسن ان اجتمع إلى رفاقي لكوني سألقاهم في الملكوت ولكوني قادرا على الانتظار؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الروح النازل الينا / السبت في ٣٠ أيار ٢٠١٥

في اليوم الخمسين بعد القيامة نزل روح الله بشكل لسان ناري على كل من التلاميذ المجتمعين في العلية. وقال الكتاب الروح اتخذ شكل لسان ناري ليقول ان الله ضؤ. وان الضوء فينا وليس فقط علينا.

ومن خلال الرمز عنى ان المسيح دائم بالروح القدس أي بالكلمة أولاً التي هي للجميع وداخل كل شخص. أجل هو كلمة واحدة لكل الناس ولكنه فريد في كل واحد. ان الرب على وحدانيته وعدم انقسامه يستدخل نفسه فيك وتستطيع ان تقبله. الواحد في جوهره يكون لك أنت بصورة خاصة. أجل ان المسيح واحد في جوهره ولكنه يصبح مسيحك أنت بمعنى العلاقة الفريدة التي يقيمها معك.

صح انه واحد ولكن لك أنت ذوقك له والآخر له ذوقه. هناك وحدة في عطائه ووجوه له حسب اقتبال أحبائه له. بمعنى دقيق أقول ان لكل واحد مسيحه. هذه ليست صورة مختلفة ولكن المعنى ان لكل منا صلته الخاصة بالمسيح. وهذا هو العشق الإلهي.

سر المسيح انه واحد في الجميع ومع ذلك هو مختلف الوجوه لأن لكل منا اقتبالا له خاصا أو ذوقا له خاصا. السر ان السيد يحبنا جميعا بمحبة واحدة وكل يقتبلها حسب مواهبه. وله فهمه لها أو تذوقه لها.

فرادة عيش الله فيك انه يوحدك بالآخرين ويبقيك قريبا منه. كيف تكون لك قداسة واحدة مع الآخرين ولك شخصيتك في القداسة؟

هذا هو السر ان الذين هم للمسيح متشابهون حتى الوحدة وان لكل منهم فرادته. المسيح يجمع ولكنه يهب التنوع أيضًا. تبقى فريدا وأنت غير منفرد، معا ولكن بلا انصهار.

المؤمنون ليسوا جمهورا. هم وحدة وكل فيها فريد. كيف تكون شبيها بالآخرين وليس مثلك شيء؟

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

خميس‭ ‬الصعود / السبت‭ ‬٢٣‭ ‬أيار‭ ‬٢٠١٥

خميس الصعود الذي أقيم منذ يومين مجهول معناه كثيرا عند عامة الناس مع انه على كثافة الأعياد الكبرى عندنا وفي تقديري أن إعراض الناس عنه انهم يرون ان كل شيء عند المسيح ينتهي بقيامته. غير أن الرؤية الكنسية المجسدة في الأعياد ان الصعود مواز للتجسد اذا اعتبرنا التجسد نزولا إلهيًا على الأرض.

ولكن إذا عزلت نفسي عن العقيدة مؤقتا بحد نفسها لأرى نتائجها في الفكر أفهم أن صعود المسيح هو كلام عن صعود جسده إلى السماء. ولكن ما معنى ان يصعد والمسيح الإله ليس محصورا في مكان؟ الفكر وراء العبارة ان الإله الكائن في المسيح اتخذ البشرة اليه ولكونه ألهها -وهذا معتقدنا- صارت واحدة مع الطبيعة الإلهية دون اندماج بها أو انصهار أي بتمايز الطبيعتين. هذا هو سر المسيح الذي لا نسبر غوره.

هذه هي قدرة المسيحية انها تتكلم عن اتحاد الانسان بقوى الإله غير المخلوقة دون ان تنصهر بها. نحن نقول بالتجسد ولا نقول بالحلولية أي لا نقول بانصهار الطبيعتين. هذا سر لنا وأمامنا ونلتقطه بالقلب ولو فاق معقولنا ومعناه اننا، حقيقة، في الله وما ذبنا به. بيننا اتحاد وتقابل بآن. غير ان فرادة العقيدة عندنا اننا لا نقف عند مجيء الله الينا بالتجسد بل نضيف اننا نعود إلى الله ليس فقط بالروح ولكن بالجسد القائم من القبر. وهذا من منطق اللاهوت عندنا. فإن الله نزل لكي نصعد ومعنى ذلك ان الأقنوم الثاني صار إنسانا لكي يصبح الانسان إلها لا بمعنى اتخاذه جوهرا إلهيا لأن هذا يكون ذوبانا في الله ولكن بمعنى اشتراكه بالنعمة الإلهية وهي غير مخلوقة.

ليس في العقيدة المسيحية جغرافية. فإذا قلنا ان السيد نزل إلى الأرض لا نعني لحظة انه قام بانتقال مكاني اذ الله لا ينتقل. نعني ان الابن ضم اليه جسدا انسانيا في اتحاد لا نفهم طبيعته ولكنا نعرفه بالإيمان.

الإيمان معبّر عنه بقوالب بشرية. بغير هذا كيف يأتي الإيمان إلى الانسان. نحن نعرف محدودية التعبير اللاهوتي. نحن مضطرون إلى كلام وبلا كلام ليس دين. ولكن تتجاوز أنت محدودية الكلام بالإيمان. والذين بلغوا هذا التجاوز هم المؤمنون.

نحن لا نفهم فهما عقليا كيف ان المسيح في السماء ولكنا ندرك في قلوبنا المؤمنة انه فوق المكان والزمان لأنه حامل جسد القيامة. المسيحية عندها هذه الفرادة انها ترى المسيح حافظًا جسده بعد القيامة ولكنه جسد قائم في المجد أي غير خاضع لتقلبات الأجساد وغير قابل للموت. لا تستطيع انت ان تضع المسيحية في قالب عقلي ولكنك لا تستطيع أيضا ان تراها مناقضة للعقل. هي ترى شيئا آخر من العقل.

كيف نكون، نتيجة لذلك، نحن وأجسادنا صاعدين مع اننا لا نزال على الأرض؟ اذا خضعت للجغرافية لا تفهم هذا. اما الذين هم في المسيح فيفهمون كل شيء. أنت في مكان ولكنك ان كنت في المسيح لا تبقى محصورا في مكان.

ماذا نعني ان قلنا ان المسيح جالس عن يمين الآب؟ نحن لا نقصد شيئا مكانيا. نحن نعني ان جسده القائم من القبر له كل المجد الذي في الألوهة أي غير خاضع للموت وتاليا نعني اننا نحن أيضا مع الله لأننا بتنا في روحه.

إلى هذا إحساسنا في الروح القدس الذي صرنا اليه ان أحدا لا يقدر علينا شيئا.

العجب في هذا ان ترى انك من الأرض وفي حدودها وامكاناتها وانك تجاوزت الأرض بالإيمان. العجب انك في هذا الجسد ولست خاضعا لهذا الجسد. بمعنى عميق وحقيقي أنت ترى الله واذا لم تكن من أهل الرؤية لا نستطيع ان نعطيك الرؤية. هناك فئتان من الناس لا تلتقيان، الفئة التي تشاهد الله وتلك التي لا تراه. هذه هي الهوة الروحية بين الناس.

Continue reading