Category

2015

2015, جريدة النهار, مقالات

في الغضب / السبت ١٧ تشرين الأول ٢٠١٥

«اغضبوا ولا تخطئوا» لداود النبي تعني لي إذا أثاركم أحد إلى حد الغضب لا تبقوا عليه. أنتم ليس لكم شيء على من أثاركم. لا ترزحوا تحت الإثارة. اصفحوا وعودوا إلى الهدوء. أرادوا ان يثيروكم لتخطئوا. أمام هذا يقول الكتاب «اغضبوا ولا تخطئوا» بمعنى ان الثورة على أذى اصابكم معقولة ولكن الثورة على من أحدثها فيكم خطيئة.

عندما يقول صاحب المزامير: «اغضبوا ولا تخطئوا» لا يحلل الغضب ولكنه يريدانه إذا حل لا تذهبوا به حتى الكراهية إذ الصفح هو الوصية. وكأن داود يقول انه يفهم حدوث الغضب ولكنه يحصره في من غضب ولا يريده ان يمتد. بكلام أوضح أنت لا تغضب على الآخرين لأن في ذلك أذى. الإثارة ممكنة وطبيعية. ولكن ان تحل على آخر فهذا من الخطيئة. في مراقبتي لنفسي وللناس لا أعرف غضبا ليس فيه أذى لصاحبه وللغير. هو جواب غير شرعي عن جرح حصل إذ لا يقبل الله جوابا الا الغفران. من غضب عليك يجرح نفسه أولا. أنت تحزن لجرحه نفسه وأنت لك الله معزيا. إذا أثار أحد فيك غضبًا شديدًا تبكي لخلاص نفسه وتبقى نفسك حرة منه لها إلهها. عند غضبك تبكي على نفسك لا على من أغضبك لأن ما يريده الله شفاؤه. الغضب في كثرة الأحوال حقيقته ان أحد الناس مسّك وانتفضت لكرامتك كما تسميها.

عندما تثور لغضب أصابك تكون قد استعظمت الجرح الذي ابتليت به. تكون ضعفت وما حررت الغاضب من خطيئته. إذا جرحك أحد أذكر انه في الحقيقة جرح نفسه أولا. أنت لا تصيبك طعنة وجهت اليك الا إذا أردت ان تصير ضحيتها.

إذا غضب عليك أحد اشفق عليه وسامح انه يحتاج إلى حنانك ليشفى. من أساء إليك يصبح بإساءته محتاجا اليك. ادعُ ربك من أجله. في اسائته يبقى أخاك ولو لم يعلم. من آذاك اعلم الناس انه في حاجة إلى عطف ربه بواسطتك.

من يغضب لا يعلم ان شراسة الأذى لفاعله. المغضوب عليه يشعر انه هو وحده المجروح والحقيقة ان الجرح لاثنين. «طوبى لمن غفرت ذنوبهم وسُترت خطاياهم».

إذا غضب عليك أحد اشفق عليه أولا فإنه آذى نفسه قبل ان يؤذيك. جرح المغضوب عليه معرفته انه أقصي من الوجود أو أقلّه انك أقصيته عن قلبك. المحروم من المحبة قد يكون في غاية الحزن. لا تجعل أحدا في الصحراء. قد يموت اختناقا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

السلطة / السبت في ١٠ تشرين الأول 2015

لا أعتقد ان في فكر بولس الرسول تقديسًا مطلقًا للسلطة السياسية على ما قد يفهم من ظاهر الكلام في رسالته إلى أهل رومية بعد أن أعطى حكمًا يبدو مطلقًا من أن «لا سلطة إلا من عند الله» (رومية ١٣: ١). ليس الرسول في معرض موقف مبدئي. إنه يخاطب أهل رومية في ظرفهم. السلطة عنده سلطة رومية ويراها في خدمة الله وهو لا يتصور انها قد لا تكون كذلك. لا يمكن أن نعتبر كلام بولس في هذه الرسالة تقديسًا لكل سلطة سياسية أيًّا كان تصرفها. فالدولة في حكم الله وإن خرجت عنه لا قدسية لها. تبطل سلطة إن هي خلعت سلطان الله عليها. هل نتمرد على السلطة السياسية بالضرورة إن اقتنعنا انها خلعت سلطة الله؟ موضوع مفتوح وشائك. غير أن الثابت عندنا أن الفكر المسيحي يقول إن قدسية السلطة ليست قائمة دائمًا. تذهب وتجيء. وهذا يفتح موضوع التمرد على السلطة.

ليس إذًا من قيمة مطلقة لأية سلطة، هذا تابع لتحركها. السلطة تزول بالظلم لأنها تكون خالفت الغاية من وجودها. هل يجب أن تزيلها إن هي فعلت؟ سؤال مفتوح. الجواب الأول المبدئي هو أن سلام البلد هو الأساس وأنك أحيانًا تقبل بالظلم لأنه ليس الأسوأ. بصورة بسيطة أقول إن ليس من قدسية لأي نظام. المهم أولاً العدل بين الناس وثانيًا السلام الداخلي. إذًا لا قدسية لأي نظام قائم. القدسية لسلام الشعب والعدل فيه ليس من سلطة تأخذ شرعيتها من ذاتها. الشرعية فيها قائمة على قدسية ممارستها. لذلك أباح الأخلاقيون خلع السلطة أحيانًا. المعيار عندهم منفعة الأمة. ليس من حاكم صالح خارج ممارسته. أي ليس من قدسية للكيان السياسي. القدسية للممارسة فقط. القداسة للأشخاص وليست للأنظمة. لذلك في المبدأ يجوز خلع النظام إن سلك ضد سلامة الأشخاص أو حريتهم.

في الأخير السلطة ليست بالأشخاص القائمين على الحكم. هي في العدل وعند استبداد الظلم يحق لك أن تخلع السلطة إذ تكون قد فقدت شرعيتها.

يفترض بولس الرسول أن السلطة في خدمة الله للخير (رومية ١٣: ٨). إذًا غير صحيح اننا نخضع للسلاطين القائمة لمجرد أنها قائمة. ليس من ترادف بين السلطة والخير. لذلك أباح الأخلاقيون التمرد على السلطة السياسية في بعض من الحالات. كل فلسفة الديمقراطية انك تحكم على السلطة القائمة. أنت تخضع للسلطة القائمة إن كانت في واقعها مع الله. ولكن ليس من قدسية للجالس على الحكم لمجرد جلوسه. السؤال الوحيد المطروح هو هل الحاكم مع الله.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الأسقف / السبت في ٣ تشرين الأول ٢٠١٥

حتى لا تنقلب المقاييس أحاول ان أقول بعض الكلمات في هذا الموضوع. واضح ان الكلمة كما هي مشتقة من اليونانية تعني الرقيب أي الذي يشرف على الكنيسة تعليما ورعاية ليس فقط في المنطقة المولج هو بها ولكن في البطريركية وفي العالم فإنه أسقف العالم. ولئلا أوغل في التدقيق اللاهوتي أذكر انه رئيس ليس فقط في الأرض المنصب هو عليها وليس فقط في حدود البطريركية ولكن في العالم أجمع. الكبار الكبار من الأساقفة كانوا يهتمون لفكر المسيح وحيويته في الدنيا كلها.

في الكنيسة الرئيس الروحي موضوع في مكان ولو كان مسؤولا بالتضامن مع إخوته من كل مكان وليس فقط في الكرسي البطريركي ولكن في العمل وتدخله شرعي في حدود الرباط الأخوي ومطلوب من أجل البنيان. وهكذا إذا نشب خلاف في أبرشية كان يدعى أساقفة من خارجها ليساعدوا الذين في داخلها على التفاهم. والأهمية الكبرى المعترف بها عندنا لهذا الرجل انه مشرف على سلامة العقيدة أولاً وعلى المحبة بين الأساقفة الإخوة وليس أولا على عقد الزيجات وإقامة المآتم أو حل الخلافات. سلامة العقيدة ليست مسلمة فقط إلى أساتذة اللاهوت. المسؤولون الأولون عنها هم المطارنة ولذلك كان السؤال الرئيس المطروح عند انتخاب مطران ما إذا كان المرشح أستاذ لاهوت أولا فالأكاليل والجنائز أي من الكهنة يقوم بها ولكن التعليم ليس معطى إلى كل واحد. المطران أولا معلم وهذا في النصوص. ربما انتدب كاهنا ضليعًا من الإدارة يعاونه فيها ولكنه لا يستطيع ان ينتدب أحدًا للتعليم. الحفلات الدينية من أكاليل وجنائز أُخذت تستغرق الوقت ولذلك ضعف الاهتمام بالسعي إلى أساقفة متعلمين جدًا واكتفي بأن يتفرقوا في الإدارات وأحيانا في السياسة. هنا أذكر ان المطران أولا معلم أي لاهوتي وليس كل متخرج من المعاهد الدينية يصبح لاهوتيا. من لم يوهب اللاهوت موهبة يتعلمه بصورة سطحية. ولذلك أرجو الله ان يهب البطاركة والمجامع المقدسة في انتخاب أسقف ان يرتقوا في المرشحين على صعيد المعرفة الدينية العليا.

ربما لا يعرف بعض ان المطران هو أولا معلم الدين المسيحي في أبرشيته وهو مرجع العلم اللاهوتي. هذا في الأصول عندنا. لذلك لا يستطيع ان يتكل اتكالا كاملا على الأعوان في هذا الباب. يقولون لك هذا الكاهن مؤهل للأسقفية لأنه إداري. جوابي البسيط والمتواضع من كان إداريا فقط أي غير قادر على الوعظ والتعليم لا يستحق ان يصبح مطرانا. يكون هذا انتهاكا لقدسية كبيرة. الإداريات إلى حد ما يختبرها المنتخب أسقفًا بالتعاون مع زملاء. ولكن المعرفة الروحية واللاهوتية ان لم تتوفر في كاهن قبل رسامته لا يستطيع إداركها لأنها لا تأتي من درس فقط انها من مواهب الروح القدس. لذلك القول ان الروح القدس يساعد المرشح الضعيف ان يتقوى قول مردود. الروح القدس لا يخلقك من العدم لمجرد الرسامة. الأفضل ترك المركز شاغرًا من انتخاب لشخص غير كفوء.

ما ازيده على ذلك ان المطران الذي يعرف نفسه ضعيفا إداريا يختار معاونين له. في الكنيسة حكمة موروثة بحيث اننا إذا لمسنا قوة روحية كبيرة في كاهن نجعله أسقفًا يتعاون وآخرين يكملون. اما إذا كان ضعيفا روحيا فلا أحد يكمله. يجب ان نكون جديين جدا في انتخاب الأساقفة والمطارنة لأن الجدية لا تكتسب بعد الانتخاب ولا يتعلم الكاهن الضعيف ان يصبح أسقفًا لمجرد انتخابه. السؤال الوحيد المطروح عن المطران الجديد هو هذا: بين المرشحين للأسقفية الذين أمامي من خلقه الله مطرانا من بطن أمه. شغور المركز فترة من الزمن أفضل من ملئه بأسقف تافه. أنت لمجرد انتخابك أسقفا لا تصبح خطيبا أو معلم عقائد والمطران خطيب ومعلم وصاحب الصوت الجميل تعينه مرتلا أول في الكاتدرائية.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

نحو وحدتنا الإنسانية / السبت في ١٩ أيلول ٢٠١٥

الذين يحبون بعضهم بعضا لا يهجرون بعضهم بعضا. نبقى معا ونحاول دائما بالمحبة ان نلازم بعضنا بعضا. البقاء مع الآخر ونحن عارفون أخطاءه أو ضعفه أمر صعب. ولكن الله كشف لنا اننا إخوة واننا مدعوون ان نبقى عائلته أي عائلة واحدة به. الناس تجعلهم أنت إخوة لك ان أحببتهم. هناك دائما بعد بين الناس بسبب اختلاف القناعات والأمزجة ولكن الله أمرنا ان نرى ان الإخوة واحد ولو نسوا هذا.

كيف يتعايشون بسلام ان لم يؤمنوا ان الرب أحبهم وجعلهم واحدا؟ هذا عمل شاق في كثرة من الأحوال ولكن هذا ما طلبه الله لنعرف اننا أبناؤه. الأمزجة مختلفة بينك وبين الناس منذ الخلق وصعوبات الحياة زادت اختلافها ولكن البشرية لا تستطيع ان تعيش بقتال أو ببغض. والمحبة مسعى. هي لا تأتي معك من بطن أمك. تنزل عليك بنعمة الله أولا وبجهدك ثانيا. أي انها في تزايد ان شئت وشاء لك ربك الهناء.

أنت لربك وللناس الذين تعيش معهم وإلى هؤلاء تسعى أولا والأقربون إليك في المكان هم من تحب أولا. أنت لست عالما بحد نفسك. لست مغلقا. أنت تحب الناس ويحبونك وهكذا تتعايشون. وعليك أن تقترب منهم ليزداد حبك لهم ويزداد حبهم لك. المجتمع المؤمن هو هذا ناس يعرفون انهم إخوة أو جعلهم ربهم إخوة وهكذا يصيرون عائلة واحدة هي عائلة الله.

ولدتنا أمهاتنا مختلفين ولكن لنا ان نصبح عائلة الله بالمحبة. أبي غير أبيك وأمي غير أمك ولكن الرب يرانا واحدا ويلهمنا ان نحس بأننا إخوة.

الحياة بين الناس مسعى، تقارب. هي أنت وأنا وليست أنا مفروضة عليك. وأنا وأنت مختلفان منذ بدء مسعانا والمطلوب وحدتنا على اختلاف الأمزجة والقناعات أي المطلوب الوحيد المحبة التي تتجاوز الفروق الذي ولدنا عليها أو نشأنا فيها.

الوحدة الكاملة بين البشر ليست ممكنة هي مسعى ولكنه مسعى أساسي ان شئنا الا نتقاتل أو نتذابح. ولدتنا أمهاتنا أحرارا لنسعى إلى وحدتنا بالمحبة اذ ليس من وحدة أخرى. إرادة الخير للجميع والنمو العقلي والحب مسعانا جميعا ان شئنا الا يفنى الجنس البشري.

وحدتنا ان كنا مؤمنين هي صنع الله بنعمته ولكنها معه صنع رغبتنا في الخير لجميع الناس. الله خلق العالم وتركه لنصنعه بمحبتنا. الكون لا ينمو آليا من نفسه. انه بشر يبلونه بخطاياهم ويحييونه بمحبتهم.

الوحدة الإنسانية آتية بمحبتنا بعضنا لبعض. فكملها كل يوم بالعمل الصالح المجاني الذي نعطيه كل الناس فكلهم يحتاجون اليه ويصيرون به بشرا جددا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

عيد رفع الصليب / السبت في 12 أيلول 2015

«بالصليب أتى الفرح في كل العالم» هذه مفارقة لمن نظر إلى الظاهر. فالصليب هو الموت ولكنه في معناه وحقيقته مطرح القيامة وما قلت الطريق إلى القيامة. ذلك أنّ جسد المسيح المعلق على الخشبة كان منطلق انبعاثه بمعنى أنّ قيامته في اليوم الثالث ما كانت سوى كشف لنصر له تم كاملا على الخشبة.

وهذه هي المفارقة في المسيحية لمن أراد ان يفهمها ان المخلص أتانا بالحياة الجديدة في اللحظة التي علق فيها على الخشبة وتاليا نحن نحيا به بالموت أعني بإماتة أهوائنا والتوبة عنها. هذا هو السر أنك أنت، مؤمنا به، لا حياة لك الا إذا أمت شهواتك المؤذية وارتفعت بالبر والعشق الإلهي إلى وجهه الطيب. ما كان يلفت الوثنيين في زمن الاضطهاد انهم كانوا يرون عددنا يتزايد كلما قتلنا الوثنيون. في علم الحساب كان يجب ان ننقرض ولكن لماذا لم ننقرض وازددنا عددا؟ السر هو ان الحب الذي اظهره الشهداء بشهادة الدم كان يجلب الوثنيين إلى الايمان. ذلك ان تساؤل الوثنيين كان هذا كيف نرى هؤلاء المسيحيين في فرح وابتسام وهم في طريقهم إلى الموت.

هذا هو سر الصليب انك في آلامك من أجل المسيح كان يظهر الفرح عليك وكان المسيحيون يرتدون البياض عندما يموت واحد منهم. ما كانوا يعرفون الحداد. كل شيء عندهم كان فصحا. ورمز ذلك انك اذا تقدمت لتقبل الصليب في أعياده يعطيك الكاهن زهرة بدل القبلة.

ليس عندنا في المواسم التي يذكر فيها الصليب كثيرا أية إشارة إلى الحزن. ليس عندنا خدمة إلهية في طقوسنا فيها بكاء. أنت لا تفرق في المعنى بين صلوات الجمعة العظيمة وصلاة الفصح. نحن فصحيون في كل الأعياد.

عند تعميد الطفل يعلق في عنقه صليب للدلالة على انه مدعو إلى ان يسير مسيرة فصحية فيرافق المسيح من صلبه إلى قيامته انبعاثا واحدا. لذلك كان للشهداء عندنا تعييد كبير فلا أثر لحزن أو بكاء عليهم. عندما يعلق حول عنقك في المعمودية صليب فللدلالة على انك مدعو معا إلى الموت وإلى الحياة أو بصورة أوضح مدعو إلى الحياة الجديدة بموتك.

فإذا أقمنا عيد رفع الصليب نفهم اننا مدعوون كلنا إلى قيامة المخلص. نعبر بالموت ونتجاوزه في لحظة واحده.

لذلك كان من الخطأ التصور ان المسيحية ديانة الألم. هي لا ترحب بالألم. تلاحظه. هو يلازم الحياة. تتجاوزه برجاء الحياة الجديدة التي نلناها بقيامة المخلص.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

لبنان الحق / السبت في ٥ أيلول ٢٠١٥

أعني به الذي يعيش الحق ويريد نفسه فيه. حزني ان الناس يقبلون أنفسهم في الخطيئة ولا يرجون الخلاص منها الا في اليوم الأخير. ولكن المسيح قال: «أنتم الآن أنقياء بسبب الكلام الذي كلمتكم به». غريب في تصوري ان يقبل الناس أنفسهم على الخطيئة. فكأنها المحتوم الدائم. كل إنسان خاطئ هذا تقرير حال ولكنه لا يعني المحتوم الذي لا خروج منه ولو على الرجاء. الرجاء حرية.

صحيح ان لبنان وجود من بشر أي من خطأة ولكن هناك خروج من الخطيئة. الخاطئ له ان يتحرر طوعا من خطيئته. ليس هو واقعا في الجحيم إلى الأبد. له ان يتوق إلى الطهارة. والتوق من بدئه طهارة.

أكيد ان الوطن كيان من بشر أي من مجموعة خاطئين ولكن الخاطئ له ان يتوق إلى البر وبدء التوق تحرر. للغارقين في الخطيئة ان يحبوا تحررهم منها. الوطن إذًا له ان يسير إلى حريته من شروره وان يتوق إلى فردوسيته. هذا ليس من الخيال. واقع الإنسان انه مرمي بين الخطيئة والبر. البر فينا واقع كالخطيئة. والوطن الذي نعرف خطيئات أبنائه نعرف أيضًا طهارتهم. الوطن إذا شاء يأتي من الله إذ فيه ناس يتبررون. الواقع البشري ليس سماء بعد ولكنه ليس فقط جحيما. الناس متأرجحون بين سموهم وسقوطهم حتى مجيء المسيح ثانية.

لذلك ليس لبنان كاملاً ولن يكون لأن لبنان أبناؤه وليس شيئا آخر. ولا كيان له في رؤية الله الا إذا صار لبنان الحق. الشعراء أفسدونا. ظنوا ان البلد الذي تصوروه كله مجد وما أرادوا ان يعرفوا ان الناس يكونون البلد ليس فقط بحبهم ولكن بخطاياهم.

الوطن مرجو تحقيقه بفضائل أبنائه وحسناتهم. ليس معطى جامدا وليس شيئا يضاف إلى أبنائه. ليس هو تجمعا وحسب. هو رجاء لأنه يتكون. قد يتأخر أو يتخلف ولكنه كثيرا ما يتقدم في حسن ومعرفة. الوطن آتٍ لأن أبناءه صانعوه اليوم. البلد ليس شيئا آخر عن الناس. هو حسناتهم وهو خطاياهم وما يريده الله من جمالاتك والمبرات.

البلد في أعلى درجاته صنع القديسين. المعرفة والعلم ليسا كافيين لتكوينه. ان لم يكن الله سيد البلد فليس البلد بشيء. هو لا يحتاج إلى من يتغنى به. انه في حاجة إلى من يصنعه.

بلد بلا إله يعبده صانع نفسه والإنسان يصنع نفسه كثيرا بخطاياه. بلا إله البلد ناس تفهون يسعون إلى منافعهم وأمجادهم. الناس ليسوا من ذواتهم حقا. ربهم يصنعهم حاملي حق حتى يظهروا أمام الله في اليوم الأخير. بلا إله يحيا البلد به كان البلد حجارة وشجرا. ان كان الرب حقا فيك يكون في البلد كله.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

لبنان المرجو / السبت في ٢٩ آب ٢٠١٥

لبنان المرجو لبنان الحق. هذا يعني ما كان فوق التفاهم السياسي إلى ما هو وحدة القلوب. ان يقتنع كل منا ان الفرق باقٍ أساسًا ومرجو استمراره. لبنان كثير المناحي الفكرية وفيه ديانتان والدين منحى وجود ولا نستطيع بعلمانية سطحية ان نلغي اختلاف العقائد وهي فاعلة ولكنا قادرون ان نتجاوز تباعد القلوب إلى ما فيه وحدتها.

هل الوحدة هي، بالضرورة، العلمانية حسب المنهج الفرنسي أي ان نصرف النظر عن انتمائنا الديني؟ هل من حياد ممكن ان كنا مؤمنين أم ان الخلاص هو في قبول الفريق الآخر والاعتراف بأنه آخر وبأننا محاولون صادقين ان نعيش بعضنا مع بعض بلا قتال؟ هل وحدة القلوب تمنع التنوع في العقيدة؟ إذا كان التنوع الديني موقف كل فريق هل يمنع هذا التعايش الصادق والمحبة، هذا ما يجب ان تقدمه هذه البلاد نموذج عيش سليم صادق للإنسانية كلها.

لست أنكر الصعوبة النظرية في التعايش. قلت النظرية لأننا تعايشنا مقتنعين بعضنا ببعض أي قابلين بالاختلاف عائشين معا في المحبة وعرف الكثيرون منا امكان التلاقي بين الاختلاف في العقيدة والمحبة، تاركين لله الحكم علينا في اليوم الأخير ومجتهدين ان نعيش معا على الأرض في المحبة والتعاون صادقين وهذا ليس بالحلم لأن الكثيرين منا عاشوا محبة صادقة وعرفوا أن التعايش الكريم ممكن ومنتج. هذا كالزواج. أنت تعطى امرأة من بيئة مختلفة بالكلية ولكن بوعد الحب المشترك تصبحان واحدا. المحبة وحدها هي الوجود.

لا بد ان نتعلّم ان وحدة القلوب ممكن ان تنسجم مع تعدد الأفكار وتضادها. الوحدة ليست الانصهار. هي قائمة بين مختلفين ولكنهم على محبة واحدة. المحبة ليست بالضرورة في الاندماج، انها في تلاقي القلوب.

لبنان ثمرة اجتهادها. الوطن يُبنى ولا يُعطى نهائيا. المحبة تربيها فيك وفي الآخرين. بلدك ان أردته كبيرا تجعله كبيرا. تخلقه أيضا. الوطن مفهوم متحرك وموروث معا. الماضي لا يكبلك بالضرورة وأنت تشده إلى الآتي. الماضي لا يعمل وحده الوطن. أنت تربيه وتاليا تصنعه. هذا هو الرجاء.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الذين ذهبوا عنا / السبت ٢٢ آب ٢٠١٥

الذين ذهبوا إلى الرب هم معنا ونحن معهم في الصلاة. انها هي القيامة الأولى. التراب ليس بشيء. «المحبة أقوى من الموت» (نشيد الأنشاد). الرؤية طبعا وجود ولكنها ليست كل الوجود. القلب، بمعنى الوجود الكامل، لا يموت. فلا فرق إذا بين ان الله قبضنا بالموت وانه لم يقبضنا. إذا كان الله هو الوجود الكلي والكامل فلا معنى للموت الا من حيث انه من العالم الظاهر. كيف تتربّى على ان الباطن والظاهر واحد في الرب؟ الكنيسة الأرثوذكسية لا تقول ان الذين ماتوا هم في المجد. تقول انهم في الملكوت أي في سيادة الله عليهم. إذا كانوا في السماء فلماذا تصلّي من أجلهم؟ هم في انتظار السماء لأن المجد الكامل يأتي مع المسيح في مجيئه الثاني.

الذين ذهبوا يجعلونا معهم في صلاتهم. نحن قبل القيامة العامة لسنا في السماء. نحن في وعد السماء. فقط المسيح في جسده هو في المجد الكامل. الذين أخذهم ربهم عن هذه الأرض هم ايضا ينتظرون المجد الكامل عند عودة المخلص. ليس أحد في المجد الا رب المجد. القديسون أنفسهم تحت الرحمة. ليس من إنسان تمجد كاملا. له ان ينتظر مجيء المسيح الثاني. لأن الرب يريد ان يخلصنا معا مجتمعين. من ندعوهم قديسين ليسوا في المجد الكامل. انهم ينتظرون المجيء الثاني ليكملوا. لذلك لك ليس فقط ان تصلّي إلى القديسين ولكن لأجل القديسين لأنهم لم يكتملوا. الذين ذهبوا عنا يصلّون معنا على رجاء مجدهم ومجدنا في اليوم الأخير. توقهم إلى المجد هو توقنا نحن أيضا إلى المجد. ليس من كامل في السماء الا المسيح يسوع. أهل السماء هم أيضا ينتظرون المجد الظاهر عند مجيء الرب ثانية. لم يحصل أحد على المجد الكامل الا الشهداء لأنهم اتحدوا مع الرب بالدم.

الذين ذهبوا عنا في حاجة إلى المجيء الثاني ليكملوا. «لم يصعد واحد إلى السماء الا الذي نزل من السماء ابن البشر الذي هو في السماء». القديسون أيضا هم في انتظار السماء.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت في 15 آب 2015

المسيحيون التراثيون أي الأرثوذكس والكاثوليك لا يؤلهون مريم. هذه تهمة باطلة ليس لها أساس تاريخي. ما ساواها أحد بالمسيح. انه الوسيط الوحيد بين الله والناس وبه تحقق الخلاص وإذا قلّنا انها شفيعة فلا نحملها معنى غير انها تصلي من أجلنا وليس في معتقدنا انتقاص من اننا نرى ان المسيح هو وحده وسيط الخلاص. إيماننا بأن المسيح وحده مخلص العالم لا ينقص من اعتقادنا بأن الذين مجدهم الله واقفون في حضرته مصلين.

نحن ما قلنا مرة ان القديسين فاعلون الخلاص. هم أخذوه مثل كل الناس وما زادوا شيئا عليه. مريم ما رأت نفسها الا خادمة للرب. هل يظن حقيقة الذين يرفضون استشفاعنا للقديسين اننا ننتقص من إيماننا بأن الرب يسوع هو الشفيع الوحيد بين الله والناس؟ هل صحيح ان الذين لا يريدون شفاعة القديسين يحبون الرب يسوع أكثر؟ واضح في ممارساتنا الحقيقية ان تقديرنا للقديسين لا يعني انتقاصا من شأن المسيح.

عندما نستشفع القديسين نريد اننا نخاطبهم كما يخاطب الأحياء بعضهم بعضا لأن كل واحد في الكنيسة يصلي للآخر أكان باقيا في الدنيا أم صار في الملكوت. من مات اجتاز الموت إلى الحياة بفعل قيامة المخلص. مريم اجتازت الموت إلى السماء قبل القيامة العامة.

نحن نخاطب مريم لكونها اجتازت الموت. حديثنا مع القديسين مؤسس على انهم أحياء عند الله بفعل قيامة المخلص. صح انك أنت تدعو المسيح ولكن صح أيضًا انك تدعو الذين احبوه لأنهم أحياء به. هذا لا ينتقص اطلاقا من كونه الوحيد. للذين يحبونه هم لا يزيدون شيئا عليه. في استدعائنا إياهم نعترف انهم معه.

ليس في كنائس التراث أعني الأرثوذكسيين والكاثوليك من قال مرة ان القديسين يزيدون شيئا على المسيح. نحن نقول انهم مع المسيح ولذلك نخاطبهم. أنت لا تحبه منعزلا من أصحابه وإذا أحببتهم لا تساويهم به. إذا فهمت ان القديسين لا يزيدون على المسيح شيئا وانهم معه في معية لا يبقى عندك احتجاج على مخاطبتنا إياهم.

ماذا لك علينا ان أحببناه وأحببناهم معا؟ من اطلع على ما نقوله في مريم انى له ان يدعي اننا نؤلهها؟ ما هي كلماتنا التي فيها تأليه؟ الكلام الجميل فيها عندنا هو من باب الشعر. لا يحتمل اطلاقا اننا نرفعها فوق مقام البشر. نحن نقول لك اننا نحبها لأنها أحبت يسوع. هل لك اعتراض على هذا؟

لست أعرف من أين جاءت الخرافة اننا نؤله مريم. هذا قول من باب الجهل أو من باب الافتراء عند ناس يكذبون. لم يوجد إنسان واحد ألّه مريم. انها تبقى مخلوقة في قولنا انها أعظم المخلوقات.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

التجلي / السبت في ٨ آب ٢٠١٥

ما يسميه الإنجيل تجلي المسيح هو ان نوره الذي كان محجوبا عن أعين التلاميذ بسبب ظهوره إنسانا انكشف في التجلي لهم وفيه حدثهم عن آلامه ليقول انها هي النور.

هو كان أخفى النور الذي كان في كيانه ليتمكن من ان يتعاطى البشر ويروه بشرا. لماذا رأى يسوع ان يتسربل النور ليتحدث عن آلامه. كل إنجيل يوحنا في هذا انك لا تفهم شيئا عن ضياء المسيح الا في أوجاعه وصليبه. هذه هي حقيقة المسيح انك لا تعرف نصره الا من خلال آلامه هو لم يتحدث عن ظهور له بعد القيامة الا مرتبطا بالحديث عن أوجاعه. ربما لأنه هو رجل الأوجاع كما سماه إشعياء ولم يجرده الإنجيل عن هذا اللقب. وكأن القيامة في عمق رؤية الآلام ليست تجاوزا للآلام. هذا ما يوحي به إنجيل لوقا لما قال وحده بين الإنجيليين انه مع موسى وايليا على جبل التجلي كان يتحدث عن آلامه.

في الحقيقة ان المسيح ما تجلى بمعنى ان نورا إضافيا لم ينزل على نوره. التلاميذ رأوه يتجلى لأنهم ما شاهدوه متجليا قبل ذلك. ونحن لكون الخطيئة أعمت عيوننا لا نراه مقيما في الضياء. التجلي لم يحدث. هذا كان كشفا للنور الملازم المسيح أبدا.

حجب المسيح النور عن جسده في حياته على الأرض كان ضرورة ليعرف البشر انه منهم وانه ليس كائنا خارق المنظور. فما سماه الكتاب التجلي ما كان الا تجليا للبشر، لأعينهم ولكن السيد لم يكتسب شيئا جديدا في حادثة ثابور أو حرمون. انكشف انكشافا. التجلي جعل السيد يظهر النور الذي فيه ولكنه لم يزده شيئا.

اخفى المسيح اذًا نوره ليعرف الناس انه منهم وبعد هذا سيعلمون ان نوره لم يغادره. هذه الحادثة سميناها تجليا ليس لنقول ان السيد اكتسب ضياء ما كان عليه ولكن لنقول ان أعين البشر رأت ما كانت لا تراه. المسيح دائما في النور. ما تجلى في ذاته. وأنت في العيد وخارج العيد تراه في ضياء نفسه.

المسيح دائم ونوره دائم. تراه إذا كانت عيناك مفتوحتين. النور الإلهي لا ينطفئ. افتح إذا عينيك.

Continue reading