Author

Aziz Matta

2015, جريدة النهار, مقالات

لبنان المرجو / السبت في ٢٩ آب ٢٠١٥

لبنان المرجو لبنان الحق. هذا يعني ما كان فوق التفاهم السياسي إلى ما هو وحدة القلوب. ان يقتنع كل منا ان الفرق باقٍ أساسًا ومرجو استمراره. لبنان كثير المناحي الفكرية وفيه ديانتان والدين منحى وجود ولا نستطيع بعلمانية سطحية ان نلغي اختلاف العقائد وهي فاعلة ولكنا قادرون ان نتجاوز تباعد القلوب إلى ما فيه وحدتها.

هل الوحدة هي، بالضرورة، العلمانية حسب المنهج الفرنسي أي ان نصرف النظر عن انتمائنا الديني؟ هل من حياد ممكن ان كنا مؤمنين أم ان الخلاص هو في قبول الفريق الآخر والاعتراف بأنه آخر وبأننا محاولون صادقين ان نعيش بعضنا مع بعض بلا قتال؟ هل وحدة القلوب تمنع التنوع في العقيدة؟ إذا كان التنوع الديني موقف كل فريق هل يمنع هذا التعايش الصادق والمحبة، هذا ما يجب ان تقدمه هذه البلاد نموذج عيش سليم صادق للإنسانية كلها.

لست أنكر الصعوبة النظرية في التعايش. قلت النظرية لأننا تعايشنا مقتنعين بعضنا ببعض أي قابلين بالاختلاف عائشين معا في المحبة وعرف الكثيرون منا امكان التلاقي بين الاختلاف في العقيدة والمحبة، تاركين لله الحكم علينا في اليوم الأخير ومجتهدين ان نعيش معا على الأرض في المحبة والتعاون صادقين وهذا ليس بالحلم لأن الكثيرين منا عاشوا محبة صادقة وعرفوا أن التعايش الكريم ممكن ومنتج. هذا كالزواج. أنت تعطى امرأة من بيئة مختلفة بالكلية ولكن بوعد الحب المشترك تصبحان واحدا. المحبة وحدها هي الوجود.

لا بد ان نتعلّم ان وحدة القلوب ممكن ان تنسجم مع تعدد الأفكار وتضادها. الوحدة ليست الانصهار. هي قائمة بين مختلفين ولكنهم على محبة واحدة. المحبة ليست بالضرورة في الاندماج، انها في تلاقي القلوب.

لبنان ثمرة اجتهادها. الوطن يُبنى ولا يُعطى نهائيا. المحبة تربيها فيك وفي الآخرين. بلدك ان أردته كبيرا تجعله كبيرا. تخلقه أيضا. الوطن مفهوم متحرك وموروث معا. الماضي لا يكبلك بالضرورة وأنت تشده إلى الآتي. الماضي لا يعمل وحده الوطن. أنت تربيه وتاليا تصنعه. هذا هو الرجاء.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الذين ذهبوا عنا / السبت ٢٢ آب ٢٠١٥

الذين ذهبوا إلى الرب هم معنا ونحن معهم في الصلاة. انها هي القيامة الأولى. التراب ليس بشيء. «المحبة أقوى من الموت» (نشيد الأنشاد). الرؤية طبعا وجود ولكنها ليست كل الوجود. القلب، بمعنى الوجود الكامل، لا يموت. فلا فرق إذا بين ان الله قبضنا بالموت وانه لم يقبضنا. إذا كان الله هو الوجود الكلي والكامل فلا معنى للموت الا من حيث انه من العالم الظاهر. كيف تتربّى على ان الباطن والظاهر واحد في الرب؟ الكنيسة الأرثوذكسية لا تقول ان الذين ماتوا هم في المجد. تقول انهم في الملكوت أي في سيادة الله عليهم. إذا كانوا في السماء فلماذا تصلّي من أجلهم؟ هم في انتظار السماء لأن المجد الكامل يأتي مع المسيح في مجيئه الثاني.

الذين ذهبوا يجعلونا معهم في صلاتهم. نحن قبل القيامة العامة لسنا في السماء. نحن في وعد السماء. فقط المسيح في جسده هو في المجد الكامل. الذين أخذهم ربهم عن هذه الأرض هم ايضا ينتظرون المجد الكامل عند عودة المخلص. ليس أحد في المجد الا رب المجد. القديسون أنفسهم تحت الرحمة. ليس من إنسان تمجد كاملا. له ان ينتظر مجيء المسيح الثاني. لأن الرب يريد ان يخلصنا معا مجتمعين. من ندعوهم قديسين ليسوا في المجد الكامل. انهم ينتظرون المجيء الثاني ليكملوا. لذلك لك ليس فقط ان تصلّي إلى القديسين ولكن لأجل القديسين لأنهم لم يكتملوا. الذين ذهبوا عنا يصلّون معنا على رجاء مجدهم ومجدنا في اليوم الأخير. توقهم إلى المجد هو توقنا نحن أيضا إلى المجد. ليس من كامل في السماء الا المسيح يسوع. أهل السماء هم أيضا ينتظرون المجد الظاهر عند مجيء الرب ثانية. لم يحصل أحد على المجد الكامل الا الشهداء لأنهم اتحدوا مع الرب بالدم.

الذين ذهبوا عنا في حاجة إلى المجيء الثاني ليكملوا. «لم يصعد واحد إلى السماء الا الذي نزل من السماء ابن البشر الذي هو في السماء». القديسون أيضا هم في انتظار السماء.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت في 15 آب 2015

المسيحيون التراثيون أي الأرثوذكس والكاثوليك لا يؤلهون مريم. هذه تهمة باطلة ليس لها أساس تاريخي. ما ساواها أحد بالمسيح. انه الوسيط الوحيد بين الله والناس وبه تحقق الخلاص وإذا قلّنا انها شفيعة فلا نحملها معنى غير انها تصلي من أجلنا وليس في معتقدنا انتقاص من اننا نرى ان المسيح هو وحده وسيط الخلاص. إيماننا بأن المسيح وحده مخلص العالم لا ينقص من اعتقادنا بأن الذين مجدهم الله واقفون في حضرته مصلين.

نحن ما قلنا مرة ان القديسين فاعلون الخلاص. هم أخذوه مثل كل الناس وما زادوا شيئا عليه. مريم ما رأت نفسها الا خادمة للرب. هل يظن حقيقة الذين يرفضون استشفاعنا للقديسين اننا ننتقص من إيماننا بأن الرب يسوع هو الشفيع الوحيد بين الله والناس؟ هل صحيح ان الذين لا يريدون شفاعة القديسين يحبون الرب يسوع أكثر؟ واضح في ممارساتنا الحقيقية ان تقديرنا للقديسين لا يعني انتقاصا من شأن المسيح.

عندما نستشفع القديسين نريد اننا نخاطبهم كما يخاطب الأحياء بعضهم بعضا لأن كل واحد في الكنيسة يصلي للآخر أكان باقيا في الدنيا أم صار في الملكوت. من مات اجتاز الموت إلى الحياة بفعل قيامة المخلص. مريم اجتازت الموت إلى السماء قبل القيامة العامة.

نحن نخاطب مريم لكونها اجتازت الموت. حديثنا مع القديسين مؤسس على انهم أحياء عند الله بفعل قيامة المخلص. صح انك أنت تدعو المسيح ولكن صح أيضًا انك تدعو الذين احبوه لأنهم أحياء به. هذا لا ينتقص اطلاقا من كونه الوحيد. للذين يحبونه هم لا يزيدون شيئا عليه. في استدعائنا إياهم نعترف انهم معه.

ليس في كنائس التراث أعني الأرثوذكسيين والكاثوليك من قال مرة ان القديسين يزيدون شيئا على المسيح. نحن نقول انهم مع المسيح ولذلك نخاطبهم. أنت لا تحبه منعزلا من أصحابه وإذا أحببتهم لا تساويهم به. إذا فهمت ان القديسين لا يزيدون على المسيح شيئا وانهم معه في معية لا يبقى عندك احتجاج على مخاطبتنا إياهم.

ماذا لك علينا ان أحببناه وأحببناهم معا؟ من اطلع على ما نقوله في مريم انى له ان يدعي اننا نؤلهها؟ ما هي كلماتنا التي فيها تأليه؟ الكلام الجميل فيها عندنا هو من باب الشعر. لا يحتمل اطلاقا اننا نرفعها فوق مقام البشر. نحن نقول لك اننا نحبها لأنها أحبت يسوع. هل لك اعتراض على هذا؟

لست أعرف من أين جاءت الخرافة اننا نؤله مريم. هذا قول من باب الجهل أو من باب الافتراء عند ناس يكذبون. لم يوجد إنسان واحد ألّه مريم. انها تبقى مخلوقة في قولنا انها أعظم المخلوقات.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

التجلي / السبت في ٨ آب ٢٠١٥

ما يسميه الإنجيل تجلي المسيح هو ان نوره الذي كان محجوبا عن أعين التلاميذ بسبب ظهوره إنسانا انكشف في التجلي لهم وفيه حدثهم عن آلامه ليقول انها هي النور.

هو كان أخفى النور الذي كان في كيانه ليتمكن من ان يتعاطى البشر ويروه بشرا. لماذا رأى يسوع ان يتسربل النور ليتحدث عن آلامه. كل إنجيل يوحنا في هذا انك لا تفهم شيئا عن ضياء المسيح الا في أوجاعه وصليبه. هذه هي حقيقة المسيح انك لا تعرف نصره الا من خلال آلامه هو لم يتحدث عن ظهور له بعد القيامة الا مرتبطا بالحديث عن أوجاعه. ربما لأنه هو رجل الأوجاع كما سماه إشعياء ولم يجرده الإنجيل عن هذا اللقب. وكأن القيامة في عمق رؤية الآلام ليست تجاوزا للآلام. هذا ما يوحي به إنجيل لوقا لما قال وحده بين الإنجيليين انه مع موسى وايليا على جبل التجلي كان يتحدث عن آلامه.

في الحقيقة ان المسيح ما تجلى بمعنى ان نورا إضافيا لم ينزل على نوره. التلاميذ رأوه يتجلى لأنهم ما شاهدوه متجليا قبل ذلك. ونحن لكون الخطيئة أعمت عيوننا لا نراه مقيما في الضياء. التجلي لم يحدث. هذا كان كشفا للنور الملازم المسيح أبدا.

حجب المسيح النور عن جسده في حياته على الأرض كان ضرورة ليعرف البشر انه منهم وانه ليس كائنا خارق المنظور. فما سماه الكتاب التجلي ما كان الا تجليا للبشر، لأعينهم ولكن السيد لم يكتسب شيئا جديدا في حادثة ثابور أو حرمون. انكشف انكشافا. التجلي جعل السيد يظهر النور الذي فيه ولكنه لم يزده شيئا.

اخفى المسيح اذًا نوره ليعرف الناس انه منهم وبعد هذا سيعلمون ان نوره لم يغادره. هذه الحادثة سميناها تجليا ليس لنقول ان السيد اكتسب ضياء ما كان عليه ولكن لنقول ان أعين البشر رأت ما كانت لا تراه. المسيح دائما في النور. ما تجلى في ذاته. وأنت في العيد وخارج العيد تراه في ضياء نفسه.

المسيح دائم ونوره دائم. تراه إذا كانت عيناك مفتوحتين. النور الإلهي لا ينطفئ. افتح إذا عينيك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الرجاء / السبت أول آب 2015

الله لا يقحم نفسه فيك. يريدك مريدا للخلاص. والخلاص أنت ترجوه فإنه في الله كامل وهو يعطيك إيّاه كاملا وأنت تقبله. وإذا قبلت فهذا هو الإيمان. وفي اللغة الإيمان ان تعرف الله مأمنًا لك أي مكان أمنك بحيث لا يكون لك وجود خارجا عنه. هذا هو السر ان تكون قائما في الله أي انه هو حيزك. هو فقط حيزك وأنت لست هو ومع ذلك أنت فيه. هذا كله لا تفهمه الا بالحب. أنت في الله تعني أيضا انك اليه لأن كل علاقتنا به حركة. أهل الحب يفهمون هذا الكلام لأنهم تحرروا من الحيز.

وجودنا في الله حركتنا اليه والحركة اليه هي منه أيضا. وهذه الحركة هي الرجاء الذي يجعلنا الرب فيه إذا شاء. نحن راجون أي اننا نصير إلى ما نرجو لأن الله آت. هو ما أتى فقط وانتهى مجيئه. هو دوما آت وتراه في كل إطلالة منه وتراه جديدا. الله ثابت بمعنى انه وفي لنفسه أي انه لا يقلل أبدا مما يعطيك اذ لا يعطيك اقل من ذاته. وهو إيّاه «أمس واليوم وإلى الأبد». وإذا رجوت تعرف ان ما ترجوه هو عندك ومعك.

أنت ترجو الله أي تطلب الآتي منه كل يوم لأنك تعرفه أمينًا لذاته وانه معطيك ما عنده أي كل شيء. الرجاء هو إلى ما سوف يأتي ولكن في الله الآتي أتى أي انك تطلب دوام العطاء الإلهي اليك. فإذا كان الإيمان تحديدا هو الثبات في الله يكون الرجاء ما تنتظره من عطايا الرب الدائمة. ترجو معناها الحقيقي انك تتحرك إلى ما جاءك لأن ما يعطيه الرب انما كان وهو كائن وسيكون. نحن مع الله في الحقيقة لسنا إلى ما يأتي ولكن إلى هذا الذي لا يتغيّر. مع الله نحن في الدوام.

ليس الرجاء ان تنتظر للغد ما كان أفضل مما جاءنا في الأمس. الرجاء هو الإيمان الحقيقي بدوام العطاء الإلهي وبأن ما يعطيه هو إيّاه ما أعطاه بالأمس. أنت ترجو لأن لك في الغد ما كان لك بالأمس لأن ربك هو إيّاه وهو على العطاء الواحد.

عندما نتكلم على الرجاء لا نتكلم عن شيء ما عرفناه وذلك لأن الله واحد مع نفسه. نحن نريد ان يكون الرب هو إياه معنا ولا يزاد على هذا شيء. في الحقيقة او في العمق اذًا الرجاء والإيمان واحد. ليس الا الإيمان بمعنى انك لا ترجو الا ما تؤمن به أي لا ترجو الا القائم.

ضد الرجاء الإذعان إلى المتغيّر. أنت تعرف ان الله لم يأت فقط ولكنه آتٍ أبدًا ويأتي هو إيّاه أي في محبته. أنت لا تؤمن ان الغد أفضل من الأمس. تؤمن ان الدائم الإلهي يرافقك ويجعلك موافقا إيّاه ومرافقا. الرجاء هو الثقة بأن الله موافق لذاته لأن الزمان لا يغيره. ويبقى على تغييراتك مرافقا إياك.

ليس الرجاء الاعتقاد ان الغد بما يحمل من متغيرات أفضل من اليوم ولكن بمعنى ان الله بمحبته واحد مع نفسه اليوم وغدا. ومن هذا المنظار ليس الرجاء غير الإيمان. فلكون الله هو إيّاه يعطيك اليوم ما أعطاك بالأمس. أنت مؤمن بشيء واحد وهو ان الله أمين لنفسه. من هذه الزاوية أمكن القول ان الرجاء هو إيّاه الإيمان.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

لماذا أكتب؟ / السبت في ٢٥ تموز ٢٠١٥.

أنا المؤمن أكتب لأن الله فوضني بذلك، لأنه يكلم كل الناس ببعض من الناس. أنا لا استطيع ان احتفظ لنفسي بما أخذته منه. «بلغ، انك مبلغ» فالوحي للناس والرسول رسول اليهم. أنت كلمة الله تحضنها وتعطيها. وما استودع رسول كلمة لنفسه.

من أحسّ انه ملهم مضطر على التبليغ. الله يكلم الناس بالملهَمين. إذا أمرهم يكتبون أو يتكلمون. لا يعطي الله دائما كلمات. إذا أراد التبليغ يلهم. ومن استودع الكلمة لا يستطيع حجزها. وإذا حجزها يخون. هناك من يتكلم باسم الله ولست أريد فقط الأنبياء أو المرسلين. أنت ان كنت مؤمنا كبيرا تميز بين من يبلغك كلمة من الله وكلمة من عنده. وان كنت عميق الاحساس بالله تقبل الكلمة التي من عند الله. والكاتب ان كان حقا مؤمنا يعرف ما جاءه من عند الله وما جاءه من نفسه. إذا جاءه القول الإلهي وعرفه يبلغه تبليغا آمرا والا يلازم الصمت. الإلهيون لا يكتبون من أنفسهم ولكن مما استلموا ويعرفون بوضوح الفرق بين الذي نزل عليهم من فوق والكلام الذي من الدنيا. وإذا قبض عليهم الإلهام يضطرون إلى الكلام والا أحسوا بالموت. وأمام الملهمين تحس بالخيانة ان لم تتبعهم. ان كان الله معك واقتنعت بذلك اقتناعا كاملا لا تستطيع ان تناقش. تنقل ما جاءك وان كانت كلمتك حقا كلمة الله ولم يأخذها من اقتنع بها يموت موتا روحيا. الله لم يكلمنا فقط بالكتب المقدسة. فكثيرا ما يكلمنا بالصادقين وبالأبرار. صعب عليك ان ترفض كلمة بار. الخوف ان فعلت ان تموت موتا روحيا.

الحقيقة ان الرب لم يكلمنا فقط بالكتب الموحاة. هو يكلمنا أيضًا بالناس المقدسين بما قالوا أو بما سلكوا. هذا ما يسميه المسيحيون شركة القديسين. عندنا من لم يقرأ الكتاب الإلهي مرة لأنه أمي. له ان يصل إلى معرفة الرب في القلب. الله ليس مقيدا بكتاب.

ولكن هناك من يقرأ. وإذا عرفت الكتابة فعليك ان تكتب. وقد تظن ان أحدا ممن حولك لا يقرأك ثم يكتشف المتتبعون آثارك ان ثمة من قرأك.

أكتب وقد تلحظ ان قراءك قلائل. لا تخشَ. قد يأتي من يقرأك. هذا ما حصل لي منذ خمسين سنة إذ كنت طالبا في بيروت ومستأجرا غرفة في أحد منازل الأشرفية القريب من الجامعة وفي غرفتي كانت مكتبة عظيمة من القرن التاسع عشر وتأثرت ان قلة طالعت ما فيها. ما كنت أعرف ان رجلا من ذاك العصر يعرف الكثير الكثير. هل كان هذا يحسب ان شابا سيأتي بعده ليستأجر غرفة في بيته ويقرأ فيها كتبا بالعربية وغير العربية ويتجدد فكره بها؟ غالبا ما ظن انه يترك المكتبة لأولاده وأحفاده. لم أعرف عنهم شيئا. أنا صرت إذا وريث هذا الرجل.

أكتب ان استطعت لمن يأتي ويقرأ. ما من كلمة تموت. إذا جاءتك كلمة الله خذها واحفظها وبلّغها. لا يحق لك ان تحتفظ لنفسك بطيات الفكر. الفكر فيك عطاء من الله. وزعه، هذا أمر إلهي إلى ان يقبضنا الله في رحمته.

أنت مؤتمن على الفكر الإلهي الذي استقر فيك أي انك مأمور بتبليغه. الحقيقة ليست ملكا لك.

أنت تكتب لأنك مؤمن بأن أحدا سيأتي ويقرأك ويصير بهذا إنسانا سويا. تكتب لأنك تحب من لم تره عيناك. ان كان في فكرك شيء لا تتركه لنفسك. أنت لا تعرف بالضرورة قيمة ما عندك. دع الآخرين يقبلون إلى ما تركت. الكاتب من أحب وترك للناس كلمات قد يحيون بها. هو يستخلف ناسا لا يعرفهم. المعرفة محبة ليس فيها انسباء. أكتب ومت. قد يأتي من يقرأك ويحيا.

فكرك ليس ملكا لك. هو وديعة وفي الكتابة يأخذ الوديعة من استطاع. أنت في الكتابة ليس لك نسيب. الناس كلهم عيالك بدّد إذًا ما عندك ليحفظك الله عنده. ما من سطر فيه فهم لا يظهر يوما أحد لا يكون له قارئا. أكتب ولو بدا لك انك تبدد. قد يأتي يوما من يقرأك تعيش روحه بما قلت.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

عقل وحب / الجمعة في 17 تموز 2015

الله عاقل ولكنه ليس تحت العقل. أنت تحبه. هذا لا يعني انك تجعله تحت المعقولية. غير ان الكتاب قال: «الله محبة». هل أراد في هذا تعريفا عنه أم أراد ان المحبة هي ذاته؟ فكر الآباء ان الله لا يدخل في المعقولية لأنها تحده، بأي معنى يكون إذًا حبيبك وأنت لا تسعه؟ واضح ان العقل ليس عنده جواب واننا في الرؤية.

من كل ما كتبه يوحنا رسول المسيح يفهم انك لا تقدر ان تعقل الله. ان تعقله في اللغة تعني ان تجعله تحت العقل أي ان تقيده بشريًا. لذلك كنت دائما في ضيق أمام محاولات الفلاسفة ان يثبتوا وجود الله. ولنفرض جواز هذا. كيف تكون العلاقة بينك وبينه بالعقل؟ لماذا أراد فلاسفة الدين ان يثبتوا الله بوسائلهم؟ أليس هو المعطى الأول الذي لا يحتاج إلى تأييد عقلي؟ لماذا لا يكون حبنا له وسيلة لمعرفته؟ لماذا الحب أدنى من العقل في الإدراك؟

هذا هو طغيان العقل اليوناني على الفكر انك تحتاج إلى أدلة في تعاطيك الله. العقل اليوناني طغى. لماذا تريد برهانا على الله؟ أليس الله اسطع من البرهان؟ يلفتني القرآن عندما يقول: «قل هو الله أحد». لا يطلب إثباتا. يطلب اعترافا. أليس هذا هو طغيان الفلسفة اليونانية علينا ان نسعى دائما إلى الأدلة؟

المسيحية في أدب يوحنا الرسول قالت ان الله محبة أي انها عرفته بها. ما اكتفت بالقول انه محب، هذا يعني إذًا ان من أحب يكون في الله. المسيحية تاليا في أعلى كلام لها ما أدخلت مقولة العقل في الحديث عن الله ولا إذا اعتبرتم ان قول الكتاب ان الله هو الكلمة في التعريف كما ورد عند يوحنا هو في الصميم يعني ان الله هو العقل الأسمى الذي لا يبلغه عقل بشري. من هذا المنظار وجب القول ان في الله وحده العقل والحب واحد.

إذا كان العقل في الإنسان خاليا من كل خطأ يمكننا القول انه واحد مع الحب. غير ان ميل الفلاسفة اعتبار العقل كاملا لأن الفلاسفة القدماء لم يعرفوا المسيحية وما عرفوا انها كانت ترى خطايا البشر تدخل إلى العقل وتشوهه. مشكلتنا ان الفلسفة اليونانية وهي سابقة للمسيح طغت ولم تعرف خبث الخطيئة وانها قادرة ان تسيء إلى العقل دائمًا. لذلك نرى نحن أتباع المسيح ان العقل يحتاج إلى تصحيح الحب له، الحب الخالي من الشهوات. إذا صححت المحبة قلبك يلتقي العقل. ولما كان آباؤنا في الإيمان يتكلمون عن العقل أرادوا انه الفكر المحرر من الشهوة.

المحبة في أعلى مقامها المحررة من الدنس هي الفكر بمعنى انها الرؤية إذ المحبة عندنا تعني اللصوق أولاً بالله بحيث لا تكون لك رؤية الا رؤيته ولذلك في كنيستي بنوع خاص لا نعتبر أحدا لاهوتيا بالمعنى الكبير الا إذا رأيناه قديسا. الشرق المسيحي لا يعرف الفصل بين العقل والقلب. القلب ليس عندنا ارتعاشات. هو الرؤية.

أهل الغرب يقولون انهم يثبتون الله بالعقل. نقول نحن لهم نقبل كلامكم إذا أردتم انه العقل المحب. اليونانيون القدماء أنفسهم لم يفرقوا العقل عن المحبة. هذا التفريق ابتدأ في الفكر من بعد ديكارت.

عندما تقرأ جيدا وعميقا آباء الكنيسة لا ترى انهم يفرقون بين العقل والقلب. ما كان العقل أبدا عندهم تلك القوة الذهنية المستقلة عن العاطفة. وما فهموا العاطفة ارتجاجات في الذات. لذلك لم ترد لفظة القلب عند الأقدمين مرادفة لما تسميه اليوم العاطفة ولكنها دلت على كل القوة الداخلية في الإنسان عقلا وقلبا.

العاطفة تحتاج إلى فحص إذ قد تدخلها الضلالة. ليس عندنا في ذاتنا مرجعية الحقيقة. الله هو المرجعية. الضمير نفسه يخطئ. الله مرجع الضمير.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

مولدي / السبت في 4 تموز 2015

ولدت في 6 تموز. هذا يهمني لأتذكر نواقصي والتي لا تزول الا بالموت. أنت في الطبيعة ابن والديك. ولكنك تصير مولودا من الله إذا شئت. كلمة لا يستسيغها المسلم لأنها في أذنه تتصل بالولادة البشرية. المسيحيون أدركوا المعنى الروحي للكلمة: تسعون سنة انقضت وأنا في ضعفي. المسيحيون يعيدون لقديس في ذكرى موته وهذا لإيمانهم ان حياته الحقيقية ظهرت شهادة من بعد موته. نحن المسيحين المشرقيين من فترة قريبة ما كنا نقيم مولد أحد منا. كنا نقيم ذكرى موته إذا اعتبرنا انه شهد للحق في حياته.

المولد مجرد وعد لذلك لا تقيم الكنيسة عيدا الا ليوم انتقالنا من هذه الدنيا لأنه التقاؤنا بالله. قبل ذلك الإنسان وعد. لذلك المحافظون في كنيستي لا يهتمون لمولد قديس ولكن لتاريخ موته. كل إنسان وعد والكنيسة لا تطوب بارا الا بعد موته. أهلي لم يذوقوا الحضارة الغربية. لذلك لم يعيدوا لمولدي. عيد الإنسان في موته. لا تعيد لك الكنيسة الشرقية في ذكرى ميلادك فالميلاد عندها المعمودية. بعد اتصالنا بأهل الغرب أي من فترة قصيرة بتنا نعيد لمولدنا. قبل ذلك ما كنا نعرف الا القديسين وأعيادهم. من تكون لنعيد لك في يوم مولدك من امرأة؟

قبل ان تتحقق بالمعمودية تكون من البشرة. وجودك الكبير لا يأتيك منها. البشرة وعد كل شيء من النعمة النازلة عليك من فوق.

في الإيمان المسيحي أنت ابن الله في الخلق. الفداء يعلن بنوتك. المسيحية تصر على إعلان الله أبا لأنها ترى اننا مولودون من الروح القدس أي من الله. وإذا قلنا انك ابن الله فانما نعني انك من جنسه. هذا لا يعرف معناه الحقيقي الا الله. ولكن في الذوق الروحي نعرف اننا من جنس الله. هذا طبعا لا نفهمه الا بالحب إذا سكبه علينا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

المجمع المقدّس الأرثوذكسي / السبت في 27 حزيران ٢٠١٥

أنت، كاتبا، تأتي من الأبدي وتقوله في الحال. ان أتيت من الحاضر تكون صحفيا. ولكنك لا تكون كاتبا عظيما الا إذا قلت الأبدي باللغة الحاضرة والا كنت مجرد راوية للقديم أي ناقدًا في أحسن حال. ولكن الكاتب الذي لا علاقة له بالقديم أي بالأبدي يكون صحفيا تفها إذ الصحفي العظيم يأتي أيضًا من قديم الأزمنة أي من أبدية الحقيقة.

مشكلة الكاتب الديني انه لا يستطيع ان يتجاهل الماضي إذ لا يأتي أحد من زمانه فقط ولا يقدر ان يجتر الماضي. اليوم الأساقفة الأرثوذكس مجتمعون لمناقشة شؤون الكنيسة كما هي مطروحة وغالبا ما يكون فيها بحث الانتخابات في الأبرشيات الشاغرة. وهذا دائما بحث دقيق يحق للمطارنة ان يختلفوا فيه لأنه قائم على تقدير كل منهم للمرشحين المطروحة أسماؤهم. وهذا الاختلاف من طبيعة البشر. الأسقف الناخب له تقواه وله خبرته وثقافته اللاهوتية وهذه كلها تختلف بين أسقف وأسقف.

طبيعي ان نختلف في الإدارة الكنسية بسبب من اختلاف الرؤى بين الأساقفة وتباين العواطف، هذا ما عدا النزاهة المفروضة عند الناخبين. لا يجمع كل المطارنة على رؤية الأحسن. فإن بينهم اختلافا في التقوى وفي العلم والخبرة. وهذا الاختلاف يحاولون تذليله ما أمكن بتبادل الفكر فيما بينهم ولكن وحدة الرؤية لا تحصل دائما ولو صلوا إذ الخيارات في أحوال كثيرة تكون محسومة.

يصلون في بدء اجتماعهم على رجاء استلهام الله. ولكن هل تقبل القلوب نعمة الله اذا نزلت؟ هذه صعوبة الفكر في كل مجتمع يعتبر صادقا انه يستلهم الله.

الكنيسة الأرثوذكسية صعبة إدارتها لأنها قائمة على اتفاق مطارنة مجتمعين. والمطارنة بشر مختلفون في العلم أولاً وفي الخبرة وفي الاطلاع على سيرة كل مرشح للأسقفية. رؤساء الدين ولو أتقياء يمكن ان يختلفوا. انتخاب المطران والبطريرك مهما فعلنا يبقى انتخابا بشريا نسعى فيه سعيا أخلاقيا. وليس من انتخاب يضمن وصول الرجل الأصلح.

المجمع المقدس يبقى محاولة بشرية في المنطلق ما لم تنزل نعمة الله وتغير كل شيء. النظام المجمعي بلا تفرد سلطان يبقى الأفضل إذ لا بد ان تتوافر فيه نيات سليمة وعالمة. كل نظام في العالم بشري ويحمل ضعفات البشرة. ولكن في المبدأ عندنا ترجيح على ان الأكثرية تخطئ أقل من الفرد.

النظام الأرثوذكسي دقيق جدًا وصعب وأظن ان صعوبته الكبرى في هذا انه يفترض ان الإدارة الكنسية هي دائما في أيد طاهرة وقلوب مؤمنة وعقول ذكية.

التقاء المطارنة هيئة واحدة يدعى مجمعا مقدسا. هل هذا النعت يأتي من تصديق ان الله يلهم الأساقفة دائما وانهم دائما يطيعونه؟ مشكلتنا ان كل اجتماع بشري فيه من البشرة أي الانفعالات. القديسون قلائل. ولكن ليس لنا خيار الا النظام المجمعي. الناس كلهم يحسبون ان المسؤولين إذا اجتمعوا لهم نصيب معقول من قول الحقيقة والإتيان بأفضل الحلول. في حكم الفرد تسطع المصالح الفردية. مبدئيا إذا كثر المجتمعون يقتربون من الحقيقة. يمكن ان تقتنع بحكم الفرد إذا ثبت انه قديس عالم. ولكن الناس مقتنعون ان كثرة الآراء إذا صدق أصحابها وتطهروا ترجح الحقيقة وليس عندنا في الحقل الفكري في هذه الدنيا الا الترجيح.

قناعة الناس جميعا ان الكثرة أقرب إلى الحقيقة من الفرد الواحد وانها غالبا هي الأضمن. ليس لأحد إذا تكلم تأكيد من الله انه على حق. الفكر بما فيه الفكر الديني مسعى. ما من أحد في الكنيسة يقول ان مئات الأساقفة إذا اجتمعوا هم آليا على حق. هذا تعرفه بعد اجتماعهم وبتصديق مجمع لاحق. ولكن هذا أيضا غير مؤكد بالمطلق. ما من مجمع بحد ذاته له ضمانة العصمة. العصمة تؤكدها الأجيال اللاحقة. الناس ناس. المجمع مسعى وليس ضمانة بمجرد انعقاده بدليل ان أكبر قوة لمجمع مطارنة يتخذها من المجامع اللاحقة. الحقيقة المسيحية لا تظهر من آلية الاجتماع ولكن مما تبقى من قناعة في الكنيسة.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

ما الإنسان حتى تفتقده؟ / السبت ٢٠ حزيران ٢٠١٥

هناك من تشتاق كلامهم. تريد ان تسمعهم قبل ان يموتوا لإيمانك بأن ما يقولون فيه دائما حياة. هناك ناس كلامهم نزل عليهم. تفتقدهم حيثما حلّوا. أنت لا تعلم دائما من أين يأتي كلامهم وهم لا يعلمون. هم كلام من ليس له فم بشري. كلامهم لا يخرج منهم الا جرحا لهم. هؤلاء وحدهم كلامهم لقاء. لأن الله ينطق فيهم بصمت.

عندما تكون الكلمة فقط حبا تصل. لذلك يمكن ان تتواصل أحيانا بصمت وفي الصراخ لا تتواصل. وفي الحقيقة اذا لم تصر أنت الآخر الذي تواصله لا تخرج منك كلمة. ليس الكلام دائما في ما تقول. هو في ما تحب. واذا لم يكن الحب لا ينفع النطق. الكلام اذا كان عقلا محضا لا يصل. القلوب كثيرا ما كانت موصولة بلا كلام. «قل هو الله أحد». أجل أدركتك وحدانيته بلا كلام ولكن الكلام يزيد قناعتك ويبلغ الآخرين.

«قل هو الله أحد. لم يلد ولم يولد». أفهمها ان ليس مثله واحد ولا يليه أحد في المنزلة اذ ليس من منزلة. ولكونه أحدا أنت له وحده ويستحيل عليك الشرك. يستحيل ذلك لأن الله لا يقع تحت مقولة أي لا يقع العقل عليه وأنت مخطوف اليه وفي الانخطاف تفهم. هو الحب والحب هو الفهم ويأتي العقل معاونا.

ما همك ان تقول كلامك الذي تظنه صادرا عنك؟ لماذا تحس ان كلام الله يملى عليك؟ من تكون حتى لا تقبل كلام حياة أفضل مما أنت تقول. دائما كان عندي مشكلة مع القائلين ان بينهم وبين الله عداء. الحوار بين متعادلين. أأنت لا تعرف انك دون الله. واذا تكلّم كبار المؤمنين عن حوار فلأنهم يريدون ان يعظموا الانسان ويقنعوه بأنه شبيه بالله لكي يطمئن اذا كلم الرب ان ربه لا يريد ان يسحقه. من قال هذا لا يعرف ان الحبيب يريد ان ينسحق.

الحبيب ليس له حضور الا عند الحبيب. لذلك لا يحتاج إلى ان يتكلم. ولكن اللاهوت يسعف ضعفنا اذ لا يكفينا القلب أحيانا وربما حاجتنا ان نخرج من أنفسنا بالكلام. هذه مشكلة الروحانيين الكبار انهم يريدون ان يبلّغوا وهم يعرفون ان التبليغ الحقيقي يقوم به القلب.

صعوبة التواصل بين الروحانيين ان الكلام يخون وان الاتصال بالكلام. في أوج العلاقة بالروح لا تحتاج الا للروح ولكن هذا صعب في دنيا الكلام. هذه جدلية صعبة ان المحبة تصل بك إلى الكلام مع ان الكلام يخونها.

هذه هي الحقيقة والصعوبة معا ان الفكر لا بد له ان يصير جسدا أي كلمة مقولة ليصل. واذا وصل الكلام في عمقه يكون الحب ويعطل التعبير. هذه هي مشكلة الفصاحة انها تبطل القلب واذا بطل ماذا يبقى؟

ما الإنسان حتى تذكره وابن الإنسان حتى تفتقده؟ هذا السؤال المرفوع إلى الله رده الله عندما نزل إلى الإنسان بالتجسد، قال بهذا ان الله يجعله عديله بالحب. واذا فهمنا ان الحب من الله ماذا يحل بالحب عند الناكرين؟

Continue reading