Author
جاء الفصح كشفًا لقوة المسيح ولكنه جاء ايضا لبث هذه القوة فينا، لجعلنا قياميين نحيا بنفحات السيد، واذا كنا غير منتصرين بعد على الموت الجسدي وعلى المرض فعلى الأقل نحن منتصرون على الخطيئة او قادرون بالفصح ان ننتعش ونعود الى وجه يسوع الذي يطرد كل مشهد خبيث من امامنا وكل إغراء ساحر او يقيمنا من نشوة الإغراء. فالأحد الجديد هو الأحد المجدد ايانا. ولذلك تقرأ الكنيسة من قداس الفصح انجيل يوحنا حتى نهايته وهو المتركز بنوع خاص على ألوهية السيد وعلى قوى التجديد التي يمدنا بها، على ذكر خبز الحياة وعلى إعلان السيد نفسه “الطريق والحق والحياة”.
كذلك تقرأ الكنيسة في الرسائل اعمال الرسل الذي هو كتاب عن الروح القدس وآثاره في كنائس عن طريق البشارة، والبشارة تجديد للشعوب باقتبالها كلمة الله والمعمودية. وتكرار “المسيح قام” اربعين يوما حتى الصعود شهادة على ان المسيحي يحيا بمسيحه او انه يريد ذلك.
فكما ان السيد قام وأراد ان يحتفظ بأثر المسامير في يديه وأثر طعنة جنبه بالحربة، يبدو الانسان المتجدد بالمسيح غير مكتمل او غير منزه عن كل الشهوات ما خلا قلة من الكبار. غير ان الحركة التي تسيّره هي حركة الفصح. انه ناهض اساسا ونهضوي مع انه يتعب من الخطيئة. لا تزول الخطيئة آليا بمجرد قيامنا بالأعياد ولا حتى اذا اعترفنا بخطايانا لدى الكاهن. هناك شروش تبقى او ميول تعود او لا تكون التوبة عميقة. ولذلك كان لا بد من العودة باستمرار، بجهاد كبير مضنٍ الى وجه يسوع الحي.
نحن نحيا على الرجاء. المسيح يفتتح الحياة الأبدية فينا بالإيمان والأسرار، غير ان الحياة الأبدية لا تكتمل الا بالقيامة العامة. ولذلك لا معنى لقول كل الحركات المعمدانية بما فيها من يسمون انفسهم المتجددين انهم خلصوا. الخلاص يعني ان المسيح هو المخلص وان اساس الخلاص موضوع وانت تبني على الأساس الموضوع. ولكن هناك بناء. عندما يقول بولس: “تمموا خلاصكم بخوف ورعدة” انما يتوقع ان يكون للمؤمن دور وهو ان يستلم هذا الخلاص كما تستلم انت طعاما على مائدة وانت لم تأتِ بالطعام من عندك. هناك عمل دشنه يسوع على الصليب ووزعه على التلاميذ والمجتمعين معهم بالروح القدس ولا يزال يوزعه بالكلمة والأسرار، والا فما معنى الكلمة والأسرار؟
انت تقرأ الكلمة فتصير فيك ومنك واياك، اي لك معها مشاركة ولا تتغنى فقط بها. الكلمة موجودة فيك لترافقك من الحضور الاول للسيد حتى الحضور الثاني.
نظام وجود الكلمة وامتدادها الى الخدم الإلهية يعني اننا مخلصون على الرجاء وان فصحنا هو امنية. فمع انك تقيم العيد كل سنة وتجدده كل احد، ليس لك في الحقيقة الا الفصح الأخير اعني تمتعك بظفر المخلص وحياته في الملكوت السماوي.
عندما يقول الرسول: “اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته” يريد اننا بالمعمودية نسير الى موته والى انتصاره. ولكن هذه مسيرة تبدأ ولا تنتهي بمجرد نزولنا الى الماء وخروجنا منه. كل شيء في المسيحية حركة لأن المسيح حركة بالروح القدس. وفي الملكوت ننتقل “من مجد الى مجد” فيبدو لنا الله اجمل واجمل.
Continue readingأوساط أوروبية وأميركية مسيحية وعلمانية يهمّها كثيرًا ألاَّ تثير اليهود وألاَّ تخالفهم بشيء يقولونه عن نشأة المسيحية وعن فرادة المسيحية وعن اعتبارها تيارًا من التيارات اليهودية، تلك المسيحية التي أفسدها أو أسسها في نظرهم بولس الرسول. والحديث عن ذلك يطول إذ بدأ منذ أن كتب كارل بارت تفسيره للرسالة إلى أهل رومية السنة الـ1914 واعتبر اليهود من أهل البيت بل أصحاب البيت الأصليون ونحن قد دخلنا عليهم فإنهم «الإخوة الأبكار» كما قال عظيم أحبار في الغرب بمعنى انك أنت المسيحي محضون في هذا البيت الواحد. ومن الواضح لكل من اطلع على تراث الآباء القديسين أن الكنيسة هي إسرائيل الجديد وأن الميثاق الشرعي بات الآن بين الله والكنيسة بدم يسوع.
هذا الخط الجديد منذ تسعين سنة أضحى بناية بعد مذبحة اليهود في العهد النازي في الحرب العالمية الثانية وهي دمغت العقل اللاهوتي الغربي كما طبعت اللاهوت اليهودي. اجل كانت المجزرة فاجعة لا توصف ويذهلني تفجع الكنائس التي لم تشترك لا من قريب ولا من بعيد في هذا الجرم. كيف تنسحب خطيئة هتلر مضطهد الكنيسة الكبير على الضمائر المسيحية في الغرب وكأنها هي التي حبلت بالنازية والبابا آنذاك كان قد كفر التفريق بين الأعراق. وإذا فهمت سيكولوجيا أن يحمل مسيحيو الغرب الإثم الهتلري فما دخل هذا في اللاهوت ولماذا يجب بناء هيكلية لاهوتية وتفسيرية على حادثة مهما عظمت بشاعتها. طبعا هذا غريب عن المنهج اللاهوتي الشرقي الذي يستمد نفسه من الكلمة الإلهية وما بنى قولة لاهوتية واحدة لا على انتصارات البيزنطيين أو الروس أو اليونانيين ولم يحرف لاهوته بناء على سقوط القسطنطينية أو على اجتياح الصليبية الرابعة إياها. نحن، في حوار طرشان منهجيًا.
غير أني أريد أن أعرّج الآن على فيلم «آلام المسيح» لميل غيبسون. لماذا اتُّهم هذا الشريط بالعداء للسامية في الولايات المتحدة ورفضته صالات العرض منطلقًا في فرنسا حتى تبناه مسلم تونسي وعرضه. السبب، يقولون، انه جعل أحبار اليهود مسؤولين عن قتل السيد وما كانوا كذلك إذ لم يكن لهم حق القضاء بالإعدام. ومع أن هذه المسألة خلافية لا يقول الإنجيل أنهم أعدموه ولكن إنهم أرادوا قتله وإنهم اعتبروه مستوجب الموت وجاء في الكتاب أن بيلاطس الوالي قضى على الرجل بالموت. غيبسون لم يقل غير ذلك وكان مجرد ناقل للأناجيل في جوهر القضية. المخرج استعمل الوثائق التي هي الأناجيل. الوالي الروماني ما ادعى على الناصري كمحقق عدلي ولا أرسل عسكرًا للقبض عليه إذ لم يكن مهتمًا للأمر وبقي حتى آخر لحظة مترددًا مهما اختلفت صورة طبائعه بين هذه الرواية الإنجيلية وتلك. أن تكون في الغرب معاديا للسامية فجريمة لا تغتفر. أما أن تكون معاديا للمسيحية فأمر فيه نظر.
***
هذا الهاجس متّصل بقضية تبرئة اليهود من دم المسيح. فقد ورد في الوثيقة المجمعية Nostra Aetate «ما ارتُكب أثناء آلامه لا يمكن أن يُنسب imput بلا تمييز إلى كل اليهود العائشين آنذاك ولا إلى يهود عصرنا». عند صدور القرار كتب صديقي وائل الراوي في «لسان الحال» ما مفاده أن الموقف الإنجيلي ما كان موقف قانون جزائي ليبحث عن مسؤولية هذا الفرد أو ذاك وما كان ليورث يهود اليوم مسؤولية قانونية. كان موقفًا نبويًا يتكلم فيه الله ضد شعبه ويؤثمه كما أثَّم هذا الشعب أنبياؤه قديمًا. كل العهد القديم في الجانب النبوّي منه هو تاريخ تأثيم الأنبياء لإسرائيل وما كان مطروحًا موضوع توزيع المسؤولية على أفراد. فلماذا حشر المجمع الفاتيكاني نفسه في منطق قانون عقوبات؟ وتبرئة اليهود لا تتم بقرار مجمع كنسيّ. القضاء الإلهي وحده يبرئ عن طريق التوبة فقط. اليهود وغير اليهود بمن فيهم مسيحيو كل العصور لا براءة لهم إلاَّ إذا انضموا إلى يسوع بالحبّ. حقّ لكلّ يهودي بعد هذه الوثيقة أن يقول: «أنا حبّوب وطيّوب» إذ قالت لي أعظم كنيسة في العدد أنا لا أزال من شعب الله ونزلت عليّ كل البركات ودفعت هي إلى أجدادي صك حسن سلوك وتدفع إليَّ صكًا مماثلاً إذ لم تبق كنيسة في الغرب تتحدث عن تبشير اليهود وباتت جميعًا تتكلم حصرًا على الحوار مع اليهود. تبرئة اليهود من دم المخلص لم تكن بلا سابقة فقد قضى المؤرخ اليهودي جول اسحق Jules Isaac سنوات يحاور البابا بولس الثاني عشر لتلاطف الكنيسة الشعب اليهودي. ومع أن الأسقف الروماني ساعد يهود روما في الحرب إلاَّ أن الكثيرين شنَّعوا ذكراه لأنه لم يكن بالغ الوضوح في تقبيح النازية في هذا المجال.
لك أن تكون شتَّامًا للمسيح في السينما وغير السينما وهذا من باب حريَّة الفكر أي حريَّة السبّ. ولك أن تُراكم كل ما ارتكبه المسيحيون في حقّ اليهود ولكن مسؤوليتك كمؤرخ أن تستر أي شيء ارتكبه اليهود في حق المسيحيين أو في حق أنفسهم (وشاية اليهود باليهود في العصر الهتلري مثلاً) لان هذا يكون عداء للسامية.
هذه الحملة على المسيحية تجلّت في برنامج تلفزيوني في Arte منذ بضع سنوات عنوانه Carpus Christi دُعي إلى القيام به قُسس كاثوليك وإنجيليّون وعلماء يهود حتى يُوضع البرنامج في إطار البحث التاريخي. لماذا لم يؤتَ بمسلمين أو ببوذيين ومن بين هؤلاء علماء في المسيحية؟ لماذا الإيحاء بأن فكر المسيحيين وفكر اليهود مُتقاربان؟ واللافت في هذا البرنامج التشكيك في المسيحية وتهميش «العلماء» المسيحيين أنفسهم عن تراث الكنيسة واعتبارهم الفكر النقديّ المغاليّ والتاريخيّ الضيِّق الافتراضيّ مرجعيّة المعرفة بحيث لا يبقى من المسيحيّة إلا بعض العِظام كالتي ترميها من طعامك للكلاب.
واليوم تطالعنا Arte ببرنامج آخر مرت منه بعض حلقات عن نشوء المسيحية ما رأيت منها إثارة الشكّ في جماعة التلاميذ وعلى الأخص بولس وهذا أيضًا بمشاركة أساتذة من الجامعة العبريّة. مثال ذلك الشكّ في لوقا الذي تحدّث عن أسفار بولس ولم يذكر إحدى رسائله، قالوا. السؤال البسيط الذي يُطرح عليهم هو هذا: لماذا تريدون أن يذكر الرسائل في سفر أعمال الرسل وذِكرها لا يدخل في تصميم كتابه؟ كان هذا منهجه الأدبي. ثم إن لوقا مشبّع في إنجيله بفكر بولس فلم يحتج إلى تكرار ذلك في كتابه الآخر أعني أعمال الرسل.
ثم تؤتى طرحًا آخر. المسيحية لم تكن كما كانت أي ديانة مستقلّة إلاَّ بعد سقوط أورشليم في السنة السبعين وانهيار الهيكل. هذا خطأ لأن الانفصال كان واضحًا منذ يوم العنصرة في خطاب بطرس ولو تردَّد الرسل إلى الهيكل. الانسلاخ لم يكن فوريًا وما كان يمكن أن يكون. لكن التلاميذ، حسب النصوص الأولى، كانوا واعين أنهم يقولون شيئا جديدًا، وان الوضع كان مهيأ للانفجار. أجل ساعد سقوط أورشليم على اتخاذ الكنيسة استقلالها الكامل عن أمة اليهود. قبل ذلك التوتر بينهم وبين بولس في الشتات كان بليغًا.
مثلٌ ثالث في هذا البرنامج يتعلّق بالخلاف الذي وقع بين بطرس وبولس في أنطاكية. ضخّموا الخلاف تضخيمًا يتجاوز المعقول. كانت المشاجرة إذا صحّ التعبير بين بولس وبطرس أن هذا امتنع عن أن يأكل مع الأمم (المتنصّرة) مع أن مجمع أورشليم قرر أن الأمم لن يفرُض عليها ناموس موسى بل تتنصّر بالمعمودية فقط. بولس وبَّخ بطرس على ضعفه وريائه (والكلمة لبولس) ولكنَّه لم يتهمه بأنه خرج على إجماع القرار في مجمع أورشليم. قضيَّة مسلكيّة صنعوا منها قصّة كبيرة ليبيّنوا أن وحدة الفكر لم تكن في البدء بين الأتباع الأوائل. السؤال هو أن اختلاف الآراء يبطّن انقسامًا جوهرياً بين الرسل. كتب العهد الجديد لا تُنبئ بذلك. ولكن كل برنامج Arte يدلّ على أن نشوء المسيحية الأولى لم يكن كما صوره العهد الجديد ولكن كما يقرأه مؤرخون ليبيراليون على آخر حدود التطرّف وكما يقرأه معهم زملاؤهم في الجامعة العبريّة في أورشليم – القدس.
هناك تهوّد حقيقي في اللاهوت الغربيّ لا يُنقذنا منه سوى العودة إلى انتمائنا إلى الأقدمين الذين نُسمّيهم الآباء القديسين وهم عندنا في إجماعهم مرجعيّة في الإيمان. هؤلاء طووا صفحة اليهوديّة إلى الأبد ولا يعترفون بدوام شرعيّتها. ولم يقم الدليل كما تدّعي المراجع الغربيّة على أن نصوص الإنجيل هي التي تؤسس العداء للسامية. المسيحي الشرقي على اعتقادهم بأن اليهودية ولّت لم يضطهد اليهود. واعتداء بعض رعاع الروس على اليهود شجبته الكنيسة الروسيّة شجبًا شديدًا. لقد تخدّر اللاهوت الغربيّ بسبب تعديّات القرون الوسطى والموقف النازي على اليهود ومنعًا لقمعهم ظنَّ لاهوتيو الغرب أن عليهم أن يتحرروا مما كتبه آباؤنا وما جاء في عباداتنا وقد استغلّ اليهود ذلك سياسيًا أيما استغلال. لقد التقيت شخصيًا يهودًا في الجمعية العموميّة لمجلس الكنائس العالمي في أوبسالا (أسوج) السنة الـ1968 وطلبوا إليّ أن تعدل الكنيسة الأرثوذكسية طقوس الجمعة العظيمة المعتبرة عندهم معادية للسامية.
هاجسنا الوحيد في هذه العجالة أن يؤمن مسيحيو الغرب بفرادة العهد الجديد وأصالة الكنيسة متميزة عن العقيدة العبريّة. نحن أمام شرخ جديد بين مسيحيي الشرق كلهم على اختلاف مذاهبهم والمسيحية الغربية المتهودة بوضوح إلى أن يتجلى لها مسيحها ببهائه وقيامته. كفانا الكلام على أصوله العبريّة في جسده. نحن لا نعرف المسيح حسب الجسد كما قال بولس. إننا نعرفه حسب الروح من حيث هو كلمة الله الأبدي الذي يفوق كلّ عرق وكلّ جنس. مركزيَّة المسيح ليست في بشريَّته ولكن في انه أتى من عند الآب.
Continue readingيذكر الإنجيل الصلب فالإنزال عن الصليب فالدفن ويتحدث عن القبر الفارغ من الجسد ويقول ان الحجر قد دُحرج وان المخلص شوهد بعد هذا مرات عديدة وتكلم مع التلاميذ. اذًا “انه لقد قام”. يؤكد الكتاب انه مات وان العسكر تأكدوا من موته. كذلك اصحابه والتلاميذ والنسوة حاملات الطيب. وعندنا على ما ورد عند يوحنا أثر الحربة في جنبه والمسامير في يديه. اي عندنا هذا التأكيد الكبير ان الإنسان الذي ظهر للتلاميذ والإخوة هو ذاته الذي عُلق على الخشبة. عندنا انتقال من حالة الميت الى حالة الحي المتحرك المتكلم المشارك الرسل طعامهم على بحيرة طبرية والمرافق تلميذي عمواس الى قريتهم والكاسر لهما الخبز.
عندنا ما هو قبل الدفن وما بعد الدفن ما لا يدع مجالا للشك في ان هذا الذي دُفن هو اياه الذي قام وجعل توما يلمسه ويفتش جنبه ويوآكل التلاميذ. هذا التحول من حالة ميت حقيقي الى حالة حي حقيقي هو ما سمّاه الكتاب قيامة. القيامة اذًا واقعة وقعت. وهذا القائم لم يشاهده فقط الأحد عشر وحاملات الطيب. ثم “ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة اخ اكثرهم باقٍ الى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل اجمعين. وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي انا -اي بولس- (1كورنثوس 15: 6-8). عندنا اذًا اكثر من خمسمئة شاهدٍ رأوا الرب حيًا. ونقل الينا بولس شهادتهم وهو وضع هذا في الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس المكتوبة حوالى 11 سنة بعد قيامة المخلص، الأمر الذي يجعلها حدثا تاريخيا مؤكدا.
صح اننا نؤمن بأن القيامة حدثت، ولكنا نؤمن بها بناء على شهادة شهود عيان. انها اذًا ليست مجرد رواية اتصلت بالاوائل بمجرد نقل متواتر. ودُوّن الحدث في الأناجيل الأربعة واعمال الرسل وكتابات بولس، ولا نجد حدثا في التاريخ اقوى منها من حيث عدد الشهود. من هذا ننطلق لنؤكد ايماننا بها.
اما كيف كان جسد الرب؟ لم يكن شبحا وقد جاء انه تكلم وان به جراحا وانه اشترك في موائد. عندنا جسم حقيقي. ولكن هل صار على نوعية تختلف عن اجسادنا الترابية هذه؟ يقول الكتاب انه دخل على التلاميذ والأبواب مغلقة اي لم يكن امام يسوع حواجز تحول دون حضوره حيثما شاء، بمعنى ان يسوع الظافر لا يخضع لقوانين التنقل في المكان. هو لا ينتقل. انه يحضر. لقد تجاوز بقيامته نواميس الطبيعة التي تجعلنا نحن خاضعين للمدى.
عندنا شيء من توضيح هذا في ما قاله الرسول عن اجسادنا الممجَّدة اي التي نكون عليها بعد القيامة العامة. هذه الأجساد كانت فاسدة هنا. يقول بولس عنها: “يقوم الموتى عادمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لا بد ان يلبس عدم فساد، وهذا المائت ان يلبس عدم موت” (1كورنثوس 15: 15-53). بقي يسوع في عدم فساد كما كان، ولكن جسده “لبس عدم موت” اي لبس الخلود. وهذا ما يؤكده الرسول في موضع آخر: “ان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن اننا سنحيا ايضا معه. عالمين ان المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت ايضا. لا يسود عليه الموت بعد” (رومية 5: 8 و9).
لذلك لا محل للسؤال: اين المسيح الآن؟ لا محل لهذا السؤال لأن السيد ليس خاضعا لقوانين الزمان والمكان. هو جالس عن يمين الآب، وليس لنا ان نهتم بحدود مكانية له. نحن نحيا مع يسوع ونحيا به ومن أجله. وقيامته فعالة بكلمته والكنيسة وسر القرابين المقدسة والشهداء وحياة القديسين المغبوطين وحياة المؤمنين كل على قدر طاعته للآب. القيامة مشعة ونفرح بها في العيد وفي كل يوم، وهي التي تنقذنا من الخطيئة ومن الموت لنكون في اليوم الاخير على صورة المخلّص الظافر.
Continue readingيسوع يدخل المدينة القاتلة ملكا ولكن ملكه لن يعلن الا على الصليب الذي أراده اليهود أداة إذلال للسيد وجعله هو مطرح مجده. “الآن (في الموت) تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه”.
أسلموه الى الموت حسدا غير عارفين ان هذا الموت يؤول الى خلاصهم اذا قبلوا يسوع مخلصا لهم. ولما أماتوه لم تبق لهم رسالة ولم يبق لهم معنى وصار المؤمنون بيسوع شعب الله.
انه لقد افتدانا بدمه وجعلنا “امة مقدسة” وخلائق جديدة فنتجدد بالمعمودية ونغتذي بالقرابين الإلهية والغفران والمحبة. وكشف لنا قوة حياتنا الجديدة بالعشاء السري لما اخذ خبزا وباركه وكسره وقال لنا: “خذوا كلوا هذا هو جسدي” ثم اخذ الكاس وباركها وقال لنا: “اشربوا منه كلكم هذا هو دمي”. وبعد حلول الروح القدس على التلاميذ اخذنا نقيم القداس الإلهي لكي نحيا بجسد المسيح ودمه الكريمين اي نحيا بذات المسيح ونستمد حياتنا من حياته.
وأدركنا بموت السيد انه هو معشوقنا وان الكنيسة ليست سوى هذه الجماعة التي تعرف انها محبوبة وتعيش بهذا الحب. اجل هناك عبادات وتنظيم كنسي وقوانين ولكن هذه كلها لباس للمسيح وتجليات له وهي ليست قائمة الا لكونها نفحات منه.
وصرنا نعرف ان “الختن يأتي في نصف الليل” والختن هو العريس ويأتينا عريسا للنفس المؤمنة في ظلام خطيئتها ويمحو الخطيئة بدمه ونقترن به بلا انقطاع هذا اذا لم نقم بدور يهوذا خائنين او بدور بطرس جاحدين ولكنا نقوم بدور لص اليمين القائل: “اذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك”. اذكرني اي لا تنسني وانا خروف من خرافك. اذكرني باسمي حبيبا لديك لأحيا بهذا الحب الذي تدفقه علي.
هكذا نقف امام الصليب ناظررين الى المصلوب وحده غير متلهين بشهواتنا وأطماعنا واحقادنا اذ لا شيء فيها يساوي المحبة التي انسكبت علينا. ونكافح ضعفاتنا لأنها تعطل رؤيتنا ليسوع واتحادنا به. فاذا ادركنا اننا نحيا برؤويته ايانا ورؤيتنا اياه نصير في النور الذي يغسل نفوسنا من كل دنس وتملانا من حضرة المسيح فيكون الكل في كل كياننا بحيث امكننا ان نقول مع الرسول: “لست انا احيا بل المسيح يحيا فيّ”.
وحتى نتدرب على هذه المعاني لا بد لنا ان نشترك بالخدم التي تقام في الأسبوع العظيم فلا نبتعد عنها الا اذا كنا في اشغالنا. فالصلوات هذه تحوي كل معاني الخلاص ونصل بها الى هدوء النفس وسلامها. والطريقة المثلى لتنقيتنا ان نقتبل المناولة الإلهية في كل قداس في هذا الأسبوع الطيب حتى لا تبقى هوة بيننا وبين المسيح.
والقرابين الإلهية هي فصحنا في الآحاد والأعياد لأنها قيامتنا حسب قول السيد لمرتا: “انا القيامة والحياة”. فاذا كان العيد ذكرى لنهوض السيد من بين الأموات ففي المناولة الإلهية تتحقق قيامة النفس. نحن قوم فصحيون نستبق القيامة العامة بتطهر القلب ورجوعه الى الآب والابن في الروح القدس.
Continue readingهذا الأحد وهو الأخير من الصوم نصل فيه الى قمة الحديث عن التوبة، هذه التي لا يدركها احد حتى النهاية لأنها تعني ان لا شيء فيك يفرقك عن الله ولكن المحبين يسوع يسعون اليها في حزن على خطاياهم على رجاء الاستمرار في السعي. التوقف هو الخطيئة. وحتى تتبلور التوبة وضعت الكنيسة امامنا مريم المصرية نموذجا اذ كانت ساقطة حتى القاع ورفعتها توبتها حتى الذروة. هل انت مثلها طالب الجهاد جديا، حتى الدم كما يوحي الرسول، ام كان الرجوع أمنيات فقط، تقطعه لأن وجه المسيح لم يسحرك بعد حتى رغبة الانسلاخ عن خطاياك وانت بلا شك تعرفها واحدة واحدة. هل كنت مصرا على معاصيك وانت صائم؟ يبقى لك ان تسبح في مياه المسيح في هذا الأسبوع حتى تستطيب المخلص وتسلم له في الأسبوع العظيم، حتى اذا ادركتك الأيام الأخيرة منه تكون ذقت حلاوته.
تهزني قطعة في صلاة السَحَر (وبلا صلاة السحر لا تكون ماشيا على دروب الجلجلة)، هذه القطعة التي مستهلها: “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. ويأتي تفسير هذا الكلام بكلام آخر: “ان الرجل البار هو الذي يرحم النهار كله”. عندما تحيا الرحمة حقا لا يبقى لك مجال للبخل، للكبرياء. ان ترحم هو ان تخرج من انغلاقك لتجعل الآخرين ليس في حضنك ولكن في احضان أبيهم الذي في السموات. ان ترحم يبدأ بمعرفتك ان المخلص رحمك انت ايضا بدمه وطهر ضميرك من الأعمال الميتة لتخدم الله الحي.
انت انسان رحيم ان فهمت هذه القولة في إنجيل اليوم: “من أراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما… فإن ابن البشر لم يأت ليُخدَم بل ليخدُم وليبذل نفسه فداء عن كثيرين”. انت زوجا مجرد خادم لأهل بيتك. انت كاهنا او وزيرا او عالما او فيلسوفا خادم للذين تعايش. انت لا تطلب اي شيء لك. انت يكفيك من دنياك ان تأكل وتشرب وتضع علمك وقدراتك كلها ووقتك وانتباهك في سبيل الآخرين.
بهذا انت ترافق المسيح حثيما ذهب. وعند ذاك تستطيع ان تقول لمن كان ميتا في خطاياه: “يا لعازر هلم خارجا”. سيقولها السيد في آخر الأسبوع. ولك ان تقول هذا اذا قبلت ان يقيمك يسوع من كل معاثرك. وانت تقوم فقط اذا آمنت بكلمة المعلم لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. ليس في هذا القول حجب لإيماننا بالقيامة الأخيرة، ولكنه تأكيد لإيمانك بأن يسوع قادر على احيائك الآن. ذلك لأنه لا يقبل ان ترجئ التوبة. “اليوم، اليوم وليس غدًا”. انت تلقى وجهه في اليوم الذي انت فيه فقد لا يكون لك غد، واذا كنت تعيش ليوم آخر فقد لا تنهض فيه، فتموت الى الأبد تحت الغضب الإلهي.
الناس لا يؤمنون بهذا الغضب لأنهم يؤثرون ملذاتهم على الرجوع الى وجهه. اما الذين يحبون وجهه فإنه يغنيهم عن كل الوجود. ايضا كلامه لمرتا: “من كان حيا وآمن بي فلن يموت الى الأبد” اي لا يموت اليوم ولا غدا ولا في الدهر الآتي.
الخطيئة ساحرة ولكنها كاذبة اي تغري الى حين وتبدي لك انها تملأك سرورا ولكن في الأخير تملأك مرارة. وبعد ارتكابها ترى نفسك في الجحيم قبل ان تنقضّ عليك الجحيم في اليوم الأخير لو ثابرت على المعصية. ولكن ان عرفت ان المسيح هو قيامتك وحياتك فأنت في السماء قبل ان تنتقل الى السماء في اليوم الأخير. الله قال لك الأشياء الجدية ولا يمزح فلا تمازحه لأنه لا يهزأ به. هو جدي كثيرا. السير معه يكلفك كثيرا. يكلف الانقطاع عن مئة امر وامر، ولكن نتيجة لهذا الانقطاع ينزل عليك الخبز السماوي الذي مَن أكل منه يحيا الى الأبد.
Continue readingبين الاثنين الخامس عشر من آذار والسبت العشرين منه حللت ضيفا على معالي وزير الاوقاف والشؤون الدينية عبد الله بن محمد بن عبد الله السالمي في مسقط (عُمان). وكان الهدف الرئيس من ضيافته الكريمة القائي محاضرة بعنوان: «المسيحيون والعرب والقدس». القيتها في قاعة الجامع الكبير في حشد كبير وفي مقدمتهم السفراء العرب ومنهم سفيرنا الاستاذ عفيف ايوب الذي احاطني بعطف كبير. وقدمني الدكتور رضوان السيد.
كيف عالجت موضوعي؟ احببت في قسم اول ان اذكر المفكرين المسيحيين الذين تصدوا للعقيدة الصهيونية. لم اعثر على كتاب نجيب عازوري عن الأمة المنشور في باريس في مطالع القرن الماضي. غير اني وجدت اسم الشيخ يوسف الخازن الذي وضع في باريس السنة الـ1919 كتابا عن الدولة اليهودية في فلسطين وتبعه السنة اللاحقة جورج سمنه. ثم لاحظت ان الدكتور خليل سعادة نشر السنة الـ1921 في ساو باولو مقالا ضد الصهيونية وتبعه بعد ذلك ابنه انطون سعادة. ثم ظهر امامي داود مجاعص وفارس مشرق وبعدهما السيد بولس الخوري مطران صور وصيدا لاحقا والسيد اغناطيوس حريكة مطران حماه. وكان لا بد ان اذكر قسطنطين زريق وجبران تويني مؤسس جريدة النهار. وهذه لائحة فيها دلالات.
غير ان المهم كان موقف الكنائس. وهنا يبرز خطاب البطريرك الارثوذكسي الياس الرابع في مؤتمر القمة الإسلامي في لاهور السنة الـ1974. وذكرت في ما قاله قوله لملوك الدول الإسلامية ورؤسائها: «القدس محجتكم على دروب الحرية ونحن واياكم مقدسيون… ويقيننا ان المدينة العظيمة قد غدت معراج الإنسانية الى الله». وكان البطريرك هو الذي اطلق كلمة سارت كالنار في الهشيم: «البشر لا الحجر».
غير ان ما يقيد الارثوذكس بيان مجمعهم صيف 1975 بعيد اندلاع الحرب في لبنان وفيه: «لن ننسى اننا في مسيرة العرب جميعا الى القدس ونحن من الكلمة التي خرجت منها نأتي… لذلك كانت السيادة الصهيونية عليها اقتلاعها من جذورها مدينة لله و أهل الآخرة». وجدد المجمع هذه المعاني بعد الحرب. ثم اوردت ما صدر عن مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك عن القدس غير مرة واستشهدت بخاصة بقولهم: «نعلن تأييدنا لقيام دولة مستقلة عاصمتها القدس».
وذكرت الأماكن المسيحية المقدسة في كل انحاء فلسطين وأسفت لانحسار الحضور المسيحي في القدس وبيت لحم وشبه زواله من بيت جالا وبيت ساحور بسبب من الهجرة. غير اني بينت ان المسيحي المنتمي الى الحضارة العربية يتذوق الحضارة الاوربية ما يجعله جسرا بين الحضارتين. ثم كشفت حذر القادة الاسرائيليين من مسيحيي لبنان وذلك في المراسلة التي دارت بين موشي شاريت ودافيد بن غوريون.
# #
#
في القسم الثاني من المحاضرة أدليت بأن بين اليهودية والمسيحية الشرقية في كل مذاهبها صداما يقوم على زوال الهيكل والختان والفرائض الموسوية تأسيسا على اعتقاد آبائنا ان اسرائيل القديم انتهى وان الكنيسة أمست هي اسرائيل الله. فعلامَ اذًا يقوم كيان لليهود؟ لذلك تصورت في غياب فلسطين موحدة ان تصير القدس «ايقونة لوحدة تعايش بين الجماعات الإبراهيمية الثلاث».
القدس وليس سوى القدس لكونها رسالة انسانية او للإنسانية. اجل رجوت «هدية ابراهيمية ولكنها عصرية. ما من قدس اذا جعلنا حارة المسلمين تجاور حارة النصارى… القدس نهاية الحارات».
وظيفة للقدس اساسية ان تصبح «مقر الخطاب الديني القائم على استبقاء الآخر على ما يعتبر له ومنه بحيث يبطل الاحتراب وينحت كل منا الآخر بالانتباه الى وجعه في محاولة الوصول الى التناغم بتعدد اللحن». القدس متوثبة اذًا الى الآتيات. واوضحت هذا بقولي: «اجل انا جئت من القدس لأني اجيء من بشرية المسيح وانت تأتي منها بسبب من الحرم المقدسي والسرد المقدسي في القرآن ولكنا كلينا نصنع الأنسان الجديد».
من الواضح اني كنت اتحرك بين القدس وفلسطين، فلسطين الإنسان والذاكرة التاريخية وذكر الله معا. هذا كان القسم الثالث. ورجوت ان يبقى «الإسلام السياسي معتدلا مسالما طيبا حنونا». ثم عرجت في الخاتمة على اني لا اطلب «تداخل التراثات بحيث يخسر كل منا هيكليته الداخلية ولكن هذا يفرض ان اقبل فرادتك وحريتك». وانهيت كل هذا التأمل بقولي: «سنعود الى القدس معا مسيحيين ومسلمين في تواضع وعزة لتصبح هي قلب فلسطين دعوة العالم الى العدالة والحرية في كامل الصدق».
وأفسح الصديق الدكتور رضوان السيد في المجال للاستيضاح والسؤال. ثم انصرف هذا الأسقف العربي من قاعة الجامع الكبير الى دفء الأصدقاء في مسقط.
# #
#
كانت هذه زيارتي الاولى للسلطنة التي ادهشتني عاصمتها بجمالها الخلاب. العمارة ذات طراز محلي على قياس الإنسان والمنازل تحيط بها الاشجار وتشرف الدولة على التقيد بالنمط المعماري في عاصمة يكسوها النخيل في كل مكان فترى ان الصحراء تحولت جنات. تحس الانس حيثما حللت وتعرف ان جلالة السلطان قابوس ملهم كل هذا التقدم العمراني وناظم هذا العيش. الحاكم ملهم حياة الشعب العامل في كل قطاعات العيش الاجتماعي. بلد يتكل على مواطنيه الى جانب استخدامه عناصر من الشرقين الأقصى والأدنى يعيشون في سلام مع اهل البلد.
بلد يحافظ على تراثه وازيائه ويتطلع الى الحداثة بلا تعقيد. مدينة نزوى تمثل لك العراقة العمانية بقلاعها شاهدة على ارادة الاستقلال في هذا الشعب المجاهد الذي استطاع ان يتحرر من البرتغاليين والانكليز وحافظ على استقلاله.
والسواح كثيرون نزلاء في فنادق فخمة تحافظ هي ايضا في هندستها المعمارية الداخلية على الذوق العماني في الزخرف. ذوق مدهش ودماثة مذهلة وثقافة انكلوساكسونية لصيقة في من استطعت ان احتك بهم من رجالات البلد.
ولئن كانت السلطنة تبلغ ثلاثين مرة مساحة لبنان الا انها تشبهه يتزاوج البحر والجبل والجبل الأخضر علوه علو أعلى قمة عندنا. الحياة الاقتصادية منفتحة على الخصخصة وعلى تحفيض الدين الخارجي. النفط ثروة كبرى الى جانب الغاز الطبيعي واتجاه دنيا العمل الى تعظيم العمالة الوطنية. والوطنيون يعملون في كل القطاعات والأمل ان تزداد مساهمتهم في بناء بلدهم ولاسيما بعد ان فتحت الجامعة السنة الـ1990. لقد ذلل السلطان قابوس مشاكل الحدود مع اليمن في تشرين الاول السنة الـ1992 ووقع اتفاقات دفاع ثنائية مع الكويت وقطر والولايات المتحدة وأدت سياسة السلم هذه الى انتخاب السلطنة في مجلس الأمن السنة الـ1993.
تعداد السكان الآن حوالي مليوني ونصف المليون اشتركوا منذ الـ14 من ايلول السنة الألفين بتشكيل مجلس شورى مؤلف من 83 عضوا. ويعين السلطان في مجلس الدولة 45 عضوا منهم خمس نساء ومؤخرا اختيرت احد السيدات وزيرة. وهكذا تسير السلطنة في ظل الشريعة الإسلامية الى مشاركة الشعب في الحكم والانفتاح على العالم في حدود الهيمنة العربية على السلوك السياسي والثقافة. والسلطنة واعية لاهمية النضال الفلسطيني في نهضة العرب الحديثة.
في ما يراه المراقب تقدم عمان نموذجا رائعا لتزاوج الحداثة والعراقة وتقدر تقديرا كبيرا دور المسيحيين العرب ومنهم من يعيش فيها مزدهرا يقدم بإخلاص مهاراته للسلطنة ومتمتعا بحسن الوفادة بما فيها حرية العبادة. هكذا تبدو السلطنة بما فيها من اطراد تقدم مثالا جميلا في جزيرة العرب لبلد واعد. ودعت البلد بقداس إلهي شارك فيه نحو 170 مؤمنا من المسيحيين العرب لامست شفافهم الكأس المقدسة.
Continue readingفي الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس وقد عاد بولس الى الحديث عن بطلان الحكمة الدنيوية وكان قد تحدث عنها في مطلع رسالته استنتج اننا لا نستطيع ان نفتخر بالناس. بأي انسان يعتبر عظيما. فنحن لسنا له ولسنا دونه “فإن كل شيء لكم” (1كورنثوس 3: 21). ويوضح الرسول فكره بقوله: “أبولس ام أبلوس (وهو تلميذ لبولس) ام صفا (بطرس) ام العالم ام الحياة ام الموت ام الأشياء الحاضرة أم المستقبلة كل شيء لكم” بمعنى ان كل شيء هو لخلاصكم. بتعبير آخر بولس بتواضعه لا يريد ان يكون المؤمنون حوله ولكن حول الإنجيل الذي هو يحمله. ليس في الكنيسة من عبودية لشخص ايا كان. ابوك الروحي هو لك، هو خادمك بالكلمة التي يحملها. نحن بسبب مقامنا لسنا زعماء يتحلق الناس حولنا. نحن خدام لكم. يذكر بولس ابلوس وصفا لأنهما كليهما خدما كرسي كورنثوس. الراعي يصير خادما لأنه يموت في عطاء نفسه. المسيح صار راعيا لنفوسنا لكونه حقق على الصليب كونه حَمَل الله.
ثم يكمل بولس فكره بقوله ان الحياة والموت هما ايضا لكم. الحياة الدائمة في المسيح التي تعطاها من فوق تنبت فيك لتنوجد بالله. والموت تعبره لكي تنال الحياة الدائمة في المسيح. هنا لا فرق عند الرسول بين الموت والحياة. كذلك يشرح ان “الأشياء الحاضرة والمستقبلة” هي لكم. هذه الدنيا بما فيها موضوعة بتصرفكم، الحاضرة منها والآتية (غالبا قصد الملكوت). اشياء الدنيا اذا لم تسيطر عليكم تكون لكم (جمالاً كان هذا ام عائلة ام ثقافة ام نجاحا). كل هذا يهيمن عليه المسيح الكائن في قلوبكم. واذا لم يكن فيها فانتم لستم احرارا وابناء الدنيا، عند ذاك، تسيطر وانتم تابعون. فاذا تبعتم احدا من الناس تفقدون كل حرية واذا فقدتم الحرية لا مسؤولية لكم ولا مساهمة شخصية في بناء هذا العالم الذي طلب الله ان يسكنه بواسطتكم. بدون حريتكم، المتكبرون يسودون هذا العالم.
بعد ان طلب بولس تحررنا من كل قيد، يختم كلامه بقوله: “وأما انتم فللمسيح والمسيح لله”. انتم للمسيح لأنه المحرر، لأنه وحده مخلصكم، واذا ذهبتم اليه تذهبون الى الطمأنينة والسلام والحياة التي لا يضاف عليها شيء. ففي المسيح تجدون منتهى أمانيكم. وحقيقة مسيرتكم الروحية انكم اذا حرركم المسيح تدركون ان كل شيء في العالم هو لكم لكي تضعوه عند قدمي المخلص لأنكم لا تطمعون بشيء.
المسيح هو لله اي للآب. فإنه سيُسلّم المُلْكَ لله الآب بعد ان يكون أبطل قوة الشيطان ووضع كل الأعداء تحت قدميه.
الآن لسنا نرى كل شيء خاضعا له. وهذا يقتضي من قبلنا صبرا كثيرا ورجاء دائما. احيانا نرى ان هذا العالم أمسى كأنه مملكة الشيطان وقد سماه الكتاب رئيس هذا العالم. محبو المسيح الآن يرون سيادة ابليس عاملة في كل مكان، في كل حقل، في ما نقرأ وما نشاهد وما نسمع. مع ذلك نؤمن ان كل شيء سيخضع للمسيح. “ومتى أُخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه ايضا (ببشريته) سيَخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل” (1كورنثوس 15 :28).
ستظهر عند ذاك سلطة الله على العالم المنظور، على البشر وعلى الخلائق كلها. لا تزول الأشياء. يزول فسادها. قبل هذا، كل شيء لكم لكونكم احرارا في المسيح والمسيح سيد قلوبكم الى الأبد.
Continue reading