Author

Aziz Matta

2004, جريدة النهار, مقالات

المؤسسة والروح / السبت في 20 آذار 2004

الفكر العربي المعاصر يشكو من المؤسسة. كذلك الفلسفة في الغرب الحديثة والأكثر حداثة. وهو التعبير العلماني عن رفض ما من شأنه في الحياة السياسية ان يشبه النظام الكنسي. فكل اجتماع بشري تحميه ايديولوجية له «كهنته» كما يسميهم نصر حامد ابو زيد. الكنيسة المسيحية لا تتفرد بكونها نظاما يقوم على اساقفة وقسس ومجامع اساقفة فأسقف الحزب يسمى امينا عاما والمجمع المقدس يسمى لجنة مركزية او شيئا كهذا. وعندما قام الإنجيليون على الكنيسة الكاثوليكية رفضوا أفهومة الكنيسة بمعنى التنظيم الأرضي فلا الكاهن كاهن ولا الأسقف أسقف ولكن سرعان ما نظموا مجامع واتحادات كنائس ثم اخذوا يقتربون من الموقف التراثي الذي لا فصل فيه بين الكنيسة والروح.

الى هذا الإسلام الذي ما من أحد فيه منصب كي يقطع بما عليك ان تؤمن به وما من مجمع ائمة يقيدك وما من تفويض إلهي لأحد بالتفسير بحيث يمكن الافتراض النظري ان المسلم بعد قبوله القرآن والسنة والأركان الخمسة والإمامة عند الشيعة له حرية التفسير للكلام الإلهي. غير ان مرجعية التقليد مؤسسة ضابطة كأية اسقفية مسيحية او اكثر احيانا. الى هذا، المعرفة سلطة كبيرة ولا يختلف الا العلماء. انا في اواخر الأربعينات وبداءة الخمسينات كنت كثير الاختلاط بالاوساط البروتستنتية في باريس التي كانت تقول بكل كلمة كتبها كارل بارت. هل هذا كان اقل تمأسسا من الكنيسة الكاثوليكية؟

هناك دائما تحلق حول شخص او كتاب او «كهنة» هيكل ما وهذا على ما أرى قائم في الهندوسية ومتفرعاتها. لا اختلاف الا في الشكل وفي كثافة الضغط الذي يمارس عليك او يختلف حسب درجات التقبل عندك.

وصفنا ما يعاش ولكن اي شيء يزعج الناس فعلا؟ لنأخذ مثلا الأسقف المحلي الذي يعلم ما اخذه من التراث ان لم يكن غبيا. لك ان تقول له ان ما يعلمه ليس موافقا للتراث وان ترفع القضية الى مراجع عليا. ولكن هذا ايضا يتم واقعيا بين العلماء. السؤال الأبعد هو هذا: هل تعتبر نفسك على دين او مذهب ما بلا رجوع الى كتاب او تواتر او إجماع الرأي في فهم النصوص التأسيسية؟ هل الدين مفتوح على كل الآفاق ام ان التفسير يقف عند حد العقيدة المنقولة الينا؟ هل تبقى مسيحيا مثلا ان رفضت المسيح إلها متجسدا؟ كيف تشرح هذه العقيدة، كيف تمارس التأويل هنا عندك فسحة من الحرية. عامة الناس يتصورون ان كل آية من الكتاب لها تفسير واحد. هذا لم يكن واردا يوما فقد ظهرت مدارس تفسيرية مختلفة تتمتع بشرعية واحدة. مثل على ذلك ان قولة الإنجيل الرابع عن السيد انه «امال رأسه واسلم الروح» افهمها انا انها لا تعني حصرا تسليم الروح البشرية بل إشاعة الروح القدس على الدنيا. هذه حرية مقبولة.

الأسقف في الإداريات يبت الأمور بكامل سلطانه كذلك في امور الرعاية وان كانت الحكمة تقضي بالشورى والتأني. هناك بشر يجب ان يتعايشوا على قاعدة لجمعهم وترتيب امورهم.

على مستوى الرعاية الاوسع لمجمع الأساقفة سلطة على اعضائه وتاليا على المؤمنين. ولكن لا يعلم احد عندنا ان المجمع يتمتع بقوة العصمة الإلهية آليا. ربما كان قليل الحكمة او ظهر فيه متحيزون او قليلو العلم. في كل كتلة بشرية ثغرات. وكثير من الأمور ممكن إعادة النظر فيها وأعيد النظر فيها. اما في امور الإيمان فيقول الارثوذكسيون ان الكنيسة من حيث هي كل يؤيد وجدانها قرارا مجمعيا يتعلق بالعقيدة او لا يقرر. هذا له سوابق كثيرة. فقد رفضنا مجامع وتحديداتها. في الأخير الروح القدس يشهد لنفسه في كتلة صغيرة من الناس او فرد واحد ضد مواقف مئات من الأساقفة. ليس أحد عنده مسبقا وعد عصمة. إجماع الأمة المقدسة دليل الحقيقة. هذا فيه مخاض. واليقين يتضح بعد المخاض.

اظن ان الذين يتعرضون الى ما يسمونه هم السلطة الدينية انما يفعلون ذلك تأسيسا على التحجر العقائدي dogmatisme القائم في الأحزاب اولا وفي كل ميادين المعرفة من فلسفة ونقد ادبي وصراع مؤرخين. القصة لا تأتي من طبيعة الدين من حيث ان فيه نفحات إلهية. فهناك النص الديني وهناك قراءة النص اي القارئ او القراء المجتمعين في الصلاة. هناك نواة ايمان هي شرط القراءة والا كنا في اللادين. عندك منطلقا سلطة النص ولكن عندك روحية المتلقي. وفي المسيحية واضح انك امام الكلمة ولكنك ايضا مع الروح الإلهي الذي فيك والذي كان في آبائك وتكلموا تأسيسا على تلاقي الكلمة والروح فيهم وفي الجماعة. من هنا ان القول بأن هناك سلطة في الكنيسة تكبل قليلا او كثيرا قول غير صحيح لأن الكنيسة ليس فيها سلطة بالمعنى الحقوقي حيث الدولة تفرض قوتها على المواطنين. الكلمة اليونانية المستعملة في الإنجيل وعربها آباؤنا سلطة او سلطان تعني القدرة او القوة اي قوة الروح. فالذي استنزلنا عليه الروح ليرعى وكانت حياته مطابقة للكلمة وبدا قلبه وعاء للروح انت تطيع القوة الإلهية التي يحمل ولا تنصاع لسلطة خارجة عن الجماعة التي انت ايضا حامل تراثها.

فاذا لم تكن حاملا الكلمة او ما كنت وعاء للروح تحول انت مقامك الى مؤسسة اي الى ترتيب موضوع غير قابل للنقاش. انت تمؤسس المقام الذي كله اصلا روح. المؤسسة ينشئها الناس الذين فيها لأنهم يحولونها الى مزرعة لهم ولو راقية اي يسيسون ما كان إلهيا وبدل ان يكون الرئيس الروحي نبيا بالمعنى الذي يعرفه العهد الجديد اي مبلغا كلمة الله بقوة وحدة يقدم نفسه للطائفة معبودا. وهذا يجري في الأحزاب وقد نحتت هي عبارة «عبادة الشخص».

ليس من سلطة الا للخدمة والخدمة تتم في امحاء. حربكم يا ثائري الفكر الحديث والمفككين كل شيء هو ليس على «السلطات الموضوعة» ولكن على المتسلطين. فمن ترونهم في السلطة الدينية مثلا قد يكونون اقرب الناس الى الوداعة وأبعدهم عن التمسك بحقوقهم وقد لا تميزهم في اخلاقهم عن البسطاء الطيبين.

ليس من شيء اسمه دور اذ ليس للنبي دور تحكمه رسالته. طبعا اذا كبرت الهوة بين الاخلاق والرسالة التي نحن مكلفوها تقع الكارثة وتنشأ المؤسسة اي رؤية ان ثمة اوضاعا وترتيبات انت خاضع لها بحكم ذاتها او حكم ذاتك. ولكن هذا ناتج من المأساة. اجل في الكنيسة كهنة مرتزقون. وفي الحزب ايضا وبين المثقفين «كهنة» مرتزقون. ليس احد اليوم ينتمي الى المؤسسة (السياسية هنا) كما ينتمي اليها المثقفون وهم الذين يطلبون الحرية.

والسؤال هو الى اين تسير هذه الحرية. ما يمزق الأحشاء ان ترمي كل شيء لتطالب بحريتك (وهناك كهنة الحرية) لأن هذا لم يكلفك عناء البحث والنقد الحقيقي العظيم للمؤسسة. المؤسسة كلمة ترميها لتقول بلا رقيب ولا حسيب ما تريد قوله وقد يكون فيه هدم ولا يقلقك هذا لأنك تعزي نفسك بأنك تهدم بحرية ولا تعزي الآخرين بأنك تبني لهم شيئا جديدا. واذا تفحصنا بدقة ما تقوله ضد المؤسسة نلحظ ان غيرك قاله لأن معول الهدم واحد في الأزمنة كلها.

لا بد في الاجتماع البشري من تنظيم وكل تنظيم يحمل في طياته خطره. ولا يسع المجتمعات ان تعيش بمجرد العفوية. هذه روح لها ان تكون إلهية وقد تكون إبليسية. فالعافية قائمة على الجدلية بين المؤسسة والروح التي تسائل كل ما هو موضوع. الإنسان الحي والمنتعشة حيويته دائما يصحح ما في المؤسسة من طاقة جمود حتى تضيق الهوة بين الموضوع والذات. والتراث الذي استلمنا من الأقدمين يراقب اتجاهات الذات حتى لا تأتي الحرية بلا مضمون او حتى يستقيم اتجاهها. ليست الصحة في مجرد الحرية ولكن في قيام هذه بالحق على ما قاله يسوع الناصري: «وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يوحنا 8: 32). الحقيقة ليست في الخيار بين المؤسسة والحرية او الإبداع. الخيار هو بين الحق والباطل واذا كان ما يسمى مؤسسة احتقارا يحمل الحق فأنت مع المؤسسة. الإبداع ليس الخير المطلق. فالخطيئة مبدعة واغراؤها اعظم إبداعا. الله وحده «بديع السماوات والأرض» (سورة البقرة، الآية 117) لأنه يخلق الأشياء من حقيقته وهي خيرة. واما نحن فننشئ الفكر والعمل من واقعنا النفسي الذي هو خليط حسن وقباحة. هناك حرية واحدة سليمة وهي «حرية مجد اولاد الله» (رومية 8: 21) اي الذين انعتقوا من الخطيئة على ما قاله بولس ايضا: «فاثبتوا اذًا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية» (غلاطية 5: 1). فالتقابل ليس بين المؤسسة والحرية ولكنه بين التحرر من الصلاح والتحرر من الشر. ليس المهم ان نخلع الملوك عن عروشهم. المسألة هي اي ملك نريده على عرش فكرنا وسلوكنا. هل شوقنا الى الله سيدا على نفوسنا ام شوقنا الى ان يعلن كل منا نفسه ملكا.

اجل الثورة ولكن على اي شيء؟ الثورة حركة وليست مضمونا. المهم ان نكسر الأصنام غير اننا ننسى احيانا الأصنام فينا. الهدف الكبير ليس خلع الملوك بل حطم الاوثان المعششة في النفس. هذا خطأ كل الثورات ان تعتقد ان تحسن البشرية يكون بإبدال حكم بحكم. الثورة الكبرى هي ان تجلد نفسك لتعبد الإله الحي.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب الكريم/ الأحد 14 آذار 2004 / العدد 11

بعد ثلاثة اسابيع من الصيام لاحظت الكنيسة أُمنا ان المؤمنين او بعضهم قد يتعبون من الجهاد او يملّون او يفترون فوضعت امام قلوبهم هذه الذكرى ليتشددوا. ففي نهاية المجدلة الكبرى نطوف بالصليب موضوعا على صينية مملوءة بالرياحين او بالزهور، وحول الصليب ثلاث شموع مضاءة رمزا للثالوث المقدس. ويطوف الكهنة بهذا، ويأتي المؤمنون لتقبيل الصليب، ويعطيهم الكاهن زهرة بعد ذلك علامة للفرح الذي نلناه بموت الرب.

            ثم يأتي الإنجيل في القداس يقول: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (اي الى الجلجلة في إماتة شهواته المؤذية). ويضع تقابلا بين خلاصنا بالصليب وربح العالم الشرير اذ يقول: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. طبعا الصيام يكلف جهدا، ولكنه يعطي ايضا فرحا.

            واذا استمعنا جيدا الى صلاة الغروب وصلاة السَحَر نتوجّه فيهما الى الصليب ونقول له -كأنه حي- “اظهر لنا بهاء جمالك” ونسمّيه “فردوسا بهيا للبيعة” (اي الكنيسة) ونعترف انه يمتعنا “بالمجد الأبدي” ونعترف انه “حامل الحياة وظفر العبادة الحسنة”.

            فاذا خاطبنا الصليب، يكون هذا اسلوبا شعريا نقصد به اننا نخاطب المسيح الذي مات من أجلنا ونذكر اننا نلنا به الخلاص. فموت يسوع قيامة الجنس البشري. الصليب كان مطرح الظفر بالخطيئة، وكان أساس قيامتنا. وهو مقام المجد الإلهي بناء على قولة يسوع: “الآن تَمَجَّدَ ابن البشر وتمجد الله فيه” ويشبهها الكثير.

            من هنا ان التعذيب لم يكن سوى طريق الى المجد اذ افترض منطق التجسد ان مَن ساكن الناس في بشريته باتخاذه جسدا من مريم اراد ان يرافق البشر الى آخر محطة لهم في الحياة اعني الموت والقبر. في هذا كان يسوع رفيقا لنا ومحررا، وهذا ما تعنيه كلمة الفادي. افتدانا لا تعني اذًا انه كان فدية على طريقة قانون الجزاء حيث يدفع اهل القاتل لأهل القتيل مبلغا من المال. لمن دفع يسوع؟ انه لا يدفع شيئا للشيطان لأن الشيطان ليس له عليه شيء. ولا يدفع لله ابيه لأن الآب لا يريد موت الخاطئ بل ان يحيا. هو لم يمت بدلا عنا كما يظن بعضهم. لم يذق المسيح عذابا تعويضيا عن عذاب كان لا بد من ان يقع علينا. لا معنى للكلام الذي لا يزال مسيطرا في الغرب بشقّه الكاثوليكي وبعض من الشق البروتستنتي وهو القائل بلسان أَنسلم اسقف كنتوربري: ان الله كان غاضبا على البشرية وحكم عليها بالموت ولا يزول غضبه الا اذا أرضاه إله (وهنا يعني الابن). فالله ليس ساديا، متلذذا بآلام البشرية وآلام مسيحه.

            ما حصل في تحرير المسيح لنا انه إله من جهة وبشر متأله او مؤلَّه. وهذه القوة في طبيعته الإلهية وطبيعته الانسانية المتألهة، هذه القوة نزلت الى مملكة الموت وأماتته من الداخل، فجَرته، وهذا ما نعنيه بقولنا انه “وطئ الموت بالموت”. المسيح على صليبه وضعنا على سكة الحياة، اورثنا الحياة الجديدة التي نكافح فيها الخطيئة.

            واذا كانت فينا هذه الحياة، نقدر ان نتابع جهاد الصوم لأنه “بالصليب قد أتى الفرح في كل العالم” كذلك “نبارك الرب في كل حين ونسبح قيامته لأنه اذ احتمل الصلب من اجلنا بالموت، للموت أباد وحطم”. هذا هو اللاهوت التي نقرأ به الصليب. لذلك لا نبكي على المصلوب في اية خدمة من خدمنا. ننتظر دائما تعزية القيامة.

            وقيامة المخلص كانت كشفا ظاهرا لنصر حصل على الصليب، وأبانت انك “لا تدع قدوسك يرى فسادا”. النور كان في المسيح عند صلبه خفيا. عند فجر الفصح ظهر. بيّن الفصح ان المسيح ظافر. ولهذا كان كل جهد لنرى هذا النصر امرًا هينا. فاذا اقمنا الذكرى اليوم نتشدد ونسير الى ملء الفرح عند صباح العيد.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

الميثاق الإسلامي في لبنان / السبت في 13 آذار 2004

لم اعثر على هذا النص الا منذ ايام وهو جدير جدا بالانتباه ثمرة للقاء كبير عقدته في بيروت في 14 كانون الاول الماضي بدعوة من الجماعة الإسلامية حوالي 250 جمعية وهئية وشخصية، يبدو من إشارة فيه الى دار الفتوى انها كانت سنية. يقع في ثلاثة اقسام. القسم الاول المنطلقات الفكرية والثاني المشاركة الوطنية والثالث الخيار العربي ومواجهة المشروع الصهيوني بكلام آخر ثوابت دينية ومتحولات سياسية. هذا العدد من الجماعات المشتركة يدل على ان البيان يمثل شرائح من المجتمع الإسلامي تبدو كبيرة. والنص يذكر المسيحيين والمسيحية كثيرا فكان لا بد من إمعان النظر فيه.

بدءا قيل ان الشريعة «تهدف الى بناء المجتمع الانساني على قواعد الرحمة والعدالة والمساواة، ورعاية الحريات». هذا تصريح يحتاج الى دقة. هل في الشريعة مساواة كاملة بين المسلم وغير المسلم على كل صعيد وهل هناك حرية للانتقال من دين الى دين وهل من مساواة كاملة بين الرجل والمرأة؟ مجرد سؤال اطرحه لعلمي بأن كبار علماء الإسلام لا يقرون إطلاق المساواة والحرية في التعبير عن كل دين بما فيه التبشير وبناء كنائس او ترميمها حيث حضور مسيحي كثيف.

في الفقرة الثانية من هذا القسم دعوة الى العيش المشترك ومن قواعدها «احترام الآخر والاعتراف به والتعامل معه ثم الحرية في اختيار الناس ما يريدون حتى بالنسبة الى الإيمان والكفر». ولكن هل يحق للمسلم ان يختار غير الاسلام له دينا و«لا ردة في الإسلام»؟ ثم يؤكد النص ضرورة التعاون بين الناس جميعا «لتحقيق المصالح المشتركة».

في الفقرة الثالثة التي عنوانها «قضية تطبيق الشريعة» دعوة «الى تبني احكام الشريعة باعتبار انها جزء من ديننا من جهة، ولاعتقادنا انها تحقق افضل تنظيم للحياة الاجتماعية بين الناس». اجل اكد المجتمعون انهم يسعون الى ذلك بالوسائل السلمية المشروعة التي تحفظ العيش المشترك والسلم الأهلي. هناك من يشك ان الشريعة تحقق افضل تنظيم للحياة الاجتماعية وان كان يسوغ استلهامها في هذا الموضوع او ذاك. هناك من يعتقد ان التشريع المدني الحديث المستند الى تطور الإنسان المعاصر نشأت عنه مجتمعات راقية جدا وليس مرادي ان اقارن بينها وبين المجتمعات الإسلامية. كذلك يدل الواقع على ان امورا كثيرة ظهرت في الاجتماع الحالي ولم تكن عند نزول الشريعة ولا يمكنك ان تمد الشريعة لتعانق الوجود كله. هل يبقى الإصرار على قطع يد السارق اي كل سارق كائنا ما كان دينه؟ هل يجوز القول بالرق وهو من الشريعة او ان الزوج هو الذي عليه وحده ان ينفق على زوجه اذا كان هو بائع خضار وكانت هي عالمة فيزياء نووية؟ اذا كانت المعطيات المجتمعية والاقتصادية متحركة واندثر مجتمع القرن السابع الميلادي كيف تزاوج بين هذه المعطيات والشرع الإلهي؟ مسائل يطرحها العقل الحساس للنمو البشري على إمكان استمرار الشريعة سائسة لإنسان اليوم.

#   #

#

في الفقرة الرابعة المتعلقة بالأحوال الشخصية تأكيد على ضرورة المحافظة على الأحوال الشخصية لكل طائفة وهذا ما لم  تعترض عليه الا قلة. غير ان البيان يرفض تبني الزواج المدني ويبدو ان المشروع لم يبق واردا. ولكن جميع الذين قاوموه لم يطرحوا على انفسهم هذا السؤال: اذا كان المولود على المسيحية لا يريد البقاء فيها فهل ترضى للكنيسة على إقامة إكليله؟ الجواب الذي أعرفه من اللاهوت انه يمنع الكاهن ان يكلل انسان غير مؤمن. بالموازاة مع ذلك أليس بين مسلمي لبنان واحد يقول دون الجهر بكفره انا اؤثر الا اخضع لأحكام الشريعة؟ انا لا انتقدها ولكني اريد ان أحيد. او ليس هناك مسلمة واحدة احبت فتى مسيحيا وهي تصر على إسلامها ان تقول اني اريد ان اعيش مع هذا الشاب زوجة شرعية؟ هل اذا ذهب مسيحي يعشق فتاة مسلمة وأشهر إسلامه امام المرجع المسؤول (بتوقيعه صيغة معروفة خلال دقيقة واحدة او أقل) يكون أسلم لله وأطاع رسوله وعرف الأركان الخمسة وقرر القيام بها صادقا؟ وهل اذا جاءت مسلمة الى كاهن وجالسها ليلخص لها العقيدة المسيحية بضع ساعات او بضعة ايام تكون قد امتلأت من روح المسيح كما يعرّف عنه المسيحيون؟ انا لا اقدم اي حل. أدعو فقط الى الصدق.

الفقرة الخامسة متعلقة بالإسلام والمرأة، أحسست فيها بضرورة التوسع لجبه المسائل كما هي مطروحة الآن. النص يتحدث عن «اختلاف الوظيفة داخل الأسرة، وداخل المجتمع» دون ان يحدد هذا الاختلاف. ويؤكد ان «رعاية الأسرة هي اولى مهمات المرأة بلا جدال» ولا يبحث في رعاية الرجل للأسرة او مشاركته زوجته في هذه الرعاية ثم يؤكد ان فائض الوقت والجهد حين يوجد فإن المرأة تستخدمه للقيام بسائر واجباتها الاجتماعية. هذا كله يحتاج -ربما في نص آخر- الى زيادة توضيح. فهل يعني هذا انها تقوم بعمل اجتماعي جزئي؟ اما اذا اتخذت العمل بكامل الدوام فكيف ترعى العائلة؟ وفي هذا السياق يأتي النص على ذكر الحجاب وتحريم الخلوة وتحديد شروط الاختلاط. من الاسئلة هو كيف يمكن تطبيق تحريم الخلوة؟ الا يجوز لصاحب عمل ان يختلي بكاتبته؟ هذا هو وضع المكاتب في كل عمل، في كل إدارة حديثة، في الدولة احيانا.

الفقرة السادسة متعلق بالجهاد في سبيل الله. يقول البيان انه ضد اي «عدوان على بلادنا العربية والإسلامية». ولكن من يدعو اليه بعد زوال الخلافة؟ فاذا حل عدوان على بلادنا هذه فإنه يحل على كل ساكنيها. واذ ذاك كل المواطنين يدافعون عن البلد ضد العدو. تكون هذه حرب وطنية مدنية وليست جهادا. لعل اجمل مما في هذا الجزء من الفصل القول عن ان الجهاد «لا يمكن ان يتحول ضد حكوماتنا او شركائنا في الوطن». هذا يبعث طبعا الى الاطمئنان وسند ذلك فكرة الوطن. اجل اذا كان الإسلام في تاريخه عرف اوطانا كثيرة فمن اين أتى المسلمون بفكرة الوطن؟ هذا يبرره القوميون. ولكن على اي اساس شرعي يقول المسلم بالقومية؟

انا لست داعية قوميا ولكن أقول ببساطة ان الوطن عندي أساسه المحبة لمن جاورت وعايشت. اخدم شركائي الذين يعيشون على ارض واحدة ولا اخونهم لمحالفة مسيحي اجنبي او يهودي او بوذي من ارض اخرى.

في الفقرة السابعة لافت قول البيان «النهي عن المنكر واجب شرعي، لكن استعمال القوة فيه غير مشروع». ولكن بعد ان يقول هذا يقول: «الا اذا كان المنكر يدخل تحت ولاية من يريد النهي عنه، لأنه عند ذلك يكون مكلفا بإزالة هذا المنكر وليس مجرد النهي عنه». هل يعني هذا ان الحاكم المسلم له ان ينهي بالقوة عما يعتبره المسلمون منكرا كالخمر؟ هناك ولايات في اميركا ومقاطعات في كندا تنهي عن الخمر في الأماكن العامة وليس عندي في ذلك حرج. ولكنه أفتي في العصر العباسي انه لا يجوز إتلاف الخمر لأنه «طعام النصارى» او اذا أتلف يعوض على صاحبه. مهما يكن من أمر فالخمر جزء اساسي من ديانة المسيحيين في عبادتهم صباح الأحد.

ليس لي ما اعلق عليه في الفقرة الثامنة في موضوع الإرهاب. البيان يؤكد رفضه اياه ويثبت فقط رد العدوان بمثله وبطلب من المسلم ان يبقى متمسكا بأحكام الاسلام اثناء الجهاد. ثم يأتي الحديث عن المقاومة الأمر الذي يجمع عليه اللبنانيون.

القسم الثاني من البيان مخصص للمشاركة الوطنية وفيه تأكيد على ان «لبنان وطننا» ويتضمن الدعوة الى المحافظة على السلم الأهلي وإشاعة اجواء «الحوار والتعاون» ويدعو المسلم على اعتبار خدمة الوطن واجبا شرعيا.

في الفقرة الثانية من هذا القسم تأكيد ان «لا تعارض في الإسلام بين العبادة والسياسة». يمكن تعميم هذا التأكيد اذ لا اعرف ديانة تقول بتعارض مبدئي بينها وبين العمل السياسي. ولكني احتاج الى زيادة ايضاح في قول اهل البيان ان الشريعة الإسلامية وضعت «ضوابط في الميدان السياسي او الاقتصادي او الخدمة الاجتماعية». ضوابط خلقية اجل ولكن هل من ضوابط ممكن استمرارها بعد ان صار العمل الاجتماعي والاقتصادي احترافا؟ ان تكون مساعدا او عاملا اجتماعيا اليوم نتيجة دراسة منهجية في الجامعات ويمكن اسنادها الى اي شاب او شابة اقتبسا هذا العلم.

ثم في النظام السياسي في بلدنا. يقر البيان بالديموقراطية الغربية بعد قوله ان النظام السياسي الاسلامي يختلف عن الديموقراطية ويدعو الى الغاء الطائفية السياسية «والى مشاركة ايجابية في العمل السياسي». ثم يدلي اهل البيان بملاحظات قيمة في الأزمة الاقتصادية هي على لسان كل مواطن.

ويختتم البيان في القسم الثالث المخصص لقضايا السياسة المعاصرة كما يراها ويكلل هذا القسم بالموضوع الفلسطيني الذي هو موضوع حياتنا كلها.

يعد اصحاب البيان بإكماله وبالإتيان بصيغة مناسبة «للعمل الإسلامي في لبنان» وهذا أدنى الى مواجهة الفكر للفكر وتعاوننا جميعا بالعقل والقلب. ويبدو ان التواصل في التطبيق اقرب الينا من التواصل في بعض الرؤى المتصلة بالأسس الدينية. ربما لا نستطيع ان نرى الى الوطن الا على قواعد عملية وان نأخذ الايجابيات الواردة في هذا البيان وبعض إطلالاته. البيان يتسم بالمحافظة الشديدة ومع ذلك يأتي اهله جاهدين الى ما تيسر لهم من رؤية انسانية متحركة في لبنان.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة/ الأحد 7 آذار 2004/ العدد 10

ليس من كنيسة في العالم كتبت في الصلاة مثل كنيستنا بدءا من الآباء النساك ومرورا بالآباء اللاهوتيين وذلك جيلا بعد جيل، كأن اهتمام الكنيسة الأرثوذكسية الأول هو الصلاة وأداؤها ومعانيها بحيث يمكن ان تتناول معتقدنا كله من الخِدَم الإلهية التي نقوم بها ومن الصلاة الفردية. كل هذا يبدو طاعة لما ورد عند بولس: «صلوا بلا انقطاع» (1تسالونيكي 5: 17) أو طاعة لكلام السيد: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة» (متى 26: 41). عندنا ما يسمى الصلاة غير المنقطعة أو صلاة يسوع أو صلاة القلب: «يا رب، يا يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». ولكن إذا رأينا إلى العبادات النظامية، عندنا صلاة الساعة الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والغروب وصلاة نصف الليل وصلاة السَحَر أي سبع صلوات يوميا، وفي الترتيب الكنسي يُجمع بعضها إلى بعض في الأديرة وأحيانا في الرعايا، هذا إذا لم نذكر صلاة النوم الصغرى أو الكبرى التي تُعتبر صلاة فردية مع ان كنائسنا في الكرسي الأنطاكي تقيم صلاة النوم الكبرى في الصوم. وذروة كل هذه القداس الإلهي، فيكون عندنا فعليا تسع صلوات.

إذا درسنا مضمون هذه الصلوات نرى ان منها صلوات سؤال عندما نطلب إلى الله حاجة لنا ولا سيما الفضائل حسب قول الرب: «اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، والباقي يزاد لكم»، ثانيا صلاة الشكر على ما وهبنا الرب (إياك نشكر)، وأخيرا صلاة التسبيح حيث فكرنا متجه إلى مجد الله بلا سؤال عن شيء وبلا شكر على شيء.

الكتاب المقدس يَعتبر الصلاةَ طبيعيةً عند المؤمن حتى انه خصص لها سفرا من أسفار العهد القديم هو المزامير وتتلوه الكنيسة بكامله كل أسبوع وتقتبس هذا المزمور أو ذاك أو أكثر من مزمور في بعض الخِدَم أو آيات من سفر هنا وثمة. ويذكر الكتاب القديم بعضا من الذين صلوا (ابراهيم، إسحق، موسى، أيوب، يونان الخ…) حتى يجيء العهد الجديد ويذكر صلاة يسوع لأبيه السماوي. ويذكر أعمال الرسل ان الكنيسة كانت تصلّي مجتمعة. وكان تلاميذ المسيح مقتنعين بالصلاة حتى سألوا الرب يسوع ان يعلّمهم كيف يصلّون، فتلا عليهم الصلاة الربية (أبانا الذي في السموات…).

روح الإنجيل ان نصلي فرديا في كل حين بحيث ترتفع الصلاة تلقائيا من القلب، وقد عرّف آباؤنا الصلاة على انها ارتفاع القلب إلى الله. فإذا امتلأ قلبك من حضرته فتجعل كل وقت فراغ لك وقتَ صلاة حتى لا يسكن قلبَك الا الله فلا يساكنه باطل أو فكر شرير، إذ أنّى لك ان تطرد هذا الفكر الا بذكر الله فتذوق هكذا ان الله هو كل حياتك.

ومن أهم الأمور في حياتك الشخصية ان تصلي من اجل الذين أغاظوك فتذكر أسماءهم ليزول عنك وعنهم الحقد. ومن أهم الأمور أيضا ان تستغفر ربك حتى لا تظل الخطيئة معششة فيك. لا تنم قبل ان تستغفر فقد لا تستيقظ عند الصباح. وحتى لا تبقى مجرد سائل كأنك مركّز على الأنا، فاشكر لله ما أعطاك، وإذا سرت في الحب الإلهي فسبح ربك تسبيحا طيبا فيه كل الفرح فتحس عند ذاك انك عشير الرب وأليفه وكأنك صرت عنده كما الملائكة عنده.

صلّ في أي وضع واقفا أو راكعا أو مستلقيا على سريرك. وقبل كل شيء صلّ في ساعة التجربة إذ لا تقدر ان تدفع عنك إغراء الخطيئة لك الا إذا دعوت الرب فيجيء ويصبح درعا بينك وبين الميل الشرير. ليس لنا طريقة لطرد الفكر الخاطئ المفسد عنا الا إذا رجونا إلى الله ان يأتي هو بذاته ويردّ عنا التجربة.

وإذا كثفت الدعاء يوما فيوما، تحس ان فكرك صار فكرا إلهيا أي موافقا لما قاله الله في إنجيله. والإنجيل هو خطاب الله إليك. فإذا سكنَتْ أقواله قلبك يعرف، عند ذاك، قلبك ان يخاطب الرب. دع الله يتكلم فيك ثم ردّ إليه كلامه بالصلاة. ان هذه محبوكة بكلام الكتاب. هي ردّ الكتاب إلى الكتاب.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

احد الأرثوذكسية/ الأحد 29 شباط 2004 / العدد 9

الأحد الأول من الصوم يدعى احد الأرثوذكسية لأن كنيسة القسطنطينية جددت اعتقادها بالأيقونة في الأحد الاول من الصوم السنة الـ 843. فمع ان الكنيسة الجامعة حددت إكرام الأيقونات في المجمع السابع المسكوني، الا ان حرب الايقونات علينا من قِبَل أباطرة بيزنطية لم تتوقف الا في السنة 843. العامة تسمي الذكرى “احد الأيقونات” اذ نطوف بها قبل القداس ونقبّلها، ولكنا نعلن تمسكنا ليس فقط بعقيدة الأيقونات ولكن بكل العقائد المحددة سابقا في المجامع المسكونية، وفي كتبنا الطقسية مطلوب ان نجدد الحرمات على الهراطقة غير ان هذه الممارسة لا يتبعها احد الآن في كرسينا الأنطاكي.

          العقائد هي الإيمان مسكوبا بعبارات قصيرة اوضحتها في ظروف مخالفته من قبل الهراطقة. على سبيل المثال كنا دائما نؤمن بألوهية المسيح، بكونه منذ الازل مع الآب والروح القدس. ولكن بظهور آريوس في القرن الرابع في الاسكندرية الذي قال ان الابن هو اول المخلوقات، جئنا، زيادة في التوضيح، في المجمع المسكوني الاول نقول انه “مساو للآب في الجوهر” اي ان له جوهر الآب وليس دون الآب كالمخلوقات. مساوٍ له في الجوهر عبارة غير موجودة في الكتاب المقدس ولكنا صغناها ولو استعرنا كلمة جوهر من الفلسفة اليونانية لأن آريوس كان يستعمل ضدنا الفلسفة اليونانية.

          العقائد بمعنى العبارات التي وضعتها المجامع لا تزيد شيئا على “الإيمان المسلَّم مرة للقديسين” (يهوذا 3)، ولكنا نتسلح بها لنوضح من جهة ايماننا لأنفسنا، ومن جهة ثانية لنوضحه للغير. فقد تسمع من يسألك: كيف يكون المسيح إلها وانسانا معا؟ هل يتحول الإله الى انسان؟ من هو هذا الذي مات على الصليب؟ لكون هذه المسائل نوقشت، جئنا نقول في المجمع المسكوني الرابع (451) ان المسيح ذو طبيعتين إلهية وانسانية هما معا بلا انفصال ولا انقسام ولا تتحول الواحدة الى الأخرى ولا تنصهر بها، ولا تخسر الألوهة شيئا من ذاتها كما لا ينتقص من شأن بشرية المسيح، ويبقى السيد شخصا واحدا.

          ما اردنا ان نقوله في هذا الأحد ان المغلوط ليس كالصحيح، واننا في صلابة كاملة ضد المنحول وضد الخطأ لأن الخطأ ليس فقط خطأ عقليا ولكنه يفسد النفس والعقل والتصرف. انت لك كيان داخلي واضح سليم اذا قلت ان المسيح إله وانسان معا، ولك كيان ذاتي مشوش اذا قلت انه مجرد انسان. هو الفرق بين ان تكون مستقيم الرأي وان تكون هرطوقيا منحرفا. “الكنيسة، كما قال مكسيموس المعترف، هي استقامة الرأي”. بعض الناس يقولون اننا عنيدون. يريدون بذلك اننا نثبت على الرأي الواحد الذي ورثناه من القدماء. لا يخترع الانسان دينه ولا يغير فيه. الأشياء التي سلّمها الينا الرسل نحافظ عليها ولا نتجاوزها.

          لك ان تفسر، ان توضح، ان تنتقي عبارات جديدة اذا كنت موهوبا، ولكن تحافظ على جوهر ما استلمناه. هذا الموقف كلفنا ان نتحمل اضطهادات هنا وهناك وان يموت لنا شهداء. ولكن الإيمان المستقيم اهم من حياتنا. وقد نكون كسالى هنا وهناك، ولكن استقامة الرأي فيها نفحات وقوة روح قدس من شأنها ان تنهض بنا.

          في نهاية الأسبوع الاول اردنا ان نشهد بهذه الذكرى اننا ايضا نصوم لا من اجل طعام ولكن لنحشر انفسنا في كنيسة الله التي افتداها بدمه كما قال الرسول.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

جهاد الصوم/ الأحد 22 شباط 2004 / العدد 8

الصوم ان تتخصص لإخراج كل الشياطين المعششة في قلبك وقد حالفتها بطريقة او اخرى. ليس الشيطان ذلك الكائن خارجا عن نفسك. انه الساكن فيك بوسوسات مخيفة، تحركك في النهار وفي الليل. وما كانت الحِمية المرتبة في هذه الكنيسة او تلك الا لتدفعك الى التأهب والحذر من ان يعود اليك هذا الروح الشرير الذي طردته يوما او ساعة او لحظة فاستعدت براءة الطفولة والكيان الأصيل.

         يعجبني ان تأتي الكنيسة المارونية بمؤمنيها وتمسح جبين كل منهم في اول يوم من الصيام بالرماد قائلة: “اذكر يا انسان انك تراب والى التراب تعود”. تقول لك ذلك جهرا لتفهم انك لا شيء وانك مدعو الى إحلال يسوع في نفسك ليصبح اياك او تصبح انت اياه. ويعجبني عشية الصيام في الكنيسة الارثوذكسية وهو المدعو احد الغفران ان تأتي بمؤمنيها ليركع كل واحد امام الآخر حتى قدميه ليعني انه عند قدميه ويقول له: “اغفر لي يا اخي انا الخاطئ”، ثم ينتصب ويقبّل احدهما الآخر كأنهما دخلا القيامة منذ الآن. ان أصوم عن اللحم رمز تذكري اني اصوم عن كل معصية باتت فيّ متأصلة.فإذا تبت اقتلع ما كان متأصلا ليبقى فيّ المسيح اصلا.

         الصيام وجود مع المسيح، في الفرح. ولذلك نكثر فيه من الترتيل “الليلويا” اي هللوا لله. ولستَ جائعا جسديا الا لكونك جائعا الى الطعام الإلهي، الى الخبز النازل من السماء. لذلك تتناول في ترتيب خاص جسد الرب ودمه في يومي الأربعاء والجمعة ما خلا الآحاد. وفي صبيحة الأحد تتجدد فيك قيامة المخلص. ولئلا تحسب انك وصلت، تكثر من صلوات التوبة وتسمى الخطايا التي تريد التحرر منها: “روح البطالة والفضول (اي طلب الأشياء الدنيوية) وحب الرئاسة والكلام البطال”. ثم تقابلها بالفضائل وهي: “روح العفة واتضاع الفكر والصبر والمحبة”. والذروة: “هب لي ان اعرف ذنوبي وعيوبي وألا ادين إخوتي”.

         وأقف عند اتضاع الفكر واليه نفتقر كثيرا. لأن الانسان يتذاكى ويستعلي بذكائه اذ يظن ان الآخرين دونه فطنة. الصوم اذًا لقاء مع الآخرين، مع المتواضعين منهم. “انت تراب” وقد ترتفع عن التراب بتمجيد الرب. الامساك رياضة ليس الا لأن الرسول يقول: “الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك … ولكن الجسد ليس للزنى بل للرب والرب للجسد… ألستم تعلمون ان اجسادكم هي اعضاء المسيح… ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس”. بولس يتخذ الزنى هنا صورة عن الخيانة، كل خيانة للرب وللاخوة.

         انت في هذه الفترة المباركة المملوءة بالصلاة تضرب كل شهوة مؤذية فيك لئلا تستعبدك: شهوة الجسد وشهوة التملك وشهوة السلطة او التسلط على من هم لك اخوة في المسيح. والتروض على ذلك منه الإمساك عن بعض الأطعمة والامتناع عن الطعام ساعات طويلة في النهار. الإمساك ترويض في الكنيسة ومع الكنيسة. فأنت تعمل ما يعمله الإخوة مجتمعين في حضرة الله ولا تقول هذا لا ينفعني. آباؤنا قالوا هذا ينفعك فاقتف آثار آبائك ولا تصنع لك ديانة خاصة بك. انت تنجو بما نجا به الأقدمون وبما ينجو به الطائعون اليوم لهذا المسلك. هكذا تبيد اهواءك ولا يصطادك مجتمع الاستهلاك وفيه منافع قليلة ومضار كثيرة. واذا عرفت الأضرار تحرر منها. المهم ان تعرف انك فقط حر بالمسيح.

         “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل برا ونسكا مع قداسة”. هذا ما نقوله في الأحد الخامس. نفهم من هذا ان الغاية من الإمساك ان نصبو الى البر والقداسة. هذا هو الحضور الإلهي فينا يكثفه الرب يوما بعد يوم في الأربعينية المقدسة والاسبوع العظيم ليؤهلنا الى رؤية ابنه الحبيب معلقا على الصليب وخارجا من القبر. نحن نعرف ان هذه هي حياتنا كلها ولكنا نذوق ذلك بقوة في حقبة الصوم حتى ان الأتقياء لا يحتملون ان تنتهي. ولكنا نتمرن حتى تبقى ثمارها حية فينا على مدى الحياة. نحن في الروح صائمون ابدا، وفي الترويض صائمون فترة. ولكن المبتغى ان نصير رفقاء المسيح في حبه لنا وإنهاضه ايانا من موت الخطيئة حتى لا نبقى الا قامات من نور.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الانقسام/ الأحد 15 شباط 2004 / العدد 7

الشيطان يقال له باليونانية diabolos (ذيافولوس) أي الذي يقسم الناس في ما بينهم ويزرع الفتنة. والفتنة في العربية الثورة بحيث يقوم الناس على الناس. وهذا يبدأ بسوء الظن، وقالت العرب: «بعض الظن إثم»، وأنا أقول كل الظن إثم ذلك لأنك تتلقى من بعض القوم أخبارا عن الآخرين، فيقال لك هذا كذب مثلا أو هذا سرق، وما لست متأكدا منه تجعله حقيقة. ويضاف إلى هذا تعصبك للعائلة، وقد تكون لهذه خلافات قديمة فترثها أنت. وهذا منتشر في المجتمعات الصغيرة التي لا تقبل فيها عشيرة عشيرة أخرى.

هذا طبعا يطرح على الراعي سؤالا كيف يوفق بين نزعات مختلفة حتى لا تتحول إلى نزاعات وأحقاد صريحة أو مبيتة. تتفحص أنت بعين المحايد الغريب ولا ترى شيئا وتحس بأن البغض قائم بلا مبرر. وقد قال الكتاب: «انهم ابغضوني بلا سبب» (مزمور 35: 19). وإذا انتشر هذا الشعور بين أبناء الكنيسة تصبح هذه مشتتة، مفتتة. والذين هم إخوة في المسيح لا يستطيعون ان يتفاهموا على مشروع أو عمل، وترفض أنت فكر الآخر لمجرد انه ينتمي إلى بيت آخر. ويقضي المسؤولون في الكنيسة وقتا طويلا ليحلوا النزاعات ويقيموا التوازن، والتوازن مستحيل ان لم تتحد القلوب وتتجاوز صراعات قديمة ولا نتقدم معا فتبقى الأشياء في محلها في حين ان الرسول الإلهي بولس قال: «تمموا فرحي حتى تفتكروا فكرا واحدا ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئا واحدا لا شيئا بتحزب» (فيلبي 2: 2 و3).

كم أتمنى الا يعترضنا التحزب في القرية دون تشكيل مجالس الرعية وسيرها. أكثر من مجلس استغرق مني تشكيله عدة أشهر لتتوافق العيل. كم من وقت نحتاج إلى إقناع المؤمنين ان كلاً منهم شخص كامل ويعيَّن في المجلس بسبب حسناته وتقواه ورقيه وليس بسبب من انتمائه إلى احد البيوت. ما من شك اننا في حاجة إلى ان تمطر السماء علينا نعمة كبيرة لئلا نسعى إلى توازن عائلي بل نسعى إلى تجمع ناس فاضلين أمناء قادرين ان يسندوا الرعية بخوف الله. انتسابك إلى عائلة لا يعني المسيح شيئا. في عينيه أنت انتسبت إليه بالمعمودية، وتبقى له بالإيمان أأتيت من عائلة كبيرة أو صغيرة، راقية كثيرا أو أقل رقيا.

بعد اكتساب عضوية المجلس أنت لا تعظم. تبقى كما كنت. والعضوية ليس فيها وجاهة بل فيها خدمة، والخادم متواضع ولا يفتخر ولا يتسلط على أحد، وقبل كل شيء يظل أمينا، وأهم وجه في الأمانة، الأمانة على المال لأن هذا مال الله، والكاهن والفقراء في حاجة إليه. ولهذا لا بد من مسك دفاتر على الطريقة العلمية حتى تتمكن المطرانية من مراقبتها. المحاسب، أيّ محاسب يصعب عليه ان يعرف المختلس الذكي. ولذلك بنيت علاقتنا على الثقة. فلو، لا سمح الله، عرفنا سارقا فالواجب الأخلاقي يقضي بأن نشكوه لنا. من سكت عنه يكون شريكه.

لا وقف يمكن ضبطه بصورة كاملة. ولذلك إذا اقترحت عائلة أحدا منها عضوا ليخدم معنا فلتقترح من كان نزيها كليا وفهيما بحيث يستطيع ان يناقش بتهذيب وروح مشاركة وهدوء.

يتعبني ان اكرر هذه الأمور ولكني أرى من واجبي ان انبهكم إلى ضرورة الاستقامة الكاملة وفحص الأمور بروية وان يصلح الروحانيون الآخرين بروح الوداعة لئلا يهلك احد. وهكذا تكونون في الرعية وفي المجلس طردتم الشيطان المفتن من وسطكم.

لا شيء يصلحنا يا إخوة سوى المحبة التي تتوخى كمال الجميع والكمال بالتكامل والرفق والتأني وسلام يقصي الحدّة ويجعلنا متكئين على صدر المعلم. فليعمل من استطاع ان يعمل، إذ لا يقدر ان يعمل شيئا من لم يكن كبيرا في المحبة. ولا يتساوى مع غيره الا من غفر ولم يحفظ ضغينة وكان شأنه ان يرفع قدر الآخر. انه لمهم جدا ان نُظهر أصحاب الفضيلة بيننا وان نجعلهم المتقدمين في كل شيء. وإذا أقصينا الفتنة يحل الرضا الإلهي بيننا ونكون أبناء الله. الوحدة، الوحدة. هي التي تعطينا العزيمة وتنجز المشاريع وتكشف للناس وجه يسوع.

Continue reading