Author

Aziz Matta

2004, جريدة النهار, مقالات

شهوة السلطة / السبت في ١٤ شباط ٢٠٠٤

الذي يتخذ لنفسه إلها كالمال والجنس خطيئته اقل بكثير من الذي اتخذ نفسه إلها. والناس يعتقدون ان هذا الكلام مبالغة كاتب ديني ولكن الصادق بين المستكبرين يرى نفسه كذلك. الصراع الحقيقي ليس بين إله اسرائيل القبلي وآلهة الأمم الغريبة ولكنه بين رب العالمين وبينك، وانت لا ترى غيرك في العالمين. ولأن المستكبر ليس سخيفا لا يتوقع ان يسمع له أحد لو قال “انا ربكم فاعبدوني” ولكنه يتصرف كذلك اذ لا يرى له منافسا في الكون ولا عديلا.

في اللغة وفي بعض مدلولات السلطة القهر. ولكن الجذر ورد بمعنى ان من سلطه الله يتسلط وفي ما نحن متأملوه الآن ان للخطيئة سلطانا على الناس وانها لا تصل الى ذروتها الا بالظلم. ذلك ان الذروة ان تمحو الآخرين ليتسنى لك ان تلعب ألوهيتك. في اعمال الرسل يتكلم الكتاب عن «سلطان الشيطان» (18:26). وفي سفر الرؤيا (9: 10) حديث عن سلطان يؤذي الناس.

القهر منتشر في كل مجال: في السياسة، في الدين الذي يشبه السياسة، في دوائر المعرفة. وقد أشار يسوع الى اخطار السياسة بقوله لتلاميذه: «أنتم تعلمون ان الذي يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم وان عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم. بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما. ومن اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدا. لأن ابن الانسان ايضا لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مرقس 10: 42-44) بمعنى ان عظماء الشعوب الوثنية هم في حالة التسلط وتقبل الخدمة من رعايا. اما قول المسيح فهو اننا مدعوون على مثاله ان نبذل أنفسنا عن الآخرين حتى الموت واننا ننال بذلك السلطان الذي تغدقه علينا المصلوبية. انت في نسيان نفسك يذكرك الله وتصبح في ذكراه شيئا. وهذا يعفيك من ان تلتمس من أحد مجدا لأنك ان فعلت لا تكون طالبا مجد الله. وتقع عند ذاك، بخدمة مألوهيتك.

أنت، انسانا سياسيا، راهب منذور لا تمدح احدا ولا تدغدغ مشاعر أحد لأنك تكون استعملت انسانا وسيلة للاستمرار في مكانتك ولعلك أتيت اليها بوسيلة غير شرعية او لعلك تستحقها فأتيت وتربعت واستلذذت نفسك جالسا على مقعد وكان ثمنه ان بعت نفسك لمن كان اقوى وأفعل. لم تكن خدمتك هي المبتغى وكنت انت وما تجنيه من وجاهة منتهى مسارك. وتكون قد سقطت في جحيم الأنا وما فيها من ظلم وظلام. ويصير البلد مغلولا لكل من سادت عليه في السلطة أناه وتزول دولة الله في دولة الناس. السياسة كما تعاش هي منفى الله. وقبل التفتيش عن الله في متروكيته نكون في حالة الترميم لأمور من دنياكم باهتة تافهة لا تروي غليلا ولا تكافح الموت. وهكذا يتحول ميدان السياسة الى كفر بالإنسان فيما رآه الأقدمون مسرحا للحكمة.

إذا عيشت السياسة هكذا تسمى في تصنيف الرذائل المجد الباطل ولكن في كثرة من البلدان ليست منفصلة عن اشتهاء المال. ان عشق الترف والأبهة المتفرعين من المجد الباطل لا يغذيان الا بمال. وقد عرف آباؤنا القديسون رذيلتين متلازمتين يسمونهما حب السلطة من جهة وروح التسلط من جهة. ويرى الروحانيون القدامى ان روح التسلط تخامره احيانا المواهب العقلية (المعرفة العلمية، الأدب، اللغة، الخطابة). فكثيرا ما أتت المعرفة سلطانا على البسطاء وتحكما.

المعرفة كانت خدمة وانت تمدها الى الناس في تواضع وليس لتنتفخ فيها وتتعاظم فقد جعلتك موهبتك حاملا اياها ليكمل الناس بها فاذا استطبت انت قدراتك العقلية باعتبارها زينة فلا بد لك ان تستكبر وبدل ان تعزز الناس بها تكون قد استصغرتهم في إذلال. وإذا كنت خطيبا قد تتحذلق وتلمس قوتك فتتباهى داخليا ولو قلت العكس بدل ان تفرح بتبليغ الحقيقة وكان عليك ان تحس انك مجرد معبر ليصير الناس الى القناعة التي كنت عليها. كل حسنة فيك زرعها الله لتمجيده تؤول تمجيدا لفذلكاتك. هذا المجد الباطل يصير عليك ثوبا كاذبا لعريك وانت غافل عن انك “تزور الطبيعة والفضيلة نفسها” كما يعلم مكسيموس المعترف. في عميق الأعماق هذه صنمية يقول عنها القديس مكاريوس المصري: “الناس الذين يمدحونك هم آلهتك “بعد ان اقنعوك بهتانا انك بت، في عظمة لك موهومة، إلههم. طبعا هذيان جماعي بين الممدوح ومادحيه اذ يولي الإنسان وجودا لما ليس له وجود. وفي هذا ينخدع المادح والممدوح. لذلك قال الكتاب: “ويل لكم اذا قال عنكم جميع الناس حسنا” (لوقا 6: 26). والقلب الذي يدغدغه الإطراء تختلط عليه الرؤية البسيطة ويتشوش. فالإطراء يزيدك نهما له فتسعى الى مادحين جدد حتى تثبت نفسك في هذا اللهو الدائم. وفي حقيقة المداحين انهم يهزؤون بك وهمهم الوحيد ان يظلوا محيطين بك ليكون لهم هم ايضا ظهور. ومن تنطح للزعامة واعترفوا له بها يكون في نفسه محتقرا لمن بايعه وتبقى له كبرياؤه لكونها كثيرا ما تولدت من المجد الباطل.

الكبرياء يعتبرها الروحانيون أعظم معصية لكونها استعلاء على البشر كلهم او بعضهم. وقد يستعلي الإنسان لسبب او لعدم سبب. انه ينظر الى الناس من فوق. يعتقد ان عنده أكثر مما عندهم او أهم أو أجمل. “اللهم انا اشكرك اني لست مثل باقي الناس الخاطفين الزناة” (لوقا 18: 11). ما من كبرياء الا بالمفاضلة. لذلك كان المستكبر دائما ظنونا ومهيأ دائما للنميمة. انه كما قال باسيليوس الكبير “ينشر دائما ما عنده ويجتهد ان يبدو أفضل مما هو عليه”. انه دائما مقتنع بنفسه وبما يقول، مدع، عالم بكل شيء، مدفوع ابدا الى تزكية نفسه مناقض للغير، متعامٍ عن عيوبه، رافض لكل نقد، لكل لوم، يأبى ان يأمره احد.

ويشتد هذا الرفض إذا كان من مجّد نفسه صاحب مقام في الكنيسة. انت تأمر الآخرين في الكنيسة بتفويض إلهي. اي انك تقول كلمة الله وتفصلها في استقامة بسيف الروح وتعدل بين الناس اي تقول الكلمة الواحدة لاثنين وجدا في ظرف واحد او في الخطأ ولا تدلي برأي الا اذا استقيته من الله بحب ونفسك في سلام. ولا تؤتي احدا برأي عن انفعال او غضب او تشفيا منه لأنك قائم كوكيل على اسرار الله كما يقول بولس. ذلك ان ليس لك من أحد منفعة لشخصك لكونك في مقامك لمنفعة الناس. وفي هذا قال اوغسطينس للمؤمنين: “انا اخ معكم وأسقف ازاءكم”. وترجمتي لها اني لا اقدر ان اكون عليكم رقيبا الا اذا كنت لكل منكم أخًا. واذا تحققت اخوّتي لكم آمركم بنعمة المحبة التي تتوخى فقط بنيانكم في المسيح.

فلهذا من كان مسؤولا كان عليه ان يجمع ما امكنه من المعطيات بحكمة وان يقابل هذه المعطيات بفكر المسيح كما يقول الرسول. فاذا لم تتغير معطيات الواقع يكون الجواب واحدا ان أتاك المؤمن اليوم او أتاك غدا. واذا جاءك مؤمن اخر حاملا وضعا شبيها فلا تحابي انت الوجوه ولا تفرق بين من رأيته قريبا لك بالعاطفة ومن كان بعيدا لأنك توزع الخبز السماوي على كل جائع بالاندفاع نفسه اذ ان همك ان ترفع الناس بأعظم قدر من الغذاء ولو كان مكلمك مجحفا لك او ظالما بظن السؤ فيك او برغبة مجانية في التحدي او التمرد. “فذكر انما انت مذكر. لست عليهم بمصيطر” (سورة الغاشية، الآية 22).

لك ان تلوم وان تكون شديد اللوم حتى التوبيخ لأنك تريد ان يقيم الآخر في الحقيقة. وحسبك انه يعود الى الحقيقة. ويكون، اذ ذاك، قد عاد الى ربه لا اليك. ولا تسعَ ان تكسب عطف أحد ولكن ان يكون الله على من تلومه عطوفا. فالأمر امر الله والتوبة اليه وحده. لك ان تدل من تلوم على خطيئته ولكن ليس بالمقدار الذي يجعله يائسا من إصلاح نفسه. لك ان تحلل لأخيك او من كان دونك مرتبة الدوافع الكامنة وراء معصيته حتى يعي جسامتها وهذا ما تفترضه الأبوة الروحية الحكيمة ولكن فوق كل ذلك وأعظم قدرا ان تبين جمال الحق الذي لم يره من انت تؤدبه. ذلك ان النور يصلحنا أكثر مما يصلحنا كشف الظلام. ثم لازم المتابعة او المراقبة لأنك رقيب اذ ائتمنت على استقامة الرأي واستقامة السلوك وقل الشيء ذاته ان تكررت الخطيئة ونفسك في سلام لأنك لست مكافح احد ولكنك مكافح خطيئته.

غير ان هذه الرياضة مستحيلة ان لم تروض نفسك كل يوم على كلمة الله ليقيم الناس جميعا في النور وإذا لم تحاول ذلك تكون خالطا بين كلمة تصعد من مزاجك وكلمة تجيء من قلب الله. وهذا عمل شاق ولكن عليك ان تقوم به لئلا تصبح متسلطا مثل رؤساء الأمم وتنسى انك قائم في مقامك لتسير الى الموت فإلى القيامة.

وقد يكشف لك الزمان ان هذا الذي لمت او وبخت كسب الكثير مما بذلته من اجله وهذه ذروة فرحك.

وأنت والآخر تجيئان من الله الذي جعلك راعيا للنفوس.

ألم تسمع قول حزقيال: “أليس على الرعاة ان يرعوا الخراف. الضعاف لم تقووها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردوها والمكسورة لم تجبروها والضالة لم تبحثوا عنها، وانما تسلطتم عليها بقسوة وقهر. فأصبحت مشتتة بغير راعٍ” (حزقيال 34: 2-5). أمام هذا المشهد الذي يصفه النبي يقول السيد: “انا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يوحنا 10: 11).

كل رعاية في الأمة او في كنيسة الله متركزة على قول المخلص: “تعالوا اليّ جميعا ايها المرهقون المثقلون، وانا اريحكم. احملوا نيري وتتلمذوا لي فإني وديع متواضع القلب” (متى 11: 28 و29). في كل علاقة بين البشر اللطف هو المدخل الى ملكوت الله والحقيقة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

أين نحن من التقارب مع الغربيين؟/ الأحد 8 شباط 2004 / العدد 6

يظن متتبع فكر الكنائس انه قابض على الوحدة قريبا، واذ بالآمال تتبدد فترة تطول أو تقصر. نحن الآن نعبر عاصفة هوجاء يشير إليها أنّ المحادثات الرسمية بيننا وبين روما انقطعت على مستوى اللجنة المشتركة، وبلغ الاختلاف أوجه بسبب النشاط الكاثوليكي المتزايد في بلدان أرثوذكسية مثل روسيا وأوكرانيا. كانت المشكلة بيننا قائمة على وجود الكاثوليك الشرقيين في أوربا الشرقية الذين اعتبرهم الأرثوذكس لا يتمتعون بشرعية كنسية حتى اعترفت اللجنة المشتركة المنعقدة في البلمند السنة الـ1993 انهم غلطة تاريخية ولا يمثلون نموذجا للوحدة.

غير انهم ازدادوا نشاطا في اوربا الشرقية ما عدا رومانيا حيث ضعفوا كثيرا. ولكن التأزم ازداد حدة لسببين بين الكنيسة الروسية والفاتيكان: اولهما ان روما انشأت اربع ابرشيات في روسيا وهيأت حوالى اربعين كاهنا يتقنون اللغة الروسية ليبشروا في روسيا. فاعتبرت موسكو ان تأسيس هذه الأبرشيات يدل على رغبة روما في التوسع على الأراضي الروسية، كما رأت ان الروسي المهتدي الى المسيح ولو عن طريق مبشر لاتيني ينبغي ان يندرج في كنيسته الروسية، كنيسة آبائه وأجداده. وهذا هو السبب الذي يجعل زيارة بابا روما لموسكو مستحيلة الآن.

الا ان انقطاع المحادثات لم يمنع العلاقات الثنائية بين الفاتيكان وهذه الكنيسة او تلك بما في ذلك اتصالات مع الروس. ويدور الحديث الآن على رغبة روما في استئناف هذه المحادثات، ولكنا لا نعلم مدى استعداد الارثوذكسية مجتمعة لقبول هذه الفكرة.

ولكن الى جانب هذه الصعوبات العملانية صعوبات لاهوتية. فالنصوص الصادرة عن الفاتيكان بدءا بوثيقة «الرب يسوع» والرسالة الأخيرة للبابا عن سر الشكر (القربان) تبدو عقبة كأداء دون التفاهم. وثيقة «الرب يسوع» تصرح ان كنيسة المسيح قائمة بكليتها فقط في الكنيسة الكاثوليكية، وهو أشد تصريح حتى الآن يدل على عزل الارثوذكسية من كون كنيسة المسيح قائمة ايضا فيها. اما في ما يختص بالرسالة البابوية عن سر الشكر فقولها ان القرابين يقوم بها اسقف متحد بالبابا، الأمر الذي يوحي بأن القداس الارثوذكسي فيه شيء من الخلل اذ يقيمه اسقف غير متحد بالبابا. أضف الى هذا ان اللقاء الذي عقده «المجلس البابوي لوحدة المسيحيين» عن «الخدمة البطرسية» كان مخيبا لكل الآمال اذ لا تحتوي الوثائق الرومانية فيه ايّ ما يدل على تغيير في الموقف الكاثوليكي المتعلق بمكانة أسقف روما.

هذه الأمور كلها تشير الى ان كنيسة روما في وضع فكري غير متحرك نحونا.

من جهة اخرى هناك تصادمات بين بعض الرئاسات الروحية عندنا. فالروس واليونانيون اختلفوا على من يرئس كنيسة استونيا أهؤلاء ام اولئك، ثم وجدوا صيغة مصالحة. غير ان البطريركية المسكونية مختلفة مع كنيسة اليونان حول من يرئس أبرشية سالونيك. الى هذا يصرّ البطريرك المسكوني على انه هو الذي يرعى المهاجر، وفي هذا هو مختلف مع معظم الكنائس الارثوذكسية. العالم الارثوذكسي لا يؤلف اليوم جبهة متراصة لملاقاة الكنيسة الغربية بفم واحد. اجل لو قبلنا الاجتماع معا الى روما لمباحثات جديدة سنكون واحدا من ناحية العقيدة في مواجهة روما. غير انه يزين لي ان الكنائس الارثوذكسية لن تلبي كلها الدعوة.

الوضع المسيحي العالمي متأزم جدا ويحتاج إلى نعمة إلهية كبرى لتغييره. غير اني لست ارى الآن كيف يمكن لروما ان تلين او كيف تعود الثقة المتزعزعة الآن بين الشرق والغرب.

في هذا المناخ لا يبدو ان احدا يحرّك قضية الفصح لأنها تبدو للرئاسات الروحية ثانوية بالنسبة إلى الوضع العقائدي المتأزم. ثم لا يبدو لي ان شعوبا أرثوذكسية هامة مثل الروس واليونانيين والصرب مستعدون لخوض غمار هذه القضية ولو اراد الرؤساء الروحيون بحث هذه المسألة.

إلى ان يأتي الفرج، علينا ان نحب بعضنا بعضا وان نتعاون في الشؤون العملية كل مع الآخر في بلده بحيث لا نتصادم عملانيا ونقرّب القلوب بعضها إلى بعض ريثما ينقل الله الجبال.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر رعائيّة/ الأحد أوّل شباط 2004 / العدد 5

انتهى «أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين». وبحث الموضوع يتطلب مقاربة نظرية قد أعود اليها. غير اني اليوم اود ان أنظر في الوضع العملاني المرميّ عليه الكاثوليكي والارثوذكسي. وأرجو الى القارئ ان يوسع صدره عسى يفهم انني اتوخى ما هو بناء وليس في نيتي انتقاد الاخ الآخر ونحن في مسعى التقارب الصادق. ولكنّ للتقارب شروطًا لتكتمل الثقة بيننا.

من اول هذه الشروط ان يلتحق كل منا بكنيسة رعيته في الآحاد. هذا الكلام مردّه إلى ما عرفته من كثيرين ان شغور كنائسنا من عدد من المؤمنين ان منهم من يفضّل الكنيسة القريبة إلى بيته ايا كان مذهبها. انا عارف اننا لا نغطي بعض المناطق الساحلية قرب بيروت. مع ذلك ليست المسافات طويلة بين منزلك وسن الفيل وانطلياس وجل الديب والمطيلب وما الى ذلك. ربما كان هذا في مناطق اخرى جبلية. انها قضية انتماء وهوية أن تلازم كنيستك، وقضية مشاركة في الأسرار الإلهية، وكنيستنا والكنيسة الغربية لهما الموقف نفسه في تأكيد أن كل واحد يتناول في كنيسته. ومَن يمارس خلاف ذلك يكون «فاتح على حسابو»، والكاهن الذي من غير كنيسته اذا ارتضاه في المناولة قد يريد ان يبيّن ان كنيسته منفتحة واننا مغلقون. ارى انه من واجب الكاهن الكاثوليكي ان يشير على الأرثوذكسي الذي يمارس عنده بالعودة الى كنيسته لا سيما اننا وقّعنا مع الكنيسة الكاثوليكية وثيقة البلمند السنة الـ1993، وقلنا فيها ان الراعي يرعى القطيع الذي سلّمه الله اياه ونتيجة ذلك انه لا يرعى قطيعا آخر. الأخوّة تبدأ من التعامل على الأرض.

في المنطق عينه ان الكاهن بعد عيد الغطاس اذا دار على الرعية لينضحها بالماء المقدس انما يرش منازل أهل رعيته، فلا يقرع الكاهن الكاثوليكي بيتًا ارثوذكسيا ويتطوع لرشه بحجة أننا صرنا واحدًا. نحن في الواقع لم نصر بعد واحدًا وليس أحد منا مفوضًا من الله ليقيم للآخرين خدمة مقدسة. واذا كان لسبب من الأسباب اضطر احدنا للاتصال ببيت من كنيسة اخرى فليكن بمعرفة كاهن هذه العائلة ما عدا علاقات الصداقة وموائد الطعام وما الى ذلك. الأرثوذكسي العادي يخجل من رد كاهن آخر، ولا ينبغي لهذا ان يتجاوز خدمة رعيته. اذ ذاك نسمّي ذلك اقتناصًا ونحن اتفقنا مع الرئاسات الكنسية الاخرى ان هذا يخالف مشيئة الرب.

ثم عندنا تفاهَمَ البطاركة الارثوذكسيون والبطاركة الكاثوليك ان ما يُسمّى «اول قربانة» يتم في الرعية لا في المدرسة. فهمنا ان هذا يتم في الصراحة والصدق الأخوي ولا يلتفّ احد حول هذا القرار. فالمطلوب من المدارس الكاثوليكية الا تأتي بأي عمل ككتاب الى الأهل يطرح قضية «أول قربانة» وموضع تناولها. المطلوب عدم التعاطي اطلاقًا مع التلامذة الارثوذكسيين، مباشرة ومداورة، بهذا الشأن، ولا تأهيلهم بالتعليم لأول قربانة، فهذه تناولها الطفل عند معموديته.

وهل من المستحيل على المدارس الكاثوليكية ان تتبنى جميعًا التعليم الديني المشترك الذي قررناه معا للمدارس الرسمية بحيث يتناول الاولاد نصًا واحدًا ولا يتفرقون؟ يأخذون تنشئة واحدة لا جدل دينيا فيها، هذا اذا تربّى المعلّمون على روح التقارب وان تتسع صدورهم للكل فلا يفاضلون بين كنيسة واخرى ولا يعظّمون واحدة على حساب الأخرى. يجب ان تزول الدفاعيات التي كنا نستعملها في الماضي لنبيّن اننا على حق وان الآخر مخطئ بحيث تكون ساعة الدين وقت استفزاز وتفرقة.

تبقى قضية الصلاة في المؤسسات التربوية. فماذا يعني حضور قداس مفروض على الكل ويتناول القرابين فيه بعض التلامذة ويُقصى الآخرون عنها؟ هل من الضروري في ايام الاسبوع ان نقيم قداسًا ام نتلو صلوات مقبولة لدى كل الكنائس بحيث نقف معًا بلا انزعاج ولا تحفّظ. مشكلة الصلوات الموحَّدة قابلة للحل بروح الأخوّة. يجب ان تفهم ادارات المدارس ان مودتها لتلامذتها تعني احترام عقائدهم بتفاصيل الحياة المدرسية ويومياتها، فتعيدهم الى ذويهم على مذاهبهم ممتلئين من الإنجيل والأخلاق المسيحية. في الإنجيل وسلوكياته طعام كافٍ لكل التلامذة وليس في الإنجيل اقتحام.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

شهوة المال / السبت في 31 كانون الثاني ٢٠٠٤

يصعب على المرء ان يكتب ضد الشهوة للمال عندما يكون شعبنا فقيرا. يبدو، اذ ذاك، ذلك ذما للأغنياء. أقولها توا ليس المسيح عدوا للأغنياء من حيث هم كذلك. فبعضهم قد ورث وكان مال بعض ثمرة عمل حلال. ان يسوع الناصري همه ان تكون حرا مما اقتنيت كما هاجسه ان تكون حرا من جمالك ان كنت جميلا او من ذكائك اذا كنت ذكيا او من سلطتك لو كنت ذا سلطة. الإنجيل يكسر القيود وكل ما ذكرنا مرشح ان يستعبدك وبولس يقول: “انما دعيتم الى الحرية فلا تجعلوا الحرية فرصة للجسد” اي لمكانة دنيوية لديكم او لظهور يتحكم فيكم. الغني في العربية من اعتد بغناه فاستغنى عن الله اذ يكون قد استغنى عن المحبة وهي القدرة الإلهية الوحيدة فينا التي تجعلنا ملتصقين بالبشر التصاق أخوّة وتجعلنا معترفين ببنوتنا لله. سندي في ذلك مثل الغني الجاهل الذي أخصبت كورته فعظمت غلاله ثم قال: أهدم أهرائي وأبني اكبر منها، فأخزن فيها جميع قمحي وارزاقي وأقول لنفسي: استريحي وكلي. فقال له الله: يا غبي، في هذه الليلة تسترد نفسك منك، فلمن يكون ما اعددته؟ فكهذا يكون مصير من يكنز لنفسه ولا يقتني عند الله” (لوقا 12: 21-31). يبين هذا المثل ان يسوع لم يشجب البناء الجديد الذي كان لا مهرب منه ولكنه ذم خضوع هذا الغني لشهوة التنعم وما استتبعته من الاستغناء عن الله. تحول المعبود وظهرت عبودية جديدة في النفس.

الا يكون المال ما انت تابعه، الا يصبح مشتهى قلبك يصير الرب وحده من تسير اليه يعبر عنه بصورة بليغة هذا المقطع من متى: “لا تكنزوا لأنفسكم كنوزا في الأرض، حيث يفسد السوس والعث، وينقب السارقون فيسرقون، بل اكنزوا لأنفسكم كنوزا في السماء… فحيث يكون كنزك يكون قلبك” (6: 9-12). المعنى الواضح الا يكون للإنسان كنزان، ان يقتصر على الكنز السماوي، ان يكون حبه فوق. لم يشجب السيد جمع المال فهذا مفيد في الاقتصاد الحر اذ يتعرض الإنسان لنكسات او أخطار تتعلق بتغير سعر العملة وبهبوط اقتصادي رهيب. السؤال هو ما هذا الشيء الذي تتوق أنت اليه. يلي هذا المقطع ما يوضحه: “ما من احد يستطيع ان يعمل لسيدين، لأنه اما ان يبغض احدهما ويحب الآخر، واما ان يلزم احدهما ويزدري الآخر. لا تستطيعون ان تعملوا لله وللمال” (متى 6: 42). لك ان تحصل مالا بعملك ولكنه لن يكون مخدومك. الأمر صريح. لا تستطيع ان تنقل مالك الى قلبك. اذ ذاك لا يسوده الله القائل في الوصية الاولى الى موسى: انا إلهك… لا يكن لك إله سواي”. غير ان عبادة الغني للإله الواحد الأحد أمر عسير عبر عنه المعلم بقوله: “لأن يمر الجمل من ثقب الابرة أيسر من ان يدخل الغني ملكوت السموات” (متى 19: 42). هي آية تحذير وتنبيه شديد الى الإغراء المحيط بكل من ملك شيئا من متاع الدنيا ولكنه ليس تعجيزا بدليل قول المعلم المبارك بعد ان سأله تلاميذه “من تراه يقدر ان يخلص؟” فأجاب: “اما الناس فهذا يعجرهم، واما الله فإنه على كل شيء قدير”. لم يقل يسوع تصرف انت بمالك كما يحلو لك. لم يدخل على كلامه السابق سهولة ولكنه عنى ما سوف يوصي به مرارا انك بالعطاء تنجي نفسك من التمسك بما انت مالك.

الى هذا جاء فكر آبائنا. قال يوحنا الذهبي الفم: “اذا احببت ان تكون صديق المسيح تكره المال وشهوته لأنها تحول اليها فكر من أحب وتسلبه الحب الحلو جدا ليسوع”. البخيل يذبح نفسه للمال فقد رأى بولس ان “الطمع عبادة اوثان” (كولوسي 3: 5). انه صنم في النفس.

ازاء هذا الخطر بدا تعليم آبائنا الذين قالوا باختصار ان المال أمانة من الله. هو ليس لك، انك عليه موتَمن. فالمال من حيث استعماله والاستمتاع به “ليس لأحد من جهة الملك” (سمعان اللاهوتي الحديث). ذلك ان المال يرتب علاقة بالآخر. “فما فاض عنك تجعل نفسك مالكا له وهو ليس لك” (القديس غريغوريوس النيصصي). من هذه الزاوية ما لا تحتاج انت اليه تسرقه من الآخرين. ويستند ذلك الى كون الخالق وزع اموال هذه الدنيا مشاركة على البشر ليتمتعوا بها على التساوي. فإن يستحوذ بعض على رزق اكثر من سواهم لم يكن في البدء وجاء نتيجة للخطيئة الاولى وازداد بقوة الرغائب. وعلى هذا اوضح باسيليوس الكبير انه “عليك ان تستعمل المال كوكيل لا كمتمتع”. فالمال يجب ان نتقاسمه بإنصاف. فالذي يكدس المال لمتعته الشخصية فقط يحفظه بصورة انانية ويضرب الغاية التي من اجلها وجد اي التقاسم. الأخ الآخر منسي ومنبوذ في حين انه شريك.

هذه الشهوة شبيهة بالشراهة فهي لا تقف عند حد ولهذا كانت السمنة. والغنى الفاحش الذي ليس عند صاحبه حس بالآخرين نهم داخلي لا يقف هو ايضا عند حد. في هذا يقول لي بسطاء الناس: أليس الثري يأكل كالفقير ويلبس مثله وجوابي لهم انه لا يرتضي بالطعام العادي لأنه يريد ان يتلذذ  ويعيش في قصر او اكثر ويسافر كثيرا ويضطر ان يقتني ما ليس له حد. غير اني وجدت بعد إمعان فكر ان البسطاء ليسوا على خطأ كبير. فأنا افهم ان يكون لدى الرجل متع كثيرة بسبب من الارتياح الكبير الذي يريد نفسه عليه ومع هذا يزين لي ان عند بعض من الاثرياء فحشا كبيرا. انهم ينفقون على أعراس بنيهم مبالغ لا تتصورونها. انه عادي ومألوف ان يبذلوا عدة مئات من ألوف الدولارت اليوم وهذا كان من الممكن ان ينقضي باحتشام. اظن ان الاحتشام هو المفقود.

غير انه موجود عند أثرياء كبار هنا وثمة. اعرف الكثير عن هذا الثري او ذاك في اوربا من الذين يحيون في تواضع ولا تصدمك رؤية الغنى المنفلش اذا زرتهم في قصورهم. وتبقى اموالهم في دوائر استثمارهم الصناعي ويوزعون منها الكثير الكثير. قال لي مرة صديق كبير كان ثريا عائشا في الغربة: “كلما حصلت على مبلغ من المال كبير اوزع منه مقدارا كبيرا حتى لا يستعبدني”.

الشهوة، كل الشهوة ضارة فاتكة لأن من طبيعتها ان تشتعل وتلهب صاحبها. انها لطاغية اذ لا تحتمل الشبع. فاذا قويت تقود الى قلق الخسارة. كيف نحافظ على ما اقتنيناه، ذلك يكون الهاجس وذاك يكون الاضطراب. الى هذا شعور الحزن اننا لم نكسب ما كنا نشتهيه او اننا لسنا مليئين بالقدر الذي رغبنا فيه. وفي هذا يقول القديس يوحنا كاتب سلم الفضائل: “كما ان البحر لا يخلو من موج لا يخلو البخيل من الحزن”. وعلى الرغبة في المتعة لا يرى الثري الفاحش انه يتمتع كثيرا. الشره لا يحس انه اكل ما يكفيه او انه حصل على الطبق الذي اشتهاه. ليس للاشتهاء ايا كان من حد.

الحكيم من اذا رأى الى ما عنده يعرف انه قد يفنى. المتعلق بما في الدنيا يحس به انه القيمة المطلقة التي لا تعلوها قيمة. وفي هذا يقول الذهبي الفم: “وكثير من الناس يحكم خطأ في شؤون هذه الدنيا فيقعون في اليأس. هكذا المجانين يخافون مما لا يخيف، يخشون امورا كثيرا ما لم تكن موجودة ويهربون امام الظلال. مثلهم من خشي خسارة الفضة”. هذا نوع من الهذيان. هكذا ايضا يفكر باسيليوس اذ يقول: “لا ترى غير الذهب، تتخيله في كل مكان. مهووسة به احلامك ويهيمن عليك في النهار”. ان تكون اقوى من غيرك أليس هذا ان تكره غيرك؟

الا ان هناك حالة واحدة يباح فيها الفرح بالكسب. هو ان تطلب الى الله مالا لأن الفقراء حولك في كل حين وليس عندك ما توآسيهم به. اما اذا سررت لمجرد الكسب فوق حاجتك الحقيقية اي اذا تعلقت بالازدياد فهذه رغبة مؤذية. ان يكون الآخرون همك ومركزك قد يقودك الى ان تتمنى الحصول على ما تسد به حاجاتهم. ان تسعى الى الازدياد بلا حدود لا يعني الا انك عرفت نفسك محور الوجود لاسيما ان “محبة الفضة” كما -تقول كتب الصلاة عندنا- تغذي فيك شهوة التسلط التي هي قمة الرذائل. اما الغنى الفاحش جدا فليس غاية الشهوة. الشهوة الكبرى ان تبسط نفسك على الناس ليحيطوا بك كما تحيط النجوم بالقمر. الانتفاخ الكبير ليس بالمال ولكن بالسلطة التي يأتي بها. الفقراء او الأغنياء الصغار يكرهون الأغنياء الكبار ويعبدونهم بآن اذ تسكرهم إنجازات لم يستطيعوا هم ان يحققوها.

لا يكافح هذا المرض الفتاك اذا حل فيك الا ان تجدد ايمانك بأن الله وحده يكفيك. ولكن اكثر الناس يتكلمون على إيمانهم ولا يريدون ان يتدخل الرب بشؤونهم. يلتمسونه معطي صحة لهم ولكن ليس حاكما بما يملكون. ان يعود الإيمان اليك هو ان تعتبر ربك سيدا على ما في قلبك اي ضاربا شهواتك المؤذية. واذ ذاك يوحي اليك انك ائتمنت على متاع الدنيا لتجعل المحتاجين شركاء فيه. هذا يعني انك لست محسنا بموقف فوقي ولكنك راد للمحتاج ما هو اصلا حق له عليك اذ لا تستطيع ان تخلص نفسك ما لم تصل الى هذه القناعة انك وكيل الله على ملك هو له. عندنا عبارة شعبية مغلوطة ان الله أنعم على فلان وفلان. انا لست متأكدا ان هذا كلام صحيح اذ لا اعرف مصدر ثروتك. اعرف شيئا واحدا ان الله يمن عليك بنعمته لقاء ما تعطيه اي بما يقل من ثروتك. المحتاج الذي انت تعطيه هو الذي يمن عليك بما يأخذه منك في حركة الحب التي لك نحوه. “ان العطاء مغبوط اكثر من الأخذ” (اعمال الرسل 20: 53). لأنك ان اعطيت تحب. وقد يأخذ منك من لا يحبك. هذا شأنه. ولكن ان انت اعطيت يكون الله محبك. ولذا قال: “بدّد، اعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد”. (مزمور 112: 9). لا يحيا هذا القول الا من فهم قول السيد: “مجانا أخذتم مجانا أعطوا” (متى 8: 10). فلا يكون لك بعطائك مجد باطل ولا تنتظر شكورا ولا نفوذا ولا تعلم يسارك ما فعلت يمينك” (متى 6: 3) اذ ذاك فقط يحسب لك الله ذلك برا. وتعطي صاحب الحاجة القريب او البعيد، من كان على ديانتك ومن لم يكن عليها. في هذا فقط تكون على مثال الله “لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل المطر على الأبرار والفجار” (متى 5: 54). اذ ذاك الفقير يشفيك مما كان فيك داء. المحتاج الذي تبذل له مالك بحب كان طبيك.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الجدل الديني/ الأحد 25 كانون الثاني 2004 / العدد 4

الجدل الديني صعب لأن العارفين الحقيقيين للدين قلة والمدعوون للمعرفة كثيرون. فالعالِم قليلا قد يجد خلافا حيث لا خلاف. فقبل الجدل اقرأ كثيرا لدعم ايمانك بالحجة والا فلازِمِ الصمتَ يحفظك ويحفظ الآخر. ولكن اذا سئلت عن ايمانك فجاوب قدر ما تعرف أو سَلْ عارفا وعد إلى من سألك في ما بعد مزودا.

وتزيد صعوبة المناقشة انها كثيرا ما كانت مقرونة بالانفعال او العصبية. فإن كنت عاجزا عن كظم غضبك لا تقل شيئا لكون الانفعال يؤزم العلاقة بينك وبين من جادلك. الجدل يتطلب الهدوء الكبير وسلامة القلب من كل بغض وسلامته من الجهل. فإن لم تكن قادرا على السلام الداخلي وعفة اللسان، فلا تدخل هذه المغامرة. العفة تقيك التحديات الكبيرة التي فيها التعدي على معتقد الآخر او تجريح من يسائلك.

انت دافع اذا كنت بين مسيحيين عن استقامة الرأي، وأوضح ما نحن نؤمن به بالمراجع المشتركة بيننا اي بالكتاب المقدس والتراث القديم المشترك. فالألفية الاولى واحدة بيننا وبين المسيحيين الغربيين. مثل على ذلك، اذا سألك كاثوليكي: كيف تكون كنيستكم واحدة وليس لها رأس واحد؟ تجيبه: ان الوحدة قد تكون على الشكل البابوي الفردي او تكون على الشكل الجماعي. فنحن رئيس الكنيسة عندنا في الكنيسة المحلية هو الأسقف، والجماعة مع الأسقف فيها كل الكنيسة الجامعة. والأساقفة هم معا في المجمع المقدس. والأساقفة في العالم هم معا في مجامعهم ومع بطاركتهم. على المستوى العالمي عندنا وحدة تنسيق وقرارات المجامع، وعندنا التواصل بين الكنائس. اوضح ما نحن عليه ولا تهاجم بابا رومية فهذه وسيلة الضعفاء. ولا يتراءى للكاثوليكي ان هناك نظاما غير نظامه ربما كان الأقدم في الكنيسة، ويكون، اذ ذاك، على الكنيسة الكاثوليكية ان تخطو خطوات نحو الكنيسة غير المنقسمة في نوع من حركة إصلاح او تجديد. تبقى في هذا السلوك اخا للكاثوليكي ومحافظا بآن على صلابة موقفك على رجاء الوحدة.

اما المسلمون فلا تجادلهم انت بدينهم. انهم لو عرفوه لأدركوا انه يدعوهم الى مجادلتنا بالحسنى. قد يطرحون عليك هذا السؤال: هل تؤمن برسالة محمد؟ لا تجب: انا لست اومن. قد يستفظع محاورك هذا الجواب. انت تجيب مثلا ان الله كلمنا الكلام الأخير بيسوع المسيح. وهذا الكلام يكفينا للخلاص وقد دوِّن في العهد الجديد، واختتم العهد الجديد بسفر الرؤيا. اما ما يقوله القرآن عن النصارى وتكفيره إياهم فبحث لا تدخله لأننا نحن لسنا النصارى الذين يتحدث عنهم. نحن مسيحيون وهذا اسمنا الوحيد، ولسنا اذًا معنيين بتكفير النصارى. انت أكد ايمانك بصلب المسيح وقيامته لأن هذا وارد في الإنجيل ومعظم الذين كتبوه شهود عيان للحادثة او عرفوا الذين شاهدوها. هناك اشياء دقيقة يعرفها المسيحيون المختصون بالإسلاميات. سَلْهُم عن هذه الأمور اذا طُلب اليك توضيحها.

الجدل الأصعب هو مع شهود يهوه والمعمدانيين على مختلف فروعهم. ضد شهود يهوه عندنا كتب كافية. ونهيئ فرق عمل لفحص تعاليمهم ودحضها، وكذلك نهيئ دراسة للبدع الإنجيلية المختلفة التي ليست من الكنائس البروتستنتية التقليدية السائدة. هم لا يبحثون عن الحق، وقلما يستسلمون لحجة دامغة. ولهم تفسير ضيّق وحرفي للكتاب المقدس، ونفسيتهم متشددة ومنغلقة. مثل هؤلاء أمرنا بولس الرسول ان نَحْذَرهم ونتجنّبهم. ولكن لا بد لك ان تتحصن ضدهم بالمعرفة.

اية كانت الجهة التي تناقشك، كن وديعا وحازما بآن. ولكن اعرف كثيرا من المعرفة في حلقات المعرفة والكتب الارثوذكسية التي صارت كثيرة.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الشعوذة، السِحْر…/ الأحد 18 كانون الثاني 2004 / العدد 3

بعض اسئلة بسيطة. هل يستطيع انسان ان يعرف حدثا قبل ان يكون؟ الجواب لا لأن الله حجب هذه الرؤية عن البشر، وقبل ان تكون هي ليست كائنة، وهي قائمة في حرية الذين لهم قدرة عليها، وقد لا تكون في تصميمهم لتعبر من دماغهم الينا. ليس من شيء موجود قبل ان يوجد.

على هذا المبدأ تكون الرقية (الرقوة بالعامية) من باب العرافة. والعرّاف هو المنجّم الذي يدّعي علم الغيب الذي استأثر الله به. على هذا الغرار قراءة فنجان القهوة وكأن الخيوط او الرسوم على الفنجان الحاصلة من حركة الشفتين في الفنجان تدل على شيء. وقد سمّى الكتاب العرافة خطيئة في 1صموئيل 15: 23 وجعلها ارمياء في 14: 14 مرادفة للرؤيا الكاذبة وكذلك حزقيال. وجاء في اعمال الرسل ان بولس أخرج شيطانا من عرّافة (16: 16-18).

كذلك قراءة الأبراج المتفشية في صحف ومنشورات تجعل لك طبعا من الطبائع وتنبئ بأحداث مرتبطة بيوم ولادتك وساعتها ووضع فلكي محدد. قد يكون للنجوم تأثير ما على طبعك، ولكنك انسان حر وليس من قَدَر يحتّم عليك كيف تكون. هناك من حاول في فرنسا في السوربون ان يجعل من التنجيم علما، غير ان اعتقادنا الديني انك لست بآلة وان شيئا ليس محتّما عليك وان لك «حرية ابناء الله» كما يقول بولس الرسول. قراءة خطوط الكف من هذا القبيل، فعُمرك نتيجة الوضع الصحي الذي تكون عليه، وقد يكون هذا مسجَّلا في المورثات او علم الجنات وهو الذي ينبئ باستعدادك لهذا المرض او ذاك ولاسيما السرطان. فهناك تدخل في الجنات وهو علم بات متطورا في السنوات الأخيرة. انت تولد مع برنامج جينيّ، ولا يُنقش شيء من هذا على كفك.

اما قراءة طبعك من خطك فأمر ممكن لأنك إن صُنّفتَ على هذا الطبع اوذاك فقد يؤثّر في كتابتك للحروف والكلمات، ولكن لا يكشف هذا معرفة للمستقبل. ولست اظن ان من يفحص كتابتك يظن شيئا آخر.

وفي المنحى نفسه مناجاة الأرواح، وتُحرّمها الكنيسة تحريما مطلقا، فعندنا انك تخاطب القديسين بالصلاة ولا تتحكم بروح أحد وليس لك سلطان على روح، فالأرواح في سلطان الله وحده. يضاف إلى هذا أن تعاطي هذا الأمر جعله في بلد كالبرازيل دينا قائما بذاته، وجعله هنا وهناك نوعا من السكر او التخدير. مناجاة الأرواح لون من ألوان السِحر لأن السِحر هو عينًا ان تنسب الى نفسك قدرة يستأثر الله بها. جاء في كتاب الله: «لا يوجد فيك من يحرق ابنه او ابنته في النار ولا من يتعاطى عرافة ولا منجّم ولا متكهّن ولا ساحر، ولا من يشعوذ ولا من يستحضر الأشباح او الأرواح ولا من يستشير الموتى، لأن من يصنع ذلك هو قبيحة عند الرب» (تثنية الاشتراع 18: 10-12). ويؤيد العهد الجديد ذلك اذ يرصف سفر الرؤيا القاتلين مع السَحرة وعبّاد الأوثان (21: 8).

الفكرة الأساسية في العهد الجديد ان السِحر هو الاعتقاد بأنك اذا تلَوْتَ بعض الكلمات وقمت ببعض الحركات يحصل تلقائيا ما تريده ان يحصل. هذا يخالف ايماننا بأن الرب وحده بكلمته يغيّر ما في الطبيعة. الصلاة تختلف عن السِحر لكونها رجاء، وهي لا تقدر على شيء الا بنعمة الله. ولا يتقدس عندنا شيء لمجرد ان الكاهن تلا صلاة او قرأ مقطعا من الإنجيل. هو يستدعي الروح القدس على الخبز والخمر فيتحوّلان إلى جسد الرب ودمه بنعمة الروح وليس بمجرد التلاوة. هذا هو الفرق الأساسي بين السِحر والدين.

في هذا المنطق ليس من عين حاسدة قادرة ان تؤذيك، ولذلك كان مخالفة للإيمان ان تُعلّق خرزة زرقاء في عنقك او ان تضع نضوة حصان على باب بيتك لأن مثل هذه الأشياء لا يقيك الأذى. واذا وضعت صليبا في عنقك فإنما هذا شهادة على انك تنتمي إلى يسوع. وليس له بحد نفسه فعل آليّ لأن إشارة الصليب يجب ان تكون مقرونة بالصلاة. ليس من اعجوبة الا بإيمانك بالرب يسوع.

هناك شيء آخر ليس من السِحر ولا الشعوذة، وهو التخاطر télépathie، وهو ان تتناقل الخواطر أو الوجدانيات أو الصور من عقل إلى عقل عن بعد. مثال على ذلك ان امرأة بريطانية رأت او كأنها رأت ان زوجها الضابط في الهند طعنه في ظهره هنديّ بخنجر، وبعد ايام قليلة أخبرتها القيادة العسكرية بحدوث ذلك في الوقت الذي أَحسّت فيه بهذا الأمر. هذه قوى طبيعية تشبه البث التلفيزيوني. بعض الناس عندهم قدرة على التقاط صور من بعيد. كذلك هناك قدرة عند بعض الناس ان يُسقطوا عنقود عنب بمجرد النظر اليه. هذا ليس بمعجزة. ما عدا هذا التخاطر كل تحرّك كهذا الذي وصفناه سابقا سِحر أو شعوذة أو أُكذوبة وكلّه أذى روحي.

Continue reading
2004, مقالات, نشرة رعيتي

الإنجيل الذي بعد الظهور/ الأحد 11 كانون الثاني 2004 / العدد 2

لعيد الظهور الإلهي اهمية في عباداتنا بحيث تأتي التلاوات الإنجيلية من العيد حتى الـ 13 من الشهر متعلقة بالعيد وكذلك السبت بعد العيد والاحد الذي نحن فيه ما يبين ان هذا العيد هو المحور بعد الفصح.

            يستهل الإنجيل هذا الفصل بقوله ان السيد ترك مدينته الناصرة غالبا لأنه لم يلق فيها شعبية وسكن في مدينة كفرناحوم الواقعة على ضفاف بحيرة طبرية. مؤلفة من خليط من الأعراق وهامة تجاريا، الأمر الذي يسهل وجود مستمعين الى البشارة. ويقول عنها متى انها في جليل الأمم اذ كان فيها وثنيون في الماضي.

            يقتبس متى مقطعا من اشعيا النبي: “ارض زبولون وارض نفتاليم…” وفي هذا إشارة الى هذين السبطين اللذين قطنا تلك الأرض عند توزيعها على قبائل اسرائيل عند فتح ارض كنعان. كلمة “عبر الأردن” المذكورة هنا تعني شرقي الأردن كما كانت مسماة الى ايامنا قبل ضم الضفة الغربية اليها على عهد الملك عبد الله الهاشمي.

            هذا الشعب الجالس في الظلمة وفي بقعة الموت -اذ لم يكن المسيح قد أتاهم- قد ابصر نورا عظيما بمجيء المخلص. ماذا تعمل انت ان أشرق عليك نور بعد ان كنت في العتمة؟ ترى نفسك في فرح اقتباله، ترى نفسك كليا في النور. ماذا كان على اليهود ان يعملوا. قال لهم: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات”. ما تعني كلمة “توبوا”؟ هي تعني بلا ريب الا يسرق السارق فيما بعد، ويكف القاتل عن القتل، وما الى ذلك من وصايا. ولكنها تعني ما هو اعمق. ففي اللغة التوبة تعني التحول، ان تقتبس فكر الله وتبدل به فكرك اذ الخطايا تنبع من الفكر السيء. فاذا رأيت ان الله هو كل الوجود يأتي ذهنك منه ويمتلئ قلبك من قلبه فلا تسيّرك افكارك ولكن يسيرك فكر الله، ولا تنطق الا بما نطق الله به، ولا تحب الا الأشياء التي الله يحبها. هكذا تتم الوحدة بينك وبين الرب فكأنك وجهه الى الناس وكأنك لسانه وكأن يديك -اي فعلك- يداه. فاذا ادركت هذه الحال تكون تائبا.

            لماذا يجب ان تتوب؟ يجيب متى: “قد اقترب ملكوت السموات”. ملكوت السموات يعني ملكوت الله المستعملة في اماكن اخرى من العهد الجديد. تكلم يسوع كثيرا عن الملكوت بأمثال. هو سيأتي حسبما جاء في الصلاة الربية. “ليأتِ ملكوتك”. ولكن الملكوت حاضر منذ الآن بمجيء الملك. وانت مقبول فيه الآن ان آمنت بيسوع وأحببته. هو يعطيك الملكوت عربونا ويعطيك اياه كاملا في اليوم الأخير. وبين الآن واليوم الأخير تحيا في الكنيسة ويتجلى فيها الملكوت بالكلمة والاسرار الإلهية. فكلما اتجهت الى يسوع بقراءة الكلمة والصلاة وتغذيت من جسده ودمه تتغير من الداخل ان كنت صادقا. كل ما يجري في الكنيسة يرسخك في الملكوت. المهم الا تأتي بشيء يكون حاجزا دون تملك المسيح بقلبك. واذا كان قلبك غير منفتح له فلا تنفعك صلاة ولا عمل خير اذ لا يكون هذا خيرا في الحقيقة. اما اذا انفصلت عن الشر وكل شبه شر وامسكت عن كل كلام باطل ومجد باطل وعن كل كبرياء يضمك المسيح الى صدره ويجعلك من ابناء الملكوت اذ قال بعض آبائنا ان الملكوت هو الروح القدس. بالقداسة  تذوق طعم الملكوت منذ الآن.

Continue reading