أنا مستغرق في قراءة كتاب “لبنان” لصلاح ستيتيه الموضوع بفرنسية عظيمة البلاغة وذات اناقة ساحرة. لست اعلم اذا كان الكتاب بسبب من هذا الجمال، قابلا للتعريب ولكني دهشت من حب الرجل للبلد الذي وصفه قبل تمزقه الحاضر وعلى رغم مآسينا – وعسير عليّ التكلم عليها لكني اود ان ألحظ الاصرار على وحدة هذا البلد الغارقة قدماه في البحر والناطح السماء بقممه المرمي الثلج عليها الى الابد. وهنا لستيتيه كلمات شعر يغطيها ظاهر النثر.


لم يبق احد مهتما لنشوء هذا البلد حقوقيا عند انتهاء الحرب العالمية الاولى. فبعد سجالات طويلة لمسنا ان من تعلّق بالبلد عشقا ومن تراءى له عقلا ثم ارتضى العقل ان ينسكب في القلب باتوا واحدا في الاخلاص له ولو لم يتفقوا على صداقاته. هذا امر مفهوم لان بلدنا يتكئ على آسيا بما فيها من تباينات ويغنج عند البحر ويسلك البحار منذ اقدم العصور ولكنه يعود الى نفسه من هجرة فيبني انسان بيتا في قريته ولو لوقت استجمام قصير كأنه يأخذك دائما من صحارى الشرق ان كان اليها حنينك او من اغراء اوروبا اذا جئت من ثقافتها ولقّحت بها العروبة. ومن اقتصر على تشريق بلدنا او تغريبه بات فقيرا.


لم يبق واحد منا اسير التاريخ ولو ذاقه. اخفاء لحقيقة مشاعرنا أسندنا أنفسنا الى هذا المد او ذاك من زماننا الغابر لكوننا كنا ضحايا ذاكرات جماعية مختلفة واما الآن فقد جمعناها بلا تذويب في حاضر لبناني نريده فاعلا تهيئة لمستقبل يدعم وجودنا معا في اسهام الروحانيات الدينية المختلفة التي نسميها خفرا ثقافات تردادا للغة علمانية هي من تراث آخر.


لست اقول ان التلاقي بيننا على رغم مشاهد التلفاز غدا كثير العمق او عظيم التدقيق على صعيد المعرفة العالية ولكن يبدو ان الحياة تضطرك الى ان تضع لنفسك معرفة جديدة تذهل الاكاديميين وهي الآتية من القلب اولا والاولى انها آتية من ضرورة الحياة المشتركة التي يفلسفها بعد حصولها اذكياء القوم. هذا يتطلب اكثر من ثقة. هذا يفترض ان تعترف ان الآخر ينبوع تشرب منه وانه اساسي في تكوينك لئلا تبقى ملاقاتنا مجاورة لا انصهارا على مستوى الوجود. لذلك اخشى تعدد الجماعات المذهبية وأطمح الى توق توحيد ضمن التعدد ولست اعرف لهذا التوحيد الفكري صيغة جاهزة لكني اشتهي ان نصنعه معا وهذا ليس فقط على صعيد الابداع الفكري ولكن في ما سماه الدستور العيش المشترك بمعنى التناضح الخلاق بين الاديان والمذاهب. ان ثمة مسكونية لبنانية لنا الحق في ان نحلم بها لان التفسخ شر مطلق ولاننا قادرون على ان نصبح شهودا لالتحام المسيحيين والمسلمين في بلدنا.


وهنا واستقلالا مني عن العاصفة القائمة ادعو اللبنانيين الى رؤية مسافة بين الوطن والسياسة. السياسة في النهاية لعب او شيء كاللعب لكن الوطن لا تلاعب فيه. هذا ليس استعلاء مني على السياسة لكنها من باب العابر والافتراض والتذاكي احيانا ومن باب الشهوات كثيرا وتحليل اوضاع العالم المتقلبة ابدا والنافعة احيانا والضارة كثيرا. وهي كالامواج التي تحت اقدامنا لكنها ليست كالجبال التي يزين لنا اننا نصعد بها الى السماء، لا بد لك من وطن شامخ ولو داعب بقدميه البحر. الجبل يشد البحر اليه لا العكس.


ذلك انك من البحر تذهب ثم تؤوب الى البر الذي وراءه. هكذا كنا وهكذا سنكون. ويلاحظ صلاح ستيتيه حذقنا في ذلك منذ اقدم العصور. وكنا نبيع ما ننتجه من ارجوان او ما نستورده من الهند عبر اليمن وعبر مكة ونشتري ما يسره لنا الاغريق ولكن ما اكتفينا بالاتجار اذا استطعنا معه ان نصدّر الابجدية من جبيل وسماها اليونان بيبلوس التي نحتوا منها بيبليا اي الكتاب.


وغالبا ما نشأت الابجدية في اوغاريت شمالي اللاذقية التي كانت آنذاك مدينة كجبيل وصور وصيدا. هذه المدن القديمة التي صارت منها واحدة في سوريا الحديثة وباتت اخرى في لبنان كانت تقوم معا على العقل، وما قام على العقل لا يفترق على ما كان مثله عليه. والحدود يضعها الانسان كما يناسبه في تطور حياته التاريخية والعوامل التاريخية التي ينشئها.


في زمن الاستقلال الذي ارتضيناه نهائيا – اي على قدر ما نستطيع ان نستشرف المستقبل نحن اللبنانيين – بتنا هنا واحببنا هذا المبيت وانتجنا حضاريا في البيت اللبناني الواحد وهذه هي ارادة الاستقلال عندنا ليس لاننا نحب الاعتزال ولكن لاننا نحب بيتا لنا يوافقنا وارتضيناه وطنا صغيرا يساعدنا على ان يمدنا الله بكبر من عنده وان نثمر بنعمته ونعضد الآخرين بها. فنحن لسنا بكماً وما غيرنا بأبكم.


وما سميناه استقلالا ما عنينا به الا صمودا لا انحناء يمحو قوامنا. وهنا تحضرني مواقف من ائمة المسلمين ومفكريهم ان لبنان بلا مسيحيين لا معنى له. واضيف في مقاربتي ان مسيحيي لبنان أخذوا الكثير من نكهتهم الخاصة من اللغة العربية التي هي لغة القرآن وابدعوا فيها.


اليوم كنت اقرأ ابن بطوطة كما اقتبسه ستيتيه وفهمت ان هذا الجغرافي العربي الكبير اعجب برهبان لبنان. وما من شك عندي في ان رابعة العدوية اخذت حرفيا عن القديس اسحق السرياني وكلاهما من العراق. وهذه حياة نعيش في عمقها او على ما هو دون العمق بعضا مع بعض. دائما تساءلت منذ الطائف لماذا ارتضوا ان يؤلف مجلس النواب مناصفة بين اهل الديانتين. ورأيت في ذلك تسامحا من المسلمين من اجل وحدة وطنية يؤيد هذا التنظيم قوتها. وان المسلمين يريدون بوعي كامل ان يعايشوا المسيحيين بكرامتهم.


لبنان ملتقى اللبنانيين بكل ما يجري في العالم. ولهم مصالح مع هذا او ذاك وفي اختلافها اذواق. ويمكن ان يحول هذا الملتقى بوتقة حضارية وليس ما يضطرنا الى ان نصير زبائن احد وان نتخلى عن هويتنا بحيث لا يستمد فريق هويته من احد ولكن نتفاعل نحن بعضنا مع بعض ونحافظ على هذه الهوية المتنوعة الالوان والواحدة بآن كلوحة فنية. قد نكون ساحة لمصلحتنا على الا نكون ساحة للآخرين اذ نفقد بذا فرادتنا.


ويبدو اننا بتنا نفهم ان العدد عندنا لا ينبغي ان يكون حاسما في العلاقات او في الحكم وألا يختلط اي تفوق باعتبار ديني او مذهبي. شيء من الاستقلال المجتمعي عن المعتقد الديني بحيث نتقارب وطنيا ويبقى المؤمن مؤمنا. وعند ذاك ينشأ فعلا مجتمع مدني. وهذا لا يمنع التقارب مع اهل ديننا في بلدان اخرى على الا يمس هذا وحدتنا. لقد ظهر شيء كهذا قبل الحرب العالمية الاولى عند الارثوذكس الذين كانوا يحبون الشعب الروسي لكن هذه القربى الروحية لم تؤثر على ولائهم العثماني ولا على عروبتهم عندما ظهر الوعي العربي في حدود السلطنة. انت يأمرك ولاؤك اللبناني وحده على صعيد النضال الوطني ولا تؤلف وحدة سياسية شعورية مع بلد آخر. تقف على مسافة ليس من معتقدك الديني ولكن من الذين يدينون به في الخارج ولا تستضعف نفسك وضرورة لصوقك بأهل الوطن.


غير ان الوطن يُبنى في الفكر وفي العمل اي بالكدح ولا يقوم على ايديولوجيات كان من شأنها ان تباعد بيننا وان تجعلنا قبائل على ظاهر تمدننا. الايديولوجية سقطت في الاتحاد السوفياتي وفي اوروبا الغربية سقوطا عظيما وبقيت بعض الشيء في البلدان الضعيفة التواقة الى استقلاليتها. نحن لا يمكنننا ان نتوحد الا بالوطنية اللبنانية القائمة على تهذيب لشعبنا كبير وعلى اكتساب فضائل المجتمعات المتمدنة من حيث احترام كل مواطن للمواطن الآخر بصرف النظر عن انتمائه المذهبي فنتعاون وكل المواطنين بالقوة نفسها والثقة نفسها فنبني الوطن بمعطيات الارض، اي بالدرجة الاولى من الاقتصاد فيكون لنا وطن غني وافر الانتاج لا بؤس فيه ويضمن فيه كل واحد منا الآخر فلا تبقى منة من شريحة على شريحة ولا تبقى طائفة فقيرة فيما يتمتع سواها بالبحبوحة. ويزدهر الاقتصاد في كل المناطق على السواء وترعى الدولة كل المحافظات على السواء ونستنبط وسائل انتاج جديدة. لقد اثبت العلماء وعلى رأسهم غسان قانصوه ان لنا في بطن الارض وتحت سطح البحر كنوزا. وقد زرعنا ثمارا جديدة ونجحنا. كل هذا يعني الدخول في عالم البحث.


البلدان يمكن ان تنبعث ولكن شرط هذا الطهارة في القطاع العام وفي القطاع الخاص بحيث تصبح الدولة كأنها هيكل يعرف الناس فيه انه لا يعتريه فساد. ولكن هذا يتطلب انضباطا يذهب بالمسؤولين الى حد الشدة.


قال الرومان: نعيش اولا ثم نتفلسف. علينا نحن اللبنانيين ان نتعلم هذا لنبقى معا.