الرسالة الى أهل كولوسي (آسيا الصغرى) ينتهي القسم اللاهوتي منها بقول الرسول: “متى ظهر المسيح الذي هو حياتنا، فأنتم تُظهرون حينئذ في المجد”. واضح ان الكلام هنا يدور حول المجيء الثاني للمسيح الذي يؤكد بولس انه كل حياتنا. اذ ذاك، يظهر اهل الملكوت معه في مجده ويكتمل مجدهم وتبدأ رؤيتنا لله في السماء.
توا بعد هذا ينتقل بولس الى القسم الأخلاقي فيذكر الخطايا. في لائحة اولى يذكر الزنى الذي هو علاقة بين ذكر وأنثى أحدهما متزوّج او كلاهما متزوّج. ثم يذكر النجاسة التي هي اعمّ، ثم الهوى الذي يريد به ايّ تعلّق مخالف للطبيعة ثم الشهوة الرديئة. كل هذه مفاسد مرتبطة باستعمال الجسد بخلاف الشريعة. اما الرذيلة الخامسة فهي الطمع، وهذا متعلّق بالنفس او بالفكر، ويعني طبعا شهوة المال، ويعتبرها بولس عبادة وثن اذ يجعل الانسان فيها المال ربّا.
وفي نهاية هذه اللائحة يقول: “لأجل هذا يأتي غضب الله على أبناء العصيـان”. الخطيـئـة السمجـة تُغضب الله. وفي هذا يؤكّد بولس ما قاله في الرسالة إلى أهل رومية: “لأن غضب الله معلَن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم” (18:1).
ويذكّر بولس أهل كولوسي انهم لما كانوا وثنيين، كانوا عائشين في هذه الخطايا، وكأنه يقول انكم لما عرفتم المسيح اخذ يطهركم من هذه المفاسد لأنه هو الطهارة ومصدر الطهارة في المؤمنين به. مع ذلك يخشى الرسول أن يقع المؤمنون من جديد في السقطات، فيدعوهم الى ترك كل خطيئة. ولم يكتفِ بهذه اللائحة الاولى اذ يدعو المؤمنين الى أن يتركوا “الغضب والسخط والخبث والتجديف والكلام القبيح والكذب”.
الغضب هو ثورة الأعصاب المفاجئة مع الكلام الجارح. ان الغضب دائما جارح. ومن عاش في هدوء المسيح تبقى أعصابه هادئة. اما السخط فهو أعمق من الغضب. انه الاستعداد الداخلي لكي نؤذي الآخر.
اما التجديف فيريد به السبّ والشتم وهو شتم العزة الالهية ايضا والغضب على الله. وبصورة عامة ينهانا الرسول عن صدور اي كلام قبيح من أفواهنا مهما أثارنا الآخر او أساء الينا. وينهي الرسول لائحة هذه المعاصي بنهينا عن الكذب حتى يصحّ كلام السيّد: “ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا”. ولا تردد بين النعم واللا، فإذا قصدنا النعم فلنقلها، او قصدنا اللا فلنقلها، لأن الآخر له الحق ان يعرف الحقيقة ليشاركنا فيها.
ثم يرتفع بولس لاهوتيًا اي انه يؤسّس الفضائل المعاكسة لهذه الرذائل بقوله: “اخلعوا الانسان العتيق مع أعماله، والبسوا الإنسان الجديد الذي يتجدد للمعرفة على صورة خالقه”. اخلعوا عنكم انسان الخطيئة والبسوا بياض الفضيلة واذكروا انكم فور المعمودية قد لبستم ثوبًا ابيض، وهكذا تتجدّدون بالنعمة وتبقى المعموديّة فعّالة فيكم، ولا ترتكبوا شيئًا يمس الطهارة التي نلتموها بالمعموديّة فتظهروا انكم على صورة الخالق الذي خلقكم على صورته ومثاله.
واذا صرتم على هذه الصورة لا يبقى بينكم خلاف بين يوناني (اي وثني) ويهودي، وهذان كانا دائمًا على خـلاف، وفـي الكـنـيـسة يـمحي كـل خـلاف. ثـم يقـول (والمعنى ذاته) لن يكون فرق بين الختان (اي اليهود) والقلف (اعني الوثنيين الذين لم يكونوا يختتنون). وقد أمرت الكنيسة في مجمع اورشليم الرسولي ان الوثني الذي يقبل المعموديّة ليس عليه ان يختتن كاليهودي اذ لم يبقَ عليه نير الناموس.
كذلك لا فرق بين بربريّ واسكيثيّ. البربر كانوا المصريين والفرس وعندهم شيء من الحضارة. اما الاسكيثيون فهم من البدو غير المتحضّر الذين كانوا يعيشون في مناطق من روسيا الحالية.
طبعا لا عبد ولا حر. فالعبد اذا اقتبل المسيح يصبح حرًا في المسيح وأخا للحر الذي كان يملكه حسب الشريعة الرومانيّة. كل هذه الفوارق تزول لأن “المسيح هو كل شيء وفي الجميع”. الفوارق الاجتماعيّة لا تعني لنا شيئًا اذ يمحوها السيّد بالمعموديّة.
