2009, مقالات, نشرة رعيتي

التبرير بالإيمان/ الأحد 12 تموز 2009/ العدد 28

صلّى بولس من أجل اسرائيل الذي صلب المسيح اذ السيّد نفسه على الصليب غفر لهذا الشعب الذي عنده غيرة لله وبسبب من هذه الغيرة المغلوط هدفها قتل المخلّص.

خطأ اسرائيل -حسب الرسول- انه أقام برّ نفسه ولم يُقم البرّ الذي يأتي من المسيح اي من الإيمان به. اعتبر ان شريعة موسى تُخلّصه وكل غايتها كانت المسيح. لذلك صارت الكنيسة اسرائيل الجديد اي اسرائيل الله.

نحن لسنا ضدّ يهود اليوم ولو جحدوا المسيح. نحن نرجو خلاصهم، وكنيستنا بشّرتهم منذ ايام بولس وبقيّة الرسل. وتحوّل الكثيرون منهم الى المسيحيّة في كلّ أنحاء العالم. هؤلاء هم معنا شعب الله. نحن كنيسة مبشّرة ونبشّر كلّ الناس. قد تتعرقل البشارة بسبب الخطر الكبير المحدق بالمبشّرين، ولكنّنا أُمرنا بدعوة اليهود وغير اليهود الى المسيح لأن الخلاص هو به.

ندعو بالفم، بالسلوك الطاهر واذا عاشت الجماعة بالمحبة. لذلك يقول الرسول: “ان الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك اي كلمة الايمان”.

المعنى أولاً انك تنقل كلمة الله التي نعرفها من الكتاب ومن رؤية الكنيسة للكتاب، من خبرة القديسين. انت تمتلئ من كل هذا التراث، من الحيويّة التي تنتعش بها الكنيسة، من بهاء الأطهار الذين يعيشون في كنيسة المسيح.

الخدم الإلهيّة هي ايضا مكان للبشارة اذ بها ترجمنا الكتاب المقدّس. الرُتب المختلفة ما هي الّا ترجمة للإنجيل بلغة الناس. لذلك لا تنحصر البشارة بأن تقرأ مقاطع من العهد الجديد على الناس وإن كان هذا هو الأهم. البشارة ان تقول كلّ ما في الكنيسة وان تكشفه للناس.

ولكن كلّ المضمون البشاريّ، كل محتوى ما تُبلّغه مؤسَّس على كل بولس في نهاية هذا الفصل الرسائلي: “إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله قد أقامه من بين الأموات فإنك تخلص”. شرطان اساسيّان للخلاص: الايمان بالقلب، والاعتراف باللسان، لأنّ القلب واللسان عندنا واحد وليس عندنا باطنيّة اي لا يحقّ لنا أن نُخفي إيماننا او ان نكفر اذا تعرّضنا الى خطر. الشهادة حتى الدم أمر إلهيّ نأتمر به. فالإيمان حيّ بالمحبة. وأقصى المحبّة ان تموت في سبيل مخلّصك. اذا عرفت المسيح ربا ومخلّصًا لكل انسان تكشف له أنك تدعوه الى الاعتراف بالمسيح. تدعوه لأنك تحبّه وتريد خلاصه.

اذا أحببت شخصًا لا تريده ان يغرق في الظلام لأن الظلام يعذّب النفس ويقتلها. لا تنقل المسيح، ضرورة، بالجدل والسجال. ولا يحقّ لك أن تُخفيه اذ بذلك تشهد ضمنا ان الظلام والنور واحد.

ولكن افهم انك لا تقدر أن تشهد بالفم ما لم تشهد في الحياة الطاهرة. ان كنت مدنسا لا يصدّقك احد ولا يقبل رسالتك.

لقد كسب المسيحيون العالم اذ أشاعوا المحبة وعندما سكبوا دمهم. اذ ذاك آمن الناس بيسوع الناصريّ. ان كان أتباعه فيهم حق بما يقولون وبما يعيشون كم بالحريّ يكون هو الحق.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الوطن / السبت 11 تموز 2009

لقد نحتت عصبة الأمم في جنيف لفظة apatride  اي الذي لا وطن له. وان لم تخني الذاكرة أظن ان هذا الوضع القانوني الغريب أعطي للروس الذين غادروا بلادهم بعد الثورة البلشفية ولجأ الكثيرون منهم الى باريس ولم يحصلوا على الجنسيّة الفرنسيّة او لم يطلبوها لاعتبار أنفسهم روسيين معنويا او ادبيا ولم يصيروا فرنسيين بالمعنى القانوني فاضطرت عصبة الأمم ان تنشئ هذا الوضع الجديد.

تاليا الوطن انتساب قانوني تريده وليس فقط الرقعة التي تولد عليها. لا يكفي ان تحب الأرض التي جئتها اذ يجب ان تختار دولتها. الدولة اذًا تشكّل انطلاقا من أناس يرتضونها ويؤلّفونها بمئة شكل وشكل. هي بنية يصنعها المواطنون فاذا أرادوها كانت وهم أمة في حدودها. فاذا ارادوها يعنون انهم منضوون تحت لوائها ولها عليهم حق الإخلاص بحيث لا يريدون انتظامهم في غيرها اذ لا يستطيعون الانتماء الى اوطان أخرى الا اذا خانوا. والدولة ضعيفة ان أرادوا لها الضعف وقادرة ان أرادوا لها القدرة. من هذه الزاوية كانت الدولة مرآة المجتمع وتصبح بآن أداة في خدمة هذا المجتمع بالدفاع عنه، بحمايته، بترقيته. فعلى قدر ما يخلص لها تخلص هي ايضا له وفي شدّتها تلازمه ويلازمها.

ولكن هذا يعني ان في المجتمع قدرا من تمسكه بدولته لتتمكن هذه من البقاء. وفي عقل الجماعة ان الوطن الذي يصنعه الناس بالحب والجهد نهائي في أمانيه على الأقل وان كانت النهائيّة المطلقة لله اذ تتغيّر الشعوب والأمم واذ ذاك تدول الدولة. الدولة في اللغة العربية تنتهي اذا اقترب شعبها من النهاية بالهجرة او الحروب او الكوارث المختلفة وتنفرط الأمة وتصبح قبائل وقد تبقى الأجهزة الحاكمة الى حين اكتمال التلاشي في القوم. وقد ماتت دول ونشأت دول وماتت أوطان وظهرت أوطان. في هذا الحقل ليس من أبديّة.

وينشأ وطن جديد صغير بعد انفراط وطن اكبر او بعد انقسامه وتترتب أوضاع جديدة في رقعة جديدة وفي هذه الدنيا ليس من مأساة على هذا الصعيد وان كانت هناك جراح وأحزان حتى ينمو فرح في التركيبة الجديدة اذا هذه صمدت.

ولا داعي إطلاقا الى رؤية الوطن متجذّرًا في التاريخ القديم لأن معظم البلدان الحالية مستحدثة بسبب من حروب يتم فيها استيلاء الأقوياء على الضعاف وتعبر فترات قصيرة نسبيا حتى تجد الدولة الجديدة حدودًا لها ويرتضيها من عاش ضمن هذه الحدود.
# #
#
والحب ينشأ بعد تصوّر الأوطان بسبب من التعايش المرتضى والفوائد المجنية من تشكلها على اقتصاد ما مزدهرا كان ام غير مزدهر وعلى السلام ما أمكن السلام.

لماذا الأوطان؟ لأن الإنسان لا يستطيع ان يعيش وحده، لأنه يحيا على رقعة من الدنيا وتنفع عياله ولأنه يجد فيها من يحبّه ولأنه لا يحصل على لقمة عيشه الا بالتعاون. غيز ان هذا التعايش يشترط حدا من اأخلاق معقولا لئلا يبتلع الكبير الصغير فيرد الإنسان الى وحشته ويرحل او يموت. الحد الأدنى من التعايش هو الا اقتلك ولا تقتلني وان نتعاون في المهن والعناية المتبادلة والنمو الصحي والدراسة والى كل ما يسند صمودنا معا. واذا غاب هذا الهمّ او ضعف كثيرا بالخصومات والحروب الأهليّة والعداء الذي يقضي على شرائح مختلفة يضيع الوطن وتاليا تسقط الدولة.

هناك مقدار من قبول الغير على مستوى معقول حتى لا ينفجر البلد من الداخل. قد يضرب البلد من الخارج والأخلاق وحدها تنقذه بطول الأناة والعمل والشجاعة والروح المعطاء. ان الخطر الخارجي أقل أذى من انهيار روح الوحدة الداخليّة. واذا سمح لي باستعمال تعبير ديني ينهض البلد من بعد انهيار اذا كان فيه ابرار ينتعش بهم الناس ويرجون الخلاص. اما اذا قلّ الأبرار فيذوي البلد ويذبل ويفتش باطلا عن حلول خارج البر. بلد يكثر فيه السرّاقون والمحتالون والكسالى والشتامون والمتذاكون باطلا بلد يدعوه الفناء اليه ويهلك آجلا ام عاجلا. ليس من بلد عنده امتياز البقاء من الله. الله لا يحب بلدًا بصورة خاصة ويزكيه ويعلي شأنه لأنه اختاره منذ الأزل. ليس لبلد واحد من سرمديّة. البلدان تموت كعشب الصحراء وتختنق وتقرأ عنها في كتب التاريخ. ويكون أهلها قد قتلوها عمدًا او غفلة. وخطيئة الغفلة عند علماء الأخلاق كالخطيئة الطوعيّة.

ولا عذر لأحد ان تدهور بلده. فكلنا قاتل او غافل. ومعصية أولي الأمر أقسى من معاصي العامة لأن أولي الأمر تسلّموا من الناس القدرة ويستعملونها للاقتصاص من المجرمين وتلك هي مسؤوليّتهم الأولى على ما قاله بولس في رسالته الى أهل رومية. اما اذا كانت الدولة مغناجة مع المجرمين فلا عذر لها لأن حماية هؤلاء تعدِّ على الأبرياء وانتقاص من حريّتهم حتى تزول الحريّة فيزول الانسان.

# #
#
ماذا يقول الكتاب عن المتسلمين الشأن العام؟ يقول: «يا أيها الملوك تعقّلوا واتعظوا يا حكام الأرض» (مزمور 2: 10). عندما يقول تعقّلوا يفترض ان لهم عقلا راجحا يرجعون اليه واذا قال اتعظوا يثق ان لهم قدرة على الحكمة. ماذا يقول الكتاب لصلاح الحكم؟ أشعياء يكتب: «حكامك قوم متمرّدون وشركاء لقطاع الطريق. كلّهم يحب الرشوة» (1: 22). ازاء ذلك يقول النبي نفسه: «اما الرافضون مكاسب الظلم، النافضون أيديهم من الرشوة…فهم يسكنون في الأعالي» (33: 15 و16).
وأقوال أخرى في الرشوة لا مجال هنا لذكرها جميعا حتى لا تقع لعنة الأنبياء علينا. ان استمرار هذه الأمة يعني ان البلد الذي يصاب به طولا وعرضا يجلب عليه غضب الله ومعنى ذلك ان لعنه الله نازلة على كلّ من رشا او ارتشى وان لا ضمانة لبلد يرتكب هذه الفحشاء بمقدار كبير فيكون هذا الإثم لدمار الوطن والأمة والدولة جميعا.

في دغدغة اللذات فقط تحسبون ان بركات الله نازلة على لبنان منذ الأزل. هذه هي الكذبة الكبرى. البركة تشمل فقط الإنسان الطاهر ولا تميز بلدا. الى جانب تعظيم التوراة أرز لبنان يقول الكتاب: «افتح يا لبنان أبوابك فتأكل النيران أرزك. ولوِل ايها السرو على سقوط أرز لبنان» (زكريا 11: 1 و2). كفّوا عن التغني بلبنان ان لم تتوبوا. لا يقوم لبنان بلا طهارة تكلله، بلا ناس أنقياء، بلا حكم صالح. ليس من نهائية لبلد لم يضع اساسا لنهائيّته. الذين لا يستوطنون عند الرب لا وطن لهم هنا. والذين لا يسعون الي بلد يجعلونه مقرا لله سيموت بلدهم آجلا ام عاجلا.

إن أحببتم حقيقة الله تجدون حقيقة الانسان والناس جميعا. الوطن هو في هذه الحقيقة او يبقى بحرا وجبلا واشجارا وبيوتا وطرقات اي لا شيء. هل تريدون لبنان مسجلا في السماء اي بعضا من الوطن السماوي ام تريدونه مالا في جيوبكم وسلطة تمارسونها. يريد الله لنا بلدا جميلا. لا تقبحوه انتم طوعا او غفلة لئلا يهرب منكم. أوجدوه بالحق تجدوا أنفسكم في الخلاص.


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الخطيئة والموت / الأحد 5 تموز 2009 / العدد 27

في رسالة اليوم وهي الى أهل رومية الأصعب في رسائل بولس يقول الرسول: “بعد ان أُعتقتم من الخطيئة صرتم عبيدًا للبِر”. يقابل عبوديتنا للخطيئة التي كنا فيها مع عبوديتنا للبِر التي صرنا فيها بالمعمودية. والمعمودية عنده كانت لاحقة للإيمان اذ كان يتوجّه الى البالغين. عنى بهذا تماسكا كيانيا مع البِر.

ثم يفسر هذا بقوله إن العبودية للخطيئة هي “عبادة الإثم للإثم” بمعنى ان الإثم الذي هو ذروة الخطيئة يولد الإثم. ويعود ليؤكد ان العبودية للبر هي للقداسة التي هي تنزه عن كل معصية وتوغل في حياة المسيح. وحتى لا يفهم احد انه من الممكن ان يخلط الخطيئة والبِر بحيث يأخذ من هذا ومن تلك، عاد الى التأكيد ان عبيد الخطيئة احرار من البِر اذ لا يجتمع النور والظلمة.

بعد هذا يدلي بفكرة أخرى بأن الأمور السيئة التي كان المؤمنون يرتكبونها قبل اهتدائهم إنّما عاقبتُها الموت. الخطيئة عنده سبب الموت اذ كان الله عند الخلق أعدّنا للخلود، ولما عصا آدم دخل الموت الى الكيان البشري.

لا يقول الطب شيئًا عن سبب الموت ولو لاحظ أمراضًا. أحيانا يموت انسان بلا مرض معروف. هذه هي النظرة البيولوجية.

اما بولس فلا يتحدّث عن كيان الجسد وتركيبته ونـهايته. يكشف السبب الذي هو عنده الخطيئة. نـحن في الإيمان ليس اختصاصنا الصحة والمرض. لا ندخل هذا الحـديـث. نقول ان ثمّة سببا للموت ليس من اختصاص العلماء أن يـبحثوه. هو الخطيئة. ولا يعني بهذا خطيـئة الفـرد ولكن الخطيـئة المنتـشرة في العـالم. ثمار الخطيــئـة العـامـة، المتـفشّيـة في البـشر تـصيـب كل انسان.

يكرر فكره هذا اذا قال: “قد أُعتقتم من الخطيئـة واستـُعبدتم لله”. المعنى الذي يريد ناتج من رؤيـته للعبـوديـة التي كان يـعمل بها في الامبراطورية الرومانية حيث كان العبد مُلكا لسيّـده، وكان في بدء نظام العبـوديـة للسيد ان يـحفظ لعبـده الحيـاة او ان يميته كما يـشاء.

“استُعبدتم لله” تعني ان الله حافظنا في الخير واننا خاصّته. هذا الاستعباد لله ثمره القداسة. “والعاقبة هي الحياة الأبدية”. والحياة الأبدية عرّفها المسيح على انّها معرفة لله ولابنه اي معايشة حياة ومرافقة حياة بيننا وبين الله. وهذه المرافقة حصرية بمعنى انه ليس لنا مشاركة مع غير الله.

أخيرًا يوضح ان “أُجرة الخطيئة موت”. والموت عند بولس عدوّ، وآخر عدوّ تبطله القيامة من بين الأموات التي انحدرت الينا من قيامة المخلّص.

ويُنهي بولس هذا المقطع بقوله: “ان الحياة الأبدية هي في المسيح يسوع” بمعنى اننا لا نوهبها فقط عند القيامة ولكنها بدأت فينا مع المعمودية ونجدّدها في الأسرار وفي حياة البرّ.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

لبنان الإلهي / السبت 4 تموز 2009

أنا حزين لأن لبنان الأرض أجمل من اللبنانيين وكنت قد اشتهيت ان يكون أبناء بلدي أجمل من طبيعة بلدهم. أخذت اليوم القلم ليس لأبدي حزنا لا يهمّ أحدًا ولكن لأدعو أبناء هذه الرقعة من الدنيا الى أن يكونوا عظاما.

ملّ الجميع من أن أتكلّم على أهل السياسة. سأحيد عنهم لأخاطب ضميركم ليصبح شامخًا كالأرز. من أنا لأعتب. غير اني أحسست ان خطابي اليكم واجب عليّ لئلا أموت من صمت كاذب. ويأخذني الخفر قبل الكلام حتى لا أقع تحت الدينونة وحتى لا أسوق احدًا الى دينونة الله وحده يقوم بها. ولكني متعب من الكثيرين، من الأكثرين. وحتى لا أموت يجب أن أتكلّم.

البلد، يا أحبة، هو أنتم. فيه شجر وجبال وأودية وبحر ولكنه قبل كل شيء أنتم. ورجائي أن يصبح أبهى مما هو الآن ان أردتم ان يرمي كلّ قباحة عنكم. نحن الآن مقيمون في قباحات جارحة. انا لست عالم إناسة لأصفكم بدقة وما أكملت هدوئي لأتحدّث عنكم بصفاء ولكن البشاعات جلية. ورثناها من عصور غابرة وليس المجال لنتقصى عن الذين زرعوها فينا. المهم اننا نقيم في خطيئات أمست أهواء تتأكلنا من الداخل ولعلّنا ارتضيناها نمط عيش. ولا يقنعني أحد اننا هببنا لإقصائها. لا يعوزك ذكاء كبير او تنقيب دقيق لتلحظ ان الكذب كثير الانتشار. من يصدّق من في لبنان؟

قلت هذا لراهب كبير عندي متوجعا. علّق على كلامي قائلا اننا في الأمس ظُلمنا (بضمّ الظاء) فقُهرنا (بضم القاف) وهذا رسخ فينا الباطنيّة لنعيش. انا لست عالم تاريخ. هاجسي ان أشخص المرض وان أدعو الى الاستشفاء لنصبح راسخين في الحق، متلألئين مثل كواكب السماء. الكذب خوف. كيف نبعد الخوف عن النفس اي كيف يؤمن الإنسان انه كامل القوة وان القوّة تعطيه الشجاعة ليواجه الأكبرين.

مرّة كنت أستمع الى اعتراف فتى فسألته ان كان يكذب. قال نعم ولكني لا أوذي أحدًا . قلت بل تؤذي نفسك لأنك تتقزّم أمام الأقوياء ولا ينبغي ان يهمّك الأقوياء. مجتمع فيه فقراء كثيرون معرض لاجتناب الحقيقة. مجتمع ليس كله وفاء او تسوده ذهنية السماسرة والمستقوون بمالهم او نفوذهم يضرب الحقيقة بقوّة استضعافه. كيف نكافح اسباب الخوف في الفرد والجماعات ذلك كان السؤال ان ابتغينا حقا الحرية الداخلية التي تمكّننا من الشهادة؟
# #
#

لست أعلم على وجه الدقّة ان كانت غايات الكذب احيانا اقتناء المال. ولكن تحصيل المال كثيرا ما اختلط بالكذب لا ريب في ذلك. الأغنياء والفقراء معا يشتهون المال. الفقراء من أجل يسر معقول والأغنياء اشتهاءً منهم للسلطة ونحن نعلم ان «كلّ سلطة مفسدة والسلطة المطلقة تفسد كليا» لأنها حتما استعباد اي إقصاء. اعرف ان كل ّشعوب الأرض واقعة في شهوة الاقتناء. اما نحن فتقوى الشهوة فينا لنحمي أنفسنا من الجوع الذي ذقناه في الحرب العالمية الأولى وقضى على ربع شعبنا ولنحمي أنفسنا من عدم الاستقرار ونقيها شر تقلبات الحكم المرتقبة ابدًا. هل تمكين الحكم يضعف فينا هذا الشبق؟ هل نستعيد القناعة المنقولة التي عرفناها في أجيال سابقة؟ هل يقبل الثري ان يعيش باحتشام ليؤهّله ربّه للعطاء؟

الترف خوف ايضا وأول ما في هذا الخوف ان الاستعلاء والذي تطلبه الغواية يقيمنا في ذلك المجد الباطل الذي يفرّقنا عن العامة. نحتاج الى أشياء نظنّها تزيّن شخصيّتنا او تصبح جزءًا منها ان لم نحس اننا بتنا نحن جزءًا من قصورنا ومما نملك. هل يوقن الكثير انه مع الله يملك الأرض وهو لا يختزن شيئا منها او لا يتعاطى سياسة. من يطمح الى وجود ليس فيه تفه؟

اذا أدركت لحظة ان المال ليس بحاسم خياراتك واقتنعت انه لا ينبغي ان يحسم خيار احد تجعل المال لمحتاجيه في دولة مليئة كما يقولون اليوم وتاليا قادرة. انت تحول القدرة الى السلطة التي لا تخشى أحدًا وتقيم العدل.

# #
#
هل عدل السلطات يجعلنا ننسى القبائل ونصير شعب لبنان فقط. كيف ننتقل من تعدد الشعوب الى رؤية أمة واحدة لا تنسى التمايزات ولكن تتجاوزها لإقرار وحدة كياننا؟ كل طائفة فريدة لكونها تحمل مواهب بادية في فعلها، في مشاركتها ولا تهمل فرادتها ان توحّدت بلا ذوبان. نحن لوحة تفترض عدّة ألوان تتلاقى ولا تتمازج. لست أظنّ ان جماعة دينيّة بما هي قوم تحسب نفسها الأولى. كلّنا من تراب اي من أخطاء يغطيها جمال وتبقى أخطاء. والأجمل في هذا الاتحاد ان تعترف للمتحدين معك ان فيهم حقيقة ومواهب من السماء ومن التاريخ. كل فريق ديني عندنا عنده دواعي افتخار. ونحن نصل الى الوحدة ان افتخرنا بالآخرين وضممناهم ليس الى قلوبنا وحسب ولكن الى عقولنا ايضًا.

وحدتنا كل منا مع لبنان يفترض ان يعتزل كلّ منا فرديّته التي هي مرض الكثرة فينا. والمرض هذا في أقصى حدته ان يحسب المرء انه وحده في الوجود وانه قادر ان يكمل نفسه بلا الآخرين. الوجود مشاركة وهذه تعني انك موجود اذا ضممت الكلّ اليك وانك شاعر بأن موجوديّتك هي بهم. وهذا يعني انك ان لم تكن مبذولا فلست بشيء. هذا يعني بتعبير فلسفي انّك تخلي نفسك من انطوائها على ذاتها لتعرف انها تنمو من ملء صار فيها ان هي أحبّت. وان أحبّت تقوم من الموت الذي هو تعظيم الأنا الفقيرة، الفارغة. ان تستغني وحدك والناس جياع، ان تسود وحدك والجماعة حولك تفنى في فقرها، في جهلها فهذا موت فيك. ان لم يحيَ الجميع فليس من حي. ان ترى الناس كلّهم لك وأنت عبد للذة التقوقع هذا امحاء كامل لوجودك الفاعل. ان لم تشعر انك تأتي من الآخرين فأنت مرمي في صحراء لست تعلم انك تعطش فيها.

# #
#
لبنان لن يصير شيئا ما لم يكن شعبه قد صار عظيما بتحرر الكثيرين من الكذب ومن عبادة المال والسلطة والأنا المقيت العدوة للشراكة. بلدنا يتحقق في كلّ أفراده، في سموّ يتعالى في رؤيته للحق والتعالي هو التواضع والافتقار الى الكمالات الروحية التي لبست من هذا التراب ولا الزمان الشرير.

السياسة تقوم من صنعنا الحياة العليا الكامنة في النفس. لبنان الرسمي يصنعه شعبنا المغتذي من الحقيقة والطهارة والبرّ والذكاء الذي يجيء منها. بلدنا يصير جميلا من سطوع الحقيقة فيه وهي وحدها بهاؤها. كيف نصير الى هذه الحقيقة يبدأ بقيام كلّ واحد منا على الكفر بالذات اي على الكفر بما كنّا، في جهالاتنا، نعتبره الذات من شهوات المال والسلطة والكذب والانطواء على الأنا الفارغة القاتلة للآخرين . لبنان هو شعبه العظيم ليس امجاد زائفة تقوم على الادّعاء ولكن في المجد الإلهي القائم في قلب الإنسان الذي يذوق قيم الله.



Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

التحرر من وطأة الدنيا / الأحد في 28 حزيران 2009 / العدد 26

“سراج الجسد العين” يريد به السيّد القلب المستنير بالمحبة . هذا اذا نشأ على بساطة المسيح، على عدم التعقيد والخبث يكون جسدك اي كيانك نيّرًا، والعكس اذا كان قلبك شريرًا.

ويـكون الشر فـيك كثيـرا إن عبـدتَ ربـّين الله والمال. شهـوة المال رهيـبة جدًا. انت تستعمله اي تـستعبده. واما اذا أحسست ان كلّ وجـودك وحيـويـّتك منـه فـهو يـستعبـدك وتـستعبد بـه الناس.

المال الوفـير يـقـودك عـادةً الى شهوة السلطة التي تـجعلك تـسخّر الناس لشهواتـك، ويـُنشئ المال الكثير عادةً افـتخارًا بـالثـروة وتـرى الى النـاس مـن خـلال ما يـملكون.

ليس المسيح ضدّ الأغنياء كلّهم ولكنه ضدّ من عبدوا المال وجعلوه طريقهم الى الكبرياء. ولكن كيف تصل الى التواضع ان لم توزّع منه الكثير لتنقذ الفقراء من جوعهم او الفقر الشديد اذ يريد الربّ منك أن تُشاركهم في آلامهم.

ثم يعطيك هذا الفصل الإنجيليّ المقتطف من عظة الجبل أمثلة من الحياة اليوميّة. الطيور مثلا “لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقوتها”. لم يتكلّم يسوع ضدّ السعي الى وضع اقتصاديّ جيّد او الى اليُسر. ولكنّه ضدّ البخل، ضدّ اقتناء المال وتشهّيه دون التعبير عن محبّتك للمحتاجين. هذا كلّه يعني تحررا أساسيّا من وطأة الدنيا عليك.

وطأـة هـذا العالم لها ثـلاثة مـصادر أساسيّة: أولا الجنس الجارف وغير الشرعي، الشهوة الرهيـبة للمال، التـعلّق بـالسلطة الطاغي طغيـانـا كثـيرا. مقابـل ذلـك الحرية من الشهوات باستقبال يسوع وسيادته عليك. فإذا سكن القلب كلّه تستخدم أنت القوى التي فيك لإرضائه.

المخلّص يعترف بأن هناك رغبات حسنة. الطعام مثلا حسن واشتهاؤه المعتدل حسن. اما اشتهاء له غير محدود فيكبّلك ويستنفد قواك. كلّ اشتهاء رهيب وغليظ يضرب فيك الرؤية وتوازن الشخصيّة.

كلّ ما خلـقه الله جيـّد. المهم الا تـكون عبدًا في دنـيـاك لشيء. المسيـحيـّة لا تـطلب اليـك الخروج مـن الـعـالم. الى ايـن تذهب؟ تـطلب استـخدام هذا العـالم في طاعـتـك لـله. المـهـم ان تـحبّ سيــادة الـله وكلـمتـه عـليـك.

لذلك خُتمت هذه القراءة بقول يسوع: “اطلبوا اوّلا ملكوت الله وبرّه. وهذا كله يزاد لكم”. ملكوت الله ليس إقصاء لأي شيء حسن ولكن أن تجعل الربّ فوق كلّ شيء. ملكوت الله ليس فقط السماء التي تأتي بعد القيامة ولكن السماء التي تنزل على قلبك الآن حسب قول الرب في لوقا: “ملكوت الله في داخلكم”.

أن نرحّب باستلام يسوع قلوبنا هذا بدء سمائنا في هذه الحياة.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الكون الجديد / السبت 27 حزيران 2009

خوف المرء على نفسه او ماله او مصيره او عائلته او عشيرته او طائفته يلقيه في القلق والرعب او الاكتئاب اذ يحس ان هذه المخاوف تهدّد كيانه، تقبضه او تقزّمه او تشتّته حتى التلاشي. في الحقيقة اذا أحسّ أحدنا أنه لا يخاف يدرك انه موجود. ولكن انّى له ان يشعر بالهناء وهو وجه من وجوه السلامة اذا لم يصبح كائنا مستقلا عن المرمي في الزمان وعن الزمان نفسه في تقادمه، حرًا من الحرب، من السياسة، من الجنس، من أعدائه ومن أصدقائه، حرا من زوجته وأولاده ولو معهم، من كل من يلوذ به او من لاذ هو بهم، مؤسسًا على ما لا يزول.

أنت طبعا تعيش في الخارج ولكن هل انت من الخارج؟ من أوضح ما قاله يسوع في هذا السياق عندما صلّى من أجل تلاميذه في خطبة الوداع قوله: «لا أطلب اليك أن تخرجهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير. ما هم من العالم وما أنا من العالم. قدّسهم في الحق» (يوحنا 17: 15-17). العالم هنا هو الكون التاريخي والتلاميذ موضوعون فيه ولا يسعهم ان يخرجوا منه اذ ليس من عالم آخر او تاريخ آخر. يدعو المسيح أباه لا لينقذهم من الوجود ولكن من الشرّ المحيط بالوجود او المشكّل له.

الى هذا، الحق لا ينبثق من التاريخ ولو حلّ فيه اذ لا بدّ للحق من مدى. انه شيء آخر نازل من فوق على بعض القلوب وينتشر منها الى القلوب الأخرى المتعطّشة الى الحق. الذين يلامسون الحق او يستقرّ فيهم نازلون من السماء حسب تعبير يوحنا الإنجيلي. عندنا اذًا، هذا الوجود الملموس، الزمني، العاصف احيانا، المتخبّط دائما في سيلانه، المتقبل قراره مما يهبط عليه. هذا الوجود بما ينسكب عليه يهدأ احيانا أفي الفرد كان هذا ام في الجماعة. يسلم الإنسان حينا بعد حين، ويسلم كثيرا ومرارا عند عظماء المجد الإلهي ولو سقطوا حينا بعد حين. ينكسر الكبار اذا أغفلوا عن رؤية ما يجب التماسه ليحلّ فيهم حتى تصدق الكلمة عن الأكثرين: «اتخذوا الباطل بدلا من الحق الإلهي وعبدوا المخلوق وخدموه من دون الخالق» (رومية 1: 25) حتى صاروا «بلا فهم ولا وفاء ولا حنان ولا رحمة».

# #
#
نحن الذين نتكلّم على الخطيئة لا نستخدم التحليل النفسي وان كان مفيدا لفهم نفسك والناس. ان كنت مصابا بعصاب ومعظمنا كذلك لا يعفيك شيء من مسؤولية الخطيئة المتحكّمة فيك او العائدة اليك طوعا او في غفلة منك. أضخم حيلة للشيطان ان يُقنعك بأن ليس ثمّة من خطيئة. هذا يريح إقامتك فيها وتبقى جميلا في عينيك وتلبس الخطيئة ثوب الفضيلة. كلّ الذين سقطوا في الهيستيريا الجماعية في الانتخابات الأخيرة وما يلحق بها من حقد قد اعتبروا انفسهم متجندين للحق. وسرعان ما تنطلق من موقفك السياسي المعتدل احيانا حتى الطراوة الى عداء شخصي. وفي الحقيقة ان البغض يكون كامنا فيك فتستعير قضية سياسية قد تكون مجيدة لتضرب الآخر. تكون قد تحزبت (ونصف اللبنانيين لا يعرفون لماذا تحزّبوا) وليس عندك قوّة جدل فتشتم حتى الضرب وقد تزول في ذلك صداقات. اما الأطهار فينقسمون ولا تخرب قلوبهم.

كان أبي رجلا بسيطا. رافقته منذ سبع وأربعين سنة لننتخب في قلم واحد وأحسست دون سؤال مني او منه عن خيارنا ان كلّا منّا وضع قائمة تختلف عن الآخر، ثم صاحبته الى الغداء في بيت العائلة وبقينا على الود. لماذا لا يسلم الود في لبنان؟ أليس هو أهم من همروجة الانتخابات؟

في العالم لا من العالم ولكن من الله تلك هي قاعدة الخلاص. الله فيك او معك هو ما يحررك ويجعلك قريبا الى الحق فلا تصبح معوقا على الصعيد الروحي وتصبح إطلالة الله في هذا العالم.

إقامة الله معك او فيك هذا هو خلاصك من هذا العالم الذي فيه تعيش.

دونكم مثلا عن هذا عند صديق لي كبير كان من نخبة المثقّفين ما كنت أعرف معطوبيّته في بدء مودّتنا. صارت له خيبتان في حياته في المجال الوطني او القومي لن أذكرهما. خياران له أعرف عظمتهما انهارا انهيارًا شبه كامل في الراهن. هبط في الحزن هبوطا عظيما. هبط حتى الإحباط ولم يقم. قلت له: أعظم القضايا تفنى وهذه هي وطأة الزمان. التاريخ مقبرة القضايا العظيمة.

الى هذا الناس المخيبون الآمال، أقرب الناس اليك المعروفون بالمحبة والصدق. فجأة بعد سنين من المعاشرة طوال ترى انهم خانوا الوفاء او سقطوا في آثام ما كنت تتوقعها او تنكشف لك فيهم سيئات او نزعات خفية ما كنت تعرفها. ان كنت معلقا بهم حتى تجيء منهم عاطفيا فكان هذا او ذاك معتمدك او متوكّلك يصيبك غمّ شديد قد لا تخرج منه.

# #
#
في الإنجيل مقولة الترك أساسيّة لاقتناء الخلاص. في دعوة السيد لمتى يقول السيد لهذا: «اتبعني! فقام وترك كل شيء وتبعه» (متى 5: 27 و28). وقد تحدث الرب في غير موضع عن ترك الأقربين (الأب، الأخ، الأخت ومن اليهم). من الواضح ان المخلّص لا يدعو الى الانفصال الجسدي او المجتمعي عن العيلة والأنسباء، ولكنه يريد ألا تجعل احدا من الناس مركزا لحياتك او مصدرا لها. المحبة المسيحية عطاء ولا أسر فيها لأحد. العشق الذي سمّاه اليونانيون القدامى إيروسEros  هو عاطفة استيلاء فتستولي ويُستولى عليك. اما في المحبة الإنجيليّة فتمحو الأنا فيك وتبيدها كليا لتصير للآخر. واذا انت محوتها يسكن الله فيك ويقيم فيك أنا طاهرة فيصير الرب وجهك اذ لم يبقَ فيك شيء من الأرض.

اذ ذاك، تخدم ولا تملك ولا تطلب جزاءً ولا شكورا ولا أن يعترف بك أحد او ان يكون وفيا. انت أحببته ليعرف انه حبيب الله ويحسّ في ذاته بلطف الله ورأفاته. انت بتّ فقيرا الى كلّ الناس، الى الأنقياء والخبثاء الذين كانوا يظهرون لك المودّات. انت تحزن من اجل نجاتهم لا لكونهم مرمروك. تدعو لهم بطهارة الفكر والعيش ولا ينفصل داخلك عنهم ولو أبعدوك عن معشرهم.

اذا استقللت عن كل البشر والمنافع التي كنت تستدرّ واذا منعتهم عن مديحك، اذا أقمت في الله لا تستكبر، واذا كان هو كلّ شيء فيك تكون موجودًا به وهو يكون موجودًا فيك ولا تفصل، اذ ذاك، أناك عن حضرته لأنك لا ترى الى وجهك كما في مرآة. هذا يعمله الغاوون. والعاشق وجه الله لا يعرف الغواية إذ يعتبر نفسه لا شيء، ويجعله ربّه شيئا ولكنه لا يعلم. ولو استطاع يحجب هيأته الخارجية والداخلية حتى لا تبدو منه الا الكلمة، ويبقى الله وحده متجلّيا حتى يستحيل العالم «أرضًا جديدة وسماءً جديدة».


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الدعوة لأول الرسل / الأحد في 21 حزيران 2009 / العدد 25

القسم الأكبر من حياة السيّد على الأرض كان في الجليل، في المدن التي كانت حول بحيرة طبريّة المسمّاة ايضًا بحر الجليل (12 كيلومترًا طولا). في هذه المسيرة رأى السيّد أخوين: سمعان المدعو بطرس (سمّاه الرب بهذا الاسم بعد أن اعترف به انه المسيح ابن الله الحي في متى 16:16) وأخوه أندراوس المسمّى المدعوّ أولا.

رآهما يلقيان الشبكة في البحر وقال لهما: “هلم ورائي فأجعلكما صيادَي الناس”. هنا شبّه يسوع البشارة صيدًا لأن دعوة الرسل للناس تتطلب طرقًا للكلام الإنجيلي كالصنارة او شباك الصيد. “فللوقت تركا الشباك وتبعاه”. ما السر الذي كان فيه؟ ما كان عندهما تردد. هذا الكلام السريع أقنعهما. لم يترددا. يسوع يتوجّه الى كل واحد منا. ينادينا. ينادي كل واحد بطريقة تُقنع قلبه. إن كنّا معمّدين نبقى احيانًا دون السماع الى كلمة يسوع. نحن المعمدين يدعونا الى التوبة، الى تجدد داخلي، الى تغيير قناعات قديمة دخلت الى عقولنا من الدنيا. يعرض علينا الإنجيل بصورة خاصة. ليسوع صوته، حرارته لكل انسان بقـي غريق هذه الدنيـا. انت قدتقرأ الإنجيل كثيرًا ولا تهتدي. فجأة تقرأ آية تفهمها بعمق للمرة الأولى. تُغيّر قلبك تغييرًا كاملا.

بعد هذا التقى يعقوب ابن زبدى ويوحنا أخاه، هذا الذي صار يوحنا الإنجيلي الذي اتكأ على صدر المعلّم في العشاء السري. بطرس ويعقوب ويوحنا صاروا الأقربين اليه في الصف الرسولي. هم الذين شاهدوا تجلّيه على الجبل. رآهما “يُصْلحان شباكهما فدعاهما. وللوقت تركا السفينة وتبعاه”.

بطرس واندراوس تركا فقط الشباك. ابنا زبدى تركا أباهما الذي كان معهما في العمل. هذا ترْكٌ يكلّف العاطفة.

بعد هذا يقول متى الإنجيلي ان يسوع كان “يطوف الجليل كله يعلّم في مجامعهم”. والمجمع هو بيت الصلاة وقراءة التوراة، يجتمع فيه اليهود يوم السبت، وهو الذي نسمّيه بلغتنا كنيس. هذا كان غير هيكل اورشليم الذي لا يستطيع كل يهود فلسطين ان يذهبوا اليه وهو مكان الذبائح ولم تكن فيه قراءة.

بعد هذا يلخّص متى كل عمل يسوع في الجليل. كان “يكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب”. المخلّص كان يظهر للناس مبشّرًا وشافيًا. ان يدعو الناس الى الملكوت اي الى سيادة الله على البشر بالتوبة كان يستتبع عنده شفاء المرضى.

هذا الشفاء دلّ الناس على ان الله يريد ان يخلّصنا من اوجاعنا الجسدية كما يريد ان يغفر لنا خطايانا. أمران مرتبطان. الشفاء كان علامة من علامات الملكوت. لذلك تعاطى الرسل مسحة المرضى بالزيت كما يقول يعقوب الرسول: “اذا مرض أحدكم فليدعُ قسوس الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب” (رسالة يعقوب 5: 14). وهذه المسحة جعلتها الكنيسة سرّا من الاسرار. ونكمله لكل مريض في بيته وإن ندر استعماله في الكرسي الانطاكي مع انه يمارَس في كنائس ارثوذكسية اخرى. ونحن نقيمه للمؤمنين مجتمعين مساء الاربعاء العظيم وهو رتبة توبة ورتبة استشفاء. الكنيسة تكمـل ما صنعـه يسـوع. من هذا المنظـار بـدت الكنيـســة مستشفى للمرض الروحي بالتوبة وللأمراض الجسدية والعقلية ما لا يمنع استدعاء الأطباء. يسوع في كنيسته هو الملجأ لكل الكيان البشري.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الحالة اللبنانية / السبت 20 حزيران 2009

سأحاول أن أقرأ فلسفيا الحالة اللبنانية. لعلّ من أبرز ما فيها قول الرئيس باراك أوباما أنه يعطف على موارنة لبنان وأقباط مصر وكنت قد سمعت منذ صباي قول زعماء موارنة انهم لا يرضون ان يصير «المسيحيون» في لبنان مثل أقباط مصر الذين يعتبرونهم غير مشاركين في قيادة بلادهم على الصعيد السياسي. ثم في مراحل متأخرة من حياتنا الوطنيّة احسوا بالتهميش او الإحباط. لا بد ان شيئا من هذا اوحى للرئيس الأميركي الذي قال هذا القول في خطاب مليء بالإعجاب بالإسلام وبوعود دعم لمسلمي العالم. هذا ما يجعلني أفهم أن السيّد أوباما أبدى هذا العطف على الموارنة إزاء المسلمين.

السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا ميّز السيّد الرئيس الموارنة عن غيرهم من مسيحيي لبنان. هل عنده لوبي ماروني مميّز عن اللوبي اللبناني الذي بات معروفًا في الولايات المتحدة؟ لا شيء يدلّ في خطاب القاهرة أن الموارنة يرون أنفسهم محورا في الجماعة المسيحيّة. ولكن هذا التفريق ضمن جماعة المسيح له دلالاته في السياسة الأميركية. هذا يعني في الأقل ان الولايات المتحدة لا ترى كلّ مسيحيي لبنان يحتاجون الى عطفها او حمايتها ولا سيّما ان ما يشغل السيّد اوباما هو بالدرجة الأولى المسلمون ولا سيّما أنهم باتوا حسب كل ترجيح عددي سائدين في لبنان. هذا يعني أيضا ان المسلمين لا يعقدهم المسيحيون مثلما كانت الحالة قبل السنة الـ 1975.

وما يقوّي يقيني هذا أن المسلمين معا هم في كل فريق من فريقي آذار وكأنهم جميعا اكتسبوا مقاربة الوضع اللبناني من منظار سياسي مدني. نحن اذًا على مشارفة المجتمع اللبناني على انه مجتمع مدني او يكاد يكون. هذا لا يبطل خلافات داخلية قد تظهر في الزمان الآتي بسبب من استمرار الذهنية الطائفيّة حتى لو أقررنا إلغاء الطائفيّة السياسيّة.

غير ان ما يلفتك ايضا ان المجتمع اللبناني بات مسيّسا بعمق، ضعيفًا في طلب الحياة الروحية واستدخالها الحياة السياسيّة. الحياة الروحية مرجع العقول السياسيّة بمعناها العملي، التطبيقي. انا لم أسمع في السنوات القليلة الماضية اي خطاب سياسي يرنو من بعيد او قريب الى مقولات روحية مستمدة من المسيحية او الإسلام وكأن كلامنا يحصر روحانيّة الديانتين في المجال الشخصي البحت ولا يرى إسقاطًا دينيا على الإلتزام السياسي. العبارة التي اقتبسها الدستور وكل متعاطي الشأن الوطني هي عبارة العيش المشترك. ولكن ما عناصر العيش المشترك، ما إلهامه، ما قوّته في تسيير الشأن العام كأن هناك مساحات فكر او مساحات تحرك في النفس يجب إغفالها في العقل العام. هناك دائما المسكوت عنه مع ان كل مطّلع يعرف ان في الإسلام والمسيحية ما يمكن استثماره في العمل المشترك.

# #
#

هل اللبنانيون مؤمنون في العمق ان التعبير القانوني لحياتهم المجتمعيّة الواحدة هي الدولة القائمة والتي يجب ان نسعى الى قدرتها؟ هذا يتطلّب اهتداء من القبيلة الحالية الى متّحد يضم عناصر مختلفة موقنة بأن الوحدة – المسعى تُقرّ بها القبائل التي تريد ان تجتمع في ما يفوقها منفردة ولو حافظت كل فئة على ميزات لها تسمى الآن ثقافية ولو كان الأصدق أن تبقى معروفة بالدينيّة او المذهبيّة. كيف نواجه جدليّة التعدّد والوحدة؟ هذا سوآل لا يُطرح في البلدان التي تكون فيها الأحزاب سياسية – عقائديّة اذ تكون، اذ ذاك، علمانية-وضعيّة كالدولة وتعلوها الدولة. اما اذا كانت الأحزاب طائفية والدولة كما عندنا لا طائفيّة فثمّة تناقض في الطبيعة بين الدولة والجزئيات الحزبيّة.

إلغاء الطائفيّة الساسيّة عندي شرط لتجاوز طائفية الأحزاب. اذ ذاك، لا يتكلّم جزء عن الكل وتلاقي الأجزاء من منطق الدولة يجعلها متعاونة في تكوين دولة للمجتمع ومجتمع واحد تشرف عليه الدولة وتصير الدولة الجسم القانوني الواحد وسقف السياسة الداخليّة وسقف السياسة الخارجية ولو بقي تنازع الأحزاب وهدف التنازع التوافق لأنك إن لم تختلف لا يصح الكلام على توافق.

اما التوافق فلا إكراه في الدين ومن باب أولى لا إكراه في القرار السياسي لأن هذا مقولة عددية لا نصل اليها الا بقانون انتخابي على أساس النسبيّة المتضمّن الغالب والمغلوب ولكن بسبب من تقارب الأعداد لا تكون الأكثرية اقتحاما للآخر او دوسا ولا تكون طائفيّة بسبب من المناصفة التي اعتمدناها. فما في النفوس ان هذا البلد اسلامي-مسيحي في الوطنية اللبنانية والانتماء العربي وقد اقتنع كبارنا الأموات منهم والأحياء ان أحدًا منا لا يستغني عن الآخر.

في بلد كثيره ديني (لا متديّن عميقا بالضرورة) وبعض منه ينمو الى علمانية الدولة الحديثة مع استغراق بعض الاكليروس المسيحي في التزام سياسي. لماذا حصرت المسألة في المسؤولين الروحيين عندنا ولم أعمم؟ ذلك أن الإسلام ليس فيه رجال دين بل فيه علماء بمعنى ان الأئمة وخطباء المساجد لا يُلزمون الضمير اذ لا يتمتعون بسلطان إلهي. وفي هذا البلد لا يقفز معظمهم فوق الزعماء. أطرح سؤالي من حيث المبدأ وصياغته هكذا: كيف يستيطع الأسقف او الكاهن أن يتخذ موقفًا سياسيا من موقعه الإلهي؟ هذا سؤال لاهوتي. اما اذا قلنا واجبه إنقاذ الرعيّة من مواقع عقلانية فأي معيار عنده ليعتبر نفسه فهيما او غير متهوّر؟

وهو عديل كثيرين بالفهم والتحليل السياسي. هو إنسان له مخاوفه وعصبيّته وفي كل خيار بعض عصبيّة. كيف يرشد الى هذا الموقف او ذاك مرتديا الحلة الكهنوتية ويعتبر المؤمن قوله جزءًا من تفسير الإنجيل.

أنا أفهم غيرة هذا الرجل. هل يفهم هو انه بشر يتّخذ موقفا ليس من الباقيات الصالحات ولكنه من تخبطات هذا العالم. الا يدرك اذا أصاب او أخطأ ان الرعية جاءت الى الصلاة طالبة كلمة حياة تحيا بها وانه ما كان في اعلى تجلياته الدنيوية سوى بشر يحق لكلّ مواطن ان يشك في الخلفية الإلهية لكلامه.

أخذ زعماء الموارنة والمحلّلون يميّزون بين الطاعة لرؤسائهم الروحيين في الشأن الكنسي وبين انصياعهم السياسي لهم. هذا يعني ان الذوق العلماني يتفشّى في الطائفة المارونيّة وان التمرّد لا يتفشّى. الإكليريكي ليس بديلا عن القائد العلماني في نضال الدنيا. وهذا كله اوضحه الباباوات المتأخرون اذ قالوا ان الدعوة الأساسيّة للعوام (للعلمانيين) هي ان يحملوا مسؤولية هذا العالم، وقد شجب البابا الراحل – على ما أذكر- عمل كهنة في أميركا اللاتينيّة يتعاطون الشأن السياسي.

ايا كان تاريخ الكنيسة المارونيّة من حيث نسكيّتها والتفاف الأمّة حول البطريرك، وايا كان التحام الزمني والروحي انا أفهم التعاقد بين الزمنيات والروحيات في حياة البشر وانك لا تستطيع، مسؤولا روحيا، الا تطل على زمنيات الرعية، ولكن الإطلالة شيء والتخالط شيء آخر. العفّة صعبة جدًا في حقول الدنيا والزهد أولى ويجلس الكاهن اوالأسقف هيبته على آرائك النضج الروحي ليأتي الموقف الزمني عند طبقات الشعب من إلهام الروح.

»وأشياء أخرى كثيرة لم تُكتب» في هذا المقال. «ولكن هذه كُتبت» لتؤمنوا انكم قادرون على جعل لبنان عظيما. غير ان ارتفاع بلدنا يقتضي سموّ قلوبكم بتطهيرها وعمل عقولكم بجهدها. لبنان لا يعطاكم مجانا. الدم الذي بذله كباركم ليس وحده الثمن. التنقية الكبيرة في حب أهل كل الأديان واستبعاد الخوف في شجاعة دائمة وأجرؤ أن أقول ان قداستكم هي التي تنحت في أذهانكم لبنان الجديد قبل أن تنحتوه في الواقع مهما كانت مرارته والله يوفّق أحراركم والأنقياء.


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/ الأحد في 14 حزيران 2009 / العدد 24

كان يليق بالكنيسة بعد أحد العنصرة أن تُكلّمنا على مواهب الروح القدس فأقامت ذكرى جميع القديسين الذين وضع فيهم الأقنوم الثالت فاعليّة الثالوث القدوس وهي القداسة.

إنجيل اليوم يعطي شرطًا أول للقداسة بقوله: “من يعترف بي قدّام الناس أعترف انا به قدّآم أبي الذي في السموات”.

هو الاعتـراف بـاللسان بـعد الإيـمان بـالقـلب، هو إظهار المسيحيـّة. وهـذه هـي الشهـادة التي تـظهر عند الاقتضاء في شهادة الدم وهي قمّة القداسة لأنك بـالشهادة تبــيّن أنـك تـحبّ المسيـح على حبـّك حيـاتـك.

الشرط الثاني للقداسة هو ان تترك “بيوتًا او إخـوة او أخـوات إلخ…” اي ان تكون متعلّقًا بيسوع وألّا تـكون متعلّقًا بـشؤون الأرض. أجل، يجب ان تحـبّ قريـبـك كنفسك ولكن هذا يـكون دائـمًا مرتـبطًا بحبّك للسيّد.

لماذا أحد جميع القديسين؟ ذلك لأنّ هناك قدّيسين طوّبـناهم، وكلّ يـوم من السنة فيه عيد لواحد منهم او أكثر. ولكن هناك أحبّاء لله في الملكوت لا نعرفهم ولهم مرتبة القديـسين المطوّبـين. نـشملهم اليـوم جميعًا في عيد واحد.

أهميّة هذا العيد أنه يدعونا جميعًا الى القداسة وهي دعوتنا الوحيدة ودعوة الجميع. لذلك من الخطأ أن يخفّف الواحد من ثقل خطيئته بهذا القول: شو أنا المسيح؟ نعم، يا حبيبي أنت مدعوّ أن تكون سلوكيا كالسيّد وهو القائل: “تعملون الأعمال التي أنا أعملها وتعملون أعظم منها لأني ماضٍ الى الآب”.

قوّة المخلّص كلّها فيـنا بـعد ان سكب روحه عليـنا ويـسكبه في كلّ يـوم على كلّ مـن رحّـب به. وينـزل روحـه على كلّ المـؤمنـين مجـتمعيـن في القـداس الإلهـي وفـي كـلّ صلاة للجمـاعة وللفرد ولكلّ قـارئ للكتـاب الإلهي.

ما يـطلـبه يسوع ألّا تُحالف الخطيئة. أجل، “ليـس مـن إنسان يـحيـا ولا يُـخطئ”. ولكن تبـقى الصرخة الإلهيّـة اليك: انّي أحبّـك معي، انّي أحبّك أن تكون مثلي. أنا لا أساوي بـيـن الخاطئ والبارّ في دينونتي. اسكن معي أسكن فيك. أنا جئت لكي أرفعكم معي الى الآب.

هذه الدعوة تحققها في أي موضع كنت فيه. أنـت فلاح او نجّار او طبـيـب او تـاجـر، إمكـانـات القـداسة أنا أعطيك إيّاها. ليست القداسة حكرًا على الرهبان. لا تنتهي بأن تقيم الصلاة. تبدأ القداسة اذا بدأت الصلاة. ثم تتعاطى المهنة التي أنت فيها. القداسة ممكنة في الحياة العائليّة، وبين القديسين متزوّجون كثيرون.

القداسة هبة يقدّمها الروح القدس لكلّ من اشتهاها.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

أحد جميع القديسين / السبت 13 حزيران 2009

غدًا تقيم كنيستي أحد جميع القديسين لتشدّ المؤمنين اليهم مجتمعين فمنهم مجهولة عندنا أسماؤهم ولو عيدنا كلّ يوم لواحد منهم أو أكثر. كنيسة الغرب عندها ايضا مثل هذه الذكرى في يوم آخر لأن الشرق والغرب المسيحيين مخطوفان الى «شركة الروح القدس» صانع معجزة القداسة.

ربّ سائل لماذا تكتب في هذا الموضوع والناس قيام قعود في أمر من دنياهم وانت تسطر سطورًا من غير هذه الدنيا او من فوقها. ربّما لا يعرف كلّ الناس العلاقة بين ما هو فوق وما هو تحت لكونهم اعتادوا ان يعزلوا التحتيات عن الفوقيات لإيمانهم بأن عالمنا هذا محكوم بالترتيب العقلي او القانوني، تلك الأمور على ما يحسبون لا علاقة للسماء بها. وظنّي انك لا تصعد من الأرض الى السماء ولكنك تنزل من السماء الى الأرض ثم تتصاعد على قدر النعمة وقدر الجهد.

لا أنكر على من حصر نفسه في الأرض بعض نجاح من ذكائه او من توافر ظروف الزمان او من مصادر العلم والقوّة. انت تستطيع أشياء معقولة، مرتّبة بلا إله اذا انتسبت الى إله تخترعه. الذين لا مرجع لهم فوق ادمغتهم او فوق قلوبهم يرسمون صورة دولة وتتحقق هذه وفق «حكمة هذا الدهر». ولكنها لن تكون المدينة الفاضلة التي حلم بها الفارابي او التي زينت لابن خلدون.

نحن الذين نرى الأشياء من خلال الله نخترق العازل الذي وضعه اولئك القوم بينهم وبين الله حاسبين ان عمارة الانسانية ممكنة دون الرجوع اليه. ان تتخيّل مدينة كلّّها إلهيّة لأمر مستحيل ولكن ان تتوهّم وجود مدينة بلا إله حلم مستحيل ايضًا. فبعد ان اوجد الله نظام النبوءة اي نظام مخاطبته الجنس البشري حلم هو بمدينة تسعى اليه تحمل روح النبوءة في قوامها وممارستها لتجعل من هذه الدنيا فردوسًا ما أمكنت الفردوسية هنا.

هذا ما يعيدني الى أحد جميع القديسين عندنا. عنندما يقول الله: «كونوا قديسين كما اني انا قدوس» (1بطرس 1: 16) بمعزل عن الظرف التاريخي للآية تبقى دعوة الى جميع الناس كائنا ما كان دينهم ولو استعارت ديانتهم تعابير أخرى. كل مذاهب التوحيد الى جانب ديانات الهند تعني الشيء الواحد. الإله القدوس هو المتعالي، المخصص لذاته، الغريب تاليا عن النجاسات، القائم في قوته المحبة غير المتسلّطة. وانت قدوس على شبهه ان شئت.

# #
#

هذا يعني ان هذه القداسة ممكنة لأن الإله الكامل منشئ إمكانات الكمالات فيك وأصل المكرمات عندك اي واهب تفعيلك للنعمة التي ينزلها عليك. في الله كلمة ومنه روح. لك انت ان تسمع الكلمة ولكنها تبقى مطبوعة على ورق ولا تصل اليك ان أغلقت قلبك دون الروح الذي تحمله. اذا اقتبلت هذا الوضع ليس لك حظ في القداسة او في البرّ ولن ترنو الى الإنسان الكامل الذي دعاك الرب ان تكونه.

الحق ان «ليس من انسان يحيا ولا يُخطئ» والإنسان الكامل هو من يخطئ مثلنا جميعا ولكنه يتوق الى الكمال اي ان شوقه الا يمس الدنس في كلامه ويديه وعقله لإيمانه بأن خلاصه ان يحقّق صورة الله فيه. سعيه الا ينسى ذلك ولا يحالف النجاسة التي تدق على بابه يوما فيوما. ان يخطئ طوعا او كرها هذا من ميول بشريّته ولكن ان يعود الى الاعتصام بحبل الله فهذا من الدعوة الإلهية الكائنة فيه. من الناس من لا يسكت صوت الله فيه ويستحب هذا الصوت. هذا هو القديس الذي يخطئ كل يوم ويتوب.

في التوبة جاذبيّة كما في الانغماس. «الإنسان لا يترك لذة الا نحو لذّة أخرى» (باسكال). ان تستلذّ الله فرحا فيك في هذا خطواتك الى البرارة. من بعد هذا تنزل الى الأرض انسانا سماويا وقدماك على الأرض ولكن لا تغرق فيها كما في رمال متحرّكة تبتلعك لأنك لست ذا قدمين فقط ولكنك ذو عينين واذا حولت عينيك الى الآفاق الإلهية فنصيبك الاختطاف.

هنا في غرائزك الجامحة تتحلق. لا تنكرها ان قيدتها بشرعيّتها. ليس الله ضدّ الغرائز المكوّنة لك ولكنه ضدّ جموحها المتفلّت. تقبضها بالعقل وتقبضها بالروح الآتي اليك من الكلمة. انت تعيش في الجسد. لست روحا ولكن روح الله منبث فيك. من هذا المنظار تروحن جسدك وتطلع به الى المواضع الذي يبسط الله فيها سيادته عليك.

# #
#
هنا يأتي الحديث عن السياسة. لقد فرحت عند سماعي بعض الناخبين الأحد الماضي الذين تحدّثوا عن حبّهم للوطن وجاء بعضهم من بعيد. حسنا تسيسوا والسياسة حكم الحقيقة لمدائن الأرض. وخارج الحقيقة حكم الأرض باطل اذ يكون حكم الدنس. واختار ابناء شعبنا من اختاروا اذا اختاروا بلا رجاسات هذه الدنيا وبلا انفعال اي اذا جعلوا انفسم في رئاسة العقل وبركات الإخلاص وكلّفوا من كلفوا ليكونوا على العقل وعلى الإخلاص. وحكام الأرض دعاهم ربهم الى خدمة الطهارة والمعرفة معا. لا طهارة بلا معرفة ولا معرفة بلا طهارة وليس صحيحا ان سائسي البلد مضطرون الى الكذب ومنافع لهم في الأرض. انهم يسوسون اذا باتوا في الحقيقة والصدق والعلم. الجهل لا يحكم والكذب لا يحكم. والماشي على طرق الحكم لا يعثر بالضرورة اذا ابتغى سياسة مدينة يريدها فاضلة اي في خدمة الناس وتعاونهم حتى التحاب. والتحاب ممكن مهما قال المشكّكون.

يجب أن نسوس مصالح البلد الحقيقية وان نتآلف لمعرفتها اي ينبغي ان ننظر اليها لتنميتها ليستقيم البلد ولا نيأس من البلد. وعلى قدر الخدمة عند المسؤولين تنتعش الجماعات بهم وتثق ويصبح الرقيب ومن نراقب واحدا في الخدمة المشتركة ويتألّف الوطن مما نبذل جميعا ومعا.

ابتغاء هذا لا بدّ من أن نحبّ كلّ خير يصدر عن هذا الفريق او ذاك فلا نرفض فكرة صالحة كائنا ما كان الآتي بها لأن لبنان يقوم على توافق الجيّدين والأشخاص يتكوّنون من جودتهم لا من تحالف احزابهم. ليس المهم ان نتصالح على أيّ شيء. المهم ان يجتمع أهل الخير من آفاقهم وتتشكّل كتل قائمة على المبرّات قد تكون كتلا جديدة. «سيذكرني قومي اذا جد جدهمُ/ وفي الليلة الظلماء يففتقد البدرُ».

ابنوا لبنان معا ولن تتفرّقوا اذا ابتغيتم الحقيقة الناصعة وخالص العمل والأعمال المدروسة. اجل لا بدّ من فقه سياسيّ ولكن لا بدّ من البرّ. عند ذاك تأتي الكلمة واحدة.

الى أهل الحكم أقول أحبونا نحبّكم. اعرفونا نعرفكم. انظروا الى الضيق الذي نحن فيه نرَ صدقكم. لا يكفي ان تقرّوا بجمال لبنان. هذا يحتاج الى مسحة من قداستنا وقداستكم ليصبح بلد الله.


Continue reading

Popular posts

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...