أنا حزين لأن لبنان الأرض أجمل من اللبنانيين وكنت قد اشتهيت ان يكون أبناء بلدي أجمل من طبيعة بلدهم. أخذت اليوم القلم ليس لأبدي حزنا لا يهمّ أحدًا ولكن لأدعو أبناء هذه الرقعة من الدنيا الى أن يكونوا عظاما.

ملّ الجميع من أن أتكلّم على أهل السياسة. سأحيد عنهم لأخاطب ضميركم ليصبح شامخًا كالأرز. من أنا لأعتب. غير اني أحسست ان خطابي اليكم واجب عليّ لئلا أموت من صمت كاذب. ويأخذني الخفر قبل الكلام حتى لا أقع تحت الدينونة وحتى لا أسوق احدًا الى دينونة الله وحده يقوم بها. ولكني متعب من الكثيرين، من الأكثرين. وحتى لا أموت يجب أن أتكلّم.

البلد، يا أحبة، هو أنتم. فيه شجر وجبال وأودية وبحر ولكنه قبل كل شيء أنتم. ورجائي أن يصبح أبهى مما هو الآن ان أردتم ان يرمي كلّ قباحة عنكم. نحن الآن مقيمون في قباحات جارحة. انا لست عالم إناسة لأصفكم بدقة وما أكملت هدوئي لأتحدّث عنكم بصفاء ولكن البشاعات جلية. ورثناها من عصور غابرة وليس المجال لنتقصى عن الذين زرعوها فينا. المهم اننا نقيم في خطيئات أمست أهواء تتأكلنا من الداخل ولعلّنا ارتضيناها نمط عيش. ولا يقنعني أحد اننا هببنا لإقصائها. لا يعوزك ذكاء كبير او تنقيب دقيق لتلحظ ان الكذب كثير الانتشار. من يصدّق من في لبنان؟

قلت هذا لراهب كبير عندي متوجعا. علّق على كلامي قائلا اننا في الأمس ظُلمنا (بضمّ الظاء) فقُهرنا (بضم القاف) وهذا رسخ فينا الباطنيّة لنعيش. انا لست عالم تاريخ. هاجسي ان أشخص المرض وان أدعو الى الاستشفاء لنصبح راسخين في الحق، متلألئين مثل كواكب السماء. الكذب خوف. كيف نبعد الخوف عن النفس اي كيف يؤمن الإنسان انه كامل القوة وان القوّة تعطيه الشجاعة ليواجه الأكبرين.

مرّة كنت أستمع الى اعتراف فتى فسألته ان كان يكذب. قال نعم ولكني لا أوذي أحدًا . قلت بل تؤذي نفسك لأنك تتقزّم أمام الأقوياء ولا ينبغي ان يهمّك الأقوياء. مجتمع فيه فقراء كثيرون معرض لاجتناب الحقيقة. مجتمع ليس كله وفاء او تسوده ذهنية السماسرة والمستقوون بمالهم او نفوذهم يضرب الحقيقة بقوّة استضعافه. كيف نكافح اسباب الخوف في الفرد والجماعات ذلك كان السؤال ان ابتغينا حقا الحرية الداخلية التي تمكّننا من الشهادة؟
# #
#

لست أعلم على وجه الدقّة ان كانت غايات الكذب احيانا اقتناء المال. ولكن تحصيل المال كثيرا ما اختلط بالكذب لا ريب في ذلك. الأغنياء والفقراء معا يشتهون المال. الفقراء من أجل يسر معقول والأغنياء اشتهاءً منهم للسلطة ونحن نعلم ان «كلّ سلطة مفسدة والسلطة المطلقة تفسد كليا» لأنها حتما استعباد اي إقصاء. اعرف ان كل ّشعوب الأرض واقعة في شهوة الاقتناء. اما نحن فتقوى الشهوة فينا لنحمي أنفسنا من الجوع الذي ذقناه في الحرب العالمية الأولى وقضى على ربع شعبنا ولنحمي أنفسنا من عدم الاستقرار ونقيها شر تقلبات الحكم المرتقبة ابدًا. هل تمكين الحكم يضعف فينا هذا الشبق؟ هل نستعيد القناعة المنقولة التي عرفناها في أجيال سابقة؟ هل يقبل الثري ان يعيش باحتشام ليؤهّله ربّه للعطاء؟

الترف خوف ايضا وأول ما في هذا الخوف ان الاستعلاء والذي تطلبه الغواية يقيمنا في ذلك المجد الباطل الذي يفرّقنا عن العامة. نحتاج الى أشياء نظنّها تزيّن شخصيّتنا او تصبح جزءًا منها ان لم نحس اننا بتنا نحن جزءًا من قصورنا ومما نملك. هل يوقن الكثير انه مع الله يملك الأرض وهو لا يختزن شيئا منها او لا يتعاطى سياسة. من يطمح الى وجود ليس فيه تفه؟

اذا أدركت لحظة ان المال ليس بحاسم خياراتك واقتنعت انه لا ينبغي ان يحسم خيار احد تجعل المال لمحتاجيه في دولة مليئة كما يقولون اليوم وتاليا قادرة. انت تحول القدرة الى السلطة التي لا تخشى أحدًا وتقيم العدل.

# #
#
هل عدل السلطات يجعلنا ننسى القبائل ونصير شعب لبنان فقط. كيف ننتقل من تعدد الشعوب الى رؤية أمة واحدة لا تنسى التمايزات ولكن تتجاوزها لإقرار وحدة كياننا؟ كل طائفة فريدة لكونها تحمل مواهب بادية في فعلها، في مشاركتها ولا تهمل فرادتها ان توحّدت بلا ذوبان. نحن لوحة تفترض عدّة ألوان تتلاقى ولا تتمازج. لست أظنّ ان جماعة دينيّة بما هي قوم تحسب نفسها الأولى. كلّنا من تراب اي من أخطاء يغطيها جمال وتبقى أخطاء. والأجمل في هذا الاتحاد ان تعترف للمتحدين معك ان فيهم حقيقة ومواهب من السماء ومن التاريخ. كل فريق ديني عندنا عنده دواعي افتخار. ونحن نصل الى الوحدة ان افتخرنا بالآخرين وضممناهم ليس الى قلوبنا وحسب ولكن الى عقولنا ايضًا.

وحدتنا كل منا مع لبنان يفترض ان يعتزل كلّ منا فرديّته التي هي مرض الكثرة فينا. والمرض هذا في أقصى حدته ان يحسب المرء انه وحده في الوجود وانه قادر ان يكمل نفسه بلا الآخرين. الوجود مشاركة وهذه تعني انك موجود اذا ضممت الكلّ اليك وانك شاعر بأن موجوديّتك هي بهم. وهذا يعني انك ان لم تكن مبذولا فلست بشيء. هذا يعني بتعبير فلسفي انّك تخلي نفسك من انطوائها على ذاتها لتعرف انها تنمو من ملء صار فيها ان هي أحبّت. وان أحبّت تقوم من الموت الذي هو تعظيم الأنا الفقيرة، الفارغة. ان تستغني وحدك والناس جياع، ان تسود وحدك والجماعة حولك تفنى في فقرها، في جهلها فهذا موت فيك. ان لم يحيَ الجميع فليس من حي. ان ترى الناس كلّهم لك وأنت عبد للذة التقوقع هذا امحاء كامل لوجودك الفاعل. ان لم تشعر انك تأتي من الآخرين فأنت مرمي في صحراء لست تعلم انك تعطش فيها.

# #
#
لبنان لن يصير شيئا ما لم يكن شعبه قد صار عظيما بتحرر الكثيرين من الكذب ومن عبادة المال والسلطة والأنا المقيت العدوة للشراكة. بلدنا يتحقق في كلّ أفراده، في سموّ يتعالى في رؤيته للحق والتعالي هو التواضع والافتقار الى الكمالات الروحية التي لبست من هذا التراب ولا الزمان الشرير.

السياسة تقوم من صنعنا الحياة العليا الكامنة في النفس. لبنان الرسمي يصنعه شعبنا المغتذي من الحقيقة والطهارة والبرّ والذكاء الذي يجيء منها. بلدنا يصير جميلا من سطوع الحقيقة فيه وهي وحدها بهاؤها. كيف نصير الى هذه الحقيقة يبدأ بقيام كلّ واحد منا على الكفر بالذات اي على الكفر بما كنّا، في جهالاتنا، نعتبره الذات من شهوات المال والسلطة والكذب والانطواء على الأنا الفارغة القاتلة للآخرين . لبنان هو شعبه العظيم ليس امجاد زائفة تقوم على الادّعاء ولكن في المجد الإلهي القائم في قلب الإنسان الذي يذوق قيم الله.