سأحاول أن أقرأ فلسفيا الحالة اللبنانية. لعلّ من أبرز ما فيها قول الرئيس باراك أوباما أنه يعطف على موارنة لبنان وأقباط مصر وكنت قد سمعت منذ صباي قول زعماء موارنة انهم لا يرضون ان يصير «المسيحيون» في لبنان مثل أقباط مصر الذين يعتبرونهم غير مشاركين في قيادة بلادهم على الصعيد السياسي. ثم في مراحل متأخرة من حياتنا الوطنيّة احسوا بالتهميش او الإحباط. لا بد ان شيئا من هذا اوحى للرئيس الأميركي الذي قال هذا القول في خطاب مليء بالإعجاب بالإسلام وبوعود دعم لمسلمي العالم. هذا ما يجعلني أفهم أن السيّد أوباما أبدى هذا العطف على الموارنة إزاء المسلمين.
السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا ميّز السيّد الرئيس الموارنة عن غيرهم من مسيحيي لبنان. هل عنده لوبي ماروني مميّز عن اللوبي اللبناني الذي بات معروفًا في الولايات المتحدة؟ لا شيء يدلّ في خطاب القاهرة أن الموارنة يرون أنفسهم محورا في الجماعة المسيحيّة. ولكن هذا التفريق ضمن جماعة المسيح له دلالاته في السياسة الأميركية. هذا يعني في الأقل ان الولايات المتحدة لا ترى كلّ مسيحيي لبنان يحتاجون الى عطفها او حمايتها ولا سيّما ان ما يشغل السيّد اوباما هو بالدرجة الأولى المسلمون ولا سيّما أنهم باتوا حسب كل ترجيح عددي سائدين في لبنان. هذا يعني أيضا ان المسلمين لا يعقدهم المسيحيون مثلما كانت الحالة قبل السنة الـ 1975.
وما يقوّي يقيني هذا أن المسلمين معا هم في كل فريق من فريقي آذار وكأنهم جميعا اكتسبوا مقاربة الوضع اللبناني من منظار سياسي مدني. نحن اذًا على مشارفة المجتمع اللبناني على انه مجتمع مدني او يكاد يكون. هذا لا يبطل خلافات داخلية قد تظهر في الزمان الآتي بسبب من استمرار الذهنية الطائفيّة حتى لو أقررنا إلغاء الطائفيّة السياسيّة.
غير ان ما يلفتك ايضا ان المجتمع اللبناني بات مسيّسا بعمق، ضعيفًا في طلب الحياة الروحية واستدخالها الحياة السياسيّة. الحياة الروحية مرجع العقول السياسيّة بمعناها العملي، التطبيقي. انا لم أسمع في السنوات القليلة الماضية اي خطاب سياسي يرنو من بعيد او قريب الى مقولات روحية مستمدة من المسيحية او الإسلام وكأن كلامنا يحصر روحانيّة الديانتين في المجال الشخصي البحت ولا يرى إسقاطًا دينيا على الإلتزام السياسي. العبارة التي اقتبسها الدستور وكل متعاطي الشأن الوطني هي عبارة العيش المشترك. ولكن ما عناصر العيش المشترك، ما إلهامه، ما قوّته في تسيير الشأن العام كأن هناك مساحات فكر او مساحات تحرك في النفس يجب إغفالها في العقل العام. هناك دائما المسكوت عنه مع ان كل مطّلع يعرف ان في الإسلام والمسيحية ما يمكن استثماره في العمل المشترك.
# #
#
هل اللبنانيون مؤمنون في العمق ان التعبير القانوني لحياتهم المجتمعيّة الواحدة هي الدولة القائمة والتي يجب ان نسعى الى قدرتها؟ هذا يتطلّب اهتداء من القبيلة الحالية الى متّحد يضم عناصر مختلفة موقنة بأن الوحدة – المسعى تُقرّ بها القبائل التي تريد ان تجتمع في ما يفوقها منفردة ولو حافظت كل فئة على ميزات لها تسمى الآن ثقافية ولو كان الأصدق أن تبقى معروفة بالدينيّة او المذهبيّة. كيف نواجه جدليّة التعدّد والوحدة؟ هذا سوآل لا يُطرح في البلدان التي تكون فيها الأحزاب سياسية – عقائديّة اذ تكون، اذ ذاك، علمانية-وضعيّة كالدولة وتعلوها الدولة. اما اذا كانت الأحزاب طائفية والدولة كما عندنا لا طائفيّة فثمّة تناقض في الطبيعة بين الدولة والجزئيات الحزبيّة.
إلغاء الطائفيّة الساسيّة عندي شرط لتجاوز طائفية الأحزاب. اذ ذاك، لا يتكلّم جزء عن الكل وتلاقي الأجزاء من منطق الدولة يجعلها متعاونة في تكوين دولة للمجتمع ومجتمع واحد تشرف عليه الدولة وتصير الدولة الجسم القانوني الواحد وسقف السياسة الداخليّة وسقف السياسة الخارجية ولو بقي تنازع الأحزاب وهدف التنازع التوافق لأنك إن لم تختلف لا يصح الكلام على توافق.
اما التوافق فلا إكراه في الدين ومن باب أولى لا إكراه في القرار السياسي لأن هذا مقولة عددية لا نصل اليها الا بقانون انتخابي على أساس النسبيّة المتضمّن الغالب والمغلوب ولكن بسبب من تقارب الأعداد لا تكون الأكثرية اقتحاما للآخر او دوسا ولا تكون طائفيّة بسبب من المناصفة التي اعتمدناها. فما في النفوس ان هذا البلد اسلامي-مسيحي في الوطنية اللبنانية والانتماء العربي وقد اقتنع كبارنا الأموات منهم والأحياء ان أحدًا منا لا يستغني عن الآخر.
في بلد كثيره ديني (لا متديّن عميقا بالضرورة) وبعض منه ينمو الى علمانية الدولة الحديثة مع استغراق بعض الاكليروس المسيحي في التزام سياسي. لماذا حصرت المسألة في المسؤولين الروحيين عندنا ولم أعمم؟ ذلك أن الإسلام ليس فيه رجال دين بل فيه علماء بمعنى ان الأئمة وخطباء المساجد لا يُلزمون الضمير اذ لا يتمتعون بسلطان إلهي. وفي هذا البلد لا يقفز معظمهم فوق الزعماء. أطرح سؤالي من حيث المبدأ وصياغته هكذا: كيف يستيطع الأسقف او الكاهن أن يتخذ موقفًا سياسيا من موقعه الإلهي؟ هذا سؤال لاهوتي. اما اذا قلنا واجبه إنقاذ الرعيّة من مواقع عقلانية فأي معيار عنده ليعتبر نفسه فهيما او غير متهوّر؟
وهو عديل كثيرين بالفهم والتحليل السياسي. هو إنسان له مخاوفه وعصبيّته وفي كل خيار بعض عصبيّة. كيف يرشد الى هذا الموقف او ذاك مرتديا الحلة الكهنوتية ويعتبر المؤمن قوله جزءًا من تفسير الإنجيل.
أنا أفهم غيرة هذا الرجل. هل يفهم هو انه بشر يتّخذ موقفا ليس من الباقيات الصالحات ولكنه من تخبطات هذا العالم. الا يدرك اذا أصاب او أخطأ ان الرعية جاءت الى الصلاة طالبة كلمة حياة تحيا بها وانه ما كان في اعلى تجلياته الدنيوية سوى بشر يحق لكلّ مواطن ان يشك في الخلفية الإلهية لكلامه.
أخذ زعماء الموارنة والمحلّلون يميّزون بين الطاعة لرؤسائهم الروحيين في الشأن الكنسي وبين انصياعهم السياسي لهم. هذا يعني ان الذوق العلماني يتفشّى في الطائفة المارونيّة وان التمرّد لا يتفشّى. الإكليريكي ليس بديلا عن القائد العلماني في نضال الدنيا. وهذا كله اوضحه الباباوات المتأخرون اذ قالوا ان الدعوة الأساسيّة للعوام (للعلمانيين) هي ان يحملوا مسؤولية هذا العالم، وقد شجب البابا الراحل – على ما أذكر- عمل كهنة في أميركا اللاتينيّة يتعاطون الشأن السياسي.
ايا كان تاريخ الكنيسة المارونيّة من حيث نسكيّتها والتفاف الأمّة حول البطريرك، وايا كان التحام الزمني والروحي انا أفهم التعاقد بين الزمنيات والروحيات في حياة البشر وانك لا تستطيع، مسؤولا روحيا، الا تطل على زمنيات الرعية، ولكن الإطلالة شيء والتخالط شيء آخر. العفّة صعبة جدًا في حقول الدنيا والزهد أولى ويجلس الكاهن اوالأسقف هيبته على آرائك النضج الروحي ليأتي الموقف الزمني عند طبقات الشعب من إلهام الروح.
»وأشياء أخرى كثيرة لم تُكتب» في هذا المقال. «ولكن هذه كُتبت» لتؤمنوا انكم قادرون على جعل لبنان عظيما. غير ان ارتفاع بلدنا يقتضي سموّ قلوبكم بتطهيرها وعمل عقولكم بجهدها. لبنان لا يعطاكم مجانا. الدم الذي بذله كباركم ليس وحده الثمن. التنقية الكبيرة في حب أهل كل الأديان واستبعاد الخوف في شجاعة دائمة وأجرؤ أن أقول ان قداستكم هي التي تنحت في أذهانكم لبنان الجديد قبل أن تنحتوه في الواقع مهما كانت مرارته والله يوفّق أحراركم والأنقياء.
