السيرة, اليوبيل, مناسبات

إن الكمال إنما هو السعي إلى الكمال / كلمة المطران جورج في قداس الذكرى الاربعين لكهنوته، كنيسة مار يوحنا المعمدان في وادي شحرور، 19 كانون الأول 1994.

إخوتي،

إنكم أحببتم إحياء هذا اليوم معي لنقيم ذبيحة الشكر لهذا الذي له وحده المجد في أنه دعاني وأكرم في ما أعطى وعلّمني ما علَّم ورآني فرأيته ولطف بي فالتقطتُ من أنواره ما مكّنتني من ذلك طاعتي وذلك في ذوق صليب هو وحده خلوة هذا الحب الذي غدا عندنا نحن العيسويين كل الكيان وكل اللغة.

أربعون سنة انقضت ألتمس فيها الرحمة وما عرفت فيها قوة الا تلك التي حلّت من انعطافه، وأنت في كثرة من الأحايين وحدك في المحنة، فكيف تُواجهها بهذه الجبلة التي جُبلت بها، بنواقص ثابتة أو تجارب تختفي ثم تعود، وأمامك جبال من الوهن والفتور فيك وفي الناس، وتطوي الأيام وهم يتغيرون قليلاً أو قلة منهم تتوب وأنت تنتظر توبتك فكيف تعطيهم وأنت صفر اليدين وكيف تنشئهم وأنت لا تزال في رحم المعرفة الكبرى جنينا. كل هذا مما تَعلمه عن نفسك وما لم تعلم سيكشفه الله لك يوم الدينونة، ورجاؤك وأنت عار أن يُلقي عليك حُلّة الغفران خشية أن تكون قد سعيت باطلا أو لا تكون قد سعيت بالمقدار الذي يتطلبه حفظ الإيمان فيك وفيهم.

ولا يبقى في أية حال سوى زمان يسير أرجو فيه من محبتكم الصراحة الكاملة لتقويم اعوجاجي لأن الوديعة التي ائتُمنّا عليها ليست ملكا لي ولا لكم وقد أُمرنا بتسليمها. أنا أخاف المثول بين يدي الاله الحي الذي ليس عنده مزاح. ادعوا لي حتى لا يكون هذا المثول مخزيا عسى أقضي معكم ما يبقى لي من العمر بانتباه وتواضع وزخمِ عملٍ وإحسان الكلمة. في هذا السياق يلفتني منذ سنين طولى هذا القول في إرمياء بعد أن قضيتُ في عشرته عاما كاملا في أيام صباي. يلفتني قوله: «فكانت كلمة الرب إليَّ قائلاً: قبلما صوّرتُكَ في البطن عرفْتُك، وقبلما خرجتَ من الرحم قدّستُك. جعلتُك نبيا للشعوب. فقلت: آه يا سيدُ الربُ اني لا أعرف ان أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد لأنك إلى كل من أُرسلك تذهب وتتكلم بكل ما آمرك. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأُنقذك يقول الرب. ومدّ الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي: ها قد جعلتُ كلامي في فمك. انظر قد وكّلتُك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتُهلك وتنقض وتبني وتغرس».

ما يهمّني ألا يأتي هذا اليوم منتهى لحقبة بل انطلاق لزمان لكم جميعًا. ولهذا أعود بكم من الكلام عن نفسي إلى الكلام في هذا الذي وحده ساغ الكلام فيه. خوف إرمياء من نفسه عرفه نبي آخر لما فوّضه الرب أمر النبوءة فقال: «اني لستُ نبيا ولا ابنَ نبي، انما أنا راعي بقر وواخزُ جمّيز. فأخذني الرب من وراء الغنم وقال لي الرب: انطلقْ وتنبأ لشعبي إسرائيل» (عاموس 7: 14 و15). لعل كلاًّ منا عرف هذه الحيرة وهذا التكلؤ أنه هش وأن بينه وبين الرسالة هوّة لأنه يعرف نفسه ساعيًا إلى شيء آخر ليس من الرسالة في شيء وقد لا يحسّ بحنان الأُبوّة ويستثقل موقعه وأن يشاهد في الرعية إهمالا له وقسوة وقد لا تكون مشغوفة بالمراعي الخضر ولا تُقبل على الخبز السماوي. وإغراؤه أن يهرب في العمق ولو قام على صلاته صبيحة الأحد وما اليها. قد يغزونا هذا الضجر ونعالجه باللهو فنملأ بالكهنوت أيامنا ولا نملأ به قلوبنا ويحسّ الناس بهذا فتُكَمّ أفواهنا دون الكلام الحلال. اذ ذاك نذكر إرمياء يقول: «ومدَّ الرب يده ولمس فمي». يده تحمل ملقط جمر إن ذكرتم اشعياء. «لمس فمي وقال لي الرب قد جعلتُ كلامي في فمك». فلماذا تُصرّ على أن تبقى أبكم؟

انظرْ قد وَكَّلتُك هذا اليوم على الشعوب. أنت صرت أبكم بعد أن تعوّدت ألاّ تنظر إلى وجهي لشعورك بأن بهائي يفرض عليك البهاء وهذا يكلّفك تعبا كثيرا. وقد تؤْثر أن تبقى غافلا أو تتغافل اذا ما أتى العريس في منتصف الليل، فعندك أنه يعرف شغله وأن تغطّ أنت في النوم أدنى إلى ما تحسبه راحة لك. الحق أن الكلمة تعود إلى أفواهنا من داخلنا اذا دخلت حسب رؤية حزقيال: «فقال لي: يا ابن الانسان، كلْ ما انت واجد، كلْ هذا السِفر واذهب فكلّمْ بيت اسرائل. ففتحتُ فمي فأَطعمَني ذلك السِفر. وقال لي: يا ابن الانسان، أَطعمْ جوفك واملأ أحشاءك من هذا السِفر الذي أنا مُناولُك. فأكلته وصار في فمي كالعسل حلاوة» (3: 1-3).

وقد يتوهَّم أحدنا ولا سيما اذا تَقادَم عليه الزمان أنه عمل في أول عهده في الكهنوت عملا كبيرا وأنه آن له الآن أن يستريح على ما ألفه من الخدمة وبعض ما يحيط بها من افتقاد قليل. اذ ذاك يسمع الرب يُكلّمه كما كَلّم إرمياء: انظرْ، قد وكّلتُك هذا اليوم. كل فجر يا إخوة فجر الخليقة الجديدة فينا ووعد نور في المؤمنين. وقد يكون أحدنا في كهولته الطاعنة أو الشيخوخة أعمق عطاء وأحرّ حبا. إن من لم يعش كل يوم كأنه يوم رسامته يكون قد دخل في تأفُّف الرتابة. فإنْ هبَّ الروح فيك من جديد فهو إياه الذي يَقلع ويَهدم في مواضع الاقتلاع والهدم وهو إياه الذي يبني في موضع البناء. أي انه عليك أن تكافح الخطيئة والجهل في كل نفس، ومن بعد هذا أن تُجمّلها وأن تزيدها جمالاً. وليس لك من مهمة غير هذه.

أنت كاهن لأنك نبي. لأنك لا تُحابي الوجوه، ولا تُحابيها إلا لكونها تنظر إلى وجه الله وحده كما كان موسى وإيليا في ثابور لا ينظران إلا وجه الإله. غير أن أحدًا منا لا يقتبل النبوءة ولا يحملها الا اذا مات عن كل شهوة فيه على غرار ذلك الذي لم يصر راعي نفوسنا العظيم الا بعد أن قَبِل أن يصير بالموت حَمَل الله. ولهذا يقول إرمياء: «لنُتلِف الشجرةَ مع ثمرها ولنستأصله من أرض الأحياء» (11: 19). ولأنك، كاهنًا، تقبل الموت كل يوم، سيطلبون نفسك قائلين: «لا تتنبأ باسم الرب، لكي لا تموت بأيدينا» (11: 21).

ستبقى طائفة من الناس متمرّدة كثيرة كانت أم قليلة. ولكنّ ثمة كثيرين في هذه الأبرشية ارتدّت قلوبهم إلى الرب بفضلٍ مِن سهركم. نحن ولجنا طريق الخلاص، والتعزيات كثيرة، ولكن ينبغي أن نقلق كثيرًا لو سمعنا الله يقول على لسان حزقيال: «لا تَرعَون الخراف، الضعاف لم تُقوّوها والمريضة لم تُداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردّوها والضالّة لم تبحثوا عنها، وإنما تسلّطتُم عليها بقسوة وقهر. فأصبحَتْ مشتتة بغير راعٍ» (34: 4 و5). واذا صحّ هذا في واحد منا فليس عليه إلا أن يسعى على أن يكون على صورة الراعي الصالح الإلهي الذي يبذل نفسه في سبيل الخراف. لهذا يُحجَب وجهُ الكاهن المسجّى بالستر لأنه يكون قد صار ذبيحةً ووجهه محجوب لأنه لم يَعُدْ يطيق الا رؤية وجه الحبيب.

أنا أدعو ربي أن يمنّ على كل منا بأن يكون على قدر النعمة التي وُهب على صورة المعلّم، المسحوق حبا، أن يصير أخًا لشريكه في الخدمة الإلهية وأن يزداد علما. في تصوُّري أننا نجحنا في جعل المعرفة مطلبا عند الكهنة، وهذا ممكن لكل منكم لأن الذكاء لا يُعوزكم، ولكن الجهد الموصول يُعوز بعضًا منكم على صعيد قراءة الكلمة هذه التي إن أكلناها نحيا بها إلى الأبد. وكلمة السر في هذا أن مَن صلّى كل يوم في عمق الايمان وحرارة الاستغفار تصير له صلاته مع الكتاب الإلهي المدرسة التي لم تؤهّله ظروفه أن يدخل اليها.

نحن لا نستطيع أن نخلّص المؤمنين الا اذا رأوا في مسلكنا صورة الراعي الصالح الذي يدعو كل خروف باسمه بمعنى أنه يحبه شخصيًا ويخدمه شخصيًا، ولا خدمة عندنا الا اذا أطعمناه الكلمة. العبادات لا تكفي للعلم. وينبغي ألا يكون أداؤها عذرا لجهلنا. يجب أن تعود الكنيسة إلى ما كانت عليه في الألف الأول كنيسة صلاة وكنيسة معرفة. هذا تكامل يضمن وحده أننا على طريق الخلاص. أن نكون عالمين بالكلمة ومتواضعين بآن معًا لسعيٌ ممكن. على هذا نتعاهد إنْ ودّعْنا الذكرى بعد هذه الخدمة الالهية. نودّعها ليعيش كل منا كهنوته بوعي متزايد وتفانٍ لا يُحدّ على أن تَذْكروا كلمة غريغوريوس اللاهوتيّ: «إن الكمال إنما هو السعي إلى الكمال». اذا اقتنعتم بهذا أعرف أن كنيسة جبيل والبترون باتت في عهدتكم وأنه حان لي أن أقول للرب: «الآن أَطلِقْ عبدَك أيها السيد حَسَب قولك بسلام» (لوقا 2: 29). تكونون أنتم قد جعلتم هذه الأبرشية عتبة للملكوت.

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

الصبر المقدس /الأحد 16 تشرين الأول 1994/ العدد 42

الصبر ليس التخاذل امام الموجود والحياد تجاه النواقص. فالمؤمن يسعى الى تغيير العالم. غير ان بشارته قد تطول وقد لا يستمع اليه الناس اذا شهد وتكلّم. فهناك عنصر الزمان ولا نقدر ان نملي على الآخرين  الحقيقة املاءً. لماذا يصرّ من نحاول هدايته على خطيئته؟ هناك ما يسمّيه بولس «سر الإثم» اذ لا يعرف احد متى تحل النعمة او متى يتقبلها هذا الذي نصلي نحن من أجله. ففي النفس «حنطة وزؤان» وليس بمقدورك دائما ان تقتلع الزؤان.

والملحوظ ان أكثر الناس يبقى على الشر الذي ترعرع فيه وان التوبة النصوح نادرة وأقصى ما تستطيعه انت ان تنتظر وتحب. ومعنى ذلك انك تعايش في الرعية او في الدنيا بشرا متفاوتين في التقوى وفي الإخلاص وانه عليك ان تتقبلهم لكونهم اخوة لك ولعل حظهم الوحيد في الاهتداء ان يروا إخاءك لهم واحتمالك لما يغيظك فيهم ولما يصدمك. وقد يجرحك هذا او ذاك كل يوم بسبب من عداوة متأصلة وغيرة مريضة. وإذا رأوك يتوترون وقد يريدون إذلالك بغضا وظلما. فإذا تضجرت او رددت لهم الكيل كيلين، فهذا يزيد عداءهم وتشنجهم وأنت قادر ان تشفيهم بالحلم وطول الأناة. وقد عيّنك الله طبيبا لهذا الذي يؤذيك لأنك انت تعرف الجرح الذي فيه. الله هو الشافي الأكبر لأنه الصابر الأكبر. انه ينتظر عودتنا، يدعونا اليها ولا يغتصبنا الى الفضيلة ويمدنا بالزمان لعلنا «نقرف» من الخطيئة او نحبه عليها ونرى راحتنا عنده. والصبر مرتكز على الرجاء ففي المواجهات تحتاج الى رفق وسلام لتتقبل قلة التهذيب وسوء المعاملة والكيد وإرادة القهر. ان تقبل الآخر في علته وعيبه يبدأ بأنك تعترف انك لا تقدر على تبديل شيء في الناس ما لم يغيروا هم ما في نفوسهم. العهد الجديد يعلّم عن صبر المسيح وصبر القديسين. هذا هو الصبر في يسوع. ان كنت في المسيح فلا نكاية عندك ولا نكد ولا نقمة ولا صفع ولا ردة فعل وتتراجع وتسلّم بالحق لتخرج من الظلمة التي فيك.

وليس الصبر ان تقول انا محكوم علي ان أعيش مع هذا وذاك ولكنك تقول في نفسك اني أحمد الله أني أحيا مع من أحيا معهم لأني ان صبرت عليهم جميعا انجّي نفسي وأنجّيهم وألطف بهم علهم يشاهدون الله. لقد جعل الله زمانا لخلاص البشر وبعده الملكوت وجعل لكل منا ممرا ليخلص به. انت تمشي مع الآخر كل الخطى التي يحتاج اليها لكي يفهم ويفرح.

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

الأزياء العارية /الأحد 17 تموز 1994 /العدد 29

كتبت عن الاحتشام في الكنائس ولا سيما في الأعراس. ولكن «لا حياة لمن تنادي». اتساءل اليوم عما اذا كانت صبايانا والكهلات اصبحن غير حساسات الى هذا الجانب من عفتهن الذي يقضي بالحشمة في كل مكان. فالطهارة ليست ملزمة في المعابد فقط ولكن في المجالس كلها والطرقات، والذريعة طبعا ان طقسنا حار، ولكن الحر واقع على الرجال ايضا ولم يمت احد من الحر. وعندما نسأل: لماذا كل هذا العري يصفعنا الجواب: هذه هي الموضة، وكأن المرأة محكوم عليها بالعبودية للزي.

نحن لسنا ضد ان تبدو المرأة جميلة ولكن هل يقضي الجمال ان تكون المرأة مثيرة لمن وقع نظره عليها؟ لا يقنعني احد انها غير واعية لمفاتنها عندما تبرزها وانها لا تفتش عن ان تلفت النظر الى محاسنها بما فيه التخيل الفاسق عند الرجال. أليست المرأة مسؤولة عن رفيقها الرجل؟ انا اعرف بما سمعته من بعض الشابات ان الوالدات تحضهن احيانا على هذا التعري. وضعنا الأخلاقي اسوأ اذن مما تصورت.

القضية ليست قضية ازياء لأن الحديث في الصالونات ان الموضة هذه السنة هي في اتجاه آخر. المقصرات ثيابهن اذًا على موضة السنة الفائتة. التقصير بالتالي قائم على إرادة الإغراء وعلى اعتبار ان الإثارة الجنسية شيء طيب يعطي الفتاة كبرياء جسدها ويطوع الشاب لها لتشعر بعبوديته لها. هل في هذا انتقام من العفة التي اراد الرجل منذ التاريخ القديم ان يخضع المرأة لها ليتسنى له السيطرة عليها؟ الدراسات تدل على ان الرجل اراد الهيمنة على المرأة فارادت هذه ان تغير المعادلة وان تسيطر هي بدورها. هل محكوم على البشر ان تكون علاقاتهم علاقة السيد بالعبد؟ هل احست المرأة انها في استعباد فارادت ان تجعل الرجل اليوم عبدا لها؟

انا افهم الا تفكر المرأة بكل هذه الفلسفة. ولكن أليست هذه الفلسفة كامنة فيها؟ أليست تقوم بهذا التحدي وكأنها تقول: اردتَ استعبادي وانا اريد اليوم استعبادك. قاوم ان كنت رجلا. واذا قالت الصبية او الكهلة: أنا لا افكر بهذا فهذه مصيبة، وان فكرت وصممت فالمصيبة اعظم. الكارثة هي هذه ان الجسد بات عند الكثيرين منعزلا عن الشخصية بمعنى انه لم يبقَ تعبيرا عن علاقة انسانية وصار موضعا لاحتكاك اللحم باللحم او العيون باللحم.

والكارثة العظمى هي اننا نسمع بعض المواطنين غير المسيحيين يقولون: ان النساء نصف العاريات هن المسيحيات وان خصوصية المرأة المسيحية انها لا تبالي بالحشمة. اين بعض نسائنا من قول السيد: «ان من نظر الى المرأة ليشتهيها فقد زنى معها في قلبه»؟ كيف تريد صبايانا «المخشلعات» الا يزني الرجال بعيونهم؟ أليس عندنا فتاة او سيدة  لتقول: انا شخص واحد مؤلف من روح وجسد واتصالي بالبشر هو اولا واساسا اتصال روحي وان هذا الاتصال تعطله إثارة الغرائز. انا ان كانت روحي حلوة، عظيمة يمكن ان اصير محبوبة. اذ ذاك، اعرف ان من تعلق بي يكون قد تعلق بمزاياي ويكون قلبه قد انجذب، واذا التقى قلبانا فجسدانا لا بد ملتقيان في علاقة طهور نسميها نحن المسيحيين زواجا. والزواج عندنا ليس استسلاما لجسد، انه قبول لجسد فتاة ارتبطنا بها في عهد ابدي.

الجمال توطئة  للقاء ولكن الفسق ليس بلقاء. من اراد جسدا فقط يعرف ان هناك دائما جسدا اجمل منه. اما من ابتغى اتحادا قائما على فرادة، على بهاء داخلي فعلى ارتباط صادق ووحيد فهذا أثبت على العهد. كل الأجيال ذاقت الجمال ولكنها ذاقت معه الروح. هل حُكم على هذا الجيل ان يتلهى فقط بالأبدان والأقمشة التي تسترها قليلا؟ هل انطفأت الروح ولم يبق لأحد صبر على انتظار لقاء عظيم؟ ما يزيد دهشتي واستغرابي ان المرأة المتزوجة ليست اكثر عفة من العازبة. هذه التي نذرت ان يكون جسدها لغة تخاطب بها زوجها اي ان يكون هذا الجسد معروفا فقط لديه لأنه يريد القلب الكامن فيه، المرأة المتزوجة لماذا تضع نفسها في حالة استعراض للعيون الشرهة وكأنها مباحة للجميع وليست شريكة واحد أحد؟ انا اريد ان اقتنع.

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

الأكثرية والأقلية /الأحد 19 حزيران 1994 /العدد 25

هناك من يحب ان ينوجد في عيون الناس، في تعزيزهم له والقلة تسعى ان تنوجد في عيني الرب وفي رضاه. هناك من يلح على ان يحترمه الناس في ما يظهر، في ما ينفق وهناك من يسعى الى ان يحترم هو الناس في تهذيبه وانتباهه اليهم وخدمة لهم لا يبغي منها اجرا ولا شكورا. هناك من يصدم ومن يجرح ويتعالى ويفرض جاهه وسلطانه وهناك من يتوارى حتى يعبر غضب الرب ويحمل الآخرين في دعائه عندما يلاحظ انه لا يستطيع النصح. هناك من يعطي عاطفة وهناك من يطلب عاطفة ويعاتب ويقاطع ويعاقب اذا ظن في الآخرين تقصيرا.

من الناس من ينوجد اذا نسوه واكثرهم ينوجد اذا وقروه ومدحوه والتفوا حوله. بعضهم يخاف الله واكثرهم يخيف. بعضهم يمارس سلطان الحب واكثرهم يمارس سلطان القوة. بعضهم غني بفقره واكثرهم فقير بغناه. بعضهم يحس ان اختفاءه اقتراب من الله واكثرهم يحس ان ظهوره يمكنه من الوجود.

من الناس من يأكل كثيرا ويشرب خشية من الموت، والقليل لا يأكل ولا يشرب خوفا من الله. قلة تصلي لايمانها بالخلاص واكثرهم لا يصلي حقيقة وعميقا لاكتفائه بذاته. قلة ترى الجمال في كل مكان والأكثرون يرون القباحة عميمة. اكثرهم يكشف عورات الناس هربا من رؤية عوراته وقلة تستر العورات لأنها تعرف نفسها مفضوحة عند الرب. القلة عفيفة اللسان خوفا من النميمة واكثرهم ينم لأنه لا يريد إصلاح نفسه. اكثرهم يغضب لأنه لا يحب والقلة صامتة اذا أحبت. والغضوب لا سلام فيه والوديع تنقّت نفسه. هناك من يعيش بثورة عارمة يظن فيها انه يثبت حقوقه وهناك من يعيش بلطف دائم لاعتقاده ان اللطف يشفي النفس ويشفي الآخرين من توتر اعصابهم.

الأكثرية تفلش نفسها اذ ليس عندها عمق والعميقون يصمتون سعيا منهم الى التوبة. الأكثرية تغري لتتسلط والقلة تعف التماسا للرضا الإلهي. الأكثرية تريد ان يتحلق القوم حولها والقلة تهرب من المجد. الكثيرون ينظمون الموائد السخية ليقال عنهم انهم كرماء والقلة قليلة الولائم لأنها تكره الانتفاخ. الكثيرون يحسبون ان البذخ يعلي من شأنهم ومن لا يبذخ يوفر ماله للمحتاجين. الكثرة تعطي لتُعرف والقلة تعطي ليعرفها الله.

الكثيرون يناقشون ليقال عنهم اذكياء والأذكياء الحقيقيون يجادلون قليلا. الكثيرون يبسطون معارفهم ليقال عنهم انهم يقرأون ومن يعرف كثيرا ادنى الى الحشمة من الكلام.

الأكثرون يفتخرون بعائلاتهم والقول انها عريقة والقليل يعرف فضل الله عليه وعلى عائلته. الأكثرون يتحزبون لعيالهم لأنهم يتحزبون لأنفسهم والقلة تقول ان نسبها وضيع. معظم الناس قبائل ولها حزازات القبائل والقلة تلتمس اللطف الإلهي. الأكثرون يريدون علو مقام في الدنيا والقلة ترجو الصفح الإلهي لتنوجد في الملكوت فقط. الأكثرية مسطحة والأقلية عميقة. الأكثرية تحيا بالوهم والقلة تطلب الراهن. معظم الناس يحركها وهج دنياها والقلة تطلب وهجا في السماء. الأكثرية أجساد والقلة وجوه. الأكثرية تغتذي من الشهوة والقلة تغتذي من التقشف. الأكثرية تافهة والقلة تعيش في عالم المعاني. الأكثرية من الدنيا والقلة من الله.

Continue reading
1994, محاضرات

المشاركة في القدسات / كنيسة مار مخايل – نابيه / الثلاثاء 17 أيار 1994

الكنيسة هي إمتداد للمسيح، غير أن الظروف التاريخية القاسية منذ 900 سنة عملت انقسامًا بين الشرق المسيحي والغرب المسيحي. وهذا الإنقسام يؤسف له جدًا. نحاول الآن منذ ثلاثين سنة أن نضمد الجراح وأن نعود كنيسة واحدة منظورة. بأعماق السيد نحن كنيسة واحدة. ولكن على مستوى التنظيم والترتيب صرنا كنائس منفصلة بعضها عن بعض، وكل الإرادات الطيبة وكل اللاهوتيين الكبار مع البطاركة والأساقفة في سعي إلى التوحيد.

ظهرت حركة تقاربية منذ ألف وتسعمائة وعشرين عندما اطلق البطريرك المسكوني بطريرك القسطنطينية إلى العالم كله حتى يتقاربوا. وكانت البشرية طالعة من الحرب العالمية الأولى. وسميت هذه الحركة فيما بعد بالحركة المسكونية التي تضم المسكونة كلها، وهناك مجالس أهمها مجلس الكنائس العالمي الذي يجمع المسيحيين للتوحد.

لقد طلب يسوع بعد العشاء السري من الآب السماوي أن يجعلهم واحدًا كما أنه والآب واحد. هنا في هذه المنطقة عندنا مجلس كنائس الشرق الأوسط، وفي كل كنائسنا لا سيما الأرثوذكسية والإنجيلية المفروض أن تجتمع للتقارب.

ما جرى من عشرين سنة عندما إجتمع وفدا الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية في رودس، وأقروا بمباحثات أخوية لرأب الصدع ولإنهاء الخلافات بين الكنيستين. وكان آخر إجتماع لهذه اللجنة في البلمند منذ حوالي سنة. ونجونا من محاولة إغتيال وهذه إشارة من الرب انه يريد أن يحفظنا ليس فقط من الموت ولكن من الخلاف.

تقاربنا بكثير من الأشياء والمواضيع وموضوع الأسرار والمناولة، وتقاربنا من موضوع الأسقف المحلي ومجمع المطارنة التنظيم الكنسي الأساسي. وبعد إجتماع البلمند صار بدنا نتصدى لمشكلة كبيرة هي مكانة أسقف روما، أو بابا روما في الكنيسة الجامعة قبل هذه الجلسات الكنيسة الكاثوليكية عقدت مجمع الفاتيكان الثاني الذي تصدى لموضوع ما كان مثار وهو موضوع المناولة المشتركة.

أحب الكرسي الإنطاكي ان أكون أنا مندوبًا في الوفد الإرثوذكسي العالمي.

الجو الذي جمعنا دائمًا في هذه الأحاديث كان جوًا اخويًا.

في المجمع الفاتيكاني الثاني قضية المناولة بين اعضاء الكنيستين، وقبل أن اصرح عن القرار الذي أصدره مجمع الفاتيكان، أريد أن اوضح أهمية سر القرابين المقدسة أو سر الشركة أو المشاركة أو سر المناولة.

 في الماضي بإستمرار هذا السر كان يعني إتفاقًا على العقيدة. فإذا شرد واحد عن الإيمان وهنا أتكلم عن البدع القديمة كالآريوسية والنسطورية، إذا أُعتبر شاذًا عن الإيمان يُخرج من الجماعة، لا يكون عضوًا في الكنيسة المستقيمة الرأي. في ذلك العهد، في عهد الهرطقات الكبيرة أي منذ القرن الرابع إلى السابع كانت كنيسة الشرق وكنيسة الغرب متحدتين بإستقامة الرأي. كلمة أرثوذكس لا تدل على طائفة معينة ولكن كل واحد إيمانه جيد صالح يكون أرثوذكسيًا.

أريد أن أذكر الغير المطلعين، أنه عندما يتم تنصيب البطريرك الماروني ُيذكر هناك الإيمان الأرثوذكسي أي الإيمان الصحيح.

قلت إن الذي يشد عن الإيمان يكون مكانه ليس مع أهل الكنيسة طالما هو ليس مشتركًا مع العقيدة الواحدة، ومعنى هذا أنه ليس مشتركًا مع القربان أيضًا لأن القربان هو التعبير الأسمى عن وحدة الإيمان.

يقولون عندنا في الدارج أنه عندنا خبز وملح معنى هذا انك لا تعزم واحدًا على سفرتك إذا كان من خلاف بينك وبينه. تسويان الخلاف وبعدها تقعدان مع بعضكما البعض لأن الأمور هي برموزها. يضاف إلى هذا أنها لما كانت كنيستان تختلفان ليس على أساس العقيدة لما إنفصلوا عن بعضهما البعض سنة 1054م، إفترقوا على أمور بإطارها الأنضباطي وأمور الترتيب ثم بعد هذا صار الإختلاف بينهما أعمق. والإختلاف بيننا بدا للمرة الأولى بشكله الصريح في مجمع الفاتيكان الأول المنعقد سنة 1870 م في روما حيث الكنيسة الكاثوليكية العالمية أوضحت رئاسة بابا روما على الكنيسة وعصمته عندما يتكلم عن العقيدة هذا الشيء الذي حدث في المجمع الفاتيكاني الأول برئاسة البابا عالميًا وعصمته أمر لا تقر به الكنيسة الأرثوكسية. لما سنكمل المحادثات سنتصدى له.

قلت بأن الذين شردوا عن الإيمان لا يكون بينهم مشاركة والمشاركة تكون باكأس الواحدة، ولكن ليس الشاردة على الإيمان ولكن الذين إنشقوا عن جسم الكنيسة وأردوا أن ينفصلوا. هؤلاء أيضًا لا يمكنهم أن يقولوا إنهم واحد مع الكنيسة التي لم تنفصل. على سبيل المثال إذا عصى كاهن اوامر مطرانه وحرمه المطران من إقامة القداس أي أخذ أمرًا تدبيري بحقه لا أحد من المسيحيين يحق له أن يحرمه من القداس لأن هذا الكاهن لا يقبل شرعيته إلا إذا كان منضمًا إلى أسقف شرعي. لما نشأ الخلاف بين الشرق والغرب سنة 1054م بطلت هاتان الكنيستان تشترك مع بعضها البعض، أي بطلتا تقدسان مع بعضهما. هذا الذي صار، هذا هو الذي حدث، وهذا هو النظام السائد، الأمر المتعارف عليه عند الكنيستين حتى نحل هذه الخلافات القائمة كل واحد يصلي بكنيسته ونكون إخوة بالمسيح، مثلما أخوان من عائلة واحدة عندهما بيتان كل واحد يقعد ببيته بدون أي زعل ويجتمعان مع بعضهما البعض. فالذي عملته الكنيستان في الوقت الحاضر أن الأمور التي ليس فيها أسرار مثل المآتم، مثل صلوات مسائية يعملها الكل، يأتي المؤمنون ضمن الكنائس المسيحية ولكن الكنيستان عندهما موقف صارم في موضوع المناولة. فالأرثوذكس ليسوا أشد صرامة او شدة من الكاثوليك. انا أتكام عن الصعيد الرسمي. لا أنظر إلى مشاهد العلمانيين. ولكن في موضوع المشاركة بالأسرار المقدسة حدد المجمع الفاتيكاني موقفاَ واحدًا وهو الذي يختص بالكاثوليك وقال بأن الكاثوليكي لا يقدر أن يتناول عند الأرثوذكسي. هذا قول بابا رومية والفا مطران الذين أجتمعوا معه. الكنيسة الأرثوكسية بالوقت الحاضر ريثما تنحل العقد بيننا أيضًا لا يذهب الإنسان الأرثوكسي ليتناول في كنيسة كاثوليكية.

منذ خمسين في لبنان كان موجود في كنيسة مار عبدا المشمر ببكفيا، في كنائس بسكنتا، في كنائس بيروت، لأننا كنا فقراء ولم نكن كلنا قادرين أن نبني كنائس. كان الأرثوذكسي يستعمل الكنيسة المارونية أو الماروني يستعمل الكنيسة الأرثوذكسية ولكن كل واحد يقيم قداسه على حدة. بمار عبدا المشمر ببكفيا كان يوجد مذبح سماه عامة الناس مذبح الماروني، ولما كان ينتهي الكاهن الماروني من أداء الخدمة الألهية كان يأتي الكاهن الأرثوذكسي ويقيم قداسه. وكانوا أخوان تظللهم كنيسة واحدة ولكن لا يجمعهم قداس واحد.

ولماأراد إخواننا الموارنة في بكفيا أن يقيموا ذكرى مرور مئة سنة على ذكرى تأسيس كنيستهم عبرت عن هذه المشاركة ولكن بمشاركة صلاة الغروب لأننا لا نقدر أن نقيم قداسًا وجاءت الرعية المارونية وحضرت القداس وكنا نحس معًا أننا إخوة وأعدت لهم الأيقونة التي كنا أخذناها عندما عمرنا الكنيسة في المحيدثة وجاء الكاهن الأرثوذكسي من المحيدثة ليعمل زياحًا في الضيعة واعادوا هذه الأيقونة إلى أهل بكفيا وفرحنا معًا بصلاة الغروب.

أذًا اهلنا القدامى في لبنان عرفوا بأنهم قائمون الغرب ولو أستعملوا كنيسة واحدة إلى أن كل واحد يحافظ على طقسه ويتناول في كنيسته إعرابًا عن إيمانه بالعقيدة فعندما تقول الكنيسة إن غير الأرثوذكس لا يُسمح لهم بالمناولة عندها، الكنيسة الأرثوذكسية موقفها هو ذاته موقف الكنيسة الكاثوليكية.

أضاف المجمع الفاتيكاني إستثنائيًا وقال إنه إذا تعذر على الإنسان الكاثوليكي ماديًا إذا لم يكن عنده كنيسة بمحل وأراد أن يتناول، فالكاهن الكاثوليكي يستطيع أن يذهب إلى الكنيسة الأرثوذكسية ويتناول فيها من طرف واحد.

لم يتم التشاور بيننا وبين البابوية من أجل هذا الموضوع. هم قرروا بأنفسهم هذا ووجدنا نحن تحت الأمر الواقع بأن يتقدم الكاثوليك من الكأس المقدسة. في السابق كانت توجد تدابير من الجهتين بيننا وبين الغربيين. فإذا كان الإنسان في حالة إحتضار ومات في قرية ليس فيها كاهن من مذهبه يستطيع أن يدفنه الكاهن الموجود. على سبيل المثال إذا واحد أرثوذكسي كان على شفيرالإحتضار يستطيع الكاهن الماروني أن يناوله لأن هذه ليست مشكلة الإنضمام إلى الكنيسة. هذا وضع خاص يتناول. إذا وجد أنسان كاثوليكي أو ماروني أو سريان كاثوليك وجد في كوسبا مثلاً في قرى حيث لا يوجد كنيسة كاثوليكية فالأمر الطبيعي أن يأتي كاهن أرثوكسي ويناوله وهذا موجود إلى يومنا هذا أو في حالات كثيرًا خاصة. مثلاً إذا ناول كاهن السجناء. السجناء هم معذبون كفاية. بكفي أن هذا الإنسان مسيحي. ولكن في الحالات العادية، أي عندما يكون الإنسان في كنيسة بضيعة، بمدينة فالأمر الطبيعي أن يذهب إلى كنيسته ولكن نحن حرصنا على أن الإنسان الكاثوليكي يبقى في كنيسته. حرصنا ناتج من إحترامنا للكنيسة الكاثوليكية. إي أن يكون العمل من شأنه أن يكون الإنسان يتربى في كنيسته وأن يُرمز هذا الإتحاد بالمناولة في الكنيسة الأخرى. هذا الإتحاد لم يتم والمناولة تعبير عن الإتحاد لأنها قمة هذا الإتحاد. الإتحاد يصير بالوحدة بين الإساقفة من الجهتين لما يُوقعوا على إنهاء باقي الخلافات. هكذا جرى بيننا وبين السريان الأرثوذكس والأقباط والأرمن، توصلنا إلى إتفاق كامل في ما يخص بالعقيدة. وقلنا إذا ولد إنسان في أرمينيا أو في مصر لا توجد كنيسة أرثوذكسية يقدر أن يتناول. هذا الإتفاق الذي جرى بين الأرثوذكس وبين الأقباط والأرمن والسريان، لم يجر بعد رسميًا بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية. ولذلك تريد الكنيسة الكاثوليكية إلى يومنا هذا أن يتناول أبناؤها فيها إلا بحالات خاصة وهي إحترمتنا كفاية وقالت: إن الأرمني الكاثوليكي والسرياني الكاثوليكي لا تقدر أن تذهب إلى اللكنيسة الأرثوذكسية وتتناول إلا إذا السلطة سمحت بذلك. ونحن في لبنان في حالة تشاور حولة هذا الموضوع. الكنائس الكاثوليكية في لبنان الممثلة بمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك إلى الآن موقفهم هذا. لم يسمحوا لإبنائهم أن يتناولوا عند الأرثوذكس ونحن نتعاون مع السلطة الكنسية الرسمية الكاثوليكية. لا نقدر أن نتعامل مع كل أنواع كاثوليكي يشتهي أن يتناول عندنا لأن علاقاتنا جدية ورسمية، نحترم الكنيسة الكاثوليكية، هي لا تريد أولادها أن يتناولوا معنا. إذا ظهر مؤمن واحد لرغبة في نفسه لأنه هكذا يتمنى نقول له: نحن نحترم رغبتك ومطرانك. لا نقدر أن نخالف موقفهم الرسمي تجاهنا. كذلك الكنيسة الأرثوذكسية الإنطاكية في هذه البلاد أخذت موقفًا صريح بقرارين وقالت إن المناولة محصورة بأبناء رعاياها وهذا موقفنا في كل مكان. بباريس بعدة كنائس أرثوذكسية من روس ويونان وبلغار أحيانًا يتقدم إنسان كاثوليكي يقول له الخوري الأرثوذكسي لا تقدر أن تتناول. الشخص يحترم هذا الموقف ويتصرف بكل محبة. من أجل ذلك لا أقدر أنا أن اخالف الكنيسة الكاثوليكية التي لا تسمح رسميًا.

عندما كنا مجتمعين في البلمند في حزيران الأرثوذكس قدسوا وحضر المطارنة والكرادلة الكاثوليك بكل محبة، ولكن لم يتقدموا إلى المناولة. أعطيناهم كنيسة الدير حتى يقيموا القداس اللاتيني ودخلوا إلى الهيكل وأقاموا القداس، ولم يتقدم أحد منا إلى المناولة. نحن لم ننتظر أن نتقدم وهم لم ينتظرونا أن نتقدم.

إذًا في الأوساط اللاهوتية خصوصًا مع المطارنة الموارنة المشاركة في القدسات أمر يتوج الأتحاد العقائدي.

أنا أدعو إلى تبيان ما يجمعنا والإعتقاد أن الإنسان الكاثوليكي بدو ينضبت بكنيسته والإنسان الإرثوذكسي بدو ينضبت بكنيسته ويطيع مطرانه. لما الأكليرروس والمطارنة يلاقون حلاً آخر وقتها نحكي. بالوقت الحاضر هم مقتنعون بكثير من الأشياء وبالفكر. متفقون على شيء واحد أنه ليس من مشاركة بين الرعيتين.

كل إنسان عنده إنتساب. يقدر الشخصان أن يكونا إثنين ولا ينصهران بعضهما ببعض.

حاليًا في العالم المسيحي يوجد هوية مذهبية لما الكنيسة بأعلى مقاماتها تقول: بطلنا المذهبية صارت هويتنا واحدة، صرنا كنيسة مسيحية واحدة. هذه المشكلة تنحل.

أنا اعتز بالإنسان الماروني الذي يصلي حسب طقوسه إذا فهمها. والإنسان الأرثوذكسي يصلي في كنيسته حسب طقسه. وبالتالي الحياة العادية الإجتماعية نحن مختلطون. الناس يتزاوجون من بعضهم البعض. نحن لم نقف أمام المحبة البشرية التي تجمع بين شاب وفتاة. لا أحد يعترض على الوحدة العائلية. التلاقي مع بعض المظاهر الدينية كالإكليل والمأتم وصلوات مسائية هذا شيء نشجعه.

رجائي من الإنسان الكاثوليكي أن ينصاع إلى أوامر كنيسته، والإنسان الأرثوذكسي ينصاع إلى أوامر كنيسته. وإتركوا هذه القصة لترتيبها على أساس لاهوتي. ولهذا أتمنى أن تكون سهرتنا الروحية دعوة جديدة لتعميق العلاقات على أساس المحبة. “أحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم”. ونعيش مع بعضنا البعض جسمًا واحدًا، وبنفس الوقت حتى تزدهر الكنيسة بكل فروعها لا يمكن أن تزدهر إلا بناء على العقيدة وبناء على الرباط الكنسي. وهذا يجعل كل واحد منا أقوى. على صعيد آخر يحب اللبناني لبنان والفرنسي فرنسا والإنكليزي إنكلترا يكونون يتلاقون على حب الوطن.

أتمنى من المسيحيين في قت يعينه الله يصيرون واحدًا ويقول كل واحد منا: أنا مسيحي فقط بإنتظار ذلك نبقى منتظمين حسب قول بولس الرسول: لتكن أموركم بلياقة وترتيب.

الكنيسة يسميها بولس الرسول جسد المسيح الذي يؤخذ في كنيسة واحدة. فالشرط الأول أن يتعمد الإنسان وعنده ميرون. بدليل أن الكنيسة القديمة كان عندها نظام أن الذي سوف يستعد للمعمودية (الموعوظ) يبقى سنة أو أكثر ليتعلم الإيمان. وبعد أن يتعلم الإيمان ُيعمد ويأخذ القربان. قبل ذلك ُيخرج من الكنيسة. بوقت من الأوقات لما نقول الأبواب الأبواب بحكمة لنصغي، وأخرجوا غير المعمدين وسكرو الأبواب الخارجية حتى لا يدخل احد من غير المعمدين.

الغير المسيحي لا يقدر أن يتناول لأن هذا فقط للمعمد.

الذي جرى أنه حتى المعمدين يريدون أن إيمانهم يوصلهم للمناولة. هذا الإيمان يجب أن يكون واحدًا أو العقيدة بالإيمان بيسوع وبالآب وبالروح القدس في بعض الأشياء الأخرى المعتقد ليس هو هكذا. عندما أعلنت الكنيسة الكاثوليكية سنة 1873م أن أسقف روما هو رئيس على الكنيسة جمعاء وهو معصوم عن الخطأ إذا تكلم في العقيدة. قالت: من لا يأخذ بهذا الكلام هو خارج عن كنيسته. فالكنيسة الكاثوليكية حاليًا تعتبرني منشقًا عنها وصاحب إيمان شاذ منحرف. هذا الموقف الرسمي.

هو وضع حاجزًا. أنا لم أغير شيئًا في الإيمان القويم. هو أضاف شيئًا أعتبره غلطًا. من أجل ذلك لا نكتفي بكلام السيد فقط. الإجتماع حول جسده ودمه يفترض سابقًا الإجتماع حول الكلمة الواحدة. عندنا مأساة في الثقة وهذه المأساة لا نقدر ان نلغيها إذا كنا نتناول كلنا عند بعضنا البعض. أنا لم ألغها. فإذا العلمانيون قالوا كلهم: نحن ليس بيننا شيء.

بابا رومية قال: بيننا شيء. فنقول ذلك.

جميل أن يتناول الإنسان في كنيسته حتى يشعر بصليب الإنقسام.

– هذا البلاد ما عرفت أختلاطًا في المناولة إلا في الفترة القريبة جدًا من بعد أن صار حكي عن التقارب الكنسي. فالسيد يريد كنيسة واحدة جامعة إنما الكنيسة الجامعة ليست بادية. فالبادي هو تنظيمات مختلفة، كنائس مختلفة بحاجة أن تتوحد بشكل واحد.

بإندفاع المؤمنين اخذوا يذهبون إلى كنائس أخرى.

المجمع الفاتيكاني الثاني لم يفتح هذا الملف. بقي الباب مغلقًا.

أنا مرتبط بشيئين: بإحترام الكنيسة الكاثوليكية وبلاهوتها. ربما إن الشعب لا تهمه كثيرًا الخلافات اللاهوتية. أنا لم اخلقها ولم اخلق هذا النظام القديم في هذه الأبرشية وأخذت من المجمع المقدس وأتمنى أن تسأولوا أي لاهوتي كاثوليكي عن هذا الموضوع. أنا مستعد حتى نجلس معًا حتى نفهم تمامًا. صودف أنه في هذه الأبرشية وفي كل الكنائس إن المطارنة هم واحد. نبين عن وحدة الحال بشتى الطرق. إنسانة مارونية تدفن في الكنيسة المارونية أو العكس هذا تدبير.

Continue reading
1994, محاضرات

الأيقونة / 25 نيسان 1994

هاجس المسيحي الأرثوذكسي ان يعبّر عن إيمانه في كل المجالات وبالدرجة الاولى في العبادة. والعبادة لا تحتوي قط على صلوات متلوة ولكن على ترانيم وركعات وهندسة توافق إداء الصلاة. الفن يصبح بالضرورة طريقة من طرق التعبير عن العقيدة وهذا ليس فقط لأن للانسان جسدا وحواسا ولكن لأن كلمة الله صار بشرا وحلّ فينا. تقول هذا بالكلام ولك ان تقوله بالرسم. فاذا تعذّر تصوير الإله غير المنظور -وهذا كان محرّما في العهد القديم- أفلا ينبغي ان تصوّر الإله الذي غدا منظورا أعني يسوع المسيح؟ الأيقونات انطلقت من هنا.

لم يكن الجمال الفني هو الهاجس ولكن الرؤية اللاهوتية أتت بالفن. فلا بد من قراءة الرؤية من خلال الصورة. اذا كان هذا فنا كنسيا فمن هذه الزاوية تنظر اليه. فن طقوسي بالتالي تذوقه ضمن العبادة. جانب منه تعليمي. هذا يؤكد وضوحه وواقعيته. نحن لسنا مع المجرّد الكامل بالرغم من وجود بعض عناصر تجريد (استبعاد العمق والجسم البارز) ولسنا في المذهب الطبيعي الذي ينفي الخشوع.

اندراج الأيقونة في الكنيسة يجعلها جزءا من المعبد. تنتصب فيه كأنها كائن حي. نبخّرها لأن التبخير عملية إكرام لشخص المرسوم عليها. نقبّل أيقونة السيد لنعانقه هو وأيقونة القديس الذي نرتفع اليه في القلب. وفي آخر السعي إلى كون الأيقونة كنسية نغطي كل جدران معابدنا أصلاً بالفسيفساء أو الجدرانيات لأن القديسين -لا الجدران العارية- هم المحيطون بنا.

غير ان الكنيسة ليست فقط هذه التي نراها على الأرض. انها كنيسة السماء أيضًا. انها الملكوت الذي نذوقه منذ الآن ونرى المسيح قائمًا في هذا المجد ونرى القديسين يساهمون هذا المجد. ننعت هذا الفن الكنسي بأنه ملكوتي. كيف يطل الملكوت علينا؟ بالصلاة التي ترفع القلوب، بجعل الأيقونات تعبيرًا من التعابير التي تحكي الملكوت.

من هنا اننا اخترنا ان نستغني عن المنظور (perspective) لأنه قائم على نقطة الهروب، على تلاقي السطوح في الأفق. هذا هو الشوق، التماس الفردوس المفقود في الجماليات. اما الآتون من الملكوت فالملكوت مطل عليهم من هدوئه، من سلامه. في الأيقونة ينقلب المنظور. القديس ينظر الينا، يسعى الينا، نحن في افق رعايته.

والقديس في ملكوتيته محاط بالذهب لأنه يجيء من الأبدية ورمزها الذهب ولا يجيء من حركة الشهوة وبعامة يجيء من النور. والألوان المسيطرة هي الفاتحة (الأسود يُستعمل للدلالة على العالم الخاطئ او عالم الموت. المسيح على جبل التجلي او في نزوله إلى الجحيم ابيض اللون لأنه كاشف ألوهته).

الملكوتية تأتي بأجسام-أعمدة للدلالة على انتصابها الروحي. العينان مستديرتان بسبب من الذهول في حضرة الله وللتعبير عن النفس التي أدركت الصفاء. الأذنان ملتصقتان بالخدين لأنهما لا تصغيان إلى صوت هذا العالم. الشفتان رقيقتان لأنهما تعبّران عن الصمت الداخلي وبعامة يحكم الاعضاء منحى هندسي لتجريدها عن ترابيتها.

ولكون القديسين نورًا وما حولهما من نور فالأيقونة خالية من الظل والعنصر الإنساني حاكمها. فالشجر والجبال والبيوت والأنهار وما اليها ليست ذات أهمية. يُرمز اليها رمزًا، وليس في ما بينها علاقة نِسَب. فالقديس (أو السيد) اذا كان في مشهد فلا تراعي في رسمه نسبا بينه وبين الجوامد أو النباتات ولا نراعي نسبًا بين شخص وآخر حسب القامة الطبيعية. الأهم مكانه، هو الأبرز. ففي أيقونة السيد والقديس الشهيد ماما (القرن السادس، متحف اللوفر) المسيح أطول من رفيقه الشهيد. ليس في الأمر أمانة لسياق تاريخي فأنت تضع قديسين لم يتزامنوا ولكن نعيّد لهم في يوم واحد أو تضع شفيع الزوج وشفيع الزوجة معا وليس لهما تاريخيا او في التقويم من علاقة). من تريدهم معا في الصلاة تجمعهم.

ولكون التعليم همّك ترسم مشاهد مختلفة من سيرة القديس وهي متعاقبة زمنيا. نرسم حسب مصطلحات من التراث تعبيرية (مثلاً يوحنا المعمدان الكامل القامة يحمل رأسه مقطوعا في يده).

فن كنسي ما في ذلك ريب ويتعاطاه من سعى إلى قداسة حياته وهو لا يرى نفسه فنانا. ولكن هذا التواضع المبتغى لم يحل دون ظهور رسامين كبار(روبلوف، تيوفان الرومي، نعمةالله المصوّر…) والكثيرين ممن لم نعرفهم لأنهم ما كانوا يوقعون اسماءهم. انك ضمن القانون الكنسي تستطيع ان تبدع. وقد تبدع ضمن عبقرية شعبك وآلامه. من هنا ان ثمة مدارس يمكن تمييزها: سيناء، حلب، موسكو، نوفغورود، كريت، القسطنطينية…) كل ذلك في وحدة المنحى الروحي الذي نحاه التراث البيزنطي.

الأيقونة هي سعي إلى فن إلهي بأيدٍ بشرية.

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع السادس من الصوم /الاحد 24 نيسان 1994 /العدد 17

هذا الأسبوع الأخير من الصوم نستعد فيه لأحداث ثلاثة: سبت العازر وأحد الشعانين والأسبوع العظيم. نستبق هذا الأسبوع المقدس بذكر العازر وصعود المسيح الى اورشليم بعد إقامته صديقه. يمرض العازر الثلاثاء. اختاه تبعثان برسل الى المعلم الثلاثاء. يموت الرجل الاربعاء. عرف المعلم ذلك ليس برسل آخرين ولكن بسبب من علمه الإلهي ويتقدم الرب الى بيت عنيا والقوم حزانى. السبت يقام الميت “الذي أنتن”. يدمع الرب ولكنه يقيم بصوته صديقه.

تأخذ العبادة الحدث وتفهمه هكذا: “ايها المسيح الإله لما أقمت العازر من بين الأموات قبل آلامك حققت القيامة العامة”. اذا كانت إقامة هذا الرجل ممكنة صارت إقامتنا معقولة. ولكن الترتيل يقول شيئا آخر: “قد سبقت يا مخلصي فحققت قيامتك المجيدة لما اعتقت من الجحيم لعازر” اي هيأت بالأعجوبة صورة عن قيامتك. الفرق ان لعازر قام بجسد عادي ثم مات في حينه واما المسيح فقد قام بجسد نوراني غير قابل الموت.

ثم اتخذت الكنيسة حدث بيت عنيا وذكرتنا انه علينا بالصيام ان نترك “صداقة الجسد” لنصير أصدقاء المسيح. “نحن كنا راقدين رقاد اللذات وقلبنا تخترقه سهام الشياطين. نحن كنا في قبر الكسل وعدم الإحساس، المغلق بباب اليأس. الرسل الذين بعثت بهم اختا العازر هما العمل والتأمل اللذان يحييان العقل الراقد في القبر كالعازر آخر”. وهكذا يمكن ان نرى انفسنا قائمين بالتوبة والتقشف.

ثم يأتي احد الشعانين الذي نرتل فيه الطروبارية نفسها التي رتلناها في سبت العازر كأن هذين العيدين عيد واحد ويظهران المسيح الواحد، يظهران ألوهيته في إقامة صديقه وناسوته في ركب الجحش. فاذا طفنا بسعف النخل يوم الأحد نصوّر صعودنا مع المسيح الى اورشليم. يا ليت البالغين وليس فقط الأطفال يحملون الشموع المزينة بالزهور. سعف النخل وأغصان الزيتون هي لقاؤنا مع المسيح بالفضائل التي نلناها في الصوم. واذا لم نحصل على اية فضيلة في الصيام نكون قضيناه فقط كأنه حمية طعامية.

ينتهي الصوم الأربعيني يوم الجمعة مساء من الأسبوع السادس. بين سبت العازر وسبت النور نحن في صوم آخر. ننتقل من صوم نسكي الى صوم مركّز على سر الشكر، على جسد المسيح ودمه. نحن في انتظار العريس. نرجو الى الله ان يؤهلنا لرؤية آلامه.

ثم يأتي أحد الشعانين. في فلسطين كان النساك يعودون الى اديرتهم بعد ان يكونوا قضوا الأربعين في البرية. العلمانيون لهم ايضا بريتهم في النفس. هكذا يتوحد العالم كله برجوع كل واحد منا الى قلبه الذي هو المسيح. نمشي لمقابلة السيد حاملين الصليب وممجدين الرب بالفضائل حتى يأتي يوم الدينونة الذي نجتمع فيه في حضرة المسيح الأخيرة.

هكذا يحل الأسبوع العظيم. نذكر فيه آلام الرب تاريخيا ونحققها في الخدمة الإلهية ونجعلها دربا الى الحياة الأبدية.

قد نكون قضينا الصوم كله بتهاون لا نبالي بالعمق الروحي الذي كان لنا في الصوم. ممكن “نلحق حالنا” في الاسبوع العظيم. فلنمسك، اذ ذاك، عن الزفر ونجمع حواسنا وفكرنا في المصلوب ولنشارك في الصلوات المسائية. واذا تبنا حقيقة ندنو من جسد الرب لنصبح بشرا جددا حتى لا يداهمنا العيد عن غير استحقاق اذ كيف تنشد شفاهنا والقلب لا ينشد؟ المسيح قام ما في ذلك ريب. ولكن كيف نستفيد نحن من فصحه ان لم نشدد عزائمنا لنقوم معه؟

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

التقمص/ الأحد 17 نيسان 1994/ العدد 16

فكرة التقمص نجدها في مصر القديمة واليونان عند فيِثاغوراس والهند وافريقيا وبالإجمال حيث الخلود هو ببقاء النفس وفناء الجسد. تعبر النفس او الروح الى حيوان او انسان في العائلة نفسها في بعض الحضارات. عند افلاطون تقوم الفكرة على ان النفس تتطهر وتخلد إذا مرّت بأجساد متتالية حتى تنعتق من الجسد اخيرا فتصل الى المنطقة السماوية التي جاءت منها في البدء.

سمعت بضعة من الناس ينسبون هذه العقيدة الى الإنجيل حيث يقول السيد عن يوحنا المعمدان انه يسير امام الرب “بروح ايليا وقوته” (لوقا 1: 17). الحق ان الرب يسوع شبه المعمدان عدة مرات بإيليا بمعنى ان سلوك يوحنا ونهجه وشجاعته وأخلاقه جعلته على مثال ايليا. ففي فترة العهد الجديد لم يكن اليهود يعتقدون اطلاقا بالتقمص.

المسيحية تؤمن ان النفس البشرية والجسد كيان واحد وان هذا الكيان الانساني الكامل ينبعث في اليوم الأخير وتؤمن ان الانسان يتطهر بالتوبة في لحظة. فعندما قال يسوع للص اليمين: “اليوم تكون معي في الفردوس” أبان ان هذا الرجل الخاطئ خلص بتوبته ولم يكن في حاجة الى ان ينتقل من جسد الى جسد. فرحمة الرب كافية لتجعل كلاً منا انسانا جديدا وذلك دفعة واحدة.

نحن نؤمن بقيامة المخلص وهي كافية لإعطاء كل منا القيامة في اليوم الأخير. ذلك ان الجسد ليس قميصا نرميه عند الموت لنعبر منه الى جسد آخر. جسدنا ليس شيئا يضاف عندنا على الروح. ما هو بشيء نملكه. جسدي هو أنا كما ان روحي هي انا. والرب يحييهما كليهما. بنعمة الرب والفداء يجعل الرب لكل منا استمرارا ما وبكلام ابسط يحيي الروح بعد سقوطها بالخطيئة ويعيد الجسد اليها باليوم الأخير. ذلك ان ليس لأحد منا روح مجردة. انها روح ملازمة لجسد وهذا يبعثه الله في اليوم الأخير مجيدا، حرا ويقيمه في المجد.

نحن نؤمن بأن من تناول جسد الرب ودمه لا يمكن ان يفنى الى الأبد. لذلك قال السيد: “ان كل من رأى الابن وآمن به كانت له الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يوحنا 4: 40) أي اني أبعث هذا الكيان البشري كله، هذا الذي لم يتجزأ ولم يتبعثر الا إلى حين، ولم يقل اني اقيم روحه ولكن اقيمه هو. “من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يوحنا 6: 54).

يؤكد بولس هذا التعليم ويؤسس قيامتنا على قيامة المخلص ولذا يقول: “فإذا كان الأموات لا يقومون، فالمسيح لم يقم أيضا” (1كورنثوس 15: 16). ويوضح المعنى نفسه بقوله: “ان المسيح قد قام من بين الأموات وهو بكر الراقدين” (1كورنثوس 15 :20). وبعد هذا يوضح الرسول كيفية القيامة إذ يقول: “يكون زرع الجسم بفساد والقيامة بغير فساد … يزرع جسم بشري فيقوم جسما روحيا اي محيًى بالروح القدس. يقول بعد هذا ان الفاسد (أي الإنسان الفاسد) يلبس عدم الفساد. لا يقول النفس الفاسدة ولكنه قال ان الكائن الفاسد (أي النفس والجسد معًا) يلبس عدم الفساد.

نحن لا نؤمن بثنائية الروح والجسد ولكن نؤمن بوحدتهما. الوحدة قائمة في رعاية الله عند موتنا. هي لا تبدو ويبديها الله في اليوم الأخير. ان انتظارنا للقيامة يجعلنا نقدس مدفنا للمسيحيين ولا نهتك حرمة الأجساد ولا نحرقها والانسان عندنا قادر ان يدنس جسده او ان يقدسه بالأسرار الإلهية. ونحن نؤمن ان القرابين الإلهية تعطى “لصحتي النفس والجسد”. نؤمن ان الجسد هو لله وانه هيكل الروح القدس وان المسيح تجلى بجسده وان اتباعه يمكن ان يتجلوا بأجسادهم ويسطع في القديسين نور غير مخلوق.

كل هذا يجعلنا نعتقد ان التقمص ينافي المسيحية بصورة اساسية.

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

الرشوة/ الأحد 9 كانون الثاني 1994/ العدد 2

ان القوانين المقدسة صارمة جدا بحق الذي يشتري رسامته بالمال «جاعلا من النعمة التي لا تباع سلعة للمتاجرة فيُرسم اسقفا او خوراسقفا او قسا او شماسا … فالذي يثبت عليه انه قام بمثل هذه الرسامة او التعيين يجرَّد من وظيفته. واما الذي يُرسم او يُعيّن بهذه الصورة فلا يحق له التمتع بدرجته او وظيفته بل بالعكس يُعزل منها لحصوله عليها بالمال» (القانون 2 من مجمع خلقيدونية السنة 451).

القاعدة الأخلاقية ان الانسان لا يحصل على وظيفة الا اذا كان مستحقا لها. والقاعدة الثانية ان من كان في وظيفته يقوم بها ويكتفي براتبه. واما من كان راتبه ضئيلا فهو في عهدة المجتمع ككل وفي عهدة المحسنين ولا يشترط للقيام بوظيفته على احد مبلغا من المال لأن إداء الوظيفة واجب نابع من خدمة المواطنين الذين لهم حق على اصحاب الوظائف ولا يجوز تعطيل هذا الحق. من قَبِل مسؤولية في الدولة -صغيرة كانت ام كبيرة- يجعل نفسه خادما للكل ولا سيما للفقراء الذين لا يجوز ابتزازهم او التغاضي عن مصالحهم.

كل خدمة مجانية والمجتمع السياسي كفيل بإعاشة من جعلهم في خدمته. قد تكون الدولة مقصرة ولا سيما في الضائقات. هذا الوضع يتطلب منها جهادا لرفع الرواتب او للجم رفع الأسعار. المجتمع يقوم على العدالة ومنها إنصاف الذين جعلناهم في المسؤولية. لقد عرفنا قبل هذه الحرب قضاة عاشوا بالفقر وماتوا ولم يتركوا شيئا. وعرفت الانسانية قديما حكاما كبارا ماتوا ولم يورثوا عائلاتهم شيئا. عظماء في الكنيسة وفي الدنيا عاشوا في تقشف رهيب ولم يتدنسوا بمال حرام.

اذا واجهت موظفا يتقاعس دون ان يلبي لك طلبا مشروعا فيجب ان تلح عليه او على رئيسه ليؤدي الواجب. لا مانع ان تنتظر ولكن لا تلطخ يديك بالخطيئة. ليس اسوأ من الموظف الكبير او الصغير من اتكالُه على الهدايا لأن الهدية تضعف إرادة المسؤول الذي يتقبلها وتجره الى القيام بعمل غير مشروع. فالعمل الذي ينهى عنه القانون في اي حقل من حقول الحياة المجتمعية لم يُمنع الا لأنه يؤذي احد المواطنين. فالموظف الذي يتساهل بعمل غير قانوني يعرف انه يضر احد الناس او يضرالدولة التي تمثل المجتمع في جملته.

القاضي الذي يرجو هدية او يلوح له بها يصدر بالضرورة حكما يظلم فيه طرفا من الطرفين المتقاضيين. والطبيب الذي يعطي تقريرا كاذبا انما يؤذي المؤسسة التي ينتمي اليها المتمارض ومن اعطى إفادة كاذبة يؤذي بالأقل نفسه لأنه يقزمها ويصير جبانا ولا يعلم الناس الصدق.

الوزير او النائب او السياسي بعامة اذا ارتشى فليس يحب وطنه لأنه يقول ما أرادوه ان يقوله ويسكت عن قانون مجحف او عن موقف سياسي ظالم. ان من اشتهى المال يذهب الى حد الخيانة الكبرى.

من يدافع عن المظلوم اذا زالت العفة؟ من يحمي الوطن من التعديات ان لم تقم جماعات من الناس طاهرة لا يغريها مال؟ من يقول في الكنيسة نريد اسقفا صالحا طاهرا، معلما كبيرا اذا تفشت الرشوة عند من لهم حق الربط والعقد. اي ارثوذكسي يضمن سلامة عائلته اذا كان القضاة الروحيون يضعفون امام الهدايا؟ كيف يفحص القاضي دعوى فحصا دقيقا بموجب القوانين اذا وعده احد المتقاضيين بمال؟

ان «محبة المال اصل كل الشرور» كما يعلمنا بولس. هي خراب للمجتمع والكنيسة والدولة والضمير. اذا انت تنزهت فبإمكانك ان تجعل المسؤولين يميلون الى النزاهة. لبنان لن يقوم الا بالطاهرين. اللبنانيون لن يكونوا على شيء الا اذا تعلّموا ان هناك اشياء لا يجوز عملها واشياء «ما لها دبّار». الحق الذي نلح عليه في كل مسؤولية هو الله نفسه.

Continue reading
1993, محاضرات

معرفتنا بعضنا لبعض: شرط من شروط الحوار الإسلاميّ المسيحيّ / المجمّع الثقافي – أبو ظبي / 14 كانون الأوّل 1993

أيّها الأكارم،

إنّه لمن دواعي الاعتزاز أن أتحدّث إليكم في هذا الصرح الكبير بعد أن شهدت خلابة هذا البلد الأمين الناطق بفضل صاحب السموّ رئيس الدولة الشيخ أبو زايد بن سلطان آل نهيان -نور على نور- هذا ما يقوله في نفسه كلّ زائر لهذه الإمارة الأخّاذة. إنّها كذلك فرصة لأحيّي معالي الوزير أحمد خليفة السويدي الممثّل الشخصيّ لصاحب السموّ رئيس الدولة وأحيّي المجمّع الثقافي والقائمين على إدارته وأن أحيّيكم جميعًا.

ليس من باب الاتّفاق أن وضعت في مستهلّ هذا الحديث الأخويّ البسيط هذا الكلام القرآني «تعالوا إلى كلمة سواء»، هذا ما استمعتم إليه منذ لحظات ومعنى هذا أنّ القلوب شواهد وأنّنا نعود إلى القرآن كتابًا حواريًّا. هذا ما كان الدكتور حسن صعب، رحمه الله، دائمًا يذكّرنا به. هناك كلمة المؤمن للمؤمن، هناك توحيد أصيل يجمع الناس وهذا يعني أنّ من سعى إلى الحق يسعى إلى المواجهة. والمواجهة هي أن يكون الوجه إلى الوجه، في حين أنّ المجابهة أن تكون الجبهة إلى الجبهة. المواجهة ليس فيها ما يصدع كما الجبين يصدع. وهي تنطلق من الأخوّة إيمانًا، والأخوّة طبعًا تنبع عند المؤمن من اعترافه بالله مهيمنًا على الجميع ولطيفًا بالجميع. هناك حوارات قائمة في العالم منذ حين ليس بيسير. منذ بضع من عشرات السنين في المؤسّسات الروحيّة والثقافيّة القائمة المحاورات جارية، ولعلّ بعض مردّها إلى أنّ الإنسانيّة تعبت من الصراع. تعبت من الحروب الإيديولوجيّة وأحسّت بأن سيل الدم وسيل الحقد لا ينتهي إلاّ إذا انفتحت القلوب بعضها إلى بعض واستقرّ الله فيها.

هناك مؤسّسات ترعى هذا الحوار في دنيا الإسلام وفي العالم المسيحيّ. وإذا قلت العالم المسيحيّ فإنّني مبادر إلى القول إنّنا نعني بذلك الكنيسة. نحن لا نؤمن بأنّ ثمّة عالـمًا مسيحيًّا بمعنى الكتل السياسيّة. هذه أمور تخطّاها إيماننا. نحن قوم، ليس ذلك في العالم العربي ولكن في دنيا المسيحيّة بأسرها، نحن قوم شجبنا الحروب الصليبيّة، وقد نالت من المسيحيّين العرب بقدر ما نالت من المسلمين، «وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة». نحن ذُبحنا هنا. إنّ الإفرنج ذبحوا المسيحيّين العرب ذبحًا وحاربوا المسلمين حربًا. لهذا رأينا أنفسنا منذ البدء في أنطاكية مثلاً إلى جانب أهل البلد وما رأينا أنفسنا في جانب الوافدين، ولهذا طُرد بطاركتنا وأساقفتنا من كراسيهم خلال مئتي سنة ونيّف.

نحن نشعر بأنّنا من هذه الأرض، من تراب هذا المشرق العظيم. وبالتالي نحسّ أنّنا طبيعيًّا، مباشرةً، تلقائيًّا، نحسّ أنّنا مقيمون في أخوّة مع المسلمين. هذا طبعًا شيء منه آتٍ من عقيدتنا هذه التي تقول بأنّ المحبّة شاملة، بأنّ الله محبّة وبأنّه ليس هناك من قريب ومن بعيد، فالأبعدون بانتسابهم والأقربون هم واحد في رؤية الله. هذه الفوارق التي تقوم بين الناس لا تصل إلى عرش الله.

قلت إنّ هناك حوارات تقوم في مؤسّسات نذرت أنفسها لهذه اللقاءات في أقسام، في دوائر جامعيّة، وتقوم في حلقات أخويّة في مجلس الكنائس العالميّ، في مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي يضمّ البيع كلّها من هذا الشرق العربيّ. ويبدو طبيعيًّا أنّ المسيحيّين المشارقة يواجهون على أرض المحبّة إخوتهم المسلمين ويتباحثون بالدرجة الأولى في الأمور الاجتماعيّة والقيم الخلقيّة. تبحث قليلاً الأمور اللاهوتيّة أو ما يأتي في علم الكلام. ليس خوفًا من التصدّي لها ولكن يبدو أنّ الإنسان العصري الذي ملّ الصراعات يحبّ أن يسرع إلى ما هو تطبيقيّ عمليّ، إلى ما يمكّنه من معايشة بقيّة الإخوة إدراكًا منه أنّ في الديانتين وفي اليهوديّة نفسها مناقب مشتركة. هناك قيمة الرحمانيّة والرحمة والعدل والرأفة. كلّ هذه الأشياء التي هبطت علينا من السماء، هذه يريد المسلمون والمسيحيون أن يعيشوها من جديد في صدق. كلمة صدق تعبّر عن هذا الجو الذي ليس بجديد بالنسبة إلينا نحن أبناء العالم العربيّ، ولكنّه قد يكون جديدًا بالنسبة إلى أهل الغرب. إنّ خبرتنا تدلّ على أنّ المؤمنين الغربيّين يقيمون مسافة بينهم وبين دولهم. طبعًا علينا أن نتروّض على هذه الحقيقة أنّ الغرب بمعناه السياسيّ ليس الكنيسة. ليس “أمة الله” إذا شئتم عبارة إسلامية. الأمة بمعناها الروحي عندنا شيء وبالمعنى القومي شيء آخر. والدليل على ذلك على سبيل المثال لا الحصر هو أن كنائس أميركا نفسها هنا وهناك وهنالك في المجتمعات الروحية تدين سياسة البلد الذي تنتمي إليه. مَن تابع الصحافة الكنسية والسياسية يجد أن ثمة فسحة على الأقل بين موقف الكنائس وموقف الدول عندهم. ويزيَّن لي أننا نحن هنا في العالم العربي ركّزنا كثيرًا على الغرب وأقمنا ترادفًا بينه وبين المسيحية. فهناك دول كبيرة في العالم وفي شرق أوربا لا علاقة لها بالغرب ولا هي تنتمي حضاريًا إلى أوربا الغربية. وهناك طبعًا المسيحيون العرب الذين سوف آتي على ذكرهم بعد قليل.

ما يبدو إذًا من هذه العجالة أن ثمة حوارًا أول هو حوار الحياة، وإذا شئتم تمييزًا في الحوار أقول إن ثمة حوارين في العالم، حوار الحياة وحوار الفكر.

حوار الحياة هو الذي نذوقه ونختبره كل يوم. هي الحياة المشتركة الطيبة بين أهل الديانتين ولا سيما الوحدة الروحية بين المسلمين والمسيحيين العرب. طبعًا أنا لست مدافعا لا في انتمائي الديني ولا في انتمائي القومي على ما يجري في الغرب أو في أوروبا بعامة ولكن لا بد لي ابتغاء الإنصاف أن أقول إن هناك تحولا نحو المسلمين ايجابيا. ولو رأينا في الفترة الأخيرة بعض تشنج أو سياسيات تمييزية عرقية إلا أن الصورة الكاملة ليست هذه. نسبيا هذا التوتر جديد فيما عشناه بعد الحرب العالمية الثانية. الكنيسة المسيحية في أوروبا هي التي تدافع عن حرية المسلمين في تلك الديار وعن حقوقهم. على سبيل المثال، ما اعتبر سياسة تفريق في الحكومة الفرنسية الحالية تصدت له الكنيسة الكاثوليكية. الكنائس هناك هي التي تطالب بحرية التشييد للمساجد والمراكز الإسلامية، وتجدون هذا ليس فقط في العواصم ولكن في المدن الصغرى. الكنيسة المسيحية هي التي تريد أن يتعلم المسلمون في أوروبا الإسلام. الدولة البلجيكية أقرّت التعليم الإسلامي في المدارس الرسمية. بالتالي اللوحة الكاملة هي أن هناك تقاربًا وسعيًا حميدًا إلى جانب مظاهرة متوترة نرجو أن تزول. ما ارجوه وما يرجوه المسيحيون المشرقيون من إخوانهم المفكرين في العالم الإسلامي هو ألا يقيم احد منا ترادفا بين المسيحية في معناها الروحي الكنسي والكتلة الغربية بمعناها السياسي والحربي. هذان شيئان مختلفان لا يترادفان، وقد بيّنت لكم ذلك قليلاً. ليس من حاجة إلى أن أذكركم بالوثيقة المتعلقة بالإسلام في مجمع الفاتيكان الثاني. وأنا طبعًا لست بجاهل المقالات السيئة، إذا صح التعبير، التي ظهرت بحق الإسلام أو المسلمين، ولست جاهلا للكتب العديدة التي كانت سلبية بحق النبي العربي. غير أننا لسنا في معرض البكاء على الماضي أو ذم الماضي. نحن في حركة توبة. اعتقد أن المسيحيين العرب أداة تواصل، وهؤلاء المسيحيون العرب يعرفون القرآن ويستلذونه. هناك شخص ممارس الصلاة والالتزام المسيحي في مقاطعتي عاش في لندن أربعة أشهر. انه من مدينتي طرابلس وهي مدينة إسلامية بالدرجة الأولى. قلت له: ماذا افتقدت في لندن، ما أعوزك هناك؟ قال لي: الآذان … الآذان. طبعا المسيحي العربي هو إنسان يعيش في هذا التوقيع الإسلامي للزمن ويستمع إلى خطبة الجمعة. مرة سمعت باب بيتي في الجبل يقرع وكنت استمع إلى تسجيل للقرآن فأوقفت المسجل وفتحت الباب ودخل احد الأصدقاء، قلت له: الآن يمكن ان تستمع ايضا معي، لأني ما كنت عالما بالآتي وكنا في أوقات أزمة. قلت: اطمأننت اليك واخالك لا تستغرب ان يستمع اسقف عربي للقرآن.

هؤلاء المسيحيون العرب، أقولها بتواضع، لهم إسهامهم في الحضارة الإسلامية. لا اتكلم عن وجودهم في هذه الجزيرة العظيمة منذ العصر الجاهلي وعن حضورهم في الشعر، ولكني بسرعة اود ان اذكر بإسهامهم الكبير في الفن المعماري الإسلامي في بناء المساجد. كنت اقول هذا في ندوة في بيروت في حي اسلامي فاعترضت علي سيدة قائلة: انت انسان متعصب. قلت لها: أنا إنسان قارئ للتاريخ. هذه اسماء الذين أسهموا في بناء المساجد منذ عصر الراشدين. طبعا كلكم يعلم مساهمة المسيحيين العرب في نقل الفلسفة اليونانية إلى اللسان العربي. كلكم يعلم حضورهم في الطب في العصر العباسي، وحضورهم في الفكر الديني الواد للإسلام. عندما يكتب الجاثاليق تيموثاوس وهو أسقف كبير في العراق، في عصر الخليفة المهدي، عندما يكتب ان محمدا سلك مسلك الأنبياء كان يقول شيئا جريئا طبعا بالنسبة إلى معتقده وكان محافظا على معتقده. كان هؤلاء القوم يلبون دعوة الخلفاء في البلاط لمناقشة المسلمين. القضية ما كانت سجالا او جدلا. كانوا طبعا يجادلون بالتي هي أحسن ليس فقط حسب الوصية الإسلامية ولكن حسب ما كانوا يعتقدون. هم ايضا يحيون المودة في المواجهة الفكرية. عندنا عدد عديد من الكتاب في بلاد الشام ومصر الذين كتبوا في حرية كاملة عن المعتقد المسيحي وشرحوه بما يمكن استيعابه آنذاك في تلك البيئة وكانوا من المحظيين عند الخلفاء. إذن عشنا حياة مجتمعية واحدة. وقد بدا هذا في النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وأريد بها بالدرجة الأولى النهضة الأدبية، وقد ذكر لنا هذا شبلي الشميل وطبعا ذكر أدباء المهجر والوطن. أبقى في حيز التواضع اذا قلت ان المسيحيين العرب صقلوا اللغة العربية وحافظوا عليها ونشروها ودرسوها ومحصوها وكتبوا في اللغة كما كتبوا في الآداب، في الشعر. بعامة هناك اسلوب حديث كان نقلة مما اعتبره النقاد عصر الانحطاط إلى عصر النهضة.

ولكن المستقبل اهم من الماضي فالمسلمون والمسيحيون العرب واحد في تطلعاتهم إلى نهضة هذا العالم العربي. هم معًا في مواجهة ما يهدد المصير العربي الواحد. وإذا تكلمنا عن المصير العربي الواحد فإنني أتّخذ كلمة رمزًا وهي القدس. القدس محجتنا جميعًا هي بالواقع محجة الديانات الثلاث ولكن طبعًا الخطر هو على العرب وهذا الخطر ليس فقط كامنًا وإنما تحقّق. العرب يهجرون القدس ونحن نتمنى كما قلنا في مؤتمر القمة الإسلامي في لاهور: نحن لسنا مع قدس الحجر ولكن مع قدس البشر. هناك حرية إذن لأبناء القدس. هناك شهادة مقدسية للعالم كله.

يبقى حوار الفكر، في هذه المرحلة من تأملي على رجاء نشوء مؤسسات كبرى ترعى هزا الموضوع. وقد علمت منذ ثلاثة أيام وأنا اتمتع برؤية بلدكم الجميل أن صاحب السمو رئيس الدولة أخذ يدعو إلى إنشاء مؤسسة فكرية تبحث في تلاقي الديانتين وأهل الديانتين. نحن في جامعة البلمند في لبنان التي انشأها المسيحيون الأرثوذكس قد أسسنا منذ قليل معهدًا للدراسات الإسلامية والمسيحية. قبل نشوء الجامعة كان عندنا معهد لاهوتي، يدرّس الاسلام لقسس المستقبل. وكان لي شرف تعليم هذه المادة. أود أن تصدقوني إذا قلت لكم ان أي طالب مسلم، إذا ما أتى وحضر هذه الدروس، لا يمكن بأية طريقة أن يجرّح بمعتقده، فهذا يعطى موضوعًا علميًا وكأنني شيخ مسلم. هذه الجبة واحدة يمكن أن تكون بيضاء كما في بلادكم. مرة كنت غائبًا خلال السنة فاسندت المادة إلى عالم مسلم. نحن ليس عندنا هذه الحساسية. وفي الجامعة نفسها أي في الدراسات الثقافية التي يتلقاها كل الطلبة على مختلف دياناتهم، من أصل 160 ساعة في الدروس الحضارية خلال أربع سنوات يخصّص 40 ساعة لدراسة الإسلام. أن تخصّص الكنيسة العربية الأرثوذكسية ربع الوقت من الحضارات الأولى في العصر الحجري إلى يومنا هذا لدراسة الإسلام يعني أنها تحب الكلام في الاسلام.

طلابنا في هذه الجامعة قسم كبير منهم، اكثر من الثلث، مسلمون. أساتذتنا من الديانتين. عندنا مجلس امناء يدير الجامعة ويبحث في مصير هذه الجامعة وتعليمها وبرامجها واتجاهاتها. عندنا في مجلس الامناء مسلمون يقررون سياسة جامعة مسيحية ارثوذكسية. المعرفة ايها السادة والسيدات هي معرفة الديانة الاخرى في مصادرها. ما الاسلام؟ الجأ لمعرفته إلى القرآن، إلى الحديث – لست ادخل هنا في نقاشات المذاهب – إلى الإجماع، إلى القياس، إلى التراث الإسلامي. هناك طريقة واحدة لدرس الإسلام وهي ان تعرفه كما يعرفه المسلمون. انت لا تركّبه حسب مشتهاك وخيالك. وهناك طريقة وحيدة لمعرفة المسيحية الحالية، القائمة، وهي ان تعرفها حسب مصادرها. ماذا تقول هي عن نفسها. لا أستطيع مثلا ان اكلّم رجلا صينيا في حضارة بلاده وأن أدعي أني أنا أفسر له الحضارة الصينية. تعرف الأشياء كما هي. كما جاءت. يمكن ان تقول بعد هذا، هذا غير صحيح، هذا خطأ. انت انحرفت عن المسيرة، هذا لك. ولكن قبل ذلك لا بد ان تعود إلى المصادر، لأننا ان لم نفعل هذا فنحن في سجال وجدل. ونحن قلنا اننا محاورون لا نقوم بأية دعوة. طبعا لك انت ان تقوم بدعوة إلى الإسلام، هذا من حقك، وهذا واجبك إن كنت مؤمنا. ولي أنا ان أقوم بالتبشير. طبعا أنا داعية مسيحي وأستعمل الطرق الخلقية الروحية لبث الدعوة. ولكن إذا اتخذت موقفا حواريا فأنا لست قائما بالدعوة. هذا شيء آخر. هذا عمل يقوم على الصدق، على التفاعل، على التكامل. أريد ان أعرفك وأريدك ان تعرفني، من أجل المعرفة، من أجل نورانية المعرفة. ومن بعد هذا تبنى الأشياء. إذن نحن بحاجة إلى تدريس الاسلام في العالم كله على مستويات وعلى أصعدة مختلفة. يجب ان يعرف كل انسان في العالم الإسلام. وأتصور انه يجب ان يعرف كل انسان في العالم المسيحية، من اجل العلم، وأن نعرف البرهمية، الهندوسية، البوذية، الشنتوية وما إلى ذلك لأن هذا من شأنه ان يبدد الأساطير وان يهدم الجدران القائمة بيننا.

وهذا العلم من شأنه ان يقرب القلوب. فاننا في حاجة اساسية إلى سلام أهلي في العالم كله. هناك سلام بين اهل الديانات. قام تشاحن وبغضاء وحروب وسفك دماء بين اهل الديانات. أنا ليس عندي موقف اعتذاري، وأشجب ما قام به المسيحيون في الماضي وما قد يقومون به في الحاضر ضد حرية الناس. أتمنى ان لا يكون عند احد منا موقف اعتذاري. أتصور ان الروحانيين بيننا يقولون: كانت هناك أخطاء وكانت هناك تجاوزات في هذه الحقبة أو تلك. هذا مطلب علمي طبعا. ولكن يزين لي ان المسيرة التي نحن مدعوون إلى سلوكها هي بالدرجة الأولى مسيرة التصافي والتلاقي الوجداني الصادق في التواضع والمودة واننا اذا أمنّا هذا المناخ من الطمأنينة والسلام نستطيع ان نتبادل الفكر ولا سيما بين الأئمة فالأئمة قوم أصفياء ومن بعد هذا يُنزل الله على قلوبنا نوره ويطهرها، والسلام عليكم.

الأسئلة والأجوبة

  1. مستقبل الأديان الإلهية وكيف تراه من وجهة نظرك؟

أنا طبعًا رجل مؤمن وأعتقد ان الانسانية يمكن ان تحيد عن الله ولعل البشرية المعاصرة حائدة كثيرا. ولكن حتى لا نقع في القتام، في الظلام وفي اليأس، لا بد من رؤية حركات الانبعاث الروحي والاهتداء. إذا كلمتكم عن روسيا فقط، طبعا أعرف المنطقة الارثوذكسية اكثر من سواها، أرى الجحافل من الذين كانوا ملاحدة يعودون إلى الإيمان. وأرى هذا هنا وهناك. فمثلا في اثناء الحرب اللبنانية كنت أزور عائلة مسلمة صديقة في مدينتي، عائلة شابة. بعد العشاء سألت صديقي: أين زوجتك؟ قال: انها تقوم بصلاة العشاء. فسررت جدا لأن هذه العائلة ما كانت تصلي. إذن هناك اهتداء طبعا، ولهذا اعتقادي الراسخ ان الديانات لا يمكن ان تزول ولا سيما ان الله بنفسه هو حاضر في أبنائها.

  • تدعون إلى التقارب بين المسيحية كفكر كنسي وبين المسيحية كسياسة غربية. كيف يمكن ذلك والممارسات الفعلية تشير إلى ما هو مؤلم كما تعلمون؟ ما هو دور أمثالكم في الحد من مثل هذه المآسي كما يحدث في البوسنة والهرسك مثلا؟

ما من شك ان الانسان المسلم أقرب في معتقده وفي تاريخه وفي تراثه إلى رؤية أن الدين والدنيا مجتمعان، او ان الاسلام دين ودنيا او دين وشريعة وما إلى ذلك. من الطبيعي ان تحسوا ان المسيحي يفرق اكثر بين هذين النطاقين. ولذلك لا يحمل الضمير المسيحي بسرعة مسؤولية ارتكابات ومجازر يقوم بها شعب تسيطر عليه ايديولوجية غير مؤمنة، ايديولوجية ملحدة. هناك معلومات لا بد منها ان بطريرك صربيا بولس منذ بضعة اشهر خرج من الصلاة يوم الأحد في ثيابه الكهنوتية حاملا عصاه وصليبه على رأس مظاهرة من عشرة آلاف رجل منددا برئيس الجمهورية هناك بسبب الحرب القائمة في يوغسلافيا السابقة، وكان آنذاك صداما مع كرواتيا من جهة ومع البوسنة من جهة اخرى. طبعا ليس المجال هنا ان احلل الاسباب وحتى ان أدلي بالأسباب السياسية الكبيرة القائمة وراء هذه الحرب، ولا ان أقول بانها ارث من تيتو وجماعته وكل هذه التقسيمات التي قام بها. ليس سرا على أحد وليس هذا طعنا بأحد اذا قلت ان كرواتيا استقلت وهرول الفاتيكان للاعتراف بها ثم هرولت المانيا. لماذا كل هذه السرعة؟ وعندنا اذًا هذا التأكيد ان المجمع المقدس اي مجلس الأساقفة المسؤولين في صربيا ندد بكل الحروب القائمة وعلى وجه التصريح بالحرب القائمة في البوسنة. كتَبتُ في جريدة النهار البيروتية مقالا حادا شرسا ضد الصرب، ويمكن طبعا ان تتصوروا صعوبة موقفي، ولكن تلك كانت قناعتي. اتصل بي القادة الدينيون في الاسلام يهنئوني على ذلك. بيّنوا فرحهم واغتباطهم لهذا الموقف الأخوي تجاه البوسنة.

كذلك حاول البطريرك بولس الصربي أن يجتمع إلى مفتي البوسنة سماحة الشيخ يعقوب سالموفسكي، ولكن طبعا ظروف الحرب لم تمكن المفتي، وهو رئيس مجلس رئاسة العلماء على وجه التدقيق، لم تمكنه ظروف الحرب ان يلتقي البطريرك، ولكن جاء سماحة الشيخ يعقوب إلى بيروت على رأس وفد من البوسنة واستقبلناه نحن في دار الطائفة الارثوذكسية في المطرانية في بيروت وكان لقاء وديا. نحن نتمنى ان تزول هذه السحابة السوداء وان نفرق بين الصراع العرقي والسياسي والدولي وبين شعور الشعب المسيحي الارثوذكسي. المؤمنون الارثوذكس هم ضد هذه المجازر.

  • هل يستطيع المجتمع المسيحي والاسلامي ان يتعايشا في بلد مختلف الطوائف كلبنان؟ إذا كان الجواب نعم، كيف تحقق هذا على الأرض وما هو دور المجتمعَين المطلوب أداؤه في سبيل التعايش؟

طبعًا لبنان وجواره واحد. هذا هو الشرق العربي. لبنان أفضل بلد في العالم في التعايش بين المسلمين والمسيحيين. أنا أوضح هذا. إذا اتخذنا العلاقات العائلية والعلاقات الصداقية والتجارية وما إلى ذلك فاللبنانيون في مودة كبيرة أنا لم أشهدها في الألزاس حيث كان يتقاتل الكاثوليك والبروتستنتيون أو في مونبليه، ولم أشهدها في ايرلندا ولم أشهدها في المانيا. انما اللبنانيون طوائفهم أحزاب هي أيضًا، هي طبعا جماعات دينية، ولكن لها مكانتها الحزبية، مكانتها في بنية الدولة. لها تمثيل نيابي، لها محاكم مذهبية. انت تجد اللبناني إلى اللبناني في جلسة ودية كبيرة وحول مائدة طعام وفي الجامعة وفي البيوت ولكن لا يظهر الخصام الا اذا تكلمنا في المشكلة السياسية. أنا لم أرَ في لبنان خصومة بين بشر من حيث هم بشر. هذه قضية سياسية. اذًا نحلها على هذا الصعيد. وطبعا أنا شاهد. كنت في حرب لبنان عند الاحتلال الاسرائيلي الأخير. هرب المسلمون من رأس بيروت وصعدوا إلى مصيف برمانا إلى الفنادق. رحب بهم المسيحيون ومنهم الموارنة ترحيبًا حارًا لم أجد له مثيلا. هذه القصة خرافة ان اللبنانيين بعضهم ضد بعض.

  • كيف تفسرون موقف قوافل التنصير التي تستقبل أطفال البوسنة وتسعى لتنصيرهم في كل مكان؟

يؤسفني أن أقول ان كل المعلومات التي تصل الينا هي معلومات من الصحافة الغربية، وأنا أتهم مسبقا الصحافة الغربية، الألمانية بالدرجة الأولى والفرنسية بالدرجة الثانية. اتهمها بأنها متحيزة. عندي أدلة كثيرة على التحيز. ولذلك يجب التدقيق بهذه المعلومات. ما يمكن ان أؤكده هنا بدون بحث هو ان الكنيسة الأرثوذكسية الصربية لا تنصّر أحدًا ولا تسعى إلى هذا الشيء. الروم ليس هذا من مسالكهم. أما إذا ذهبوا إلى المانيا وإلى غير المانيا واحتضنوهم واستضافوهم فماذا يفعلون؟ أنا أولًا أشك ان يؤخذ صبي وان يعمّد هكذا بسكب الماء عليه بدون معرفته وبدون قناعته وبدون دراسة. المسيحيون في الكنيسة جديون جدا. هم قد يبشرون. الغربي يبشر. يجب ان يقضي غير المسيحي سنتين او ثلاثة يتعلم. هكذا عند وصوله من البوسنة إلى شتوتغارت أو فرانكفورت يؤخذ قليل من الماء ويُسكب عليه وينصّر؟ لا. هذا ضد المسالك، ضد القناعة، ضد قناعة المسيحيين. المسيحيون لا ينصّرون احدا بالرغم منه. اذن قضية الأطفال مقصية. هذا من حيث المبدأ. هل خالفوا؟ هل هذا القسيس البروتستنتي او الكاثوليكي خالف في هذه المرحلة او تلك ؟ لست أعلم. اعتقد ان كل هذه القضايا يجب ان يدقق بها بحيث نتحرى نحن العرب هذه الامور مباشرة. على سبيل المثال، بدون الدخول في التفاصيل، في الحرب تفيدني معلوماتي ان كل الأفرقاء يرتكبون، وان الارقام التي اعطيت ليست بهذه الضخامة. هذا لا يبرر احدا. اذا اعتُدي على عشرة آلاف مسلمة او اعتدي على مسلمة واحدة فالمعصية واحدة. ما اردت ان اقوله ان الصحافة الألمانية، ومنها يستقي الآخرون، الفرنسيون والانكليز، هي طبعا واقفة موقفا شرسا مع الكروات ضد الصرب. اتصور انه يجب ان نقوم بقراءة سياسية لهذه المشكلة.

  • هل يمكن لسيادة المطران ان يحدثنا عن مواقف كنيسته من المواقف التي تتخذها الاصولية المسيحية يقصد بذلك بعض الفرق التي نشأت عن فروع بروتستنتية معينة وتدعم السياسة الصهيونية بمواجهة الوضع العربي الفلسطيني؟

أنا أوصيكم بعدة كتب منها كتاب صديقي الدكتور محمد السمّاك عن الصهيونية المسيحية. باختصار ان فرقا انجيلية بروتستنتية منذ مطلع القرن التاسع عشر وقبل ذلك نادت بعودة اليهود إلى فلسطين وكانت تزعم ان هذه العودة مؤسسة على الكتاب المقدس. ثم تعاظمت الموجة بعد الحرب العالمية الثانية وظهر لاهوتيون في هولندا بالدرجة الأولى وفي بقية الغرب، يحاولون ان يعظموا الشعب اليهودي والقضية اليهودية ككل وكانوا يعطون اهمية كبرى لليهود دينيا ولاهوتيا، وبرأينا نحن هذا انحراف عن التراث المسيحي. باختصار ما قمنا به نحن المسيحيين العرب في مجلس الكنائس العالمي، وفيه هذه الموجات قوية، اننا اقنعنا كنائس العالم بأن تقول: هناك سوء استعمال للعهد القديم من قبل بعض اللاهوتيين المسيحيين. فشاع نتيجة لذلك ان ليس هناك في الكتاب المقدس ما يبرر عودة اليهود اليوم إلى فلسطين. هذه قضية انتهت وعندما جاء المسيح لم يعد يهتم دينيا بفلسطين. فلسطين عند الانسان المسيحي قضية قومية. للفلسطينيين قضية انسانية. هناك سوء استعمال للعهد القديم. استطعنا ان نجعل قضية فلسطين قضية قانون، دولي وعبارة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي ظهرت في هيئة الامم المتحدة هي عبارة وضعناها نحن في المجتمعات الكنسية وانتقلت إلى هناك.

  • في معرض حديثكم عن المسيحيين العرب ذكرتم فقط الكنيسة الأرثوذكسية، ماذا عن العرب غير الأرثوذكس؟

بالحقيقة لم أذكر اسماء في النهضة العربية. الدكتور شبلي الشميّل الذي ذكرته هو من الروم الكاثوليك. جبران خليل جبران ماروني. ميخائيل نعيمة ارثوذكسي. معظم ادباء المهجر في الولايات المتحدة والبرازيل كانوا ارثوذكسيين. لا أبخل على بقية الإخوان بالوطنية. الحقيقة ان الموارنة والروم الكاثوليك والروم الارثوذكس والمسلمين كانوا معا في الحركة القومية العربية قبل 1914. بعد الخيبات والانتكاسات عاد الكثيرون عن القومية العربية. في الطائف عادوا اليها ايضا. وصار الاعتراف بانتماء عربي للبنان. نحن الارثوذكسيين كنا ضد الانتداب صراحة في البدء. عندما جاءت لجنة كنغ كرين من عصبة الامم المتحدة في جنيف لتستفتينا قلنا لها اننا ضد الانتداب ونحن مع فيصل. لم يكن هذا فقط موقف بطريركنا في دمشق ولكنه موقف كل شعبنا في بيروت وطرابلس وكل لبنان.

  • لم يتطرق حديثكم إلى الثوابت المشتركة بين الإسلام والمسيحية. هل لك بإبراز بعض هذه النقاط مثل المحبة والسلام والتسامح والتبشير وغيرها؟

أنا ذكرت بالحقيقة المناقب. ما أحببت ان أذكر، لضيق الوقت، القضايا الإلهية الكبرى مثل وحدانية الله، أو الخلق. هذه عقيدة نعرفها لا توجد في آسيا في الهندوسية. الثواب والعقاب، الآخرة، فكرة النبوة، كل هذا غير موجود في البوذية والهندوسية. فكرة النبوة ان الله اصطفى بشرا ليحمّلهم رسالة هي كلامه، فكرة النبوة فكرة مشتركة بين الاسلام والمسيحية. المسيحيون والمسلمون يؤمنون بفكرة الوحي وهو ان الله تكلم في زمن من الأزمنة وفي أزمنة متعاقبة. الخطوط العريضة فيما يتعلق بالله خالقا ومخلصا للناس ولو استعملنا هنا مصطلحا مسيحيا ولكن المعنى قرآني وهو معنى الرحمة. اذا اعتبرنا الله مهيمنا على الخليقة وعلى البشر في الحياة الأبدية او في الملكوت. نجد هذا في جوهره في المسيحية والاسلام.

  • ما هي الكلمة التي توجهها إلى الأرثوذكس الذين يعيشون في دولة الإمارات؟

أنا لا أوجه كلمة إلى الأرثوذكس العائشين في دولة الامارات لأن الامارات ترعاهم أكثر مما أرعاهم أنا.

Continue reading

Popular posts

لقطات ورؤى / السبت 19 آب 2006

الإثنين الماضي عرّجت على كاهن عاليه في طريقي إلى بحمدون لأداء صلاة الغروب لعيد السيدة وعند دخولي دارة الكنيسة رأيت ابنة الكاهن برفقة طفلة محجّبة لا يزيد عمرها عن...

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان...