1999, جريدة النهار, مقالات

تأملات في القاهرة / السبت 13 شباط 1999

لم استمتع بالقاهرة كما كنت قد اشتهيت. صديقي الدليل السياحي كان غائبًا فلم يزد علمي بالحضارة المصرية القديمة التي تحدث فيّ، ما أقبلت عليها من جديد، هزة في النفس قوية هي أقرب الى الرؤية الروحية منها الى الشعور الفني.

اضطررت ان أؤثر الوجوه على الحجر. اقتصر عملي على محاضرتين احداهما عند الاقباط والاخرى في ملة الروم في القاهرة وعلى تأمل انجيلي في دير الانبا مقار في وادي نطرون في الصحراء وليس المجال هنا للتحدث عنها. شعوري ان المسيحي في مصر لا يحتاج الى مقومات عقلية ليؤمن أو ان العقل لا يسائله عن ايمانه وانه مرتاح في ما اختار أو ما اختير له. رأيتني اضحك من نفسي بما كنت أقدم حججًا او اصف المسار الفكري الذي سلكت لأصل الى ما وصلت اليه من طرح. انا أفهم جيدًا الا يحتاج الاكثرون الى ما يدلهم في الطبيعة او التاريخ أو الذهن على الله وأتبرك منهم تبركًا كثيرًا. لكني افهم ايضًا أن من الناس من سعى الى وحدة في كيانه بين ما لبسه من عقل ومن جمال ومن جسد ومن قلب وما نزل على قلبه من نور هداه. ربما كان لكل فئة من الفئتين مخاطب. على هذا انا واثق ان الله لا يريدنا ان نتلف مما خلق ولو ارادنا ان نعرف حدود كل شيء.

للعقل حدود اذ له مجالات وليس له كل المجالات. هناك عالم السر وعالم الرؤية وهناك المودات نرعاها أو ترعانا. لكن الاعظم فيك أعني الرؤية لا ينبغي ان يزهد بالاصغر عنيت العقل ليأتي الاعظم محمولا على الجد. افهم ان يأتي اكثر النفوس الى الله على شيء من السهولة، (اصحابها يقولون انهم بسطاء). هناك طبائع ليست مركبة او ليست معمرة. أحسدها لأنها لا تتعب كثيرًا. لا أحسدها لأنها فقيرة الى الهيكليات العقلية.

#    #

#

كللت من الدين الشعبي لأن الانسان مركزه أو قبلته. همه ان يتلذذ القلب بالمشاعر. الى هذا ترى المؤمن “البسيط” يتمحور على صحته وصحة أولاده. ولهذا كان في عطش الى المعجزة والى اثبات القداسة بالمعجزة. هذا يعني انه يريد خطابًا إلهيًا جديدًا. انا لست انكر حرفا واحدًا من العجائب “المعقولة” التي وردت في سير القديسين ولست أنكر ان قوة الله تتجلى في مختاريه بهذه الصورة كما تجلت في المسيح. ولكن يلفتني ان السيد أرادنا ان نؤمن به بسبب الكلام الذي قاله “والا فصدقوني بسبب الاعمال”. اذًا في الفكر الانجيلي تأتي المعجزة بعد الكلمة تعزية للضعفاء الذين لم يتمكنوا من الانبهار باعجاز الكلمة في انجيل يسوع المسيح. كذلك نرى في انجيل يوحنا ان عجائب السيد وهي سبع (وهذا رقم رمزي) يتبعها دائمًا تعليم كأنها تمهيد له لأنه هو مطرح التلاقي بين السيد وتلميذه.

لقد نزل ابن الله مرة الى العالم ليكفيك نزوله. ولن يتجسد. من بعد هذا انت تصعد. لذلك لا أحب هذا التعريف الشائع عن الكنيسة انها تجسد المسيح. الكلمة تجسد مرة واحدة. الكنيسة ليست تجسد المتجسد. هي صعوده. والكلمة التي فيها تشدنا الى فوق. والقديسون جالسون فوق. والايقونة اطلالة من السماء لتشد اليها الارض. والقرابين المقدسة تأخذك الى جسد المسيح القائم على العرش. ما يهزني في الرهبانية – أصلاً ومثالاً – انها تقيمك في الحد الادنى من الحاجة لتوحي اليك بأنك دائما في ذهاب الى المسيح الآتي. لهذا خشي الاكابر على الدير غناه. خافوا سؤالاً كهذا: كيف ندير، ماذا نعمل بهذا الرزق أي خافوا ديرًا يتحول بسبب من الانهماك به مؤسسة وليس عند الرهبان اذا تجنحوا وقت ليقفوا.

#  #

#

ما من شك ان في عقولنا خلطًا بين حال القلوب ومسؤولية الهداية. الاولى ليس لنا بها علم ف”بالنعمة انتم مخلَّصون” او كقوله الآخر: “طرقي غير طرقكم”. غير ان الله اراد التعليم لمجرد انه اراد الوحي. والوحي ذو مضمون يجب ان تعرفه انت لتخلص به. وجعل الله لنا انظومة متماسكة، عظيمة البنية، كافٍ غناها، اسمها الكنيسة لكي تصل الى مسامعك الكلمة وتحيا بها.

وكل ما كُتب في هذه الكنيسة منذ الفي سنة وما وضع من قوانين واستخرج من فن وما لُحن وأنشد وبني، كل ذلك غايته ان تعرف لعلك تفهم وتستطيب الله وتكون في حركة رؤية لا تنقطع بالموت ولا تنتهي بالقيامة لأنك على ما علم غريغوريوس النيصي تنتقل من بعد البعث من بدء الى بدء ويجمل الله في عينيك كل لحيظة من لحيظات الابدية بما انه اهّلك للرؤية.

واذا كان الرب لا تقع عليه السكونية هناك فلا تقع انت على قلبك الفهيم السكونية هنا ولا تكتفي بفتات المعجزات والاقاويل وان تعمى عما تفوه به الله وعما حاكته الكنيسة من هذا الثراء وتعرض عنه لتجد له بديلاً من نسج خيالك وانفعالك شبه الديني او تعوضه بما قد يكون واقعًا لكنه عرضي أو هامشي.

أنا في يدي تفويض واحد هو تفويض الكلمة. وهذه ليست مدروسة درسًا وافيًا عند من فرض فيه تلقينها ومن فرض فيه تلقنها. أما الصلاة ونصوصها فهي نسج على ما قاله الله ووجه آخر له. ولكن لن تصل اليك نفحات الصلاة ما لم ينزل على قلبك الكتاب العزيز. هذان وجهان لعملة واحدة ولا بديل من واحد منهما عن آخر.

السؤال المفجع هو كم من جيل تعلم. والسؤال الذي يرافقه هو أيًا كان عمق تعلمنا ماذا عملنا بالتفويض الالهي؟

الاهمال انشأ دينًا شعبيًا ويبدو اننا مستسلمون لوجود فئات غير مستنيرة وما قد لا نبوح به لأحد ان جماهير السذجة جيدة لأنها توفر علينا تعب العمل الفكري. والواقعية المرة توسوس في صدورنا ان الجماهير ستبقى على غباوتها وانه لا بد من نخبة تتعاطى الالهيات والتفسير.

#   #

#

ما قض مضجعي في السنوات الاخيرة هذه الهوة القائمة بين كلمة الله والمؤمنين على مستوى الفهم. طبعًا انا أعرف ان الفهم الآتي من الدراسة لا يعني انك بلغت لب الكلمة أو تلألأت بها. ما يخيفني ان الكلمة تسقط احيانًا على الارض ولا تعود الى الله كما تمنى اشعياء بالقلوب مبلورة مطهرة. هل يعني هذا ان وضع الدين le statut de la religion ان تزرع انت فقط وتسقط حبة الحنطة على أرض خصبة أو أرض يابسة وما الى ذلك مما يقوله مثل الزارع في الانجيل؟ هل أعزي نفسي بذلك لئلا تحزن الى الموت أم يقود السؤال الى رجاء لهب عظيم يضرم المسيحية حيثما وجدت وينتشر اللهب برياح عاصفة نعرف انها من الروح.

أنا لا أحب المرشدين الكسالى الذين يهملون التعليم ويوقفون كل شيء على طهارة الروح، على القداسة كما نقول في المسيحية. كأنهم ما قرأوا: “انتم انقياء بسبب الكلام الذي كلمتكم به”. ان التشبه بالاطهار هو الطريق الى القداسة ما في ذلك ريب. غير ان نقاوة الحياة هي الهدف والوسيلة الكبرى اليها هي الكلمة الالهية التي تنقي القلب اذا حملها الروح الالهي اليك او ترجمها الى حياتك أب روحي كبير.

الوجع الملازم أبدًا للكنيسة انها ليست مجرد تعليم لكنها رعاية أي ليست مجرد زرع لكنها سقاية وتعهد دائم للمؤمن الذي ترعى. المسيحية ليست مجرد دعوة لكنها سعي دؤوب لاقامة الناس في السماء قبل ان يموتوا. “اضطررهم على الدخول”. هذا هو الامر المرسل الى كل مؤمن ليحاول المحافظة على الآخرين في الكنيسة ليس فقط بالنصح ولكن ببث الدعوة والافتقاد “لئلا يهلك منهم أحد”. قبل عودة آخر جاهل، قبل احتراق الدنيا بالحب لا تستطيع ان تنام.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

تأملات حول الابن الشاطر /الأحد 7 شباط 1999 / العدد 6

ما يركَّز عليه في هذا المثل الذي نقرأه اليوم توبة الابن الشاطر الذي عاد إلى أبيه بعد ضلال. عادةً ننسى أن المثل لا يكتمل إلا بموقف الابن البكر الذي رفض المعاملة الرؤوف التي عومل بها الضال العائد. في الحقيقة إن الجامع بين الولد التائب والولد الذي لازم البيت الأبوي أن الأب عامَلَ الأزعر المهتدي برحمة واسعة ولم يغضب على البكر الذي أبى أن يرحم أخاه العائد من بعد معصية. لامه فقط على انعدام سعة صدره لأخيه.

فيما نحن نتدرّج إلى الصوم, اختارت الكنيسة هذه القراءة لتوحي أن الأهم بين هؤلاء الرجال الثلاثة هو الوالد. هذا في الحقيقة مَثَلُ الأب الرحيم الذي ضَمّ إلى صدره ابنه المتمرد ولم يرذل مَن كان باراً في البدء لكنه سقط في عدم الترحاب بأخيه. الوحدة بين الولدين أقامها الوالد الذي ضم الاثنين في أحشاء رحمته. الغفران أُعطي للاثنين لأن مناخ البيت كان مناخ دفء. التوبة هي في رجوع الضال إلى البيت الواسع وهو من وراء الرموز بيت الآب السماوي الذي هو الألف والياء, البداءة والنهاية, هذا الذي يدفع له المسيح كل الخلائق في اليوم الأخير لتحسّ بأنها محضونة إلى الأبد.

هل نتصرف نحن في كنيسة اليوم, في كل رعية على أننا أبناء الله الواحد وأننا عائلته نغتذي جميعا من جسد المسيح, أم أننا نسلك في انقسام الغني والفقير, وفي انقسام بين المتعلم والجاهل, وبين المرأة والرجل, وبين البالغ الناضج الذي يظن أنه وحده يفكر والفتى الذي لا نعترف بنضجه, وبين العائلات العريقة والعائلات الشقية, وبين العائلات الكثيرة الفروع والعائلات الصغيرة؟ نسلك بتصنيف, بتمييز اجتماعي على أساس المال.

في هذا الجبل ينتمي كل إنسان إلى عائلته أوّلاً ومن خلال عائلته هو عضو في الكنيسة, أي أننا لا نعترف بأن الإنسان ملتصق بالمسيح أوّلاً. هناك من كان ألصق بالمسيح أياً كان عِلْمه وأية كانت ثروته وأية كانت أصالته (من هو الأصل ومن هو الأقل أصالة). ما هي المعايير التي نستند إليها لنقرر بأن هذا فوق وذاك تحت وأن الآخر جانبي؟ “ألعل المسيح قد انقسم؟” (بولس الرسول). الإنسان من طائفة المؤمنين, من كنيسة يسوع, ولا يهم يسوع شيء من اللحم والدم. يهمه معرفة من هم الذين وُلدوا من الله بروح القداسة. الكنيسة ليست تراكُمَ عائلات. إنها انسجام مؤمنين. ليس في الكنيسة فئات ولا يمثِّل أحد فيها إلا نفسه, فقيمته فيه وليست في الدم الذي يجري في عروقه.

الكنيسة ليس فيها إقصاء لأحد. تفرح بكل الذين يحبون دفء يسوع. الوجهاء فيها أحباؤه, والأعظم حبا فيها أوجه المؤمنين فيها. يبرز فيها من كان أعظم غيرة ًوأعمق معرفة للإنجيل. يبرز مَن ليس عنده ادعاء ولكن له مكانته في البيت الأبوي الواحد. أنت تأتي من قلب الله أو لا تأتي.

هذه هي القاعدة التي نبني عليها. والوحدة بيننا ليست وحدة من هذه الدنيا ومن أمجاد هذه الدنيا. نحن لا نعرف إلا جسد المسيح ومَن انضمَّ إليه بإخلاص.

إن من تأثر بأي اعتبار آخر يكون منضمًا إلى رغباته هو ولا يكون أخاً للآخرين. نحن لسنا طائفة من هذا العالم. نحن طائفة أهل الملكوت الذي فيه العرج والعميان والصم والبكم أي من اعتبرتهم الكبرياء على أنهم ذلك.

إن من كانت له غير هذه النظرة يعرقل المسيرة إلى الملكوت ويقسم الأخوة ويقيم بينهم سدودا. يحزنني أن أقول أننا في بدء الفهم وأننا أطفال في المسيح. نحن لا يهمّنا أن يرتضي الناس بعضهم بعضا على أساس دنياهم والمصالح التي بين بيوتهم أو فروع بيوتهم. هذا كله من العالم والكتاب يقول: “لا تحبّوا العالم ولا الأشياء التي في العالم” (يوحنا الحبيب).

الوالد الحنون يقول لبكره المدّعي التقوى: “كان ينبغي أن نفرح ونُسرّ لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش وكان ضالاً فوُجِد”. الأخ الصغير الذي بيننا نحسبه خطأً أنه ليس بشيء, وقد نظن أنه ليس من الأفضلين ولا يكون الأمر كذلك. مَن اقتبله ربه في أحضانه ورضي عنه هو الأول بيننا. لم يعطَ أحد شهادة على أنه الأول. المعتّبر الأخير في أعين الناس قد يكون الأول في عيني ربكم إذا كنتم صائرين إلى توبة الصيام الآتي.

Continue reading
1999, جريدة النهار, مقالات

زكا العشار / السبت 30 كانون الثاني 1999

قبل ان يقرب يسوع من أورشليم في مطافه الاخير اليها داخل أريحا وأخذ يجتازها وحوله ألوف من الناس (لوقا 1: 12) فاذا رجل يدعى زكا وهو رئيس للعشارين غني قد جاء يحاول ان يرى من هو يسوع، فلم يستطع لكثرة الزحام، لانه كان قصير القامة. العشارون هم الجباة الذين يعملون في الادارة الرومانية. وكانوا في كل منطقة زمرًا ولكل زمرة رئيس يتعهد الضريبة المفروضة على المنطقة جميعا ويقسم المسؤوليات على معاونيه. والمبلغ المفروض يجبى من الافراد بحيث كان ممكنا ان يغبن مواطنون كثيرون او كل المواطنين. والفارق بين ما يجمعه العشار وما يتوجب عليه للدولة يذهب الى جيبه. هذه الحكمة في السرقة كانت أمرًا شائعًا في فلسطين حتى ان كلمة عشار كانت دائما مقترنة بابتزاز المكلفين. ولم يكن مقبولا من المكلف ان يثبت عجزه عن الدفع.

لماذا رغب زكا في رؤية النبي الجليلي؟ ربما كان هذا بدءًا من باب الفضول. ربما انجذب اليه لدافع آخر. لا يذكر الكتاب انه أراد حوارًا مع السيد. ولكن لكونه كان قصير القامة أسرع لصعود جميزة ليراه، لان يسوع أوشك ان يمر بها. أراد زكا ان يرفع الحاجز الذي كان يحول دون رؤيته المعلم. لا بد انه سمع ان يسوع انما كان يخالط العشارين والخطأة ما يعني انه كان يخالف توجيهات الحزب الديني الاصولي المعروف بالفريسيين. وكان هؤلاء يعيرون التلاميذ ان سيدهم يؤاكل الجباة الخطائين بحيث انه كان يخرج عن خط البر الذي رسمه الفريسيون واعتبروه برًا الهيا. اجتهادهم هم يساوي الكلمة الالهية وكان يسوع يقيم فارقًا كبيرًا بين الكلام الالهي وما كان من تقاليد الناس. لعل الانجيلي في ايراده الحادثة هنا في سياق الحديث عن آلام السيد أراد ان يوحي بأن الصدام بينه وبين قادة الفكر الديني قد بلغ أوجه.

#  #

#

فلما وصل يسوع الى ذلك المكان، رفع طرفه وقال للرجل: “يا زكا انزل على عجل، فيجب علي ان اقيم اليوم في بيتك”. هذه هي المرة الوحيدة التي يتجاوز فيها يسوع الاختلاط في الشارع بالعشارين ليقيم مع هذا العشار بالذات صلة أوثق فيتخطى قوانين الدنس التي أقامها الفريسيون. “يجب ان أقيم في بيتك” في هذا تصميم على الخلاص، مبادرة في الخلاص. هذا عند لوقا صدى لتعليم بولس: “بالنعمة انتم مخلَّصون” وما دونه يوحنا في ما بعد: “الله أحبنا أولاً”. لوقا يبني عمارة لاهوتية تحت ما يبدو بسيطا.

السيد يقول: “انزل على عجل” فيعلق البشير: “نزل على عجل واضافه مسرورًا. لماذا لبى بلا تردد؟ هل هي الضيافة الشرقية؟ هل أحس بأن ثمة ما كان أعظم من مجرد كلام لانسان يدعو نفسه – اذا صح التعبير – عند رجل غريب؟ تذمر الفريسيون من كون يسوع ذهب ليبيت عند رجل خاطىء. يرفض يسوع ان يفهم البر على انه انفصال أو تمايز أو استعلاء. يعرف سببًا للاتصال حتى المعاشرة. الله كما فهمه يسوع الناصري في حال موصولية حتى الاحتضان والضم. في اقتبال يسوع معمودية يوحنا القائمة من أجل الخطأة يساوي المسيح نفسه بالخطأة اذ يصطبغ بما لم يكن في حاجة اليه. المخلص ينصهر بالمدعوين الى الخلاص. هذا هي كثافة الاندماج.

التقى الرجلان عند أسفل الجميزة فقال زكا للرب: “يا رب، ها اني اعطي الفقراء نصف اموالي، واذا كنت قد ظلمت أحدا شيئًا، أرد اليه أربعة اضعاف”. لقاء معجز لا يفهم بمألوف السيكولوجية للوهلة الاولى. حدث زلزال في نفس الجابي. اهتزت نفس زكا من المقابلة الصداعة بين البر الكامل والخطيئة المستفحلة. انتهى فجأة زمان السقوط وامحت السقطة زكا يصير خليقة جديدة يجعلها الله بضيائه. الرجعة رجعة الى وجه الله نفسه من خلال المعلم. عندنا تخطئة للماضي كله، شجاعة اعتراف. الرجل يبذل نصف امواله وكان قد عاش في البذخ. موقف لا يقيم حسابا للمستقبل، لمستوى انفاق كان قد اعتاده وموقف اعتراف بأنه قد ظلم. يرد على كل مظلوم ظلمه اربعة اضعاف. ماذا يبقى من هذه الثروة؟ ماذا يضمن لزكا وعائلة زكا سنوات قد تكون طويلة.

لقد انتقل الرجل الى وجود آخر، الى حياة جديدة بالكلية لا تقيم حسابا لشيء من دنيانا، حياة مطبوعة بجنون الحب. اذذاك قال يسوع فيه: “اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”. فالنجاة ليس فيها مراحل ولا تحتاج دائما الى تربية. تنقض على التائب كالصاعقة لكونها عملية خلق جديد الخالق هو فيها كل شيء. بعد هذا بأيام لما عُلِّق السيد على الخشبة يقول للص: “اليوم تكون معي في الفردوس”. الحب يمحو لصوصيتك كلها ويرفعك الى الدرجات العلى من الرؤية واللصوق.

وبعدما قيل هذا في الرجل قال المخلص عنه: “هو ايضًا ابن ابرهيم” بمعنى انه صار الآن بالايمان المستعاد ابنا لابي المؤمنين. هذا أيضًا يلتحق بفكر بولس: “آمن ابرهيم بالله فحسب له ايمانه برًا”. المسيح ينكر على اليهود في انجيل يوحنا كونهم ابناء ابرهيم. انهم قد نقضوا الخط الايماني لكونهم جحدوا المسيح. “ابن ابرهيم” عبارة جعلت زكا من المزكين فان الذين لم يكونوا مرحومين صاروا مرحومين كما يقول هوشع والذين كانوا تحت اللعنة باتوا مباركين لكونهم غدوا اخوة لهذا الذي قيل عنه: “ملعون كل من عُلِّق على خشبة”. كل منبوذي الدنيا يصيرون بالحب اخوة ليسوع” لان ابن الانسان جاء ليبحث عن الهالك فيخلصه”.

#   #

#

أيضًا وأيضًا نحن مع لاهوت المبادرة الالهية في انقاذ البشر. يسوع يأمر الاذن ان تنفتح ليسمع الاصم والعين ان تبصر ليتكون فينا بعد ذلك الانسان الداخلي. “ليبحث عن الهالك”. في الصيغة اللغوية التي وردت فيها الهالك في اليونانية تعني الكلمة من هلك نهائيا كأنه يقول على رغم كل معرفتنا بالاصرار على الخطيئة وما يبدو هلاكا ليس في الانسان ما يحول دون الرحمة والتغيير الذي تحدثه في القلب البشري.

لعل أجمل ما في الانجيل ان من أهمله الدهر أو أهملته نفسه أو أعيق أو كان فيه مسّ أو حل فيه فقر أو مزقته الخطيئة وأفسدته حتى ضياع الرشد والتمييز أو ظلمه عاتٍ أو استغله نافذ، ان كل هؤلاء اصدقاء يسوع الناصري يشفي اجسادهم أو يشفي قلوبهم. هذا الذي عيره به نيتشه الباحث عن الانسان المتفوق انما كان عظمته في تاريخ الناس على ما قاله الشاعر: “ولد الرفق يوم مولد عيسى”.

الضعفاء الذين لمسهم حنان المسيح وباتوا في حنان والصابرون من أجل صليبه هؤلاء أعظم بكثير من أولئك الذين تمجدوا بحسن ابدانهم وذكاء عقولهم واحتقروا مهمشي الارض وذوي الاسقام.

ولعل الاخطر من هذا ان يستعلي الطاهرون فيدينوا من عصى. كل من استكبر انما يحطه الله. طوبى لمن استطاع ان يتواضع من خطيئة وعزف عنها ابتغاء الفرح الذي تعطيه النقاوة. “طوبى لمن غفرت ذنوبهم وسترت خطاياهم” بسبب من رقة الغافرين.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

زكا العشار/ الأحد 24 كانون الثاني 1999 / العدد 4

جابي ضرائب بل رئيس جباة هذا الذي إنجيله اليوم. رجل غني اغتنى من أموال الناس, معظمهم فقير آنذاك. مع ذلك “كان يلتمس أن يرى يسوع”. حدَّثوه عن هذا الرجل الذي يصنع معجزات ويحب الفقراء ويعلّم تعليما يمسّ القلوب ويشفيها من حزنها. كيف يعرف السيد المحاط بالجماهير, المختلط بالجماهير وهو قصير القامة؟ فكّر أن يصعد إلى جمّيزة لينظر يسوع الذي لا بد أن يكون في الصف الأمامي. اشتاق أن يشاهد وجه هذا المعلّم الجديد لعله يجد فيه نورا يطمئن إليه.

انتهى يسوع إلى الموضوع ورفع طرْفه فرأى الجابي الظالم وكان يسوع يعاشر هؤلاء الجباة ليهديهم إلى ربهم. “فقال له يا زكا أَسرع انزل”. سمّاه باسمه, وفي فلسفة تلك الأيام بيَّن يسوع اهتماما شخصيا بالرجل. مدّ جسرا بينهما. نظر إليه وقال له “أسرع انزل فاليوم ينبغي لي أن أمكث في بيتك”. يريد بينهما لقاء حميميا. كيف قابل زكا هذه الدعوة؟ “أسرعَ ونزلَ وقبِله فرِحا”. كلام يسوع كان: “أسرع انزل”. فِعْل زكا كان أن أسرع ونزل و”قبله فرحا”. لماذا هذا الفَرح؟ لا شك إنه كان يرتجي أن يحصل شيء في هذه السهرة مع أن شيئا لا يدل أن زكا قد يذهب بعيدا في هذا الحوار.

تذمَّر الناس لكون السيد أبدى رغبته في الحلول عند رجل خاطئ. هذا من تأثير الفريسيين عليهم. على الطريق وقبل أن يصلا إلى البيت, زكا تاب فورا لمجرد لقائه يسوع وقال للسيد: “ها أنذا يا رب أعطي المساكين نصف أمواله أتت من المكلفين الذين قبض منهم جباية لا تستحق عليهم.

زكا قلبه انفتح لأن نعمة يسوع لمسته. لم يقل فقط من فمه إنه يتوب. هذا يبقى خيالا إن لم يكفّر عن ذنوبه الماضية, وهذا يتطلب شيئا عمليا. فمن لا يبذل من ماله للفقراء لا يمكن قد تاب. يكون فقط قد تغنى بالتوبة. زاد زكا: “وإنْ كنتُ قد غبنتُ أحدا في شيء أردّ أربعة أضعاف”. هذا يعني إن العشار يذكر بعضنا من الذين ظلمهم. يرد له أربعة أضعاف حتى لا يبقى ضميره مثقلا بشيء, ليكون قد تطهر تطهراً كاملا.

الرجل عاد إلى ربه عودة كاملة. صار إنسانا جديدا. هذا ما أكده له يسوع بقوله: “اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت”. هذا الرجل الذي كان هالكا أصبح الآن من أبناء الملكوت وسمّاه يسوع “ابن إبراهيم” أي ابن الإيمان. الهداية تأتي من الإيمان أي من تسليم الإنسان قلبه إلى الله. من انسكبت عليه نعمة الإيمان تحوّله إلى إنسان عامل وتفتح يديه ليعطي.

الكلمة الأخيرة للسيد: “إن ابن البشر إنما أتى لطلب ويخلص ما قد هلك”. المعنى أن الإنسان الذي تعتبره أنت هالكا, كامل الهلاك, يقدر الله أن يحوّله بحنانه. يطلبه كما طلب يسوع زكا. يطلبه فإذا استجاب يخلص. ينتهي ماضيه السيء, يُمحي. يصير خليقة جديدة لأنه يطلع الآن من قلب الله أو ينسكب قلب الله في قلبه.

الخطيئة ليس أذاها في أن نخالف ولكن أن نصرّ على المخالفة. الخطيئة أن نحب خطيئتنا. هي العناد. مع ذلك يمكن الله أن يحطم القلب الحجري الذي قسّى نفسه وأغلقها دون النعمة.

مع إنجيل زكا نقترب من الصوم الكبير, نذكر أن العودة إلى الله تنتظرنا, حتى إذا ما جاء الصوم وتعهدناه نفهم أن التوبة يجب أن تكون جدية لرؤية الفصح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر مِن عيد اليوم / الأحد 17 كانون الثاني 1999 / العدد 3

أهمية القديس البار انطونيوس أنه منشئ الرهبنة. ليس أنه لم يكن قبله نساك تتلمذ عليهم في مصر. ولكن المعروف أن الرهبنة ظهرت أيضا في الحقبة التاريخية نفسها أي في القرن الثالث في المدى القائم بين غربي حلب وإنطاكية في ما هو معروف بالمدن الدارسة في شمال سوريا. وضع سيرته القديس أثناسيوس الكبير بطريرك الإسكندرية المشهور الذي كان له الفضل في ضم هذه الحركة الناشئة إلى الكنيسة. قلت أن الرهبانية كانت حركة إنجيلية أصرّت على عيش الإنجيل كاملا بعد أن لاحظ انطونيوس شيئا من الفساد يتسرب إلى جماهير المؤمنين.

أراد حياة مسيحية منفَّذة في الصحراء لا زغل فيها ولا مساومة تقتضي تقشفا وضبط نفس ومحاربة للأهواء, ولكنها قائمة على المحبة والطراوة. بعده جاء القديس باخوميوس ثم باسيليوس يؤسسان الحياة المشتركة أيْ جماعاتٍ تحيا معا بقيادة رئيس مرشد تجب له الطاعة. تحوّلت الحماسة الأولى الحرّة إلى نذور وانتشرت في كل الأقطار شرقا وغربا.

اجل لم تخترع الرهبانية الفضائل. هذه كلها في الإنجيل. غير أن الرهبان بيّنوا كيف نكافح الرذائل. درسوها وعرفوا أحابيل الروح الشرير وكيف ننجو من الرذائل. وضعوا قواعد التحرر من الأهواء الضاغطة والتقنية لبلوغ الفضائل والحفاظ عليها. وأخذ المؤمنون عنهم جدية الحرب الروحية وجدية العيش مع يسوع. من هذا القبيل صار المثال الرهباني مثالا لكل الأرثوذكسيين ليس بمعنى أنه يجب أن ينقطع الأفضلون عن الحياة الزوجية, ولكن بمعنى أننا مرتبطون جميعا بروح الفقر والعفة والطاعة  أكنّا  عائشين في الدنيا أم منقطعين في الأديرة.

إلى جانب هذا الأساس قام الرهبان بعمل جليل جدا وهو أنهم هم الذين نظموا العبادات ووضعوا أسسها وتنظيمها. كل ما نمارسه من صلاة الجماعة (الساعات, السَحَر, الغروب, الكتب الطقسية) رتبوه وجعلوا له هيكليات. القداس الإلهي وحده أساسه أقدم من الرهبانية. ولكن الذين أعطوه ترتيبه الأخير وأهمهم عندنا يوحنا الذهبي الفم و باسيليوس كانوا من الرهبان.

مع هذا كله وضعوا تراثا في الأدب النسكي عظيم (ذوروثيوس الغزّاوي, يوحنا السلَّمي, اسحق السرياني) إن ذكرنا فقط الأكبرين, تراثا  نغتذي منه لإصلاح النفس في سيئاتها وتجاربها. جوهره مفيد لكل الناس.

كذلك أسهم بعض منهم مثل يوحنا الدمشقي و صفرونيوس (كلاهما من دمشق) و مكسيموس المعترف بكتابة اللاهوت الصرف بحيث أمكن القول أن ما من حقل معرفيّ في الكنيسة لم يُسهم به الرهبان.

غير أن الحياة الروحية امتداد في حياة الناس. وهذا ظاهر بنوع خاص في روسيا والغرب حيث كل النشاط الثقافي كان يظهر في الأديرة ويمتد إلى الخارج. الصناعات والزراعة في روسيا نشأت في الأديرة. أنت تنصرف إلى وجه الله وتنتظر مجيء المسيح الثاني. هذا لا يفصلك عن العلمانيين ولكن يذهب بك إليهم لدعمهم في المحبة وحياتهم الاقتصادية.

ليس المجال هنا لتعداد النشاطات الكبرى التي قام بها الرهبان في بلادنا. خصوصيتنا نحن في الكرسي الانطاكي أنه كان لنا رهبنة تبشّر, تخرج إلى العالم. كانت الرهبانية الإنطاكية حية إلى القرن الثامن عشر ثم انطفأت عند الرجال حتى أعادها الله إلينا في مطالع الخمسينيات (دون أن تنقطع عند النساء في الأبرشية البطريركية في صيدنايا ومعلولا). عادت اليوم إلى دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي ودير السيدة في بلمّانا (أبرشية اللاذقية) وفي جبل لبنان. في هذه الأبرشية عندنا  اليوم خمسون راهبا وراهبة في كل أديرتنا (سيدة حماطورة, سيدة النورية, سيدة كفتون, مار ميخائيل بقعاتا, دير القديس جاورجيوس في قرية دير الحرف, دير القديس يوحنا ودير القديس سلوان في دوما ) تقوم كلها على النمط القديم.

باتت كل هذه الأديرة يقصدها المؤمنون للصلاة والتزود بالإرشاد. ولها منشورات نسكية ولاهوتية تسهم في بنياننا جميعا. كل هذا بدأ مع هذا الرجل العظيم انطونيوس.

Continue reading
1999, جريدة النهار, مقالات

الرهبانية البارة / السبت 16 كانون الثاني 1999

فيما يتناهى رمضان وفيما يعيد المسيحيون للقديس انطونيوس الكبير اليوم شعرت انه قد يكون عليّ ان القي جسرا بين المسيحية والاسلام في اقتضاب كتابة صحافية. لعل ايضاحي بعض نقاط يسعفنا في تأمل مشترك.

أولا: نحن لا نحث أحدا على الرهبانية ولا ندعو شخصا معينا اليها. وفي طقس الترهب في الكنيسة البيزنطية ويتضمن قص الشعر يسلم الاسقف مقصا الى المريد ويقول له: “خذ هذا المقص وادفعه اليّ”. يقولها ثلاثا ليكشف ان الامر طوعي.

الامر الثاني: ان البتولية (أو العذرية المنذورة) لا تلازم الكاهن الشرقي وهو في الرعايا متزوج دائما ما خلا حالات استثنائية جداً. أما الاسقفية فما لازمتها البتولية عندنا الاّ أواخر القرن السابع. وهذا اتخذناه بقرار اداري لا علاقه له بالعقيدة ولنا ان نعدّله بالطريقة نفسها. وفي الكنيسة الغربية نفسها حيث الكهنة متبتلون هذا عندهم من باب ما يفهمونه منفعة رعائية لا ارتباط لها بالعقيدة.

الامر الثالث: ليس عندنا كلام في الرهبانية في العهد الجديد من قريب أو بعيد ولو أبدى بولس رغبة شخصية في التبتل لمن ليس في حال تُحرق. في حال كهذه يوصي بالزواج (1 كورنثوس 7). اما من كلام يسوع التاريخي فلا يمكن استخراج الرهبانية.

لقد حلت تاريخيا في القرن الثالث الميلادي في مصر وسوريا في فترة واحدة في اعتقادي. طبعا لم تخرج من العدم. كان هناك نساك متبعثرون وارتبط ارامل بعدم الزواج تقربا والتزام صلاة. غير ان الحركة القوية التي ظهرت مع انطونيوس الكبير كانت نشأتها في هذا الالحاح الشديد عنده على اداء الانجيل اداء شهادة يطهّر به نفسه ويكون للآخرين نداء. كان انطونيوس حزينا على كنيسة الاسكندرية وهو فيها، حزينا على سقوط الامة في البذخ والتبرجز والابتعاد عن جدية العهد الجديد. كان يمكنه مثل الدعاة السطحيين ان يذهب الى الجماعة ويلومها ويوبخها على وثنية تجددت فيها. ما فعله انطونيوس انه اراد اصلاح نفسه عسى يتجدد بها الآخرون. كان عنده ما نسميه روح النبوءة. اعرض عن التوبيخ الكلامي في سلوكه القداسة.

#   #

#

قال انا أفرض الشدة على نفسي. انا آخذ هذه العظة على الجبل كما وردت في الخامس والسادس والسابع من الفصول عند متى وانفذها في تمامها اذا هبطت علي نعمة في الصحراء جنوب القاهرة. وقد يلتحق بي من اشتهى هذا الكمال من غير ان ننشىء ديرا للرهابين (هذا جاء في ما بعد) نرتبط بحماستنا ولا نتقيد بنذور قانونية. هذا جاء في ما بعد ايضا لما تحولت الحركة مؤسسة.

هذا لم يكن هربا من العالم. هذه كانت قراءة من ذمّ الرهبانية في الازمنة اللاحقة. المهم ما كان في صدور تلك الشبيبة التي عاشت في هذه القداسة المذهلة هناك وفي الشمال السوري بين حلب وانطاكية.

انا ما جئت هنا مزكيا الرهبانية بما انتجته من حضارة. ما جئت لاقول ان معظم ما عندنا من عبادات شرقا وغربا نحن مدينون به لها بما في ذلك من شعر ولحن. لست أريد ان أقول ان الكثير من الحضارة البيزنطية يأتي من الرهبانية وكل حضارة الكرج (الجيورجيين) والارمن والسريان انحدرت منها وكذلك التمدين الاول لروسيا واوروبا الغربية. هذا كله ثمار. انا ما يهمني النسغ ويبقى على سقوط بعض وتفه بعض. تهمني الحرارة الروحية المبدعة المتطلبة كثيراً.

نحن المسيحيين العرب على تقصير كبير عندما لا ننشر كل ما عندنا من تراث. ولست أسعى الى مقارنة الميراثات الروحية العظيمة هنا وثمة ولكن من عني بقراءة الادب النسكي عندنا أأخذ به ام لم يأخذ يجد جدية رهيبة في وسائل الترويض لرفض الرذائل واكتساب الفضائل. يلمس كم اهرق الرهبان من دم -اذا صح التعبير- ليأخذوا روحا. يعرف البذل الرهيب الذي بذلوه لتتنقى انفسهم من الحسد والبغض وكل لون من الوان الاستهتار الخلقي ليتمكنوا من محبة الناس ويخدموهم بتواضع ووداعة مذهلين. ما من شك أن أعدادا غفيرة دخلت بلا وعي كاف أو سقطت من بعد دخول. ولكن ما كل هذا ازاء الطراوة العيسوية في سلوك الكبار؟ ما كل العيوب ازاء الاثيرية المقرونة بمعرفة النفس البشرية وانقاذها من ظلمات الخطيئة.

#  #

#

أقف عند هذا الحد لاصل الى الاسلام الذي ديره رمضان. في سورة الحديد يذكر القرآن عيسى بن مريم فيقول: “وأتيناه الانجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الا ابتغاء رضوان الله” (الآية 27). المعنى اللغوي واضح. الله هو واضع في القلوب الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة. أما قوله ابتدعوها فهذا عينه ما قلته في مستهل هذه الكلمة بمعنى ان النفحة الالهية هذه لم تنزل في الانجيل لكن البشر من بعد نفحة الهية اتخذوها ابتدعوا هذا الشكل ابتغاء للرضاء الالهي. واما قول الآية: “فما رعوها حق رعايتها” فهو ايجابي من حيث المؤسسة بمعنى انه كان يمكن ان ترعى حق رعايتها لكن البشر افسدوها. القرآن ليس اذاً ضد استلهام الرهبان للرهبانية لكنه ضد تلويث البشر لها.

ازاء ذلك عندنا موقف ايجابي في التنزيل القرآني من الرهبان انفسهم وليس فقط من الرهبانية اذ يقول: “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون” (سورة المائدة، الآية 83). عن هؤلاء انفسهم يقول في الآية اللاحقة: “واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع”. اما الحديث الشريف: “لا رهبانية في الاسلام” فيقول بعضهم انه حديث ضعيف انا لست مؤهلا لنقاش ذلك. ولكن مهما يكن من أمر ثبوت الحديث فهو لا ينفي عن المسيحيين حقهم في الرهبانية.

إلى جانب ذلك تكلم القرآن عن الاستعفاف وذلك في قوله: “من كان غنيا فليستعفف” (النساء 6) وكذلك: “ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا” (النور 33). وعن النساء القواعد يقول: “وان يستعففن خير لهن” (النور 60). بالاقل يعرف الاسلام حالات استعفاف بمعنى انه لا يكره العزوبة في كل الاحوال.

هذا لاخلص الى القول ان الاستعفاف في المسيحية والاسلام حال ممكنة وانه ليس في الحقيقة بيننا في هذه النقطة اختلاف يبرر سجال المتساجلين. نحن في الرهبانية لا نقول غير ما جاء في القرآن: “وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور” (آل عمران 185) ومتاع الحياة الدنيا في الاسلام هو الى حين. لا نقول في المسيحية غير هذا.

اما وقد أوشك رمضان ان ينصرم وهو رهبانية المسلمين وحان اوان الفطر فابتهالي الى الله ان يكون كل يوم من أيام المسلمين عيداً يهبهم ربهم فيه كل عز ويمن ويجعل فيهم رأفاته ومراحمه وان يكون لهم في ارضهم والجنات من بعدها مساكن طيبة وألا يضرب عليهم الذلة ويصير موئل قلوبهم يتطهرون به وان يجعلهم في دروبهم اليه أعزة مقيمين في حنانه ولهم منه رضوان كبير.

وفرحنا نحن في الفطر ان نطلب لنا ولهم ولديارنا الواحدة السلام وان ينزع عنا وعنهم في هذه الدنيا شقاء البؤس والاستضعاف حتى ندعو لنا ولهم دعاء عيسى بن مريم: “اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وأية منك وارزقنا وانت خير الرازقين” (المائدة، الآية 114). اللهم اجعل في عيد الفطر المطل مائدة لجميع المؤمنين بك وللجائعين حتى لا يموت أحد قهراً ولينعموا بك يا من بيده ملكوت كل شيء.

فيما يفرح اليوم بعض ويفرح غداً أو بعد غد بعض ردنا ربنا الى وجهك الكريم.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

بعد الظهور الإلهي/ الأحد 10 كانون الثاني 1999 / العدد 2

 أن كشف الثالوث الإلهي نفسه آبا وابنا وروحا قدسا على نهر الأردن بات علينا أن نسعى إلى ثمار العيد. بعض من هذا يأتينا من كلام الرسول أن الذي نزل إلى أسافل الأرض (في المعمودية وفي غلبته للجحيم) هو الذي “صعد فوق السماوات كلها ليملأ كل شيء بالروح القدس”. وقد تكلم بولس غير مرة عن مواهب الروح والفضائل. أما في رسالة اليوم فقد أكد على وجه من العطاء وهو أن الروح أعطى”أن يكون البعض رسلا والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين”.

المسيح نفسه هو الذي جعل بعضا في وظائف عضوية لخدمة جسده الذي هو الكنيسة. لذلك نتعامل مع أصحاب المسؤوليات على أنهم معيَّنون من فوق. ليس بشريّ أتى بهم. السماء أتت بهم. ليست الطائفة توظفهم. هم خدام لها من قبل من انتدبهم أي السيد, وله وليس للطائفة يقدمون حسابا. من احترمهم يحترم المسيح.

الرسل هنا ليسوا الاثني عشر. إنهم المنتدبون أن يكونوا وعاظا. الأنبياء لا يراد بهم أنبياء العهد القديم. إنهم الموهوبون أن يبلّغوا كلمة الله إزاء الأحداث الجارية. وهذه موهبة لا تنقطع إذ يرسل الله دائما من ينبّه ويوقظنا من خمولنا. المبشرون أراد بهم من يذهبون من منطقة إلى منطقة. “رعاة ومعلمون” يعني بذلك فئة واحدة أي أن الراعي هو المعلم. الراعي المعلم يراد به الأسقف. وهنا بولس قصد أن الوظيفة الأساسية للأسقف – ولو كانت له مسؤوليات إدارية- هو أن يكون معلّم الإنجيل.

لا شيء يدل أن “النبي” هو نفسه الأسقف. ولكن لا شيء يمنع أن يكون الأسقف حائزا موهبة النبوءة بحيث ينبّه الجماعة إلى ما يريده الله منها الآن. كذلك هو رسول. من حيث أنه معلّم جوّال. وبعد أن تنظمتِ الأبرشيات, رأت الكنيسة أنه يجب أن يستأذن أُسقف أبرشية أخرى ليعلّم فيها. وحتى إذا حصر تعليمه في أبرشيته فهو أسقف الكنيسة الجامعة, ويجلس في مجمع محلي أو مسكوني ليعلّم الكنيسة كلها.

فيما هو يمارس الرعاية يقوم “بعمل الخدمة” ومنها خدمة الفقراء. هو يوجّه ما نسميه اليوم العمل الاجتماعي وله أن يقرر بسلطان من هم المحتاجون الذين يجب مساعدتهم وعلى أي وجه تأتي المساعدة. وقد ينتدب في هذه الرعية أو تلك من يقوم بالعمل الاجتماعي, ويعيّن نهج التعاطي مع المحتاجين, ولا يقال له بوقاحة:”هذا مال آبائنا وأجدادنا” ولا علاقة لكَ بالمال الذي ننفقه محليا. هو المؤتمن على كل موجودات الكنيسة وهو مرجع الإنفاق.

والغاية من الرعاية “بنيان جسد المسيح” أي الكنيسة. تُبنى الكنيسة بتآزر الكل لأن للكل موهبة النعمة. تُبنى مع محبي يسوع بافتقاد الجميع بحيث لا يُهمَل أحد, بحيث نستمع إلى الكل بتواضع, ولكن نعلّم الكل, ولا يستبد نافذ بالرعية, ولا يكون أحد بديل الأسقف.

والغاية “أن ننتهي جميعا إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله, إلى إنسان كامل”. نحن في طريقنا إلى الإيمان الواحد المستقيم الرأي بحيث لا يبقى بيننا جاهل لقواعد الإيمان ومحتواه, ومن أدرك الإيمان هذا يعرف المسيح, يحبه. كل منا, إذ ذاك, إنسان كامل, والكنيسة تبدو إنسانا واحدا بكاملها. الكنيسة كلها في طريقها إلى الرب في اليوم الأخير وتبلغ قامته, “قامة ملء المسيح” لأنه يكون كل شيء فيها. عند ذاك يكتمل الظهور الإلهي.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

من وحي الغطاس/ 9 كانون الثاني 2000 / العدد 2

نزل السيد في الماء. غطّاه الماء. كانت هذه صورة عمّن يموت. كأن السيد أَوحى انه في طريقه إلى الموت. هذا كان منه حركة تواضع، اي انه جعل نفسه وضيعا وهو فوق الجميع. فقط العالي يجعل نفسه في أدنى مرتبة ليظهر الله بهذا السلوك، ليتصل الآخرون بالتواضع وليرتفعوا تاليا. عيد الظهور الإلهي اذا فهمناه لاهوتيا نقول ان السيد تجلّى فيه. انه حدث قريب جدا بمعناه من حادثة التجلّي على جبل ثابور. هنا وهناك صوت الآب ونور.

          اما اذا أردنا ترجمته أخلاقيا فنقول انه درسٌ في التواضع. ضد الاتضاع الكبرياء التي يقدّر فيها الانسان نفسه اكثر مما هو عليه ويستعلي ويتشاوف.

          جانب من جوانب الاستكبار الادّعاء الذي يظهر كلاميا. قد لا نجرح فيه الآخر ولكن نُضحك فيه الآخر. الافتخار وجه من وجوه الادّعاء. هو ان يرى الانسان في نفسه مزيّة وأن يقولها في حين ان واجبنا يقضي علينا بالصمت عن فضائلنا الا اذا اضطُررنا إلى ذلك دفاعا عن قضية عادلة وذلك عند الحاجة القصوى. اما الافتخار التافه والمُغالي فهو الادّعاء.

          في شعبنا منه الكثير. هو اولاً الادّعاء بأننا نفهم كل شيء ونعرف كل شيء. ويناقش في ذلك من كان كثير الاطلاع او صاحب فن. اللبنانيون كلهم يناقشون أمر السياسة الدولية، ويكونون قد طالعوا جريدتهم وكرّروها. لا يجترئ احد ان يقول: «انا لا اعرف هذا الموضوع». انا لم اسمع الا العلماء يقولون في مجال اختصاصهم: «ليس عندي جواب عن سؤالك. أعطني وقتا لأدرس الموضوع». المألوف في بلدنا ان يصف لك كل انسان علاجا اذا عرف مرضك وقد يؤذيك. هو يتبرع مثلا أن يرسلك إلى طبيب اخصائي قد لا يكون هو الطبيب الصالح.

          في الحقيقة انه ينبغي ان تصل إلى مستوى عالٍ من المعرفة لتدرك انك تعرف القليل. وكلما ازددت علمًا تدرك جهلك.

          من جوانب الادّعاء ان تقول للناس انك تعاشر كبار القوم او أغنياءهم. هذا دليل طبعا انك تحسبهم عظماء وانك انت تَعظُم بهم. احيانا يضطرّك الحديث ان تقول انك اتصلت بفلان او فلان، ولكن ان لم يكن ذلك ضرورة قصوى فلا تذكر اجتماعا لك بمن يُعتَبر كبيرا، وليس من كبير امام الله. قد تضطرّك منزلتك ان ترى هذه الفئة من الناس انهم صاروا اذًا من عشرائك، ولكنك انت لا تكبر بهم. لا يُعظمك الا الله متى رآك ذا موهبة فيرضى عنك وحَسْبك هذا.

          الكبار في التواضع يُخفون علومهم. يكشفونها فقط للفائدة. هنا أودّ أن أَذكر لاهوتيا كبيرا هو الأرشمندريت ليف جيلله الذي زار بلادنا مراتٍ عدّة وأرشد شبيبتنا. كان يعرف لغات كثيرة وما كان يَذْكرها الا عند الحاجة. كل بضع سنوات كنت أكتشف انه يعرف لغة معيّنة لأن بحث موضوع بيننا يضطره ان يذكر شيئا واردًا في الايطالية او في الألمانية بخلاف شخص آخر عرفْتُه من عندنا كان يسرد كل حياته العلمية في اول خمس دقائق تعرّف فيها على شخص.

          المتواضع الحقيقي يعيش في الخفاء، يعيش في حضرة الله ولا يتشرّف بعلمه او بالناس الذين يلتقيهم. يختفي كالمسيح في مياه الأردن. فاذا ظهر، يظهر الله عليه. هذا كل يوم يشترك في عيد الغطاس.

Continue reading

Popular posts

لقطات ورؤى / السبت 19 آب 2006

الإثنين الماضي عرّجت على كاهن عاليه في طريقي إلى بحمدون لأداء صلاة الغروب لعيد السيدة وعند دخولي دارة الكنيسة رأيت ابنة الكاهن برفقة طفلة محجّبة لا يزيد عمرها عن...

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان...