1999, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / السبت 20 آذار 1999

لا يقال الفقر ضد الغنى كما لا تقال الشمس ضد العتمات. ليس الفقر عدماً ليقايس. لا يحكى الا الوجود. عنيت الفقر لأن سيدي أحبه فانوجدت والوجود لا يعتذر. الفقير عارف لأنه يرى مثل الناصري الشريد. الفقير قتيل. لذلك يعلو. يعلو هنا. الملكوت دشنه صاحبه هنا على ضفاف بحيرة طبرية. ولما فتح فاه قال: «طوباكم ايها الفقراء»، يا جميع الجياع بين الهند والحبشة، المشلوحة أولادهم على أرصفة العواصم. في رواية لوقا وحدها “طوباكم ايها الفقراء لأن لكم ملكوت الله”. حدة لم تبلغها قولة متى: “طوبى للمساكين بالروح”. والمفسرون يقولون لنا ان الكلام الاكثر حدة هو ما صدر عن فم السيد. ويقول الذهبي الفم ان المسكنة بالروح هي التواضع. وقد تشمل كل طبقات الناس. لماذا الطوبى للمحرومين على الصعيد المادي عند لوقا الانجيلي؟ انه هو القائل ايضاً في الله: “ملأ الجياع من الخيرات والأغنياء ارسلهم فارغين”، الانجيل الثالث انجيل فقري اذاً. يبدو ان الدعوة تتضمن مناصرة للفقراء من حيث هم. لمجرد حرمانهم وكأنه يقول انهم انصاره. انا لست بلائم أحداً منهم اذا سعى الى المال. لعل هذا من تعلقه باولاده وعلمهم وصحتهم. أنا لست بقائل ان هذا من الخطأ ولعلي اذا كتبت عن بلد لا أريده متخلفا بالمعايير المتعارف عليها اليوم. كذلك أطلب العدالة واناضل من اجلها. واكره من نادى في سبيل ذلك بقتل الاثرياء وأنا لا أكره واحداً منهم بل لبعض منهم عندي مودات. ما هذا ببحثنا ليوم. وانا في هذه اللحظة لا أكتب عن العطاء وعن المعطي بتهليل كما يدعو الى ذلك بولس. هذه المرة لا أعظ أحداً ولا افاضل بين ناس وناس . اعلن فقط بناء على الكلمة الالهية ان الهي لصيق بالفقراء وانه لما اتخذ هيئة بشرية اقام مع المستضعفين، في حيهم وبدا واحداً منهم كي لا يشعروا ان بين الله وبينهم هوة.

أريد ان اقول للفقراء (لو استطاعوا ان يشتروا جريدة) ان الخطر المحدق بهم – في سعيهم – ان يشتهوا المال. الجهد في سبيله ليس الطمع به. كيف يفهمونني لو قلت لهم ان وضعهم مبارك وان فيه نعمة. انا ما قلت ان يثبتوا في حالهم ولكني ادعوهم ان يثبتوا في قلوبهم لأن الله كنزهم وان عرفوا ان يشتهوه يتنزهون عن كل خطيئة. هناك مصطلحات أوجدتها الامم المتحدة لما نحتت افهومة التنمية في الخمسينات فتعلمت الدول ان تتكلم عن حد الفقر وان ثمة من كان دونه. انا لا أنفي شيئاً مما تقوله الامم المتحدة ومتفرعاتها الاقتصادية وأكره المتحذلقين الذين سيتهمونني بالطوباوية. انا لا ابني نظرية. اعتقد ان هناك مرتبة من الوجود يستطيع فيها المتأمل ان يخرج نفسه من حيز كل هذه اللغة الانمائية. هناك مرتبة الوجود لا علاقة لها بالاقتصاد السياسي وهي مرتبة ذلك الذي وحد المسيح نفسه به لما قال: “كنت جائعاً فأطعمتموني”. انا أفهم ان هذا كلام مرسل الى الحافظين انفسهم بمالهم وانه دعوة لخلاص هؤلاء. ما يهمني اليوم من كلام السيد قوله: “كنت جائعاً” بمعنى انه واحد مع هذا الذي لا يقتني شيئاً وان هذا له ان يفخر بأنه يعيش في مقام مع المسيح فيما هو في هذا المقام أي فيما هو لا يشتهي ما ليس هو عليه. اذا اقام خارج هذا المقام اعطى المحتاج ليس عندنا وعد بأن المسيح معه. ندخل، اذ ذاك، في معالجة اخرى. الفقير – فيما هو على حاله – حبيب المسيح وحسبه. من اعطاه شيئا بلا استعلاء ولا منة ولكن حباً ومشاركة يحبه السيد ايضاً. انه يشتري نفسه. اما لصيق التراب والذل فمن حيث هو جعل الناصري حليفه. ومن اراد ان يقترب من الناصري يقترب هو منه. بلا هذا الدنو من الضعاف ليس لأحد صلة مع فقير الناصرة. ليس لي ان أعلمك سبل الدنو. الحب يعلم كل شيء.

ان تكون جليس المسيح وانت على الارض كرامة لا بعدها كرامة. هذه ليست ملهاة عن الجهد الدؤوب الذي اذا لم نبذله في سبيل المحرومين نكون قد شاركنا في استمرار العوز عندهم وكل المخاطر الناجمة عن العوز. انا لست أؤمن ان لنا فردوساً على الارض نأكل فيه ونشرب ولو آمنت انه لا يسوغ لنا ان نخلف موعدنا مع العدالة. اردت فقط ان أشهد ان للمسيح اخوة جالسين منذ الآن في ضيائه وانهم عنده المصطفون ولك انت ان تتبين طريقك اليهم لتعرف طريقك اليه. ??? قد يختار الفقير ان يلازم فقره اذا رأى في نفسه خطراً ان ينتقل الى حال اخرى. قد يختار الغني الفقر اذا أحب. ولهذا سميت عندنا الرهبانية الفقر الاختياري. قد يرى الانسان انه اذا بات على القليل يقترب الى الله. هذا خيار صعب لكنه ممكن. لا يفرض على احد. ولكن من رأى ان الفقر سبيله الى الله فهذا يحسب له براً وليس لأحد منا تدخل بين النفس وخالقها. قد يؤثر احدنا ان يموت فقيراً اذا تغلب على الخوف، اذا عرف مخاطر الامتلاك. قد يرى نفسه حراً في عدم الاقتناء أو قلة الاقتناء. هو لا يمنع احداً من التغلب على الحاجة. هو له ان يعتنق الحاجة سبيلاً الى الحرية. الا يحتاج الى احد ولا يتحسر في حاجته فهذا شأنه خصوصاً ان عرف ان قبوله الهبة انما يرتضي معها في كثرة الاحيان المنة. “الفقراء معكم في كل حين” قولة ليسوع ليست فقط ملاحظة وجود. في حسي انها دعوة لمن قدر على قبولها. وليس في هذا الموقف ادانة لأحد فليس عند من ارتضى فقره استعلاء فضيلة. انه الشوق لمجالسة اكيدة للسيد، شوق من لا يسعى الى مكافأة في الارض، حب للمكوث في الملكوت منذ الآن، اكتفاء بالكنز الوحيد الذي القلب موضعه. هذا يقدر ان يقول لله مع الحلاج: “مكانك في القلب القلب كله”. هذا هو الغنى بالذات اذ من يستطيع ان يغنى بغير الله او من يزيد على الله شيئا؟ انا اعرف ان هذا لا يحل المشاكل الاقتصادية في العالم. ربما لا يملك احد صيغة لهذا الحل. الوجود كله تجربة ومحاولة. لكن العالم مرض، برؤية البنى وتحليلها واصلاحها او الثورة عليها. الفكر الغربي يرى دائماً الى البنى، الى العام وعبقريته عبقرية القانون. وهو يحلم بالتطور ولا بد من احلام. لكن التطور ليس بحد نفسه التحسين. واذا اتخذنا الانسان بكل تركيبه وتعقيده فليس ما يدل على ان التقدم هو بالضرورة السير الى الاجمل والابهى بالمعنى الانساني الشامل. والسؤال الاكبر هو من اين نبدأ. انبدأ من الهيكليات الاقتصادية والسياسية لنصل الى الانسان في عمقه وسره أم نبدأ من الشخص البشري الراقي روحيا لندرك ما امكن ادراكه من تعمير الارض؟ وهل علينا ان نختار بين هذه المسيرة وتلك ام نشرع فيهما معاً على الرجاء؟ العقل الاوروبي لم يوصلنا الى القلب. وفي الواقع صدرت كل الاحلام الكبرى والطموحات الكبرى من الاحساس الوجداني. وهذا انسكب طموحات وانظمة أي قانوناً. وعالم القانون قائم ليضع حداً للجنون لكنه لا يشفي الجنون.والقانون قائم بسبب الخطيئة ولا يستطيع ان يحارب الخطيئة. انه ينقذ فقط من بعض البادي منها. المشكلة الحقيقية قائمة حتى النهاية في النفس البشرية. الويل لمن جهلها في تشعباتها، في آلامها، في فرادتها، في عزلتها، في انكسارها. النفس عالم الخاص. يبقى عالم العام الذي له مجاله ولكن لا يكفي وحده لحل مشكلة الانسان الوحيد في اوجاعه. عندنا عالمان يلتقيان أو يتقاطعان ولا يلتقيان دائماً. جل ما اردته في هذه العجالة ان الذين هم في عمق الالم لهم استقلال كبير او يمكن ان يكون لهم استقلال كبير عن العام ومحاولاته. ذلك ان هؤلاء قادرون على الا يتخذوا كيانهم الا من الله الواقف فوق على البنى وعلى النفس البشرية معاً. انهم في تحديهم الكبير لوطأة الهيكليات عليهم يشهدون انهم جعلوا الله مأكلهم ومشربهم وانهم – فيما يسعى الآخرون الى افضل يبنوه – يسعى هؤلاء الى ان يقيموا منذ الآن في المجد الالهي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الثالث من الصوم/ الأحد 14 آذار 1999 / العدد 11

يوم الأربعاء بعد هذا الأحد يكون الصوم قد وصل إلى انتصافه (الأسبوع العظيم يُعتبر طقسا صياما آخر). الخدمة في هذا اليوم للصليب إذ أحسّت الكنيسة باختبار الكثيرين أن قوة الصائمين قد تخور وأن الملل من الجهاد قد يعتريهم.

يُعتبر هذا العيد تكملة لعيد ارتفاع الصليب. وربما جاء هذا التكريم بمناسبة نقل جزء من الصليب الكريم من أورشليم إلى أَفاميا.ما يميز الخدمة هو الطواف بالصليب موضوعا على الرياحين وسط شموع ثلاث للدلالة على أن آلام ابن الله كانت في مقاصد الثالوث منذ الأَزل, وعند الوصول إلى وسط الكنيسة في آخر السَحَر نرتل: “لصليبكَ يا سيدنا نجسد, ولقيامتك المقدسة نمجد”. العيد يدل إذاً على آلام السيد واحدة مع القيامة. العيد هذا بعض من الفصح.

الصليب هو الأيقونة بامتياز إذ يتجلى فيها حب المسيح لنا. عندما نعلّقه في أعناقنا, نحن لا نعتقد أن في هذا الرمز قوة تحرسنا, ولكنّا نريد – كلما نظرنا إليه أو أحسسنا به – إننا نؤمن بالخلاص الذي أتمّه يسوع من أجلنا هذا ما عناه بولس عندما قال: “حاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح”.

كذلك, إذا ذُكر اسم “الآب والابن والروح القدس”, نرسم الصليب على وجوهنا لأننا فهمنا أن “المسيح ذبيحة قبل إنشاء العالم”. نحن لا نقوم بهذه الإيشارة آليا, ولكنا نقرنها بذكر الثالوث المقدس. هي إيماننا مرسوما علينا.

هذا الإيمان يقودنا إلى قول السيد في إنجيل اليوم: “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. أنت مدعو إلى اتباع السيد. هو وحده قائدك إلى الآب. أنت لست قائدا لنفسك بعقلك ومجرد جهادك. شرط سيرك وراءه أنْ تتجرد من حب الذات, أنْ ترمي كل شهوة ضارة. هذا هو الحمْل الحقيقي للصليب. حولك وفيك مشقات وموانع تَحولُ دون لرؤيتك يسوع.

إذا تخليت عن كل عائق بينك وبينه ترى نفسك متكئا على صدره وتسير إلى حيث يشاء. تسير إلى جراحه, إلى حبه. بدون هذا لا قيامة لك من الخطيئة.

عند ذاك تربح نفسك. “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” إذا كسبت كل أموال الدنيا وبعت نفسك للشيطان, يبقى بين يديك مال وتكون قد أهدرت نفسك. بعد المال يمكن أن تتسلط على ناس كثيرين. تستعبدهم ويعرفون أنك تحتقرهم وتذلّهم. في الظاهر هم لك, وفي الحقيقة أنك وحدك. في الواقع لا تكون محبا لأحد ولا تكون محبوبا. تكون قد خسرت نفسك.

ما من سبيل إلى ربح نفسك إلا إذا تخلى قلبك عن كل شيء. تحب الناس بلا تسلط. تستعمل الأشياء استعمالا ولا تشتهيها كما يشتهيها المحروم. لأنك عبد لما تشتهي. كل شهوةٍ دوار (أي دوخة). عقلك لا يمكن أن يسود الأشياء إذا لم يَسُدْهُ المسيح. المحبة مصلوبية, وفي المصلوبية الحرية.

Continue reading
1999, جريدة النهار, مقالات

المحبوبية / السبت 13 آذار 1999

انا محبوب اذًا انا موجود، هذا اذا تأكدت الامر. هذا حدس ولكن يمكن ان يكون صنع خيال. افعال العطاء اذا تدفقت عليك وغدت على شيء من العمق تجعلك تقترب من هذا الشعور ولكن ليس الى حد الطمأنينة الكاملة فالآخر قد يكون متقلبا او مخدوعا بخياله. وقد تراه مجافيا او نافرا او قاهرا او ظالما او مبغضا لأنه يشترط التبادل. انه يريدك دوما ان تثبته او اقله ان تثبت له قرباك وانه موضوع اهتمامك بل الموضع الذي تطرح فيه اهتمامك كله.

قلة من الناس مجانية العطاء. هي على عقل التجارة. الناس – الينابيع الذين يفيضون ابدا ويسقون من ذواتهم، من داخلهم الآخرين بلا حساب، بلا منة، بلا اعتزاز، بلا افتخار لأنهم يحيون مما يبذلون قلة عزيزة. من اعطى ينوجد. هو لا يحس انه افتقر، واذا خسر من اشيائه يحس انه ينمو بما بذل. ليس فقط لا يطلب اجرا ولا شكورا ولكن يزعجه الشكر.

قد لا يحس ابدا انه اعطى. انه كذلك لأنه فقير. انه لو احكم عقله ورأى ان شيئا يخرج منه وينسكب في الآخر لا يدرك ان هذا الذي خرج منه هو له. هو يعرف نفسه فقط مستودعا يغرف منه اي انسان ما يشاء ويعرف ان هذا المستودع ملك الناس جميعا. اما لماذا اختزن فيه ما اختزن فسؤال لم يطرحه على نفسه، هذا سر، كنهه في عقل الله فقط. وهو حر ان يستودع من شاء عطاياه. لماذا يهب هذا ويحرم ذاك هو ايضا سؤال ليس عندنا في هذه الارض جواب عنه. المهم في الدنيا من سيّد الكمان يهودي مينوهين كان غني القلب، حلوه، دمثا حتى لا تستطيع الا ان تستطيبه. ليس لك ان تسأل لماذا في قلبك شح. اذهب واغرف وارتو. هناك قلوب تفجرت حتى الانفتاح. امدد يدك اليها واشبع. ربما اذا تعاطيتها وانتشيت ينعم الله عليك بأن يملأ قلبك فينفطر ويتفجر وتنحسر عنك الصحراء.

لا يسعك ان تأخذ فترتوي الا اذا عرفت نفسك محبوبا وانت كما انت ومعطيك لا يريد ان يعرف شيئا عنك ولا من انت. والاهم في كل ذلك انه لا يريد ان يعرف من ضعفاتك الا ما تكشف ليعالج ما تكون قد كشفت عسى يطيب فيك موطن الضعف. وهو لا شأن له بشيء آخر، بما لا تريد البوح به. ولعل جل ما يستطيع ان يشعرك به في قرباه. ان يجعلك تتحسس بدفء منه يبعثك ليس الى الاطمئنان اليه ولكن الى ان سلام الله قد ينزل عليك ان انت بكيت وآمنت ان ربك يمكن ان يبعث فيك الرجاء.

وليست القضية ان يجعلك تثق بنفسك. ان الواثق بنفسه كثيرا مخدوع بقدرته، اما المنزعج من ضعفه، الذي يتآكله ضعفه ويتردد فيه قادر على ان يثق بالله اذا احبه واحد وأبان له انه حبيب الله. المحب لا يشتري لنفسه احدا. لا يسعى الى مبايعة. لا ينشئ حوله حاشية، زعماء الشعوب يفعلون هذا لأنهم يريدون ان يشتروا القلوب ولو الى حين. اما الذين هم لله فلا يريدون لأنفسهم زبانية ولا ان يقال عنهم حسنا. سعيهم ان يكونوا في الخفاء، تحت الستر الالهي، ان يراهم ربهم فقط. وهم لا يعرفون ان ربهم يقيمهم امام وجهه. لا يعرفون قرباهم.

يريدون ان يكون الاخر في القربى، ان يؤمن بالرحمة العلوية تحيط به وتشفيه. شرط هذا الشفاء الا يدينه الاتقياء، الا يفخروا بفضيلتهم لئلا يقعوا في الاستعلاء. كل استكبار يقتل الضعاف الذين هم اخوة يسوع الصغار. كل فضيلة خطرة على نفسها بسبب من هذا التعاظم الذي يهاجمها. السكر بالخير فينا اولى امارات السقوط. لذلك لا يعطي الا من اعتبر نفسه لا شيء ورأى نفسه في حال المحسن اليه، في الموهوبية النازلة من فوق.

من اتسع هكذا حتى شمول قلبه الآخرين كثيرا ما كان غير مفهوم لأن قوانين السلوك في المجتمعات الدنيوية انك تعطي من ترجو منه ان يرد لك بمثله في يوم مناسب او بشكر او بتلازم يذهب الى حد التزلف. الناس يسلكون كأن بينهم عقودا. والافضلون في المعيار الدنيوي يبغون شعورا بدل شعور وزيارة عن زيارة وافتقادا عوض افتقاد وتعزية ازاء تعزية. هذه قواعد الترابط الاجتماعي بين الافراد والعائلات والجماعات. غير ان المعطي المتهلل، المستجير بالله وحده والراكن اليه وحده فلا يفهمه اهل المعيار المجتمعي. انه ليس في افقهم. انه ليس افقيا. يمتد الى الاخرين ويبقى فوق. علاقته مع الجالس فوق. وجوده عمودي. لذلك يقول لله دائما: “لا تصرف وجهك عني لئلا اشابه الهابطين في الجب”.

يعرف نفسه موجودا فقط في رؤية الله. في الفلسفة المؤمنة نقول ان تماسك النظام الفلكي وقاعدة ثبات الحيوان والزهر وارتباط الاشياء كلها بعضها بالبعض انما هي في ضبط الله لها اي من حيث هي كائنة في رؤيته ورضاه. المؤمن الذي وصفناه هو من عرف نفسه حيا بالله وقائمًا به وفيه وذاهبا اليه. ورجاؤه ان يثبت هذا لأن ما عداه موت. لهذا عاش هذا الانسان فوق او من فوق. يجيء دائما من الذي ينشئه كل يوم هكذا. القلوب التي تعرف سره هي التي استقرأها الرب هذه الامور المحجوبة عن عقلاء هذا الدهر.

هذا الانسان من اين يجيء سره؟ كيف يتغلب على المرض، على الحزن، على الفقر، على المقهورية، على عزلة بني جنسه، على رفض الاقربين اياه وكل الحياة ان تنتقل من العزلة الى المشاركة. كل منا لا بد له ان يتوحد مع آخر لئلا يموت اختناقا.

الذي سميناه الآخر هو من التقى معك لتكونا واحدا على الاثنينية. ولكن اذا عاش هو في وحدة سحيقة فلا يلتقيك. ما هو بآخر. لا يلتقيك الا من خرج من نفسه في المجانية. ونحن نقول هذا خروج الى القيامة. غير ان من التقاك ليس كامل المجانية، ليس كامل الحب. لا يجدك من اجل نفسك، من اجل بهائك. يراك وعلى وجهك غبار او يستقبحك احيانا. هل يغفر لك بشاعتك من تأذى بها؟ لذلك يتركك الاقرب وحدك في صحرائك ويفتش لنفسه عن جنات.

لا يعيش الانسان الا اذا أحبه كامل. دون الكامل تعزيات صغرى او موقتة وصغرى معا بمعنى انها تدعك عطشانا او على كثير من العطش. لذلك تتوالى ايامنا ونحن نتبدى من صحراء الى صحراء. عرفت هذا الشعور لما عبرت سيناء مرة. كنت اتعزى بشجيرة صغيرة هنا وثمة واقول في نفسي وفي هذه اللحظة تغلبنا على الجفاف ولو قليلا.

واضح ان السيد لم يقل مرة ان احدا يجب ان يحبك. امرك انت بأن تحب. لكنه قال في انجيل يوحنا: “وصية جديدة أنا اعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضا. كما احببتكم انا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضا (34: 13). المسيح معلم المحبة المجانية ومعطيها كاملة. في هذا السياق كانت تعاليمه الاساسية كما ترجمها يوحنا ان الله احبنا اولا. تاليا انت تعرف نفسك حبيبه وحسبك. قضيتك ان تذكر ذلك دوما، الا تشك في هذه المحبوبية حتى تحيا.

الحساس روحيا هو من استطاع ان يرى نفسه في العطف الالهي ولو قاساه الله. لطف الله له تعابير مختلفة ومتضادة. يظهر بالتأديب احيانا وبما يشبه اعادة النفس الى الجفاف. غير ان الذي دلله ربه غير مرة يقدر ان يفهم ان الطريق الى الدلال الاكبر هو ان يتظاهر الله ببعده. هذا ليقيم نفسك في المجانية الكبرى.

سنذكر شيئا من هذا غدا في كنيستي ان عرفنا ان نقرأ الرموز. سنطوف بالصليب موضوعا على الرياحين ومحاطا بثلاث شموع. ان عبرت آلاما كبرى وعميقة فاعلم ان الله الذي ليس هو محدثها سيأخذ فيها بيدك ويرميك على الازاهير ويضيء قلبك بالانوار. عند ذاك تنتهي بواديك الى جنات. تعرف ان ربك قد اقامك في محبوبية لا تنتهي.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة والصوم/ الأحد 7 آذار 1999 / العدد 10

بعد أن يذكر كتاب الرسل «أنبياء ومعلّمين» في كنيسة أنطاكية قال: «وبينما كان هؤلاء يقيمون الخدمة للرب (أي القداس الإلهي) ويصومون، قال الروح القدس: أفردوا (بمعنى خصِّصوا) لي برنابا وشاول، فلمهمةٍ ندبتُهما. فصاموا، وصلّوا، ووضعوا الأيدي عليهما، وصرفوهما» (13: 2 و3). ماذا في النص؟

الروح القدس يلهم الكنيسة مجتمعة، وهي، مجتمعة، تصوم وتصلي وتتهيأ إلى أن يلهمها الله. عندنا هنا أساس إلى أن الصوم صوم الجماعة، والصلاة صلاة الجماعة. وعندنا أيضا أن الصوم غايته الوحيدة روحية أي أن يتقدس المؤمن الفرد وأن تتقدس الكنيسة أيضا. الصوم والصلاة مترافقان إذاً بمعنى أن الصوم لا يمكن أن يكون مجرد نظام طعاميّ. إذا بقي هكذا لا يهتم الله له ولا ينفع صاحبه. إنه رياضة تصير فيها الصلاة مكثفة. ولهذا ليس من حديث عندنا عن منافع الصوم معزولا عن الدعاء. «الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة». (بولس).

أجل هناك فائدة من الحرب التي تشنّها لذة اللسان وعلى التخمة. وهناك ترويض للنفس في الخروج على حضارة الاستهلاك. غير أن هذا لا ينفع إلا إذا عشنا معزولين عن اللهو والاسترخاء. هذا ضده قبض الحواس بحيث لا تكون منفلشة. رقابة على العين، على ما نسمع، على ما نقول، قمع للنميمة والشتم. رياضات إمساك ورياضة على الفضائل متماسكة. في الممارسة الطويلة للصيام نفهم أن عقل اللسان والفم ضروري للصلاة العميقة، الموصولة، والقراءة الإلهية. هذه أشياء لا تنفكّ بعضها عن بعض. وإذا لم تبلغك هذه الخبرة فاسلُكْ سلوك الأجيال السابقة التي عملت هكذا وفهمت. في الكنيسة أشياء كثيرة لا يفهمها كل فرد إذ كثيرا ما تعوزه الممارسة والدراسة. يفهم من سواه. وهذا سر الكنيسة أننا جسد واحد يتكامل أحدنا بالآخر فيعطي العالِمُ الجاهِلَ والأعظمُ في التقوى مَن كان دونه تقوى.

الكنيسة لا ندرك شؤونها فقط بالفهم العقلي. القلب المؤمن هو الذي يدرك، وأنت تأخذ بكل ما في الكنيسة لأن هذا كله من الروح الإلهي الذي تكلم بالروحانيين الكبار فأمَدّونا بما ذاقوه من حلاوة يسوع. فبعد أن تتروّض أنت على ما تروّضوا عليه، تفهم ما فهموه. وإذا أصغيت َ إلى هذه الفِرَق الغريبة التي تحاول أن تضرب كنيستنا بجانبٍ منها كالصوم، ترى نفسك مجرورا إلى ترك أشياء أخرى فتحسّ أن حبك لكنيستك بطلَ وأنك انتقلتَ إلى الأعداء.

فإنْ لم تبدأ صومك، فهوذا الآن وقت مقبول. وإنْ بدأته ولم تحضر الخِدَم المقامة في كنيسة رعيتك، ومعظمها يقام في المساء، وليس عندك عذر، فتابع الصلاة شديدةً لئلا تحسّ بفراغ الصيام من معناه. تكون ضعيفا للغاية إن قلت في نفسك: لا أستطيع الاستغناء عن هذا الطعام أو ذاك. «إني أستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقوّيني» (بولس). معذور أنت فقط إن كنتَ طفلا أو فتى صغيرا أو أوجبَ عليك الطبيب نظاما معيّنا من الأكل. أنت لا تستطيع وحدك أن تستهين القواعد الروحية الموضوعة منذ القديم.

هذا كله مرتَّب لكي تستقبل الفصح. المسيح القائم من بين الأموات يجب أن تستعدّ للقائه. إن كنتَ لاهيا أو كسلان أو مسترخيا أو فاقد الذاكرة الروحية أو كان فمك مكموما عن مخاطبة المسيح بأدعية موصولة أو غير منكبّ على الكتاب الإلهي، فليس فيك ما يستقبل المسيح. كيف تقول: «المسيح قام»؟ أين يقوم إن لم يقم فيك؟

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 28 شباط 1999 / العدد 9

هذا الأحد الأول من الصوم وصلنا أليه بعد أسبوع كان من المفروض أن يكون أسبوع تقشف شديد حتى إذا تطهَّرنا من شهواتنا نقدر أن نعلن إيماننا بالأرثوذكسية. الأرثوذكسية كلمة يونانية تعني استقامة الرأي أي استقامة العقيدة واستقامة التمجيد. إيمانك يجعل صلاتك وعبادتك مستقيمة, وحسن العبادة يقوي فيك الإيمان. فإذا أقمنا اليوم عيد “انتصار الأرثوذكسية” فنحن لا ننحصر بذكرى المجمع المسكوني السابع وهو النيقاوي الثاني, إنما نعلن تمسكنا بكل العقيدة.

في صلاة السَحَر اليوم كان من المفروض – لو لم نختصر الخدمة – أن نقرأ نصّا نبارك فيه الذين دافعوا عن الإيمان المستقيم, ونبسل (أي نحرم) الذين خالفوه, ونسمّي هؤلاء وأولئك. على سبيل المثال نحرم الذين لا يؤمنون بقيامة الأجساد. نحرم المعتقدات السيئة السابقة للمجمع والمعتقدات المغلوطة اللاحقة له.

نؤكد ضرورة الإيمان المستقيم لعلمنا أن الحياة الروحية الصحيحة غير ممكنة بلا هذا الإيمان. فالاعتراف بالإيمان الحقيقي هو تقديس للعقل وتقديس للسان. لهذا نرى أن القول بأنه يمكنني أن أكون طيبا “آدميا” وألا أهتم بتحصيل المعتقد الأرثوذكسي قول باطل. ولهذا نخشى كثيرا وضع إنسان يدّعي إنه يكفيه أن يحفظ الوصايا ولا يأبه لاستقامة الرأي. ونخشى كثيرا قول القائل أن المهم هو المعاملة بصرف النظر عن الإيمان. نحن نعرف أن الإنسان بالإيمان يتبرر, وأن الإيمان الصالح يقود إلى العمل الصالح.

نتيجة لذلك نكفّر بالدرجة الأولى شهود يهوه الناكرين لألوهية السيد ولا نتعامل وإياهم ولا نستقبلهم. فالبدعة الكبرى هي نكران الثالوث المقدس ومساواة الابن للآب. هناك فِرَق هدامة كثيرة كالسبتيين والمعمدانيين. السبتيون يَنكرون يوم الأحد. والمعمدانيون ينكرون معمودية الأطفال. ولا مجال هنا للردّ عليه. ولكن ينبغي أن نتنبه للاقتناص الذي يُحْدِثونه في صفوفنا وصفوف اخوتنا المسيحيين الآخرين.

لا يكفي ألا نخالطهم وألا نذهب إلى اجتماعاتهم. الدفاع الإيجابي عن نفوسنا هو في مشاركتنا حياتنا الكنيسة حتى تكفينا عباداتنا فنتعلم منها إذا أَصغينا إصغاء شديدا. الأمر الثاني, وهو في الأهمية نفسها, أن نزداد علما بالإنجيل والكتب الأرثوذكسية. الإنسان لا يولد مسيحيا مستقيم الرأي. يصير كذلك بصلاة الجماعة والمطالعة وحياة مطهّرة. سَلْ كاهنا ومَن حوله من الناشطين بالرعية, أو تلفنْ لنا نَقُلْ لك من أين تحصل على الكتب. لا يكفي شعورك بأنك متمسك بأرثوذكسيتك. فبعضٌ مِن الذين كانوا يقولون هذا وقعوا في حيل أعدائنا وذهبوا ليسمعوا كلمة الله. ولكنها كانت مفسَّرة بصورة خاطئة وفي مخاصمة لإيماننا. الكتب يجب أن يعوّض عن تقصيرنا في تعليمك. نحن ليس عندنا عدد كافٍ من الكهنة ومن المعلمين, وتنقصنا, هنا وهناك, حلقات تفسير أو سهرات روحية. اتصلْ بنا نحاولْ أن نلبّيك ما استطعنا. وإذا لم نتمكن من ذلك, اقرأ, اقرأ كثيرا لتردّ هجمات الأعداء وتبقى أرثوذكسيا على عمق كبير.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

روح الصيام /الأحد 21 شباط 1999 / العدد 8

غدًا إذا رضي الله عنا نستهل هذا الموسم المبارك الذي تعرفون انه زمان الزهد بالدنيا وزمن الإمساك والتروُّض على الخيرات. وحتى لا نحوّله إلى مسألة طعام، نقرأ اليوم فصلا من متى يدور الحديث فيه عن الغفران وعن كنز يجب أن نفتش عنه، كما يكلّمنا عن فرح الصائمين.

“إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم فأبوكم أيضا لا يغفر لكم زلاتكم”. الصوم إذًا وقت التلاقي، موسم نعيش فيه الأخوّة. تغفر لكل خاطئ إذا كنت قادرًا أن تراه بتوبته محضونَ الله. حتى الذين ظننتهم كاملين ووقعوا في زلة تتخطى سيئاتهم لأن الرب يقبلهم. الأهم أن تغفر لمن آذاك، لمن صمم أن يؤذيك، أن يهينك، أن يذلّك. تغفر بدءا من العائلة إذا كانت مطرح الإهمال. إذا أهمل الرجل امرأته أو هي أهملته، إنْ قسا عليها أو مرمرته، إذا كان الولد غير مطيع، كل هذا لا يشفى إلا بالصفح ومتابعة الحياة عطاءً غير مشروط. أنت تحب أهل بيتك في صدق لتنعشهم، ليتحملوا العيش الصعب. أنت مسؤول عن إصعاد ذويك إلى رحاب الله وذلك في دقائق الأمور، في اليوميات.

وإذا غفرتَ، يعرفون الله أكثر مما كانوا يعرفونه. سر المحبة أنها لا تنتظر مردودا ولكن يبقى للمحبة ثمار قد تأتيك اليوم أو تأتيك غدا.

الأمر الثاني في هذا الإنجيل: “أما أنت فإذا صمت فأدهن رأسك وأغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفية”. ليس هكذا كان الفريسيون المراؤون. المسيحي لا يتظاهر بفضائله. هي تضيء بحد نفسها. يأبى المؤمن أن يقال في حضرته أنه تقيّ. يرفض المديح. لا يتبجح بذكاء أو مال أو حُسْن. يترك محاكمته للرب. يرى نفسه فقيرا في كل شيء. قلبه يتجه عموديا إلى المسيح، وبعين المسيح يعاين الأخوة.

الأمر الثالث: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض… لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم”. إن بُعدًا من أبعاد الصيام أن نعيش هذه الفترة من السنة كالفقراء لأنه يجب أن توفر من ثمن الأطعمة لتعطيه اخوتك المساكين. هذه المشاركة جزء من الصوم. هذا هو البعد الأفقي في رياضتنا هذه. فمن بعد أن انقطعت عن دنياك بالتوبة وارتفعت، تنزل إلى الناس وتأتيهم بالله الذي يكون قد صار فيك. وتراهم أهم من مالك الذي كنتَ عاشقه. تحسّ، إنْ آمنتَ برياضة الصوم، أنّ مالك الذي أردته لنفسك تلذذا صار للآخرين، لأنك إنْ أدركتَ العشق الإلهي لا تبقى متعلقا بما كان لدنياك. المال كارثة فيك إن استهلكته للبذخ، إذا ذهلت به وتوكلت عليه. ويصبح نعمة عندك ليَعْبُر بك إلى الاخوة المحتاجين.

شهوتك للمال يجب أن تزول إن رمتَ التعلق بأهداب الله. من كان عبدا لأية شهوة لا يقدر أن يصير عبدا للبِرّ. فإن أَبدتَ فيك هذا التشهيّ ترى نفسك عطشان إلى وجه الله الباقي وحده. فإن اهتديت إلى أن المال ليس كنزا، يمتلئ قلبك من الله. الله، إذ ذاك، مشتهاك.

لقد أُعطيتَ رياضة هذا الموسم لتَبْلغ بها الفرح بالمسيح. فإذا نزل عليك هذا الفرح، تكون قد وصلت إلى القيامة شيئا فشيئا. إنها قيامتك بالغفران وبالتعالي عن الغرور. عندما يصبح الروح القدس فيك خلال الصوم، تتربى أن تصبح كائنا فصحيا.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

الدينونة/ الأحد 14 شباط 1999 / العدد 7

قبل الدخول في الصوم أرادت الكنيسة أن يحاكِمَ كلٌّ منا نفسَه حتى يصل إلى المحبة التي من أجل كسبِِها وفي روحها نصوم.  ذلك أننا نروّض الكيان البشري كلَّه في الصوم لنقترب من الرب ومن الأخوة. لذلك سُميَّ أحد مرفع اللحم الذي نحن فيه اليوم أحدَ الدينونة أيضا لأن من دان نفسَه لا يدينه الله.

علامَ نحاكم أنفسنا؟ على صورة المحاكمة التي سيحاكمنا بها المسيح. الكلمة التي يستعملها متى هو أنّ السيد يجمع كلَّ الأمم فيميّز بعضهم عن بعض. يُفرِّق الخراف عن الجداء. الخراف (الصالحون) يسمعون منه تعالوا يا مباركي أبي رِثوا المُلْك المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم”. كأن الملكوت لا يكتمل إلا إذا سكنه هؤلاء. إنهم مُساكنو الله.

“إني جعت فأَطعمتموني… وعريانا فكسوتموني” وبقية اللائحة من المحتاجين. ليس عندنا نص أقوى من هذا حيث يوحِّد يسوع نفسه بالجائعين والمرضى والمحبوسين. طبعا, المحبوسون مجرمون. مع ذلك هم في عزلتهم وحزنهم أحباء السيد, السيد أُوقِفَ أيضا عند بيلاطس. يسوع رفيق كل الذين وقعوا في الشقاء في كل ألوان الشقاء.

أنتَ, بعد أن ارتفع يسوع إلى السماء, أين تجده؟ مقرُّه في المعذَّبين. أنت لستَ تشفق في داخلك عليهم. أنت تذهب إليهم أولاً بالموآساة، بشعور المشاركة, باعتبارهم سادة عليك. أما العطاء الفوقي الذي يجرحهم فهو يرميك في جهنم. إذا لم تعتبر نفسك مديونا للفقراء لكونهم أتاحوا لك فرصة الحب, لا تكون فعلتَ خيرا. إعطاء القلب للقلب لا إعطاء المال هو الخير. الحركة التي لا تكون فيك من إلهام  السيد وتحركك إلى السيد تكون فقط مسيرة من أنانيتك إلى أنانيتك.

من هنا أنه إنْ كان هناك إحسان فهذا من باب اللغة لا من باب الحقيقة. المتسوِّل أو الفقير الذي تذهب إليه أو المريض الذي تدفع له ثمن دواء أو التلميذ الذي تمنحه قسطا مدرسيا هو المُحسن إليك. إذاً العملية ثنائية, مشاركة, الجائع أو الغريب فيها هو الأعظم.

هل نحن, بعد التنقل السكاني الذي جرى في بلدنا من جراء الحرب, نحب الوافد إلينا محبتنا للأصيل, أم أننا لا نُشرِكه في قرار أو رأي في رعايانا؟ والذريعة أن “أوقاف آبائنا وأجدادنا” ليس له أن يقول فيها شيئا. ما يجرحني جرحا بالغا في هذا الموقف أن الغريب غريب إلى الأبد وليس أخا حقيقيا, وذلك بناء على اعتبارات مادية محضة. ثم من قال أن ما تركه آباؤك وأجدادك أنت تديره؟ لمّا أَوقف أجدادك عقارا تخلّوا عنه وعن ملكه ولم يورثوك إياه. فإذا ً لستَ وريثه, فكيف تكون لك إدارته؟ يحزنني أن الغريب ليس له وجود على مستوى واحد في القلب مع مَن نسمّيه قريبا. “من هو قريبي؟” كان الجواب أنّ السامري الغريب الذي صنع الرحمة هو أمسى قريبا للجريح المرميّ على الطريق.

“إن لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. من انتقص الناس وجوده بالاحتقار, من جعلوه مهمَّشا غير محضون, من أهملوه إلى الجوع والمرض, من استعلوا عليه لكونه خاطئا, هؤلاء هم أحباء يسوع. فإن أهملتّهم أهملتَه, ومصيرك الجحيم التي عقوبتها الأساسية أن أحدا فيها لا يرى وجهك ولا ترى أنت وجه أحد. من عزل الناس عن قلبه هنا يعيش هناك عزلة كاملة لا افتقاد فيها.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان...