2000, مقالات, نشرة رعيتي

الموقف التربوي/ الأحد 23 كانون الثاني 2000 /العدد 4

ليس من موقف أخير من إنسان مجرد تبادل أفكار. كل عطاء عقلي معاملة أي علاقة كيان بشري بكيان. الموقف الفلسفي البحت نفسه له علاقة ما -ولو ضعيفة- بالقلب. الإنسان وحدة كاملة وليس مجرد دماغ. الموقف العلمي نفسه التزام. العقل البشري ليس قطارا ينتقل من محطة إلى محطة. هو مواجهة وإلى حد ما احتضان.

لذلك اخطأ من ظن انه إذا أورد حججا مقنعة -أي هي عنده مقنعة- تنتقل آليا إلى عقل آخر. هناك ناس لا يستسلمون للمنطق وكثيرا ما أزعجهم المنطق الصارم. هناك من لا يخضع للحقيقة إذا أثبتناها. فإنها مثبتة عندنا. فمن الناس من إذا اقتنع يتحرك قلبه، ومنهم من إذا تحرك قلبه يقتنع. فهناك عقول راجحة وعقول اقل رجاحة. هناك من يفهم بقلبه وحدسه. هناك من يعالج أفكارا، وهناك من لا يعلو عقله الحادثة المحسوسة ويدور حديثه دائما حول قصص الحياة اليومية.

نحن المسيحيين عندنا علاقة كبيرة مع العقل وعلاقة مع القلب. ولكن ثمة نماذج بشرية أدنى إلى التعقل الهادئ، ونماذج ادنى إلى التأثر والانفعال. فمن كان اقرب إلى العقل يحلل ولكنه يصدّق الناس حتى يثبت العكس. ومن كان ادنى إلى الانفعالات كثيرا ما أساء الظن. يتعامل مع فعل الآخر بردّات فعل.

فلكون العقل والعاطفة مختلطين عند كل إنسان لا بد من إيصال الحقيقة إليه، الحقيقة الشافية عن طريق العاطفة والعقل معا. وخصوصا لا بد من احترامه احتراما كليا. فالإنسان السامي الأخلاق لا يجرح أحدا ولا يستعلي عليه حتى يبقى قلب الآخر صافيا ليفهم. فأنت صعب عليك ان تقبل حجةً من شخص تعرف انه يكرهك. تردّ حجته بانفعال. يجب ان تشتري محبته لكي يقبلك ويقبل افكارك. قد يحبك ويرفض فكرك ولكنه لا يرفض شخصك. فالتربية ليست ان تنزل إلى مستواه العقلي فقط ولكن ان تنزل إلى وضع قلبه. وهذا يعني ان تكون متواضعا منكسر القلب.

شرط التواصل ان تكون هادئ اللهجة. فالصراخ يقطع التواصل لأن فيه، عادة، رفضا للشخص الآخر. من تصرخ بوجهه يظن انك تكرهه في الوقت الذي تصرخ فيه، فلا يصغي وقد لا يسمع.

إذا توترت أعصابك لا تتكلم. هدئ من روعك. اصمت فترة حتى تحس انك صرت هادئا. عندئذ يصفو عقلك أيضا ولا تصدم ولا تجرح.

أما إذا سمعت محدثك يصرخ فصلِّ من اجله في اللحظة واحتضنه في قلبك. وإذا رأيته محتدما جدا أَرجئ الجواب إلى وقت آخر ولا تعاتبه الا إذا كان من المقرّبين إليك. فبعض الصارخين يشبهون الوحوش الزائرة ويشتمون أو يسبّون. إنسان كهذا غير قادر على الفهم. وإذا استطعت ان تجيبه بعد هدوئه فاجعله أولا مطمئنا إليك بكلمات ودّ قد يقبلها وقد لا يقبلها.

هذا موقف تربوي. فليست برودة الأعصاب عدم إحساس أو قلة إحساس، إذ المهم ان يفهم مخاطبك انك على تلاقٍ وإياه ولست بعيدا ولكنك هادئ. كلّمه وأظهر اهتمامك بالموضوع وبشخصه. ولكن في أية حال كن صادقا وبيِّن له انك غاضب داخليا ولكن بلا صراخ واكشف اختلافك ونقاط اختلافك ولا مانع ان تجعل بينك وبينه قطيعة ولو إلى حين علّه يفهم انك حزين. ولكن اجعله يفهم ان القطيعة لا تتضمن كرها لشخصه. لك ان تباعد بينك وبينه حتى يرتدع لتصالحه على الحق.

فالشيء الهام الوحيد ان تبتغي الحق، فمرادك ان يأتي الآخر إلى الحق وليس المقصود ان تنتصر أنت. أنت لست بشيء. أنت فقط خادم للحقيقة. روِّضه على محبة الحقيقة. بهذا المعنى أنت مربّي كل إنسان جعلته الحياة على دربك. أنت لست على احد بمسيطر. أنت تأخذ بيد الناس لتقودهم إلى الله الذي يحيي قلوبهم. أنت مؤدِّب لأنك محب.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة من أجل الوحدة/ 16 كانون الثاني 2000/ العدد 3

الكنيسة الأرثوذكسية صلّت دائما وتصلّي من أجل الوحدة. تقول في قداس باسيليوس: «أَخمِدْ شقاقاتِ الكنائس». ولما نشب الخلاف بين البطريركية المسكونية وبطريركية رومية السنة الـ 1054، كتب البطريرك ميخائيل القسطنطيني إلى البطريرك الأنطاكي بطرس الثالث عن خلافه (أي ميخائيل) مع اللاتين مُتشكّيًا من بعض عاداتهم فأجابه الأنطاكي: «دع الخلاف داخل الكنيسة» بمعنى الا تتعجل أمر الانقسام مع رومية حتى نبقى على مناقشة أخوية في ما بيننا.

ثم مرّت القرون وحاولنا أن نعيدَ الوحدة في مجمع فيراري-فلورنسا السنة الـ1438، فلم تنجح مساعي الوحدة، حتى أطلقَ البطريرك المسكوني السنـة الـ 1920 رسالة دعا فيها إلى حل المشكلات، وكانت النتيجة تأسيس مجلس الكنائس العالمي، وفي هذه المنطقة مجلس كنائس الشرق الأوسط، للتقارب والتعاون التماسا لوحدةٍ، الله وحده واهبها في أوان رضاه.

منذ خمسين سنة ظهرت حركة تدعو إلى الصلاة من اجل الوحدة خُصِصَ لها أسبوع دُعِيَ أسبوع الصلاة من أجل الوحدة يقع بين 18 و 25 كانون الثاني من كل سنة نلتقي فيه لرفع أدعية طلبا لهذه الوحدة: فما يبدو صعوبة كبرى على صعيد العقل قد تذلّله أدعية الأتقياء.

غير ان الوحدة تعني إزالة الحواجز على مستوى العقيدة. قلت مستوى العقيدة لأن العادات الطقسية تبقى حرة إذا لم تكن تُناقض الإيمان. فالطقس اللاتيني يبقى كما يبقى الطقس البيزنطي. ولا يبدو اليوم ان اللاهوتيين يطرحون مسائل قديمة مثل شكل المعمودية (رش أو تغطيس) أو شكل المناولة (خبز فطير أو خمير). هناك تفاهم على ان التقاليد الإقليمية ليست حواجز.

الاختلاف الحقيقي باعتراف جميع الفرقاء هو حول مفهومنا للكنيسة. هل هي شركة إيمان وأسرار في هيكلية تتساوى فيها الكنائس فيكون لكل منها استقلال ينفتح بالمحبة فلا تكون الكنائس منصهرة على شكل هرمي أي لا يكون رأس تنفيذي يُصدِرُ الأمرَ لكل المؤمنين والأساقفة بناء على تفويض إلهي. هذه هي باختصار الرؤية الأرثوذكسية وفيها ان أسقف رومية هو أول بين إخوة متساوين، يرئس اجتماع البطاركة، وقد يلعب دورا تنسيقيا ويكون رمزًا للوحدة العالمية بيننا، ولكنه ليس «أسقفا عالميا». هذه العبارة التي لا يستسيغها كثير من اللاهوتيين اللاتين يستعملها البابا الحالي باستمرار. يبارك البطاركة والمطارنة. ما يحسّه كل متتبع للوضع الحالي في الكنائس ان الكنيسة الغربية، مع كونها قالت بالكنيسة المحلية (الإقليمية)، ومع كونها أَوْلَت الأسقف المحلّي أهمية وتكلمت عن جماعة أسقفية، إلا انها تعيش نوعا من التناقض بين الكنيسة المحلية والكنيسة العالمية. لم تستطع ان تبني هيكلية تنسجم فيها الكنيسة المحلية وكنيسة العالم. فكيف تكون كنيسة فرنسا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة محلية ولا تستطيع ان تنتخب أساقفتها؟ أي إنه يُعترَف ببعض جوانب الاستقلالية المحلية ولا يُعترف بجوانب أخرى.

طبعا لا بد من معالجة هذه الأمور بالتلاقي بيننا. الاجتماع الرسمي الأعلى بين الكنيستين سيُعقد في بالتيمور (أميركا) في تموز المقبل. سيبدأ بمعالجة هذه القضية على ما أتصور.

تبقى العقليات والمشاعر وما نشأ الناس عليه. قد يتفق اللاهوتيون على معظم الأمور ولا تماشيهم الشعوب. ولكن نحن نحيا على رجاء «هبوب ريح عاصفة» تكون لنا بمثابة عنصرة تجعلنا بشرا جددا.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

عيد الظهور الآتي/ 2 كانون الثاني 2000 العدد 1/

عيد الظهور الإلهي الذي هو ذكرى معمودية السيد كان يتضمن ايضا تذكار الميلاد، ففصلهما في الشرق القديس يوحنا الذهبي الفم لأسباب تربوية ورعائية ليتضمن يوم 6 كانون الثاني فقط ذكرى المعمودية التي يقال لها في العامية الغطاس المأخوذ من غَطَس لأن السيد عَمَّده المعمدان غطسا في الماء.

          فبعد انفصال العيدين احدهما عن الآخر بنَت الكنيسة كل عيد مثل الآخر تماما فجعلت «بارامون» اي وقفة لكل من العيدين مع قداس، وأقامت الأحد اللاحق لكل عيد مرتبطا بالعيد. ولكل منهما ايام تهيئ له وتذكر معانيه. العيدان متوازيان اذًا والهيكلية واحدة. وقبل الغزو الثقافي الغربي الذي ركّز على الميلاد وأحاطه بزينة وأضواء، لم يكن الميلاد شعبيا مميزا عندنا. فحتى مطلع شبابي لم يكن بيت ارثوذكسي يقيم الشجرة أو المغارة، وما كان الأهل يوزعون هدايا. عيد يتم في الكنيسة فقط، ثم يتبادل المؤمنون الزيارات. كان الارثوذكسيون قبل خمسين او ستين سنة يحتفلون بزخم واحد وابتهاج واحد بالعيدين حتى قضت الدولة اللبنانية على الغطاس رسميا، ودفعت المسيحيين إلى الميلاد حصرا.

          ولم نحتفظ شعبيا بشيء من رونق العيد سوى ان الكاهن يطوف على البيوت لينضحها بالماء المقدس بعد صلاة العيد. رتبة تقديس الماء تتم مرتين حسب الأصول، مرة في البارامون قبل القداس، ومرة في العيد قبل القداس ايضا اي بعد المجدلة الكبرى. ذلك انك لا تصنع رتبة اذا انتهى القداس. اما تقديسنا الماء اليوم بعد القداس الإلهي فمردّه، على ما اظن، إلى ان المؤمنين يصلون متأخرين.

          اللافت في تقديس المياه أنّ عندنا حركتين: إحداهما نضح المؤمنين بالماء وشربهم منه، وثانيهما تبريك البيوت. تقديس الماء هنا ليس ليصبح ماء المعمودية، وفي الأصول لا يُستعمل ماء الغطاس للمعموديات. الماء المقدس يعني ان كل شيء حيّ -والحي يحيا بالماء- بات مخصصا لله. والبيوت اذا رُشت تصير بدورها مُلْكا لله اذ يقدّسها الماء الحامل النعمة.

          مما لا ريب فيه ان تحسينًا يجب ان يدخل على زيارة الكاهن للبيوت. فليقف اولا ويقم بطلبة لكل اعضاء البيت بأسمائهم. هذا من شأنه ان يقضي على ما قد يُشعَر به على انه عملية آلية.

          فليكن هذا الموسم تذكيرا لكل واحد منا بمعموديته. فليجدد نفسه بالروح القدس. اجل نحن نؤمن بمعمودية واحدة لكونها اتخاذا لموت الرب وقيامته. ولكن المعمودية مفتاح لحياة البر، والبر نجدده في كل حين.

          هذا ما يشير اليه الإفشين (الصلاة) الذي نقدس به طبيعة المياه لتصبح حاملة الحياة الجديدة. الكاهن في مَطالع الصلاة يقول: «أضئني انا عبدك… أَنِرْ عينَي عقلي». ذلك انه يلتمس تقديسه من حيث ذاته ومن حيث انه يحمل الشعب. يتوب الكاهن اذ يخشى ان تَحُوْل خطاياه دون حلول الروح القدس (هذا ايضا في قداس باسيليوس). وصاحب الصلاة قديس يرى نفسه خاطئا. هو صفرونيوس الدمشقي المولد الذي صار بطريرك اورشليم قبل ان يفتحها العرب بسنتين.

          يشهد لإيمانه الثالوثي ثم يمتد إلى إشراك الكون جميعا بفرح العيد. «اليوم القمر يتلألأ مع العالم بالأشعة الساطعة». لا يقول ان القمر يستمد نوره من الشمس. النور الحقيقي الآن هو المسيح شمس العدل كما سمّيناه في الميلاد. «اليوم نجونا من الظلمة» بفضل ظهور الرب الذي يُفعم السماء والأرض فرحا واحدا.

          القسم الكثيف لاهوتيا ينتهي بما كان اكثره افشين تقديس الماء في سر المعمودية حتى يبلغ اخيرا استدعاء الروح القدس: «انت الآن ايها السيد قدّس هذا الماء بروحك القدوس». لا يقول كما في القداس «محوّلا اياه». ليس عندنا هنا استحالة ولكن توظيف الماء في عمل تقديسيّ للناس والمنازل والحقول.

          إلى جانب هذه الصلاة العظيمة ألِفنا في بعض الكنائس -وقد صارت قليلة- ان نقيم التقديس الصغير للماء في اول كل شهر فيأتي المؤمنون ويستقون منه. وفي المنازل التقية في اليونان يُحفظ هذا في وعاء يدلّى من السقف او ربما من الجدار فيتناول منه المؤمن ملعقة كل صباح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

2000/ الأحد 26 كانون الأول 1999 / العدد 52

حتى انتهاء العام نبقى مع ذكر الميلاد وبركاته, ونركز اليوم بالذات على والدة الإله الرفيقة الأولى لهذا الحدث والنموذج لكل نفس عذراء تطلق السيّد في العالم كما يقول مكسيموس المعترف. “المسيح الرب” هذا هو الذي أعلنته السماء للرعاة المتنقلين من مرعى إلى مرعى حتى وجدوا يسوع.

كل منا متنقل, متحير حتى يجد مقره في السيد. عندئذ يمشي حيث يشاء ويحمل يسوعه معه ويرجو أن يمدّ الناس بهذا المسيح الذي يحمل, بالشهادة. إذا استمر فرحنا بالعيد فأي فرح هذا؟ هل هو موسم مخصّص للهدايا, للأطفال, للمعايدات حتى نخرج من حياة رتيبة؟ ولكن نخرج إلى أين, إلى من؟ هل هو حقا فرح بأن إيماننا هو أن المسيح هو أبداً جديد يزيل عنا ما أمسى في النفس عتيقا, مهترئا؟ هل صار يسوع في الواقع ذلك الشيء الجميل الذي هو أثمن من نسائنا وأولادنا وأملاكنا وقلوبنا فنعطي كل شيء لنقتنيه؟

بعد ستة أيام من اليوم ستحل الألفية الثالثة وتستقبلها البشر بالأضواء والألعاب في عواصم العالم وعلى مدى بلدان. وقد أُنفقت ملايين من الدولارات في فرنسا أي مجموعة مليارات في أوربا لأن الناس تأمل شيئا جديدا لنفسها. ربما استردّوا هذه الأموال بما ينفقه السواح. ولكن الفقراء في رأس السنة القادمة ستبقى جائعة.

ليس أحد يعرف ما تخبئه الألفية لنفرح بها. هناك أشياء نعرف أنها ستصير. تقدم كبير في عالم المعلوماتية, انفتاح الأسواق بعضها على بعض في ما يسمى العولمة, وصول الأخبار, كل الأخبار إلى من كان عنده وسائل لالتقاط الصور (تلفزيون وسواه), تقدم للجراحة والطب, قضاء أكيد على سرطان الدم وربما كل سرطان.

هذه بعض الأشياء التي نعرف أننا واصلون إليها. ولكن لا نعرف بعد إذا كانت الأحقاد بين الإثنيات أو الأعراف أو الشعوب ستقلّ, لا نعرف شيئا عن الحروب الأهلية التي كثرت في كل أنحاء الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية. ماذا عن حرب الحضارات؟ هل ستنفجر؟ ماذا عن العداء بين الطوائف؟ الكثير مما ينتظرنا مجهول.

غير أن المعلوم إيماننا. هذا ثابت إن شئنا أن يثبت لأن الله يريده أن يبقى. إيماننا هو الحصن لقلوبنا, لمبادئنا لا الألفية الثالثة. هذه كالوعاء يمكن أن يبقى فارغا أو أن تملأه بعطر. العالم المقبل بعد أيام وكذلك القرن القادم سيكونان عطية الله إذا الناس بذلوا جهودهم ليكون الدهر كذلك.

أنت لا تتلقى إذاً لا العام ولا القرن أو ما تيسّر لك أن تعيش من القرن. أنت تعبئ نفسك من المسيح وترحل في العام والسنوات التي ييسرها لك ربك. أنت سفير المسيح, والسفير يمثل بلده. هل أنت, في أقوالك وسلوكك, مندوب المسيح؟

لا عبرة عند المؤمن للأزمنة تنقضي لأن “ألف سنة في عينيكَ كيوم أمس الذي عَبَر”. يمكن أن يكون يوم واحد عندك مليئا بالرضاء والبركات أكثر من سنوات. الزمان لا شيء. املأه أنت نعمة ولطفا حنانا. املأه هدوءاً. “وعلى الأرض السلام في أناسِ المسرة” أي الذين رضى الله عنهم. يرضى الله عنك إذا أنت استرضيته. كيف تسترضيه؟ بالإيمان. لماذا الناس لا يؤمنون؟ لأنهم يطلبون مجدا بعضهم من بعض. إذا ابتعدت عن شهوة السلطة تقبل الآخر, تهدأ, تلقاه اليوم وغداً. أنت وإياه ستكون معا في السنين القادمة. هذه المعية هي الفرح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

2000/ الأحد 26 كانون الأول 1999 / العدد 52

حتى انتهاء العام نبقى مع ذكر الميلاد وبركاته, ونركز اليوم بالذات على والدة الإله الرفيقة الأولى لهذا الحدث والنموذج لكل نفس عذراء تطلق السيّد في العالم كما يقول مكسيموس المعترف. “المسيح الرب” هذا هو الذي أعلنته السماء للرعاة المتنقلين من مرعى إلى مرعى حتى وجدوا يسوع.

كل منا متنقل, متحير حتى يجد مقره في السيد. عندئذ يمشي حيث يشاء ويحمل يسوعه معه ويرجو أن يمدّ الناس بهذا المسيح الذي يحمل, بالشهادة. إذا استمر فرحنا بالعيد فأي فرح هذا؟ هل هو موسم مخصّص للهدايا, للأطفال, للمعايدات حتى نخرج من حياة رتيبة؟ ولكن نخرج إلى أين, إلى من؟ هل هو حقا فرح بأن إيماننا هو أن المسيح هو أبداً جديد يزيل عنا ما أمسى في النفس عتيقا, مهترئا؟ هل صار يسوع في الواقع ذلك الشيء الجميل الذي هو أثمن من نسائنا وأولادنا وأملاكنا وقلوبنا فنعطي كل شيء لنقتنيه؟

بعد ستة أيام من اليوم ستحل الألفية الثالثة وتستقبلها البشر بالأضواء والألعاب في عواصم العالم وعلى مدى بلدان. وقد أُنفقت ملايين من الدولارات في فرنسا أي مجموعة مليارات في أوربا لأن الناس تأمل شيئا جديدا لنفسها. ربما استردّوا هذه الأموال بما ينفقه السواح. ولكن الفقراء في رأس السنة القادمة ستبقى جائعة.

ليس أحد يعرف ما تخبئه الألفية لنفرح بها. هناك أشياء نعرف أنها ستصير. تقدم كبير في عالم المعلوماتية, انفتاح الأسواق بعضها على بعض في ما يسمى العولمة, وصول الأخبار, كل الأخبار إلى من كان عنده وسائل لالتقاط الصور (تلفزيون وسواه), تقدم للجراحة والطب, قضاء أكيد على سرطان الدم وربما كل سرطان.

هذه بعض الأشياء التي نعرف أننا واصلون إليها. ولكن لا نعرف بعد إذا كانت الأحقاد بين الإثنيات أو الأعراف أو الشعوب ستقلّ, لا نعرف شيئا عن الحروب الأهلية التي كثرت في كل أنحاء الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية. ماذا عن حرب الحضارات؟ هل ستنفجر؟ ماذا عن العداء بين الطوائف؟ الكثير مما ينتظرنا مجهول.

غير أن المعلوم إيماننا. هذا ثابت إن شئنا أن يثبت لأن الله يريده أن يبقى. إيماننا هو الحصن لقلوبنا, لمبادئنا لا الألفية الثالثة. هذه كالوعاء يمكن أن يبقى فارغا أو أن تملأه بعطر. العالم المقبل بعد أيام وكذلك القرن القادم سيكونان عطية الله إذا الناس بذلوا جهودهم ليكون الدهر كذلك.

أنت لا تتلقى إذاً لا العام ولا القرن أو ما تيسّر لك أن تعيش من القرن. أنت تعبئ نفسك من المسيح وترحل في العام والسنوات التي ييسرها لك ربك. أنت سفير المسيح, والسفير يمثل بلده. هل أنت, في أقوالك وسلوكك, مندوب المسيح؟

لا عبرة عند المؤمن للأزمنة تنقضي لأن “ألف سنة في عينيكَ كيوم أمس الذي عَبَر”. يمكن أن يكون يوم واحد عندك مليئا بالرضاء والبركات أكثر من سنوات. الزمان لا شيء. املأه أنت نعمة ولطفا حنانا. املأه هدوءاً. “وعلى الأرض السلام في أناسِ المسرة” أي الذين رضى الله عنهم. يرضى الله عنك إذا أنت استرضيته. كيف تسترضيه؟ بالإيمان. لماذا الناس لا يؤمنون؟ لأنهم يطلبون مجدا بعضهم من بعض. إذا ابتعدت عن شهوة السلطة تقبل الآخر, تهدأ, تلقاه اليوم وغداً. أنت وإياه ستكون معا في السنين القادمة. هذه المعية هي الفرح.

Continue reading
1999, مقالات, نشرة رعيتي

أحد النسبة/ الأحد 19 كانون الأول 1999 / العدد 51

يدعى هذا الأحد هكذا إذ نقرأ فيه أسماء السلالة التي انحدر منها المسيح حسب الجسد. فهو ابن إبراهيم وابن داود وابن مريم, من هذه الأجيال التي كانت وحدها تعبد الله الواحد وتنتظر المخلّص حسب الوعد الذي قطعه الله لشعبه على لسان الأنبياء.

ومن قرأ أسماء الأجداد لا يراهم على الكمال الخلقي المرجو كما نعرف سيرتهم من العهد القديم, فإن المخلّص يجيء من هذه الطينة البشرية كما هي وآباؤه لا يولونه شرفا. إنه هو الذي شرّفهم بالخلاص. أما جدّات السيد فمنهن راعوث الوثنية ومنهن ثامار وراحاب وكلتاهما تعاطى البغاء. هذا ليقول الإنجيل أن مقاصد الله تخترق أوضاع الناس على شقائهم, وليقول أيضا أن طهارة يسوع هي من فوق.

النسب عند متى يبدأ بإبراهيم أبي المؤمنين. نحن إذاً مع المسيح في اكتمال التخطيط الإلهي القديم. النسب عند لوقا يصعد إلى آدم ليقول أن يسوع مخلّص الجنس البشري كله وليس مرتجى اليهود وحدهم, ليقول أيضا أنه ملك الإنسانية المتوّجة به.

وأخيرا يقول الكتاب في متى أن السيد مولود لعذراء ليوحي بأنه ليس مدينا بظهوره لأحد من البشر فإنه مبعوث الآب. المسيح يأتي من ابنة لداود. يؤكد ذلك بولس في رسالته إلى أهل رومية(1: 3). فما من شك على أن المعلّم اتخذ جسده من العبرانيين. وكل محاولة أخرى لجعله من الأمم لا أساس لها في النصوص وتقطع الصلة بينه وبين الكلمة الإلهية التي انسكبت على شعب واحد. المسيح “ملء الزمان” يحقق وعود قطعها الله على نفسه قديما. المسيح نهاية تهيئة. لم يخرج من عدم تاريخي. ولعل ذكر من كان قبل إبراهيم في رواية لوقا هو تأكيد على أن السيد ابن الوثنيين أيضا. أي أنه مصبّ الأمم جميعا ومصبّ خيراتها.

وأخيرا كان لا بد أن نشير إلى القولة:”ولم يعرفها حتى وَلدتْ ابنها”. طبعا لا شيء في اللغة يؤكد على أن فعل “عرف” يدل على العلاقات الجنسية. فقد تعني الآية أن يوسف لم يعرف قدرها أو قيمتها قبل مولدها. ولكن “عرف” قد يدل على العلاقات الجنسية كما ورد ذلك في استعمال سفر التكوين لهذا الفعل. عندئذ يكون المعنى أن يوسف لم يتصل بها قبل مولدها. بعد المولد لا يقول شيئا لأن متى غير معني في كتابه بوضع سيرة لمريم ويوسف. يهمل هذا الأمر ولا يؤرخ له.

في اللغة, الآية تعني الانقطاع الكامل للصلة بين يوسف والبتول ولا تعني بدء صلة بعد المولد. على سبيل المثال إذ سألتني: ماذا كنت تعمل أمس قبل الظهر؟ أجيبك مثلا: قبل الظهر كنت في بيتي. هذا لا يعني أني غادرت بيتي بعد الظهر. ولكن أنت كان اهتمامك بهذه الفترة من النهار.

 موضوع أمومة مريم لأولاد آخرين مبحث مستقل لا علاقة له بسرد حادثة الميلاد في إنجيل متى. وكل نص ينبغي أن يفسَّر على ضوء تحديد المجمع المسكوني الخامس من أنها دائمة البتولية وتكرار عباداتنا لذلك.

في عباداتنا وعند آبائنا أن الميلاد عيد النور. هو ليس تجديد الذكرى لمولد على طريقة البشر الذين يعيّدون كل سنة لمولدهم. ما عيّد له المسيحيون الأولون ليس حدث المولد من بيت لحم, ولكن معنى المولد, أي أنهم فرحوا لانبثاق النور في تاريخ الناس, وأكدوا على أنهم يعاهدون النور.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان...