2000, مقالات, نشرة رعيتي

وبِّخ واغفر/ الأحد 27 شباط 2000 / العدد 9

المسيحية فيها لطف كثير يوحي أحيانا بأننا نتفرج على الخطأ ونسترخي أمامه. والحق ان الوداعة والسلاسة في التعامل لا تنفيان اتخاذ موقف شديد إذا كان ضروريا. لذلك كثيرا ما تكلم الكتاب المقدس عن التوبيخ. لقد قيل عن السيد انه «ابتدأ يوبخ المدن التي صُنعت فيها أكثر قواته لأنها لم تَتُب» (متى 11: 20). تنبيه أيّ منا للخاطئ يمكن ان يصل إذًا إلى حد اللوم الشديد.

ولئلا يتأفف المؤمنون من ملاحظات المسؤول، لا يطلب بولس الرسول من الأسقف فقط ان يعظ ولكن ان «يوبخ المنافقين» (تيطس 1: 9). التوبيخ -حسب المناسبة والموضوع- قد يأتي جزءا من العظة لأن مَن أَحب يؤدِّب. أية محبة هذه التي لا تستهدف التقويم؟ وهنا اشتهر يوحنا المعمدان الذي وبّخ هيرودس لسبب هيروديا مع ان الملك كان يصغي إلى القديس بانبساط. الهاجس عند الأخ المحب هو ان يفضح أمام صديقه أخطاءه حتى يُقرَّ بها فتعوم على سطح النفس ولا تبقى في قاع النفس، مخبأة. وفي هذا قال بولس: «الكل إذا توبخ يُظهَر بالنور» (أفسس 5: 13). وليس عندنا من صداقة بحيث تكون أخطاؤك مخفية وأخطائي مخفية فلا تَكاشُف. هذه ليست صداقة. هذا تآمر على الحق.

ربما أصلح الإنسان نفسه بلا موآزرة مرشد. ولكن كثيرا ما أحب الإنسان معصيته إذ يدمر الإنسان نفسه ويعرف أحيانا انه يدمرها. ويفضل خرابها على ترميمها. لا يمكننا ان نشاهد أحدا يهوي في الجحيم ولا نسعفه لارتفاعه.

قد يتبادر إلى الذهن ان مَن أخطأ إليك تدعه بلا لوم حتى لا تظهر مزعجا أو قد تنطوي على فعلته لأنها تحزنك. أما الرب فيقول: «ان اخطأ إليك فوبّخه» (لوقا 17: 3). متّى أضعف لهجة: «ان اخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه» (18: 15). لماذا يجب التوبيخ؟ لأنك أنت عالم بخطيئته ولا يجوز ان تُفشيها لئلا تصير نميمة. وليس دافع التوبيخ أن الخاطئ خضك أو جرحك فأساء إليك وأحدث لك مرارة. لست أنت همّ نفسك وليست القضية قضية عزة نفس. أنت زاهد بنفسك وزاهد بجرحها. أنت يَهمّك الآخر الذي جرح نفسه فيما جرحك. أنت همك خلاصه من الشر لا خلاصك من الحزن. أنت تحزن عليه. وهذه هي فلسفة المحبة عندنا بما فيها محبة الأعداء أن هاجسنا أن يشفوا هم.

المهم الا تنفعل إذا وبخت فإن الغضب يذهب كل فائدة عن التوبيخ. والغضب يعني انك مهتم للجرح الذي أُصبت به لا للسوء الذي حدث في نفس مَن أخطأ إليك. في هذا السياق المهم ألاّ تقسو والا تشتم الآخر فإن الشتم ليس توبيخا. بيّن وجه الخطأ، اكشف طبيعة الغلطة حتى يدرك الخاطئ جسامة فعلته.

بعد هذا «إن تاب فاغفر له» اذ يكفيك ان يعود إلى الله. من الله يعود اليك.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

«أوّل قربانة» أيضًا وأيضًا/ الأحد 20 شباط 2000 /العدد 8

كنا قد اتفقنا مع الكنائس الكاثوليكية على صعيد البطاركة في هذا الشرق ان المدارس لا يجري فيها الاحتفال بالمناولة الاولى ولكن هذه تؤخذ في الرعية. الجانب الأرثوذكسي كان صاحب الفكرة، وتقبّلها السادة البطاركة الكاثوليك برحابة صدر. وكان جميعنا يعلم ان هذا القرار لن يكون سهلا على بعض المدارس المتعلقة باستقلاليتها، ولكن قيل لنا ان هذا القرار ارتضته المدارس الكاثوليكية.

غير ان الأخبار التي تردني في هذه المنطقة تدل على ان بعضا من هذه المدارس أخذ يطلب من تلامذتنا الأرثوذكسيين ان يستحصلوا على إذن من ذويهم لإجراء المناولة الاولى في «الرعية» والمراد بها طبعا الرعية الكاثوليكية المجاورة. هكذا تكون هذه المعاهد تقيّدت بالظاهر بأمر رؤسائها اذ ألغت المشاركة بأول قربانة في المعاهد نفسها، وحوّلت الاولاد إلى الرعية. ظاهر القرار محافَظ عليه، ولكن هناك مخالفة لروح القرار، لأن ما أردناه نحن في التفاهم مع الرئاسات الكاثوليكية ان يتناول الصبي أو البنت في رعيته الأرثوذكسية إن كان أرثوذكسيا. فنحن لا نرفض فقط عبارة «أول قربانة» اذ نأخذها نحن مع المعمودية، ولكنا نرفض مبدأ مشاركة الأسرار في الكنائس غير الأرثوذكسية.

لن اعود اليوم لأذكّر بأن مبدأ عدم المشاركة واحد عندنا وعندهم، ولكن كثيرا ما يحدث عندهم ان كاهنا معيّنا يتساهل بأوامر كنيسته ويتصرف من عنده. ونحن اكثر تقيدا بأوامر الرئاسة الروحية. القاعدة في المسيحية ان العقيدة السليمة عند المتناوِل شرط مناولته. وينتج عنها أن مَن خرج على هذه العقيدة وتبنّى عقيدة اخرى ليس شريكك في المعتقد، وتاليا ليس شريكك في الكأس. فالكأس الواحدة صورة التعبير عن الإيمان الواحد.

قد نعود إلى بحث مستفيض اذا اضطرّنا الأمر. ولكن أودّ اليوم ان أقول شيئين: أولاً) اننا آسفون ان بعض الإدارات المدرسية يتفلّت من قرارات البطاركة. ثانيًا) ما يغيظني بالدرجة الاولى ان بعض الأهل يطلبون من كاهن الرعية الارثوذكسية إذنًا لولدهم بالمناولة في رعية كاثوليكية كأنهم لم يطالعوا في هذه النشرة ما كتبناه مرارا ولم يفهموا ان كنيستنا -لا الأهل- هي التي تقرر في أمور الدين. وكنا قد حذّرنا المدارس ان تتعاطى مع اهل التلاميذ على هذا الصعيد اذ عليها ان تتعاطى معنا بواسطة الرؤساء الروحيين الكاثوليك.

يحزنني بالأكثر ان يشعر بعض الأهالي أن ولدهم يجب ان يُسَرّ مع رفقائه وان يعمل مثلهم. لماذا لا يقول هؤلاء لابنهم عندك كنيستك وتناولتَ فيها منذ شهر أو سنة أو كذا وعند عمادك؟ كيف تقبل ان تعمل «أول قربانة» وهذه ليست كذلك؟

أودّ ان يفهم الأهل أن لنا هوية ولنا أصالة ونُظهرها بلا خجل. نحن لا نخاصم احدا على انتمائه المذهبي. لماذا هذا «الكعر» لأرثوذكسيتنا؟ واذا كان للإدارة المدرسية عذر جهلها لمواقفنا أو رفضها الواعي لمواقفنا، فماذا يعذر لنا نحن هذه الهرولة إلى إخوة مسيحيين نحبهم ونحترمهم ولنا معهم حوار، ولكن لم تكتمل بعد عندنا واياهم شروط الوحدة، وليس عندنا تاليا قدرة على ان نجتمع معا على مائدة الرب.

الكنيسة عندنا شفافة وتحب كل المسيحيين. الذي يعرف نفسه في الحقيقة ابنًا لكنيسته يقول قولها ويتصرف كما تريد منه ان يتصرف وذلك لخلاص نفسه وإدراك الله بإدراك الحقيقة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

تقاسيم على الـمحبة/ الأحد 13 شباط 2000/ العدد 7

لقد علّمني الأرشمندريت ليف جيلله Gillet الفرنسي الذي انضم إلى الأرثوذكسية في أواخر العشرينات في باريس أن من خير الوسائل لتقضي على بغض إنسان محدد أن تذكر اسمه في صلاتك، فإنك إذا رفعت اسمه إلى الرب بضع مرات تتخذه إلى قلبك أيضا. كان يقول لي: «سمِّ عليه اسم يسوع». إذ ذاك يكون مشمولاً بحضرة السيد. وقد يتغير. وأنت لا بد أن تتغير.

في حياتنا اليومية نجافي هذا أو ذاك لكوننا أسأنا فهم كلمة منه أو تصرُّف أو لأنه جرحنا وحسبْنا عليه خطيئة التجريح. أمام هذا قد لا ينفع العتاب أو لا بد من تأجيله حتى يهدأ. في هذه الأثناء ضمّ اسم المسيء إلى صدر المسيح ترَه على صدرك أنت. بعد هذا لك ان تعاتب برحمة.

لمّا كنت اسأل هذا المؤمن أو ذاك إن كان عنده المحبة لمن أساء إليه، كان يجيب: «أنا لا أكرهه». هذا طبعا ليس محبة. هذه آدمية مهذَّبة. أن تحبه هو ان تنتبه إلى أتعابه، إلى تعقيداته، إلى حزنه ومسراته وأن تخدمه في الوضع الذي يكون فيه. المحبة لا تنتظر. انها تبادر. اذكر السامري الشفوق كيف يضمد جراح الجريح ويأخذه إلى فندق (أو مستوصف بلغة اليوم) ويطلب ان يُعتنى بأمره. انه يلتزم بالإنسان المشلوح التزاما كليا. طبعا لا يمكنك ان تأخذ عشرات الناس على عاتقك ولكن الذين وضعهم الرب على طريق حياتك، بدءا بأهل بيتك ومن تعمل معهم والأصدقاء، وعلى وجه التخصيص المرضى والحزانى منهم. هؤلاء رعيتك. لا تهملهم. أية التفاتة إليهم، وبخاصة عند ضيقهم وإذا تمرمروا وصارت لهم صدمة، تؤتيهم فرحا كبيرا. كل إنسان منا يعيش من انتباه تلو انتباه. الجبار روحيا هو فقط الذي يكتفي بافتقاد الله له. ولكن الله يريد لنا رعاية بعضنا لبعض، فإن خيوطا عجيبة تربط بين القلوب وكأننا إنسان واحد مفصول قاماتٍ مختلفة.

لا تحسبنّ ان عند قريبك حادثة تافهة. في نظره هو قد يكون لها أهمية كبيرة. لا تقل في نفسك مثلا أنا أزور رفيقي إذا أصابته محنة كبيرة فقط. فقد تصيبه رضّة. فإذا علمتَ بها خذ الهاتف وافتقده. تَقرّب من الناس يرتاحوا في ذلك اليوم إلى ربهم. ليس المهم ان تحافظ على أصدقائك لاستمرار تعزيتك بهم. المهم ان يعيشوا هم في عزاء. «كنتَ أمينا على القليل، سأجعلك أمينا على الكثير». جزئيات الأمور اليومية قد تكون على مستوى الهناء الشخصي أهم الأمور. وهذا الهناء فيه دائما شيء إلهيّ.

في الجزئيات هذا يعني أن تُكلّم زوجتك وأولادك في المساء برقّة وإبداء عناية. وإذا كنت رب عمل وحولك موظفون، ازرع كلمة اهتمام بصحة كل واحد واسأله عن عائلته. هذا مَثَل من أمثال. إذا عظمَتْ مسؤوليتك تدفعك نفسك ويدفعك عملك ان تحتاط بمقربين. هذا من طبيعة العمل وطبيعة الإنتاج. ولكن الحد الأدنى من اللياقات مطلوب منك. ألاّ توجه كلمةً تحمل طابعا شخصيا لمعاون لك يوما بعد يوم يحزنه. كل معاون يريد أن يكون موجودا في عيني من يستخدمه. امرأتك وأولادك وأنسباؤك يحبون ان ينوجدوا في عينيك. المزاجية مسموحة بمقدار قليل. وإذا سمعت ان فلانا يحس بمتروكية عظيمة فاجهد ان تخلق الفرص والوسائل لإنقاذه من متروكيته. أحيانا لا تفهم لماذا يشعر هذا بأنك تعامله بجفاء. ضاعف المسعى وبادر إلى الاقتراب منه أو تقريبه منك. المهم ألاّ يحيا احد منا وحيدا.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة والشدّة/ الأحد 6 شباط 2000 / العدد 6

الرحمة موقف القلب من الخاطئ والمسيء. هي الغفران له وألاّ تحمل الحقد عليه وأن تعامله بوداعة. ولكن هذه كلها يرافقها لين أو ترافقها شدة من أجل تربية الخاطئ. والتربية تكون بلا انفعال. يقررها العقل الفاحص الوضع والمحب معًا. «كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم» (لوقا 6: 36). هذا تابع لقوله: «أحِبّوا أعداءكم»، ويتبعه «لا تَدينوا… اغفروا»، ويتبعه أيضًا: «لماذا تنظر القذى في عين أخيك»؟. ان احتضان الله لنا يقودنا إلى احتضان الآخرين. أبوّة الله للجميع تستتبع أُخوّتنا للجميع.

غير أن المحبة ليست بلا تأديب. «من أحبّه الرب يؤدبه». والكتاب نفسه الذي يتكلّم على محبة الله فهو القائل: «من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تَذَّخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب» (رومية 2: 5). ان الرب عندما يغضب عليك يبقى محبًا لك، ولكنه بغضبه يربّيك. أبوّته تفرض عليه أن يعيدك إلى وعي نفسك ابنًا. جاء في الرسالة إلى العبرانيين: «قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدِّبين، وكنا نهابهم». ولئلا يظن من نؤدبه انه مكروه، تابع الرسول فكره بقوله ان الذين يتدربون بالتأديب يعطيهم الرب ثمر بِرّ للسلام. ويتابع فكره هذا بقوله: «قوّموا الأيدي المسترخية والركب المخلّعة». هذا العلاج يحتاج أحيانًا تمارين قوية.

اللين أسلوب وليس غاية أو منطلقًا. قد يأتي بثمار مع الطبائع الحساسة المرهفة، ولا يؤتي ثمارًا مع الطبائع الغليظة أو التي صَمّمت على السوء. هذه لا تنفعها الا الشدة التي تذهب أحيانًا إلى حد الكسر. طبعًا بعد الكسر جبر. ولكن لا بدّ أحيانا أن نمرّ بالكسر سبيلا إلى الشفاء. لا بد من صفعة أحيانا (معنوية). ولا بد من قطيعة أو قطع أحيانا أخرى أو من سخط وإظهار سخط. قد لا ينفع الصراخ أبدا، ولكن ينفع الكلام القاسي الذي لا شتم فيه ولا إهانة ولا تحقير لئلا يفهم الخاطئ من صمتنا اننا نوافق على فعلته أو انه لم يجرح الحقيقة.

المهم ان نبيّن للمخطئ اننا لسنا ثائرين من اجل كبريائنا، ولكنا ثائرون من اجل الحقيقة، ولنا غيرة على المخطئ لكوننا نريده ان يعود إلى الحقيقة. وقد لا يعي انه شَذّ عنها إذ لم ينضج روحيا ليفهم انه شذ. علينا، إذ ذاك، ان نُعيد الحسّ الروحي إليه أو ان نذكّره بالوصية الإلهية التي خالف إنْ كان له إحساس بها. لنا ان نبيّن له وجه الخطأ في تصرفه وطبيعة الانحراف الذي انحرف به.

وهذا كله يعني علاجا هادئا صبورا. فالصمت على الخطأ يعني اننا نريد الا ننزعج ولا نُخَضّ، ويبقى المرض ونكون غير محبين لمن شخّصنا مرضه. أن نهمل الأمر ونتّكل على الزمن، فالزمن لا يؤتيك دائما بتهدئة، وتتكرر الأخطاء وتتراكم فتنفجر. التريُّث وقتا قصيرا نافع لمواجهة المشاكل بهدوء عند المؤدِب والمؤدَب.

العظيم مَن إذا أَدركَ خطأه يحيد عن عناده ويعترف. الذي نصالحه هو من قد صالح الحق وارتضى نفسَه في الحق. أن نربّي الناس على ان الحقيقة تنجّيهم وأنهم إذا انوجدوا فيها فهُم في سلام وفرح، هذا وجه كبير من وجوه المحبة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الفرق بين النصيحة والأمر/ الأحد 30 كانون الثاني 2000/ العدد 5

لست أتكلم هنا عن العلاقة بين رئيس الدير والراهب عنده من حيث الطاعة. هذه العلاقة كُتب فيها الكثير وهي منطلقة من ان الأب الروحي وديع ومتواضع ويلد الآخرين في المسيح. الطاعة مبنية على فضائل الأب الروحي لأن الدير ليس ثكنة، وعندما يصفنا بولس الرسول بجنود للمسيح فإنما يتحدث عن جدّيتنا في التزام المسيح وليس هذا تشبيهًا للكنيسة بجيش.

المسيح وحده يأمرنا لأنه الرب وعنده كلمة الخلاص ويستحق الطاعة لأنه هو أطاع الآب وبذل نفسه حتى الموت، موت الصليب. ونحن نطيع أولئك البشر الذين تنزهوا عن الأنا وأدركوا النضج الروحي الكبير والاستنارة فيوجّهون بلا انفعال ولا غرض ولا هوى سيطرة. دنيسيوس الأريوباغي، وهو كاتب من بلادنا ظهر في مطلع القرن السادس، يقول ان من حصل على الاستنارة يؤتى به كاهنا. معنى ذلك انك تطيعه ليس لأنه مرسوم كاهنًا، ولكنهم رسموه كاهنًا بعد أن استنار ولاحظوا ذلك. الكهنوت بحد نفسه لا يُعطي نضجًا روحيًا وأبوة روحية. ليس لأن إنسانًا رُفع إلى مقام يجعله حرًّا من الأهواء وتاليًا صالحًا للإرشاد. الروح القدس وحده يؤهل للإرشاد الحق.

ولقد فهمت الكنيسة هذا إذ انها لا تولي الكاهن حق الممارسة للاعتراف بمجرد رسامته، ولكنـها تنتظـر أن يحلّ عليه الروح ويعطيه النضجَ لكي يُخَوَّل حق الإرشاد للناس. من باب الرجاء نطلب له أن يحصل على الأبوة الروحية. في الواقع نخوّله حق الحلّ من الخطايا. ولكنه لا يصير مرشدًا بصورة آلية. هذا مرتبط بدرجة اقترابه من المسيح.

كم يقتضي هذا أن يدرس الكتاب وأن يمارس الصلاة في عمق وحرارة وأن يتطهر من خطاياه. إذا لم يدرك مقدارًا من هذا كبيرا، لا يأتي كلامه من الروح. مَن عرفَ نفسه ضعيفًا فليحلَّ الناسَ من الخطايا ولا يقل شيئًا. سرّ التوبة يكون قد تمّ. التوجيه الحقيقي يعلّمه الروح القدس ولا تجده في الكتب.

ولكن إذا ألهمك الروح أن تجترئ شيئًا فاجترئ نصيحة لا أمرًا. وبهذا كتبَ أحد رؤساء الأديرة الروسية، نيكون المتوفى السنة الـ 1963، بناء على تعليم القديس إغناطيوس بريانتشانينوف، قال: «أذكّركم اني لا أشترط على أحد أن ينفّذ نصائحي في كل الأحوال. النصيحة مجرّد نصيحة، وأمّا القرار الأخير فللشخص الذي طلب النصيحة» (من رسالة له في السنة 1951). وقد رأى ان كهنة عصره لم يكونوا قادرين فعلا أن يكتشفوا إرادة الله في ظروف محددة. يمكنهم أن يوضحوا فقط وصايا الله. وهكذا أوضح الأب نيكون لإحدى بناته الروحيات أن تعتبره رفيق درب أكثر من أن ترى فيه أبًا. وقال انه عليها ألا ترى فيه أكثر مما هو، وأن تحس انها حرة أن تتركه إذا شعرت ان نصائحه غير مفيدة.

هو لم يكن له أب روحي. فلجأ إلى القراءة والصلاة اللتين تنفعان كثيرًا إذا لم يوجد آباء روحيون عندهم روح التمييز.

ومن الواضح كثيرا انك إن أرشدت لا ينبغي أن تقتل شخصية الابن الروحي، فأنت لا تفكر عوضا عنه. دعه يفكر وينمو ويأخذ مسؤوليته أمام الله. «لا يستطيع أحد أن يحلّ لآخر المشاكل التي تطرحها عليه الحياة» (هنري برغسون). لا تعطل دماغ أحد ولا قلبه. قال الله: «يا بنيّ أعطني قلبك». ساعده لكي يرتفع قلبه إلى ربه. هو يتوكأ عليك. أنت ارمِهِ عند قدمي السيد وتوارَ.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

الراعي / السبت 29 كانون الثاني 2000

مفردة الكاهن في المسيحية لا علاقة لها بمن سمي كذلك في جاهلية العرب اي الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار. هي تدل فقط على القس الذي يفتقد المؤمنين ويرعاهم ويؤم صلاتهم. واللفظة المرادفة لها في العهد الجديد الشيخ او الاسقف. الكاهن عندنا هو المسيح من حيث انه قرب نفسه ذبيحة ثم اطلقت على امام الصلاة في القرن الرابع من حيث انه يستمد كهنوته من المسيح استمداداً.

اما لفظة إكليرُس اليونانية التي أضفنا اليها الهمزة لكون الكاف ساكنة في اليونانية، فتعني النصيب أي من كان الله نصيبه وهي لا تشير الى امتياز ولكنها تشير الى تفويض للخدمة. فليس في المسيحية طبقات بحيث يكون أحدنا بحكم وظيفته اقرب الى الله. مكانة الانسان في تقواه ولا تتصل بالمسؤولية المسندة اليه. لا بل الأدب النسكي حافل بالتندر بشأن الاساقفة المعذبين في النار. هناك توقير يرتبط بقدسية الدور الذي هو اقامة العبادات. واما القول القرآني “ان كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل” فإذا صح تاريخياً في فترة من الزمن فإنما يصح في كل من استغل مركزه الى أي دين انتمى ولا علاقة له بعقيدة أحد. والقول ان النصارى “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله” فنحن لسنا نصارى بل مسيحيون. وفي تاريخ الكنيسة ليست عندنا واقعة واحدة تدل على اننا فعلنا مثل هؤلاء المدعوين نصارى في جزيرة العرب. ولا نعرف اننا رفعنا القساوسة الى المرتبة الإلهية. وما نحن تالياً معنيين بهذا القول بالإضافة الى ان الكلام الظرفي لا يؤخذ على اطلاقه.

كل تاريخ ثقيل، ولسنا نبرئ احداً. كل المسيحيين الطاهرين قاموا على قهر بعض الاساقفة للشعب في الغرب في زمان محاكم التفتيش والمسيحية الغربية من هؤلاء براء. البابوية الحالية شجبت ذلك وندمت. ولعل بعض الاساقفة في اميركا اللاتينية او غيرها من القارات ساندت الطغاة. غير ان بعض الاساقفة والقسس دعم الفقراء دعماً بطولياً واستشهد. وقد يكون هذا الاسقف الشرقي او ذاك يمارس شيئاً من العنت او القسوة. لكن الاساقفة الشرقيين لم يعرفوا السلطة السياسية ليتسلطوا وكان معظمهم فقيراً ومتواضعاً في اوروبا الشرقية في كل عصورها. وما شكا المؤرخون بعامة ائمتنا على هذا الصعيد. واما الادعاء الذي روجه الماركسيون من ان الكنيسة كانت مسيطرة في روسيا فمن قاله ليس مطلعاً على شيء لأن الكنيسة هناك كانت تشكو من سيطرة القياصرة عليها ولم يكن بيدها حكم او شبه حكم. وهنا كان رؤساؤنا الروحيون يذوقون مرارة المماليك والعثمانيين ولا حول لهم.

وان لم اكن في معرض المقارنة فمن ليس عنده اكليرس كان عنده من يحكم باسم الله وكان ظل الله على الارض ويكفر من يشاء ويقتل تاليا من شاء ويرمي في البوسفور من شاء. فعلى مستوى العنف والسيطرة وخنق الحريات فليس احد منا مؤهلا ليعطي الاخر درسا. فالخطايا شخصية ولا تمت بصلة الى المؤسسة. كل صاحب مقام من شأنه ان يستكبر ومن شأنه ان يتضع. الشعوب واحدة في المعاصي والكبار معا في البر ولا سباق في السماحة اذا استشرفنا الامور تاريخيا.

في العقيدة الكاهن عندنا خادم وكذا يقال له في عدة من اللغات الاجنبية، ونحن ايضا لا نسميه “رجل دين”. انا لا اعرف هذه العبارة في القاموس اللاهوتي ولست اظن ان احدا يعني ان القس موفور الدين اذا قيس بسواه او كأنه متخصص بالدين وكل مؤمن متخصص بمعنى الانصراف الى الله والاخلاص له.

كل الديانات عندها علماء دين لأن الدين تراث يتطلب دراسة وافية المسيحية تنفرد بأن لديها رعاة منشغلين بالهداية والتقويم لمن شاء ان يهتدي ويتوب. واذا شئنا ان نتكلم عن سلطة لهم فليست هذه مقرونة بأي تنفيذ. فمن جحد المسيحية يتركها ولا يمنعه احد ولا يستطيع منعه. فما من دولة تحمي الايمان عندنا ولا تطلب الكنيسة لأية دولة ان تعاقب احدا لكفره. انت حر في اعتناق الايمان المسيحي وحر في تركه وحر في مكافحته.

اما القول بأن الكنيسة تنقذ اذ تحرم اعضاءها الذين يكفرون بصلب العقيدة فهذا شأن ادبي وليس يعكر صفو من يخرج ولا يزجه في سجن. الكنيسة محصورة في الدعوة ولا تلجأ الى مرجع مدني في الدول المسماة شعوبها مسيحية. الكنيسة على الصعيد الاجرائي ليست بشيء. انها مطروحة للصلب في كل مكان وهذا يهون على الجميع اكلها وهي مرتاحة الى وضعها الشهادي والى فلسفتها الشهادية.

المسيحية سلطان الرب على النفوس التي تحبه وهي خارجة عن افهومة السلطة لكونها خارجة عن افهومة القوة. هناك قوة الانجيل بحد كلماته ولا علاقة لهذا باحكام. المسيحية مملكة القلوب ولها قدرة القلوب اذا استنارت وحيت. “مملكتي ليست من هذا العالم” اي لا تأتي من نفوذ العالم ولكنها تأتي الى العالم نفوذا وجدانيا قادرا على ان يغير العالم.

العالم له سلاطينه واكثرهم سلاطين ظلام والمؤمن يحيا في ظلهم “عمرا هادئا مطمئنا بكل عبادة حسنة وتهذيب”. وهدأة المؤمن من نعمة ربه ولا تأتيه من احد لأن احدا ليس قادرا على اعطائها.

في هذا الجو السلامي الكامل يأتي القس ليغسل اقدام المؤمنين بما يحمل من رحمة. ويدعوهم بالتعليم الى تطويع عقولهم لفكر المسيح. ونسميه أباً لأنه يبشر بأبوة الله وهي تتنزل على المؤمنين من ربهم مباشرة. الكاهن فقير بالمعنى الكامل اذ لا يعطي الا مما اخذ من فوق. هو لا ينطق بكلمات فمه لأن فمه مملوك سيده. “وأنت يا ابن الانسان، فاسمع ما اكلمك به… افتح فمك وكل ما أناولك. فنظرت فاذا بيدٍ قد مُدت اليّ واذا بسفر فيها… فقال لي: “يا ابن الانسان، كل ما انت واجد، كل هذا السِفر واذهب فكلم بيت اسرائيل” (حزقيال 2:8-9 و3:1).

هذا الرجل يحاول ان يرعى مثلما الله يرعى اي بالكلمة والكلمة بعض قوتها بمحبة مبلغها. ولهذا كان رجلاً مبذولاً عن الخطأة، مسكوباً ليحيا الناس لا به ولكن بالكلمة التي يسمعون. وهو لا يقود احداً الى نفسه بل الى مخلص النفوس وهو يعرف ان النتانة تعشش في القلب البشري وان الطهارة قادرة ايضاً على ان تنثني فيه وتحييه. وكثيراً ما يصير المتبلغ اعظم من المبلغ وبهذا يفرح الرسول. ويتعب بسبب من الرفض وبسبب من الوقوع. والرعية بيت متمرد وبيت ممرمر في كثرة من الاحوال. وعليه ان يفتقدها كل يوم وان يفتقدها جميعاً وتعزيته ان يقول ربه فيها: “انا ارعى خرافي وأنا اربضها، يقول السيد الرب، فابحث عن الضالة وأرد الشاردة واجبر المكسورة واقوي الضعيفة واهلك السمينة والقوية، وارعاها بعدل” (حزقيال 34:15 و16).

انه يبلغها انها مرعية من فوق على ما قال السيد: أنا الراعي الصالح والراعي رالصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف” (يوحنا 10:11). ولكنه اذ يبلغها يرى نفسه هو ايضاً راعياً في حدود بشريته ومعيار طهارته. يدمع بسبب من الخروف الضال ويتبعه في تيهه ليرده الى المراعي الخضر.

امام هذه الرؤية يعرف الكاهن المسيحي نفسه ضعيفاً ولكنه يرجو ان تفتقده النعمة ليقدر على تحقيق رسالته كما امره الرب “ليقلع ويهدم ويهلك وينقض ويبني ويغرس “وليس بمقدوره ان يفعل هذا اذا ناله لوم. ولهذا يختبره الله وينقيه وهمه الا يشغل نفسه بأمور الحياة الدنيا ليرضي الله الذي جنده. اجل هناك تلف كثير وخيانات كثيرة. هنا اذكر حديثاً جمعني مع امين نخله قال فيه: انا اجلّ من نذر نفسه للرب اجلالاً كثيراً مهما خطئ لأنه في لحظة مباركة بدا الله له كل شيء”. لعل اهمية الكاهن عندي تكمن في هذا ان المؤمن يدرك محبوبيته عند الله لأن انسانا كشفها له في لحظة رضاء.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان...