2001, جريدة النهار, مقالات

ظهور المسيح / السبت في 6 كانون الثاني 2001

ما من حقيقة الا الفصح. لا عيد اذًا سواه. فاذا أقام المسيحيون اعيادا اخرى فلكي يستبقوا ذوق القيامة. ولذلك أتى «عيد الظهور الإلهي» الذي نقيمه اليوم المسمى الغطاس عند عامة العرب تهجئة للفصح. اما عيد الميلاد الذي اتخذ شعبيا في الغرب اهمية كبرى فكان في البدايات مقرونا بالغطاس وكأن المسيحيين ارادوا ان يقولوا ان مخلصهم بدا اولا في بيت لحم ثم على نهر الاردن والمهم بدْوه.

اذا اعتبرنا العبادات البيزنطية وشبيهاتها في الشرق تبدو انها مأخوذة بأن الإله الثالوثي هو الذي يتراءى بشكل او بآخر على نهر الأردن. وهذا يجانس مجمل بشارة متى التي تنتهي بذكر المعمودية باسم الآب والابن والروح القدس. والعبادة البيزنطية ثالوثية بامتياز. وهذا يتبلور بخاصة في الإنشاد. ويفهم هذا الانخطاف الى الرؤية الثالوثية بأن هذه الكنيسة الشرقية هي التي كافحت، بامتياز، بدعة أريوس الناكر لألوهية الابن. غير ان الأناشيد ليست المحور الأساسي للعيد. اعماق العيد نسبرها من قراءات العهدين القديم والجديد. وهذه تبدو لي مركزة على سر المسيح في سيره الى الموت بحيث يأتي ظهور السيد هنا تمتمة لظهوره الأخير على الصليب.

الجملة الرئيسة في معمودية المسيح التي أتت صوتا من السماء هي: «انت ابني الحبيب الذي به سررت». كذا في رواية مرقس ولوقا. وعند متى: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت». الواضح ان الأنا المتكلم هو الآب. الجمل الثلاث هي واحدة بالحرف، ما يدل على ان هذا هو التراث المسيحي السابق لتدوين الأناجيل الثلاثة.

ليس في انجيل يوحنا كلام صريح على المعمودية وهذا ما ذهب اليه المفسرون المعاصرون في الغرب. غير ان الإنجيل الرابع يؤكد على لسان يوحنا المعمدان (وفي العربية الصابغ) قوله: «رأيت الروح ينزل من السماء كأنه حمامة فيستقر عليه» (1: 32). اين رأى ذلك ان لم يكن في حادثة المعمودية؟ ثم يشهد الصابغ: «انا رأيت وشهدت انه هو ابن الله» (1: 34). ويسميه في غير موضع الابن الوحيد للآب والذي هو في حضن الآب. ويقول ان الآب يحب الابن. يوحنا يقدم لنا ترادفا بين الحبيب والوحيد.

غير ان اللافت في الأناجيل الإزائية (متى مرقس لوقا) ان قول الآب «انت ابني الحبيب» او «هذا ابني الحبيب» وردت حرفيا في حادثة التجلي عند كل من متى ومرقس كما وردت حرفيا عند كل منهما في حادثة المعمودية ما يعطينا الحق ان نفهم كلمة الآب في المعمودية كما ينبغي فهمها في جبل التجلي. الا ان لوقا لا يردد في التجلي الجملة التي اوردها في العماد. ولكنه يجعل الآب يقول: «هذا هو ابني الذي اخترته». كذلك ينفرد لوقا في التجلي بقوله ان الحديث الذي جرى بين السيد وايليا وموسى ان النبيين تكلما مع المخلص على «خروجه من اورشليم»، الأمر الذي يجعلنا نفهم لماذا لم يردد لوقا في سرده التجلي استعماله للفظة «ابني الحبيب» بل «ابني المختار» وكأنه يريد ان البنوة التي تكلم عليها هي التي سطعت (ولم أقل تكونت) في موت المخلص وقيامته. فاذا كنا مع لوقا تلميذ بولس ان التركيز هو على الموت الا تكون المعمودية كلها ايضا حديثا عن الموت؟

ما يؤكد عندنا هذا ان عبارة لوقا: «الذي اخترته» يرجح انها مأخوذة من اشعياء من النشيد الثاني لعبد الله حيث يجري الحديث عن قدوس اسرائيل الذي اختاره الله والنشيد الرابع للعبد يقول عنه: «لقد حمل هو آلامنا واحتمل اوجاعنا… ألقى الرب عليه إثم كلنا… ولم يفتح فاه كحَمل سيق الى الذبح» (الإصحاح الـ35). وفي سرد الإنجيل الرابع لما نعتبره المعمودية يقول المعمدان عن السيد: «هوذا حَمَل الله الذي يرفع خطيئة العالم» (1: 29). رسالة بولس الى اهل فيليبي -ولوقا تلميذ بولس- يسمي المسيح عبدا في اشارة واضحة الى تسمية اشعياء المسيح عبدا لله لكونه اتخذ العبودية وضعا له في الناسوت اي في الناسوت الصائر الى الموت.

الموت وحده يكشف لنا لماذا قال الآب: «الذي به سررت» او الذي عنه رضيت (في الترجمة اليسوعية الأخيرة). ليس مرجحا عندي ان الآب تكلم على مسرته الأزلية بالابن. المسرة تأتي من ان الابن صار «مكمَّلا بالآلام» على ما ورد في الرسالة الى العبرانيين (2: 10). اذ ذاك تأتي المعمودية رسما للآلام او صورة مسبقة عنه.

ان الظهور الثالوثي (صوت من السماء، الابن في الماء، الروح في شبه حمامة) لم يكن غاية بحد نفسه هنا لأن الكلام عليه ظاهر في مواضع من الكتاب كثيرة ولكنه تبليغ رسالة لاهوتية اخرى. في قراءتي ما أراده الإنجيليون هو العودة بنا الى سفر التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله يرفرف على وجه المياه». وقال الله: «ليكن نور». هذا كان الخلق القديم. بمعمودية المخلص الاله الآب يخلق «سماء جديدة وارضا جديدة». وروح الله يرفرف الآن (بلا تجسد منه). بدا في شكل حمامة وليس متجسدا في حمامة. والنور هو المسيح. ولكن هذا النور ليس نتيجة «كن». ليس مخلوقا بل يكان النور الحقيقي الآتي الى العالم على ما ورد في انجيل يوحنا. نحن الآن في الخليقة الجديدة، في تجديد الكون بالكلمة والروح.

اما اذا ذكرنا ليس معمودية السيد ولكن معمودية المسيحيين فنرى ان الكتاب يؤصلها في موت الرب وقيامته اذ يقول: «وقد اعتمدنا جميعا في يسوع المسيح، انما اعتمدنا في موته فدُفنا معه في موته بالمعمودية» (رومية 6: 3-4). حرف الجر «في» كما نقل الى العربية والدال على المكان هو في اليونانية حرف الحركة. المعنى من الآيتين أنقله هكذا لنكشف فكرة بولس: «انما في اعتمادنا تحركنا الى يسوع المسيح، انما باعتمادنا تحركنا او صرنا الى موته، ودفنا معه ونحن صائرون الى موته بمعموديتنا». فيكون رباط معمودية المسيح بمعموديتنا نحن عن طريق مروره بالموت والقيامة فتحركنا اليهما. هو باصطباغه في نهر الأردن يتهيأ للصليب ونحن بمعموديتنا نجيء من الصليب. وفيه أعلنت بنوة المسيح لله. خارج الصلب لا نفهم شيئا عن المسيح وعن جوهره.

يوم الغطاس هذا الذي نحن فيه نذهب في العبادة الى الفصح متدرجين ولذلك أتى عيد اليوم أبهى ذكرى لنا بعد القيامة. يسوع ينزل الى المياه ليصور فيها موته ويخرج منها ليصور قيامته. واذا احيا الماء طبيعيا كل حي في رتبة الخلق فالمسيح اليوم لا الماء هو الحياة.

واذا استعملنا الماء في المعمودية اليوم فلنقول فقط انه ذلك الرمز الذي ينقل الينا الكلمة والروح. فاذا قدسنا المياه اليوم ونضحنا بها منازلنا فلنقول اننا نبتغيها منازل للروح القدس.  نحيا مع عائلتنا لا خلائق قديمة بل خلائق تتوق الى مساكن الملكوت.

غير ان هذا كله يتطلب توبة ولهذا بعد ان امتلا ناسوت المسيح بالروح «سار به الى البرية ليجربه إبليس» وانتصر يسوع على الروح الشرير. وفي رواية مرقس ان السيد كان في البرية مع الوحوش ونحن ايضا بعد اصطباغنا نبقى مع الوحوش الفكرية اي في الصراع الدائم. لا تبقى المعمودية ضمانا لأحد ما لم يغلب الوحش فيه. هذه الصبغة الإلهية فاعلة في نفوسنا اذا اقترنت بالطاعة الموصولة لله كما ان السيد كان في كل حين يعمل ما يرضي الآب. «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة».

البهاء الذي يظهر علينا بالنعمة يحتاج الى حرب روحية حتى الدم. فيها وفيها وحدها يظهر الله فينا وبنا ونبدو معمَّدين بالروح، فصحيين يوما فيوما، حتى يظهر الله علينا وعلى الكون كله في اليوم الأخير.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أحد النسبة/ 24 كانون الاول 2000/ العدد 52

رسالة اليوم (عبرانيين 11: 9-10 و 32-40) تذكر بعضا من الأبرار الذين سبقوا المسيح. مع ذلك «لم ينالوا الموعد لأن الله سبق فنظر لنا شيئا افضل أنْ لا يَكْمُلوا بدوننا» اي أن لا يكملوا بدون المسيح. في الإنجيل (متى 1: 1-25) يذكر متى لائحة من الرجال الأبرار منذ ابراهيم كانت قوة حياتهم انهم رجوا ظهور المخلّص. قبل ان يتكلم متى على مولد السيد، أراد ان يؤكد انه ابن داود اي ليوحي من مطلع الإنجيل ان يسوع هو المسيح. عبارة «ابن داود» تعني ان الشخص الذي يكتب متى نَسَبَه هو ذاته المسيح. غير ان الإنجيلي لا يقف عند داود، ولكنه يذهب في التاريخ إلى ابراهيم الذي «بنسله» (اي المسيح) تتبارك جميع قبائل الأرض.

          لماذا يضع متى لائحة بهذه الأسماء الوارد معظمها في العهد القديم؟ الجواب انه اراد ان يقول ان السيد في طبيعته البشرية هو خلاصة شعب الله او نهايته بمعنى انه وريث المواعد، انه منتهى الوعد الإلهي وان الحياة الجديدة تبدأ به وتذهب إلى جميع الأمم التي ستتتلمذ على الرسل وتتعمّد باسم الآب والابن والروح القدس (كما ورد في نهاية متى).

          لماذا قال متى: «فكل الأجيال من ابراهيم إلى داود 14 جيلا، ومن داود إلى جلاء بابل 14 جيلا، ومن جلاء بابل إلى المسيح 14 جيلاً»؟ اقترح المفسرون شروحًا عدة. الشرح الذي يبدو لي قويا، بناء على عِلْم الجُمَّل، الذي يعرفه العرب كما عرفه العبرانيون، أن 14 هي مجموع القيمة العددية المنسوبة إلى الأحرف الثلاثة المركَّب منها اسم داود في العبرية والتي تُكتب بدون الألف فتجيء هكذا: د=4 و و=6 والدال الأخيرة 4، فيكون المجموع 14، ويَنسحب هذا على الحقبة الثانية من داود إلى الجلاء والحقبة الثالثة من الجلاء إلى المسيح. كل ذلك لتأكيد ان المسيح ابن داود.

          لماذا هذا الاهتمام عند متى؟ ذلك انه كتب «للمؤمنين الذين من أصل يهودي» ومنهم عدد كبير من كهنة الهيكل الذين اعتنقوا المسيحية. كل ذلك ليثبتهم في الإيمان ان يسوع هو المسيح.

          في اللائحة يسوع منسوب إلى يوسف وعندنا آباؤه. لماذا النَسَب إلى يوسف وليس إلى مريم؟ لأن الولد العبراني منسوب إلى أبيه (وهنا المظنون أباه) ولا يجوز ان يُنسب إلى امه. غير ان مريم هي من هذا النسل فيكون يسوع هو بها ابن داود.

          ماذا يعني قول متى: «لمّا خُطبت مريم امه ليوسف، وُجِدَتْ مِن قَبْل ان يجتمعا حبلى من الروح القدس»؟ نظام الزواج عند اليهود أن الخطبة هي الزواج الشرعي، والزفاف هو الزواج الفعلي المنفّذ. مريم قبل انتقالها إلى بيت يوسف كانت زوجته حسب الشريعة ولم تكن زوجته في لقاء جسدي. في آخر القراءة من بعد ظهور الملاك ليوسف وبعد ان وضع الملاك حدا لارتباك يوسف، «اخذ امرأته» اي قام بحفلة الزفاف وأسكنها معه.

          «ولم يَعْرفها حتى وَلدَت ابنَها البِكْر» اي لم يعرفها قبل ولادتها ابنها البكر. استعماله كلمة «بِكْر» لا يُفيد بحد نفسه أنها أنجبت اولادًا آخرين. غير ان متى لا يتعرض لهذه المسألة، لا يقول انها أنجبت بعد هذا ولا يقول العكس. لا يهتم للأمر لأن همّه ان يثبت الميلاد البتولي ليسوع. ولكن دوام البتولية اعتقاد شاع في الكنيسة الاولى وثبته لنا المجمع المسكوني الخامس وقال به آباؤنا جميعا وتقول به طقوسنا كلها. ايماننا هذا بها جاء من التراث المتواصل. اما عبارة «إخوة يسوع» الذين نَعْرفهم بأسمائهم من الإنجيل فتدلّ على أنسباء ليسوع يقول تقليدنا الشرقي انهم ابناء ليوسف من زواج له سابق ولا سيما ان كلمة «أخ» في اللغة العبرية لا تعني حصرا المولود لك من ابيك أو امك، وتشمل الأنسباء والقريبين.

          انجيل اليوم يؤكد في ما يؤكده شيئين ان مريم كانت عذراء عند الميلاد وهذا بناء على نبوءة اشعياء في الإصحاح السابع، وان يسوع هو عمانوئيل أي «الله معنا». الله صار معنا بإرسال ابنه الوحيد. الله صار قريبا لنا ونحن منسوبون إلى ابنه. ونحن به نسير إلى القداسة بحسب قول يوحنا: «اما النعمة والحق فبيسوع المسيح حصلا». نحن بالابن الوحيد صرنا اولاد الله.

Continue reading
السيرة, اليوبيل, مناسبات

الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف / كلمة المطران جورج في ذكرى 46 سنة لكهنوته، دير رقاد السيدة في كفتون، 19 كانون الأول 2000.

يا إخوة،

أردتم هذه الذكرى، أتّخذُها فرصة ليتعلّم صاحب الذكرى التواضع. ففي الخدمة الإلهية، قبل تقدمة القرابين، يقرأ الكاهن «ليس أحد من المرتبطين بالشهوات واللذات الجسدانية مستحقًا أن يتقدّم إليك أو يخدمك يا ملك المجد». عندما أتلو هذه الكلمات سرًا، من وقت إلى آخر، تنتابني هذه الفكرة أنه لا بدّ لي من أن أَخرج من الهيكل لأنه ليس أحد من المرتبطين بالشهوات يستطيع أن يتقدّم، أو أن يقف إمامًا للجماعة. غير أن النير أُلقي عليّ كما يقول الرسول الكريم. ولا بد من أن يَفلح الثور وهو تحت النير.

ما جاء في الكتاب العزيز أن الكاهن «خادم الكلمة». هذا هو تعريفه في الوحْي، «خادم الكلمة». ولذلك قال بولس أيضًا لتلميذه شيئين: «اعكُفْ على القراءة حتى مجيئي»، أي نتذاكر في ما أنت قرأت. ثم قال له «عِظْ في الوقت المناسب وغير المناسب». أن تُعطي الكلمة، أن تُنعش المؤمنين وغير المؤمنين، تلك هي الوظيفة. ولهذا حاولَتْ مجموعة من الناس منذ ستين سنة أن تُذكّر كنيسة أنطاكية أن المسؤولية الملقاة على الكاهن هي أولاً أن يعكف على القراءة ليتمكّن من أن يعظ في وقت مناسب وغير مناسب حتى يحيا الناس بهذا الخبز السماوي النازل حياةً للعالم.

والكلمة طبعًا تصير سرًا إلهيًا، والأسرار هي نوع من الكلمات يأخذها الناس ويحيون بها. ليس عندنا نحن فَرْق بين الكلمة والسر، وكل منهما إطلالة من إطلالات الله علينا.

غير أن هذه الخدمة الكهنوتية تكاد تكون مستحيلة على البشر، كما قلت في استهلال هذه الكلمة. تكاد تكون مستحيلة، ولكن أحدًا يجب أن توضع الأيدي عليه وأن يُزجّ فيها، وإذا ما دعاه الأسقف. كيف يرعى؟ بأية قوة يرعى ولاسيما إذا كان رقيق الشعور؟ كيف يرعى هؤلاء الناس الذين يهبطون عليه كالصخور؟ كيف يتعامل الكاهن مع الصخور؟ مع كل هذا النتوء اليومي الذي يجرحه في شعبنا؟ قال الله المبارك «الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف». مِن بعد أن سُفك الدم الكريم على الخشبة، ليس من راع ٍ صالح. هي أمنيات. هي آمال فقط، لأن واحدًا سَفَكَ دمه على الصليب. الراعي الصالح هو من يبذل نفسه عن الخراف. مرة واحدة صار ذلك، ولهذا سُمّي الرب يسوع «راعي نفوسنا العظيم»، وبقية الأساقفة والكهنة منذ ألفي سنة يُسمَّون كذلك فقط على سبيل الرجاء.

لماذا قال الكتاب الإلهي «الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف»؟ ذلك أنك لا تستطيع أن تحب إلا إذا متّ، ولا تقدر أن تفدي أحدًا إلا بالموت. ولهذا قيل عن السيد المبارك شيء آخر، قالها أحدٌ استُشهد: «هذا هو حَمَلُ الله الحاملُ خطايا العالم»، وهذا ما سوف يؤكده سفر الرؤيا بقوله: «إن المسيح ذبيح قَبْل إنشاء العالم».

في المذاكرة الثالوثية، في الحوار الثالوثي بين الآب والابن والروح القدس، منذ الأزل، أُعِدَّ الابن لكي يُقتَل حبًا. وصار الحَمَل الفصحيّ المذبوح من أجلنا. ولما ذُبح على الخشبة فقط، صار راعي نفوسنا العظيم. صار راعيًا لأنه ارتضى أن يكون حَمَلاً. ولذلك ليس أحد منّا كاملاً إلا على سبيل التشبّه، وعلى سبيل ارتضائه هو ونعمته، ومن بابِ أنه هو يكهن فينا. لا يكهن أحد من نفسه. هو يستعمل أيدينا وعقولنا في سبيل تبليغ كلمته وأداء الصلاة. ولذلك هو وحده ممدود، وكل كهنة الأرض تراب. «ليس أحد من المرتبطين بالشهوات واللذات الجسدانية مستحقًا أن يدنو منك أو يخدمك يا ملك المجد».

ألا أهّل اللهُ هؤلاء الكهنة المجبولين من تراب ألاّ يُكسر خزفهم كثيرًا لكي يتمكّنوا من أن ينتصبوا حاملين الكنيسة في نفوسهم، أن ينتصبوا أمام المائدة المقدسة ويُخطفوا إلى وجه الآب، علّ الكنيسة ترى أن كل ما طُلب إليها أن تصير مخطوفة إلى الآب، علّها تصير العروس، آمين.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

قرى الجبل/ 17 كانون الأول 2000/ العدد 51

لست أعلم إذا كانت كل قرى العالم مصابة بالانقسامات مثل قرى جبل لبنان، ولست اعلم إذا كان الانشقاق ظاهرة ملازمة لوجود القرية. ولكن المعروف تاريخيا عندنا ان التفسخ قائم منذ ظهور الحزب القيسي والحزب اليمني، ثم اتخذ ألوانا مختلفة بنشوء الأحزاب العقائدية. ولكن هذه الأحزاب تزاوجت في القرى أحيانًا بالانقسامات العائلية فكانت هذه هي الحقيقة الراهنة وكان الحزب طلاء أو قشرة.

          الضيعة في لبنان مجتمع متراص على رغم اختلافاته، وإذا دخله غريب يبقى ضيفا محبوبا ولكن لا قرار الا للعائلات الموجودة منذ الأزل. هناك أسباب مختلفة للتوتر. عندك أحيانا بيوتات كثيرة العدد لا تفسح في المجال للبيوت الصغرى للمشاركة في مسؤولية الأوقاف أو تشكيل مجلس الرعية. يقولون هكذا اصطلحوا أو اعتادوا أو ورثوا. فهناك العريق وهناك الأقل عراقة، وبكلام آخر بيت زعامة قديمة أو جديدة أو بيوت. وأنت عليك ان تنصاع لكونك من عامة الشعب. ولا تخولك شهادة جامعية أو ذكاء ألمعي ألاّ تصطف. كيف جاءت العراقة، هل هي مدعومة بصفات أخلاقية عالية أو غنى؟ الأمور هي هكذا منزلة من السماء.

          هذا لا يمنع التزاوج وتبادل الزيارات وعاطفة تكون صادقة أحيانا ويقل الصدق إذا تجابهت المصالح في انتخاب مجلس بلدي أو مختار. هذا هو الموروث المقدس، وحرام ان تمس الموروث. وتلتصق بهذا السياسة المحلية الأوسع من القرية. الاختلاف، إذ ذاك، يكون حول النيابة. لأي سبب وطني، لأي برنامج، لأية فكرة إصلاحية أنت لهذا المرشح أو ذاك، فهذه مصيبة الوطن كله.

          يحمل الأرثوذكسي هذا من نفسه ويوليه أهمية كبرى إلى درجة الزعل والجفاء. ويحمل هذه الأشياء الدنيوية هذا أو ذاك ويأتي بها إلى الكنيسة فلا يكون -لو كان البحث صافيا- سبب اختلاف. قد يقتنع بصواب الرأي الذي قال به آخر، ولكنه يقاومه لمجرد ان هذا الآخر أتى به. وتكون النتيجة ان المشاريع تتعرقل أو تؤجل، وتظهر أكثرية قاهرة وأقلية مقهورة، ولن أطيل الوصف لأنه محزن. وبدل ان نحيا بالتعاضد ونقوم بالعمل كإخوة، نتحارب، وسبب الموقف الذي نتخذه ليس هذا الذي نقوله ولكنه سبب مضمر، كامن في العائلية أو التحزب المحلي أو التصادم السياسي الكبير. نبني كنيسة مثلا، وتلاحم حجارتها لا يأتي صورة عن تلاحم القلوب، ونبخل بمعاش الكاهن ليس لأنه لا يستحق ولكن لأن «الخصم» تقدم بالاقتراح.

          إزاء هذا الداء المتفشي قال بولس الرسول: «اطلب إليكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح ان تقولوا جميعكم قولا واحدا ولا يكون بينكم انشقاقات بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد. لأني أُخبرتُ عنكم يا إخوتي من أهل خلُوي ان بينكم خصومات»، حتى يصل إلى القول: «هل انقسم المسيح؟» (1كورنثوس 1: 10- 13).

          شعور بولس ان كنيسة كورنثوس بانقساماتها تصرفت وكأن المسيح مقسوم. فإنها هي المسيح حالاّ في شعبه أو ممدودا في شعبه.

          ما أحزن الرسول يحزنني كل يوم، فتأتي رعايتي في أماكن كثيرة ترقيعا مؤقتا عوضا عن ان تأتي بلسما للجراح. ماذا عملنا بقول السيد: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحبتكم»؟ واشعروا أنكم أغصان متشاركة في جذع الكرمة الواحدة. السؤال الحقيقي: هل نحن كنيسة واحدة في القرية أم شرذمة بشر؟

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

بعض آداب الجنازة/ 10 كانون الاول 2000/العدد 50

هناك تصرف مسيحي عند موت عزيز من خشوع وصمت ودعاء عميق. اليوم لن اقول شيئا في هذا. ولكني اود ان ألفتكم إلى ما هو أبسط، إلى أمور تتعلق بي وبكم. أعود إلى حديث حضوري مآتمكم. كشفت لكم غير مرة اني غير توّاق إلى ان أرئس جنازات، وقد تتكاثر في اسبوع واحد أو يوم واحد، ويجب التوفيق بين الاوقات. ولكن الأهم من ذلك ان كاهن رعيتكم كافٍ لإقامتها، وفي هذا راحة للجميع.

          واذا كان تحديد الوقت شيئا هاما، فرجائي اليكم ان تسألوني عن الموعد الذي يناسبني. فقد تحددون وقتا أكون فيه منشغلا بواجب آخر وقد لا أصل بسبب المسافات في ابرشيتنا. وفي المنطق نفسه قداس الأربعين أو السنة لا بد من تحديد تاريخه بالاتفاق معي اياما كثيرة قبل موعده.

          اتمنى ان نكون بسطاء في التعامل. فقد أَعتذر مثلا عن حضور اكليل في آخر لحظة إمّا لتعب شديد أو لانشغالٍ طارئ، فقد يستدعيني واجب كنسي كبير أو ينتدبني السيد البطريرك في مهمة أو لأي سبب ليس من حقكم عليّ ان تعرفوه. هذا ليس إهمالا لكم. ما من راعٍ يحب إهمال خرافه. ظروف الرعاية تملي علي احيانا ان أغيب عن «أفراحكم أو أتراحكم». اتركوا الأمر لتقديري.

          إلى جانب ذلك هناك تصرفات أَعتبرها في غاية الإزعاج. ففي طريقي إلى بيت المتوفى ارى في ساحة البيت صفوفا من الرجال والنساء جالسين، واذا مر الكاهن أو المطران يظلون على كراسيهم قاعدين. الكنيسة جماعة بشر عندها أب. لو كان هؤلاء يحسّون ان عندهم أبا روحيا لوقفوا. العلاقة اذًا ليس فيها دفء أو ليس من علاقة.

          في كثرة من الأحيان، عند نهاية المأتم، عندما أَنزل لتعزية اهل الميت يقف الرجال ولا تقف النساء. انا لا أَقدر ان أصافح انسانا جالسا الا اذا كان مسنا أو مريضا. يخطر في بالي ان النسوة تَعلّمن من الإفرنج الا يقفن. هذا لا ينطبق على تعاملهن مع الإكليريكي. فقد ورد في كتب التهذيب المقروءة عند الاوربين ان الكاهن يُقَدَّم في المجالس على اية سيدة مهما علا شأنها.

          وشبيه بهذا الانزعاج ان يطلب احد المؤمنين تقبيل يد المطران، ولكنه بعد ان يضع يده بيدك يقبّل إصبعه. لماذا التظاهر بتقبيل يدي، ولا احد يرغمك على ذلك؟ ولكن ان اردتم ان تفهموا، فالأمر ليس فيه مجاملة وليس فيه خنوع كما يذهب المتأثرون بأصحاب الهرطقات. لا أحد يرغمك على شيء. ولكن اذا بادرت إلى الأمر، فقُم به صحيحا.

          في بعض الأماكن وليس دائما، لا تكون بعض النساء محتشمات في المآتم. ارتداء السواد يدل على حزن النفس (وهذا دنيوي ولا علاقة له بالكنيسة). كيف تجمع المرأة إلى الحزن الغواية؟

          موضوع «بدل الأكاليل» أخذ يقلقني في بعض المواضع. هذه عادة درجنا عليها من اجل دعم الكنيسة بالاستغناء عن شراء الزهور. ولكن أَسمع احيانا أن مائدة وُضعَتْ لأحدى الجمعيات او أحد الأندية. هذا غير مقبول، ففي هذا تعطيل لموارد الكنيسة. ليس احد منكم ممنوعا ان يتبرع حيث يحلو له ولكن دون ظهور تنافس بين الكنيسة وجمعيات خاصة على ابواب الكنائس.

          آخر بدعة فكرة تخصيص هذا المال لأهل الفقيد. هذا لا أساس له. انه تسول. ان مجلس الرعاية بعد قبضه هذا المال -وهو وحده المرجع- اذا عرف حقا أن اهل الميت في حاجة، يتبرع لهم من مال الكنيسة بصمت أو ينظّم المأتم بكامله. الكنيسة حاضن للجميع.

          أرجو ان نتقيّد بكل هذا لتكون امورنا «بلياقة وترتيب» كما يطلب الرسول.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

أعمى أريحا/ 3 كانون الاول 2000/ العدد 49

كان متسولا ككل المكفوفين الفقراء (لوقا 18: 35-43). حاسة الاتصال عنده السمع. سمع ضجيجا غير مألوف. ما الأمر؟ قيل له: يسوع الناصري عابر. حول بلدة أريحا في منطقة اليهودية، كل الناس كانوا يعلمون ان هذا المعلّم الجديد يصنع معجزات. لقد تمّت هذه الأعجوبة فيما كان يسوع ذاهبا إلى الآلام، وفي طريقه من الجليل إلى اورشليم كان لا بد له ان يمرّ بأريحا. فيما كان ذاهبا إلى نور صليبه، التقى هذا الرجل الفاقد النور، هذا الفقير الذي كان صورة عن اسرائيل الفقير، هذا الأعمى الذي كان صورة اسرائيل الذي لم يقدر أو لم يحبّ ان يرى النور في المسيح.

          مرقس يسمّي هذا المريض ابن تيماوس. يعرّفه باسمه. انه اهم من الجمهور. انه هو الآن في حاجة إلى يسوع. لما أَخبروا الفقير ان يسوع مجتاز، صرخ: «يا يسوع ابن داود ارحمني». صرخ لأنه لم يعرف المسافة التي كان عليها من السيد. كل محتاج يصرخ. سمّى المعلم «ابن داود». هي عبارة تعني ان الناصري هو المسيح. الأعمى يعترف واليهود لم يعترفوا. انتهره الجمع الذي كان يصحب المعلّم. لا يريدون جمهورهم أن يتوقف عن السير. بقي يصرخ ويسترحم. عندئذ وقف يسوع. ما همّه الناس الذين كانوا حوله. ما كانوا بالضرورة مؤمنين. كانوا بالتأكيد فضوليين.

          وقف يسوع لأنها ساعة حبه لهذا المحتاج اليه. «أمر ان يقدَّم اليه»، ان يزول الحاجز البشري بينهما. يسوع مخصِّص نفسَه للمحتاجين اليه، للطالبين النور به. ولما «اقترب (المريض)، سأله قائلا: ماذا تريد أن أَفعل بك؟». طبعا كان السيد عارفا بما كان الرجل يطلبه. ولكنه اراد ان يقيم حوارا معه. اراد ان يقول له انه هنا ليهتمّ به. «فقال يا سيد أن أُبصر». غالبا أنه لم يكن أعمى منذ مولده لأنه كان يعرف قيمة البصر أو انه سمع الناس يتكلمون عن جمال هذه الدنيا. فاذا أبصر سوف يعـود ليتمتع بما كان يشهده في طفولتـه. وفي كل حال لا يبقى في ذُلّ الانسان المستعطي. يمكن ان تكون له حياة جديدة. يمكن ان يتحوّل حلمه بالبصر إلى قدرة عظيمة. «فقال له يسوع: أَبصِرْ». لك أن ترى من تحب. لك أن ترى زوجتك وبنيك وربما أن تستعيد الأصدقاء الذين تركوك. يمكن ان تصير انسانا جديدا. «ايمانك قد شفاك».

          انها تعني ايمانك بي قد شفاك. مجرد التوق إلى الشفاء لا يشفي. هذا مرض لا تأثير فيه للأعصاب. الانفعال العصبي لا يشفي شبكة مسلوخة. انت كنتَ في الكفاف الكامل. هذا لا شيء يشفيه. يسوع وحده يُقيمك منه. انـه قادر على ما عجز عنه الطب. السيد ينقل الإنسان من العدم إلى الوجود.

          «وفي الحال أَبصرَ وتبعه». في الحال، يقول. فإن قدرة المسيح فاعلة فورا. هو سيدُ ما اختلّ في الطبيعة. هو سيدٌ الآن على كل عمى، على كل قلق، على كل يأس. عندما تعجز النفس عن النهوض، عندما يلوح لها ان الأدوية تشفي أو ان التحليل النفسيّ يشفي، ويصدمها مع ذلك كل علاج، ماذا يبقى لها؟ انا لست أقول لأحد لا تلجأ إلى العلاج بسببٍ مِن اختلالٍ في الصحة الجسدية أو الصحة النفسية، فلا بد منهما لنستعمل الوسائل العقلية. الإنجيل لا يُعفينا من أية وسيلة بشرية. غير أن المسيح له -متى شاء- أن يتدخل مباشرة ويُنهضنا من كل كبوة، من كل سقوط للنفس أو الروح، من كل خطيئة مستعصية لأن هذه هي العمى. في المحنة الكبرى لا بدّ لك من أن تصرخ للمعلّم وان تقول له انك وحدك وانك ضعيف. قد تكون الصعوبة الكبرى أن يعترف الإنسان بضعفه وأن يُقرّ بأن المسيح هو كل الحياة. متى حصل له ذلك يمجّد الله كأعمى أريحا. والذين حوله مثل الجمهور المرافق للسيد اذا رأوا التغيير الحاصل يسبّحون الله. الشفاء الروحي فينا دعوة.

Continue reading

Popular posts

من الشعانين إلى الصليب/ 23 نيسان 2000/العدد 17

دخول السيد إلى أورشليم يعني قبوله الصلب. كان هو تنبأ غير مرة عن آلامه وقيامته. فبعد ان أَنهض صديقَه لعازر من الموت، دخل إلى المدينة المقدسة وفي هذا حقق...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...