ما من حقيقة الا الفصح. لا عيد اذًا سواه. فاذا أقام المسيحيون اعيادا اخرى فلكي يستبقوا ذوق القيامة. ولذلك أتى «عيد الظهور الإلهي» الذي نقيمه اليوم المسمى الغطاس عند عامة العرب تهجئة للفصح. اما عيد الميلاد الذي اتخذ شعبيا في الغرب اهمية كبرى فكان في البدايات مقرونا بالغطاس وكأن المسيحيين ارادوا ان يقولوا ان مخلصهم بدا اولا في بيت لحم ثم على نهر الاردن والمهم بدْوه.
اذا اعتبرنا العبادات البيزنطية وشبيهاتها في الشرق تبدو انها مأخوذة بأن الإله الثالوثي هو الذي يتراءى بشكل او بآخر على نهر الأردن. وهذا يجانس مجمل بشارة متى التي تنتهي بذكر المعمودية باسم الآب والابن والروح القدس. والعبادة البيزنطية ثالوثية بامتياز. وهذا يتبلور بخاصة في الإنشاد. ويفهم هذا الانخطاف الى الرؤية الثالوثية بأن هذه الكنيسة الشرقية هي التي كافحت، بامتياز، بدعة أريوس الناكر لألوهية الابن. غير ان الأناشيد ليست المحور الأساسي للعيد. اعماق العيد نسبرها من قراءات العهدين القديم والجديد. وهذه تبدو لي مركزة على سر المسيح في سيره الى الموت بحيث يأتي ظهور السيد هنا تمتمة لظهوره الأخير على الصليب.
الجملة الرئيسة في معمودية المسيح التي أتت صوتا من السماء هي: «انت ابني الحبيب الذي به سررت». كذا في رواية مرقس ولوقا. وعند متى: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت». الواضح ان الأنا المتكلم هو الآب. الجمل الثلاث هي واحدة بالحرف، ما يدل على ان هذا هو التراث المسيحي السابق لتدوين الأناجيل الثلاثة.
ليس في انجيل يوحنا كلام صريح على المعمودية وهذا ما ذهب اليه المفسرون المعاصرون في الغرب. غير ان الإنجيل الرابع يؤكد على لسان يوحنا المعمدان (وفي العربية الصابغ) قوله: «رأيت الروح ينزل من السماء كأنه حمامة فيستقر عليه» (1: 32). اين رأى ذلك ان لم يكن في حادثة المعمودية؟ ثم يشهد الصابغ: «انا رأيت وشهدت انه هو ابن الله» (1: 34). ويسميه في غير موضع الابن الوحيد للآب والذي هو في حضن الآب. ويقول ان الآب يحب الابن. يوحنا يقدم لنا ترادفا بين الحبيب والوحيد.
غير ان اللافت في الأناجيل الإزائية (متى مرقس لوقا) ان قول الآب «انت ابني الحبيب» او «هذا ابني الحبيب» وردت حرفيا في حادثة التجلي عند كل من متى ومرقس كما وردت حرفيا عند كل منهما في حادثة المعمودية ما يعطينا الحق ان نفهم كلمة الآب في المعمودية كما ينبغي فهمها في جبل التجلي. الا ان لوقا لا يردد في التجلي الجملة التي اوردها في العماد. ولكنه يجعل الآب يقول: «هذا هو ابني الذي اخترته». كذلك ينفرد لوقا في التجلي بقوله ان الحديث الذي جرى بين السيد وايليا وموسى ان النبيين تكلما مع المخلص على «خروجه من اورشليم»، الأمر الذي يجعلنا نفهم لماذا لم يردد لوقا في سرده التجلي استعماله للفظة «ابني الحبيب» بل «ابني المختار» وكأنه يريد ان البنوة التي تكلم عليها هي التي سطعت (ولم أقل تكونت) في موت المخلص وقيامته. فاذا كنا مع لوقا تلميذ بولس ان التركيز هو على الموت الا تكون المعمودية كلها ايضا حديثا عن الموت؟
ما يؤكد عندنا هذا ان عبارة لوقا: «الذي اخترته» يرجح انها مأخوذة من اشعياء من النشيد الثاني لعبد الله حيث يجري الحديث عن قدوس اسرائيل الذي اختاره الله والنشيد الرابع للعبد يقول عنه: «لقد حمل هو آلامنا واحتمل اوجاعنا… ألقى الرب عليه إثم كلنا… ولم يفتح فاه كحَمل سيق الى الذبح» (الإصحاح الـ35). وفي سرد الإنجيل الرابع لما نعتبره المعمودية يقول المعمدان عن السيد: «هوذا حَمَل الله الذي يرفع خطيئة العالم» (1: 29). رسالة بولس الى اهل فيليبي -ولوقا تلميذ بولس- يسمي المسيح عبدا في اشارة واضحة الى تسمية اشعياء المسيح عبدا لله لكونه اتخذ العبودية وضعا له في الناسوت اي في الناسوت الصائر الى الموت.
الموت وحده يكشف لنا لماذا قال الآب: «الذي به سررت» او الذي عنه رضيت (في الترجمة اليسوعية الأخيرة). ليس مرجحا عندي ان الآب تكلم على مسرته الأزلية بالابن. المسرة تأتي من ان الابن صار «مكمَّلا بالآلام» على ما ورد في الرسالة الى العبرانيين (2: 10). اذ ذاك تأتي المعمودية رسما للآلام او صورة مسبقة عنه.
ان الظهور الثالوثي (صوت من السماء، الابن في الماء، الروح في شبه حمامة) لم يكن غاية بحد نفسه هنا لأن الكلام عليه ظاهر في مواضع من الكتاب كثيرة ولكنه تبليغ رسالة لاهوتية اخرى. في قراءتي ما أراده الإنجيليون هو العودة بنا الى سفر التكوين: «في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله يرفرف على وجه المياه». وقال الله: «ليكن نور». هذا كان الخلق القديم. بمعمودية المخلص الاله الآب يخلق «سماء جديدة وارضا جديدة». وروح الله يرفرف الآن (بلا تجسد منه). بدا في شكل حمامة وليس متجسدا في حمامة. والنور هو المسيح. ولكن هذا النور ليس نتيجة «كن». ليس مخلوقا بل يكان النور الحقيقي الآتي الى العالم على ما ورد في انجيل يوحنا. نحن الآن في الخليقة الجديدة، في تجديد الكون بالكلمة والروح.
اما اذا ذكرنا ليس معمودية السيد ولكن معمودية المسيحيين فنرى ان الكتاب يؤصلها في موت الرب وقيامته اذ يقول: «وقد اعتمدنا جميعا في يسوع المسيح، انما اعتمدنا في موته فدُفنا معه في موته بالمعمودية» (رومية 6: 3-4). حرف الجر «في» كما نقل الى العربية والدال على المكان هو في اليونانية حرف الحركة. المعنى من الآيتين أنقله هكذا لنكشف فكرة بولس: «انما في اعتمادنا تحركنا الى يسوع المسيح، انما باعتمادنا تحركنا او صرنا الى موته، ودفنا معه ونحن صائرون الى موته بمعموديتنا». فيكون رباط معمودية المسيح بمعموديتنا نحن عن طريق مروره بالموت والقيامة فتحركنا اليهما. هو باصطباغه في نهر الأردن يتهيأ للصليب ونحن بمعموديتنا نجيء من الصليب. وفيه أعلنت بنوة المسيح لله. خارج الصلب لا نفهم شيئا عن المسيح وعن جوهره.
يوم الغطاس هذا الذي نحن فيه نذهب في العبادة الى الفصح متدرجين ولذلك أتى عيد اليوم أبهى ذكرى لنا بعد القيامة. يسوع ينزل الى المياه ليصور فيها موته ويخرج منها ليصور قيامته. واذا احيا الماء طبيعيا كل حي في رتبة الخلق فالمسيح اليوم لا الماء هو الحياة.
واذا استعملنا الماء في المعمودية اليوم فلنقول فقط انه ذلك الرمز الذي ينقل الينا الكلمة والروح. فاذا قدسنا المياه اليوم ونضحنا بها منازلنا فلنقول اننا نبتغيها منازل للروح القدس. نحيا مع عائلتنا لا خلائق قديمة بل خلائق تتوق الى مساكن الملكوت.
غير ان هذا كله يتطلب توبة ولهذا بعد ان امتلا ناسوت المسيح بالروح «سار به الى البرية ليجربه إبليس» وانتصر يسوع على الروح الشرير. وفي رواية مرقس ان السيد كان في البرية مع الوحوش ونحن ايضا بعد اصطباغنا نبقى مع الوحوش الفكرية اي في الصراع الدائم. لا تبقى المعمودية ضمانا لأحد ما لم يغلب الوحش فيه. هذه الصبغة الإلهية فاعلة في نفوسنا اذا اقترنت بالطاعة الموصولة لله كما ان السيد كان في كل حين يعمل ما يرضي الآب. «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة».
البهاء الذي يظهر علينا بالنعمة يحتاج الى حرب روحية حتى الدم. فيها وفيها وحدها يظهر الله فينا وبنا ونبدو معمَّدين بالروح، فصحيين يوما فيوما، حتى يظهر الله علينا وعلى الكون كله في اليوم الأخير.
