إعالة الكاهن/ الأحد 2 أيلول 2001 / العدد 35
ليس السؤال كيف يعيش الكاهن بل السؤال هو هل تحبه الرعية بمقدار كافٍ حتى تغنيه عن البحث عن معيشته. والكتاب يقول: «من يرعى قطيعا ولا يأكل من لبن القطيع؟» (بولس الرسول). أي لبن هذا؟ بولس نفسه يقول: «ان كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات أفيكون عظيما ان نحصد منكم الجسديات؟»، ويريد بذلك سبل العيش.
الفكرة مستندة إلى القانون الكنسي الذي يريد الكاهن الا يفتش عن أسباب رزقه ليتفرغ للتعليم والخدمة والافتقاد. فكر بولس ان المؤمن الذي يتقبل العطاء الروحي من راعيه يساعده على العيش الكريم. فإذا بخل عليه يجعله منشغلا بالمال ويفسده.
وإذا كانت الخدمة الروحية أهم ما عندنا فالأولية في الإنفاق هي للكاهن. انه لا يعطى الراتب الأدنى بحجة أننا نبني كنيسة أو نرممها. بوضوح ما بعده وضوح أقول ان معيشة الكاهن الكريمة هي أهم من كنيسة الحجر لأنها من كنيسة البشر. المشاريع الوقفية مستمرة في بعض الأماكن. وتشييد الكنائس يتطلب زمنا طويلا. في هذه الأثناء كيف يأكل هذا الرجل وكيف تأكل عائلته. أنا لا اعرف عيلة واحدة تقلل من طعام أولادها وأقساطهم المدرسية وطبابتهم لكونها تريد ان تشتري شقة أو ان تبني محلا. ما هو ثابت لديكم، أي أولية الطعام على أي مشروع آخر، هو ثابت بالنسبة إلى الكاهن أيضا.
ما مصادر العيش عند هذا الرجل؟ صار مألوفا عندنا منذ بداءة القرن العشرين ان للكاهن راتبا ثابتا وان المؤمنين يكرمونه إذا قام لهم بخدمة روحية. غير ان الخبرة عندنا تدل على ان القسم الأكبر من المورد ينبغي ان يتكون من الراتب. المؤمنون أحيانا يعطون قليلا. والأفراح والأتراح متغير عددها. تقل أو تكثر ولا يعطي موردها طمأنينة. هناك نزعة سيئة جدا عند بعض مجالس الرعية وهو قولهم: أبونا عنده كذا إكليل وكذا معمودية ليخففوا عن أنفسهم مسؤولية العطاء الكبير. وما يذهلني في تصرف البعض انهم يبخلون من مال هو ليس لهم ولا يبخلون على عيالهم.
القلة مقتنعة ان كاهنا له ولدان أو ثلاثة يحتاج إلى إنفاق ما تنفقه عائلة لها ولدان أو ثلاثة. هذا لا يخطر على بال الكثيرين وكأن هناك نزعة إلى وضع الكاهن تحت وصاية القابضين على أموال الكنيسة. وكأنهم يقولون انه «لازم يكون معتّر» حتى يتعلم التواضع. من قال انه لا يقدر ان يكون متواضعا بلا تعتير؟
ثم الأمر الأساسي الأخير هو ان تحديد المعاش هو بيد المطران بالدرجة الأخيرة لأنه هو القيّم على الأوقاف ووكلاء الوقف هم فقط مستشارون لديه. بدنا نتخلص نهائيا من هذا الكلام المهين للسلطة الروحية: هذا وقف آبائنا وأجدادنا. هذا غير صحيح. هم أعطوا، ولكن بعد عطائهم صارت هذه الأملاك في عهدة الكنيسة كلها وليس في عهدة العائلات.
أنا يحزنني جدا ان أواجَه بكلام كهذا: هذه قدرتنا. ما معنى هذا الكلام وفي كل رعية كمية من الأغنياء وأموال في المصارف. الصواني لا تعطي، يقولون. طيّب، إذا جاء إلى القداس بين 3 و 8 % من المؤمنين، أيعني ذلك ان الكاهن يجب ان يعيش من الصواني فقط وليس من المؤمنين وفق نظام اشتراكات مثلا؟
هذه الخطوط العريضة لسلوكنا هي ما يرضي الرب.
Continue readingالنظرة / السبت 4 آب 2001
أغلاط الإرشاد الروحي/ 22 تموز 2001 / العدد 29
أول غلطة المبالغة في التشدد. أحيانا يرى الأب الروحي انه من المفيد ان يمنع المعترف من المناولة حتى يتثبت ان المعترف تاب. يستمع إليه أسبوعا تلو أسبوع حتى إذا لاحظ تحسنا فيه يعيده إلى القرابين الإلهية.
أما في الأحوال الاعتيادية فالحكمة ضرورية جدا. فهناك مثلا المريض المضطر إلى تناول أدوية عند الصباح يرافقها أحيانا لقمة خبز. ان جسد الرب هو للمرضى كما للأصحاء. أو يكون الابن الروحي غير قاصد المناولة صباحا ثم يشتاق إليها أثناء الخدمة. يقدّر الكاهن ما ينبغي عمله ازاء ذلك. هناك لين في موضوع الصيام. القوانين الكنسية ذات الطابع الانضباطي قائمة لخلاص النفوس. بيد الكاهن الفهيم ان يتدبر شأنها.
بعامة هناك فرق بين التعليم والإرشاد. التعليم نقدمه صارمًا. اما الإنسان الذي يقع في الخطيئة فنستعمل معه الرحمة. هذه تيسّر عودة الابن الشاطر. هناك حزم في اللوم على المعصية وعطف في انتشال الخاطئ من الجب.
يخطئ الأب الروحي إذا استهان بالخطيئة، إذا هوّن الأمر بحجة انه يريد إنقاذ الخاطئ. التخفيف من جسامة الخطيئة كثيرا ما يرمي المعترف في جب أعمق ويفسد تقييمه للأشياء. لا يقال مثلا: أنت كذبت والكذب منتشر، المرة الآتية كن أفضل. هذه مساومة مع الشر قتّالة. لا يقال لمتزوج: أخذتَ حريتك في السفر. أنا أفهمك. احفظ نفسك المرة الآتية. كلام كهذا فاسد جدا. ان تفهم هذا شيء، وان تعذره شيء آخر. الكاهن ليس محللا نفسيا ليدرك كيف جرت الأمور. هو معلّم الشريعة وهذه هي المنقذة.
المرشد يقابل الخطيئة التي تُذكر له بجمال الفضيلة التي لم تتوافر عند الابن الروحي، ويجعل الفضيلة جذابة، ويحاول ان يحببها للابن الروحي. من هذه الزواية، الكاهن يرافق ابنه الروحي بالكلمة الحلوة إلى وجه يسوع، ولا يتصرف كعسكري أو كمن فقد صبره. ينبغي الا تباغته أية خطيئة ولا يصدر عنه أي تأوه أو تنهد أو غضب أمام ما يسمع. كل إنسان، أيا كان، قادر على أية معصية. يستمع بعقله. يفهم سبب المخالفة وظروفها والضعف الذي قاد إليها. ويجابه لا بالتحليل النفسي ولكن بالكلمة الإلهية. لا ينبغي ان يلعب لعبة المحلل النفسي. التحليل ليس مهنته، والمعرفة القليلة به تقود إلى كوارث. أما إذا وجد حقا ان الابن الروحي يحتاج إلى طبيب نفسي فيقوده إليه.
إلى هذا فليس للكاهن ان يقرر شيئا عن ابنه الروحي. ممنوع عليه ان يأمره مثلا بالزواج أو ان يأمره بالترهب. قد يقول له: عندك أهلية للزواج، ولكن لا يحضه عليه كما لا يحضه على الترهب. والأخطر ان يقول له: هذه البنت ملائمة لك أو غير ملائمة. الأب الروحي لا يحمل مسؤولية نجاح أو فشل في الزواج. والأهم انه لا يحمل قائمة بالفتيات ليزوجهن لأبنائه الروحيين.
أيضا وأيضا أريد ان أؤكد ان الابن الروحي ليس عبدا للكاهن. هذا يصغي إلى من يطلب الإرشاد. وفي اليونانية كلمة طاعة مشتقة من كلمة الاستماع. غاية الإرشاد الأساسية ان نوجه المعترف إلى الاستماع إلى كلمة الله حتى تُحدث هي فينا التغيير. إذًا ليس مِن تسلط على أحد. مرافقة مُحبة وفهيمة تجلب هي الطاعة إلى قول الرب.
Continue reading