روحية مجالس الرعايا/ الأحد 14 تشرين الأول 2001 / العدد 41
هي مجالس لمعاونة الكاهن في خدمة المؤمنين على صعيد الثقافة الروحية وفي مجال تنمية الأوقاف تعزيزا للكاهن وتعزيزا للإخوة المحتاجين.
الأعضاء في هذه المجالس يعيّنهم المطران تعيينا بعد المشاورة مع أهل التقوى، وينص القانون انهم يكونون من المؤمنين المصلّين الفاهمين بشيء من العمق الأمور التي يجب بحثها. ولذلك أتى مجلس الرعية مستقلا عن كل حزبية محلية كانت أم غير محلية.
ومن الواضح ان المطران لا يسأل أحدا عن انتمائه السياسي لأن المطران ليس عنده لائحة بالموالين لهذا أو ذاك من الناس أو المنخرطين في عقيدة سياسية. هناك من يدلّه على من عنده حماسة روحية وخلق جميل. والمطران ليس خصما لأي زعيم أو نافذ ولا يناقش أحدًا في انتمائه الحزبي ويعتبر المؤمنين جميعا إخوة ويأمل الا تتجاوز الخصومة السياسية ولو شريفة اعتاب الكنيسة والا تخل بالمناقشات، فالمسيح يوّحد المؤمنين ولو اختلفوا في شؤون الدنيا. وهو ينظر إلى المحازبين من كل صوب والملتصقين بهذا وذاك من النافذين على انهم أبناء له، لهم جميعا المحبة نفسها والرعاية نفسها.
فأنت لك ان توالي من تشاء وأي حزب تشاء إذا كان لا يقول شيئا ضد العقيدة المسيحية. كذلك ينظر المطران إلى الزعماء في القرية أو في ما هو أوسع من القرية -إذا كانوا أرثوذكسيين- على انهم أبناؤه أيضا ولكنه يريد منهم الا يعتبروا الكنيسة نطاقا لنفوذهم أو تدخلهم لأن في هذا خلطا بين أمور الله وأمور الدنيا ولأن هذا التدخل من شأنه ان يغذي الانفعالات والتشنج.
من الطبيعي ان أحافظ على مجلس الرعية حتى انتهاء ولايته وهي أربع سنوات إذا لم يرتكب هدرا. ونحن نراقب حساباته. وإذا ارتكب احد من الأعضاء خطأ كبيرا فيستغنى عنه هو. ولكن إذا كان الأداء جيدا فلا يكون المطران على هذه الخفة التي تجعلنا نحل المجلس لكون عدد من أعضائه لا يروق هذا أو ذاك من الناس. المجلس ليس مجلس عائلات. انه مؤلف من أفراد نعيّنهم وفق المعلومات التي تردنا من بعد المشاورات. وليس من مشاورة واحدة في العالم يمكن ان تأتي تامة، مصورة للوضع الحقيقي. الاستنساب يلعب دوره في كل تشاور.
المجلس جيد نسبيا وليس مطلقا. لذلك، حفاظا على الكنيسة، يتعاون الجميع معه حتى يحل محله مجلس آخر عند انتهاء مدته. ان مقاطعته فيها أذى كثير لأن فيها انقساما. فأنت تحتمل أداء ناقصا -وكل أداء هو كذلك- بانتظار الأفضل.
وما يهون على الجميع الأمر هو ان المجلس ليست له صفة تقريرية ولكن صفة استشارية. غير أننا لا نستطيع ان نكون في كل مكان. فما كان استشاريا يصبح في الحقيقة تقريريا حتى يبدو الغلط فننقحه.
على هذا الأساس لا يجوز ان «نحرد» من المجلس أو ان نقاطعه ماليا لأن هذا يؤذي الكنيسة ويقلل من مداخيلها ويضعف عملها. أنت لا تعطي المجلس مالك ولكنك تعطيه للكنيسة، التي هي أمّنا جميعا. وإذا قاطعت فأين تكون مشاركتك وكيف تكون أخا؟ ليس احد يضغط على أمه ليفقرها. وليس لأحد ان يفرض رأيه على الجماعة. انه يبديه. وافترض أننا محبّون بعضنا بعضا فلا يكون المجلس حربا على أحد. ولكن بالمقابل لا يحارب احد المجلس القائم.
اما إذا رأى بعض الإخوة انه حسن ان يؤتى بواحد أو أكثر من واحد ليتحسن الأداء فنحن منفتحون للرأي المصيب. أنت تجاهد من الداخل وتناقش داخل المجلس. وليس من كارثة إذا لم نأخذ هذا أو ذاك. كما انه لا يأتي احد بأعجوبة لو قبلناه. ليس المجلس مكانا للنزاعات ولا لسوء النية كما انه ليس بمعصوم. نحن لا نمارس الإكراه، ومن الطبيعي ان نرفض ان يمارس احد علينا الإكراه.
لا يمكن لأية هيئة في العالم ان تكون مؤلفة من قديسين. المصلحة تقضي بأن نرتضي الموجود. والإصلاح وارد والإلحاح على الإصلاح وارد. وقلبنا مفتوح لأي اقتراح تحسين حتى تبرز المحبة.
Continue readingنظافة الكنيسة والكاهن/ الأحد 7 تشرين الأول 2001/ العدد 40
«ما أَحبَّ مساكنك يا رب القوات» (المزامير) وقوله: «يا رب أحببتُ جمال بيتك»، ان كانا يعنيان البهاء الإلهي القائم في هياكلنا، إنما يتضمنان ان القذارة وانعدام الترتيب ليسا شيئا محببا.
الكنيسة مكان وضع الله اسمه فيه ومُسِح بالميرون عند تكريسه وصار مدى يتجلى فيه وملأته الصلوات سنين كثيرة عشرات أو مئات. وأقيمت فيه بنوع خاص الذبيحة الإلهية الأمر الذي دفع المؤمنين إلى الخشوع والارتفاع الروحي. هذا مكان من أمكنة الملكوت.
ورأينا الأجيال البارة ترممه وتحسنه وتحفظه من السقوط والتصدع وأي أذى يأتي من الطبيعة. وسلك الناس وهم يشعرون ان المحافظة على بيت الله جزء من الأمانة لله. وتقدمنا كثيرا في رعاية الهندسة المعمارية البيزنطية. غير ان معابدنا متفاوتة في نظافتها فهناك كنائس قليلة ليست نظيفة حتى النهاية.
الهيكل وهو المكان الأهم، النظافة الأساسية فيه نظافة المائدة والمذبح. والمائدة مجللة بأغطية واحد منها ظاهر لا تمسه يد إذ لا يضع الكاهن عليه يده. ولا يوضع عليه سوى الإنجيل. ثم لا بد من الانتباه إلى الشمع حتى لا يسقط منه قطرات. وإذا حل شيء من الوساخة فواجب الكاهن ان يزيل هذه الوساخة. كل شيء قابل للتنقية. أية قطعة من قماش قابلة لنقاء كامل.
إلى جانب ذلك ارض الهيكل التي لا ينبغي ان نرى عليها فحما أو بخورا ساقطا ولا أثر لمن يمشي عليها.
هذا كله من مسؤولية الكاهن. يوكل من يشاء للقيام بهذا العمل. له ان يستعين بمن تؤهله مواهبه للإشراف على هذا الموضع السامي. ان هاجسا من هواجس الكاهن ان تكون الأواني الكنسية الموضوعة على المذبح لائقة كليا بالله وغير منفرة للمؤمنين وكذلك الأغطية المتصلة بهذه الأواني.
الكاهن وحده مسؤول مباشرة عن هذه الأدوات المطلوب ان تكون كالبلور لئلا يشكك خادم المذبح إخوته العمانيين ويحسبوه مهملا للخدمة. هذه تربية للكاهن حتى يفهم ان أمور الله كلها تجري بترتيب ولياقة وإتقان.
يتصل بهذا جمال الألبسة الكهنوتية التي يستخدمها في الذبيحة الإلهية والصلوات فلا تبقى ممزقة ولا تعتق كثيرا لأنها جزء من جمال الخدمة.
جبة الكاهن وما إليها ينبغي ان تبقى نظيفة دائما وكل ثيابه. هذا بعض من حبه للترتيب. طبعا نحن لسنا طلاب أناقة ولا الإكثار من هذه الأقمشة فهذا إسراف لا يتجانس مع التقشف. المظهر اللائق وان لم يكن فضيلة الا انه ينسجم مع فكرة اللياقات الخارجية التي يجمل بالإكليريكي ان يتحلى بها. قد يكون هذا أحيانا صورة عن طلبه اللياقة في كل شيء.
Continue readingالأميركيون قضاة الأرض؟ / السبت في 22 ايلول 2001
وجدنا أنفسنا في مقامات الدعاء لما سقطت الضحايا الالوف في اميركا في الحادي عشر من ايلول. موت عابث كموت اطفال العراق. موت حقد على الجبار المطلق دفع ثمنه العائشون على ارض الجبار. موت مجاني احزنني سرعان ما تحول الى خوف على اهلي واصدقائي العائشين هناك. يا ليت موتا كهذا يموت الى الابد. يا ليت اميركا تحلم مقابله بالحياة لها وللآخرين.
بين كتابتي هذه السطور وطبعها ربما سلكت هذه الدولة سلوك الانتقام. لو كان ثابتا ان الثأر يوقف العنف لفعل مذ قتل قايين اخاه في بدء التاريخ. سيكون قتل جماعي يعني ان اميركا لكونها يعسر عليها جدا ان تلقي القبض على المخطط ستقتل بديله الوفا مؤلفة من الابرياء، لتقول ماذا؟ فاذا كان الحكم الذي لجأ اليه المخطط مسؤولا عن ايوائه فهل تقدر اميركا على ابادة اهل البلد الآوي، هل تريد؟ ايجوز للدولة الكبرى، المطلقة في كبرها، ان تحصد في مرارتها ناسا لا ناقة لهم ولاجمل؟ هل هذا عدل ام هذا انفعال؟ الا يفعّل هذا طاقات التمرد في الشعوب الضعيفة لتجد يوما مخرجا لها من مأزقها عن طريق ما يسمى الارهاب وما تحس به هي جرحا لكرامتها؟ هل بقي من حوار ممكن بين الاقوياء وصعاليك الارض ومن سلح الصعاليك الذين قد تذهب الولايات المتحدة الى ابادتهم؟ هل ينتج قتل الفقراء سلاما؟
يبدو الآن ان “صراع الحضارات” كما رسمه صموئيل هنتغتون آخذ بالتحقق. مشكلة هذا المصطلح ان الارهاب ليس وقفا على حضارة واحدة. فقد كان المانياً وكان يابانياً ومنذ بضع من السنين اميركيا ضمن اميركا نفسها. المسلمون اذاً ليسوا محتكرين للارهاب. ولكن لماذا لا تطرح الولايات المتحدة على نفسها سؤالا حول الاسباب التي تدفع الضعاف الى ما تسميه الارهاب؟ اليست المظلومية بما فيها العوز والقمع السياسي باعثة الى هذا التصرف واذا كانت الحرب باتت مستحلية بين شعوب الارض كافة؟ اي اذا كان هاجس الصغار ان يتحرروا من التسلط عليهم واذا كانت وسائل تحريرهم هي قطعاً بيد الكبار لماذا لا تنبسط هذه اليد تعاوناً صادقاً وبذلاً لا اذلال فيه حتى تزول مرارة الضعاف؟
قد تبطش اميركا بطشاً قاسياً الى حين ولكن أنّى لها ان تزيل بؤر الارهاب من كل بقعة يجيء منها؟ هل تضرب كل الدول التي صنفتها مصدرة للارهاب ولا تفكر في ان هذه الدول ستطلع من تحت الانقاض لكون احزانها قد تكاثرت وحقدها قد تكثف ونكون قد دخلنا حلقة جهنمية لا شيء يكسرها؟
واذا ترادف في العقل الغربي الارهاب والعرب والمسلمون نكون امام صليبية جديدة لا نهاية لها قائمة على خرافتين ان الغرب المسيحي وان دار الاسلام في كيانها مصدرة للحرب والخوف اذ يتبع هذا في عقول المسلمين ان المسيحيين انّى كانوا حلفاء الغرب او عملاؤه وانهم تاليا اصدقاء اسرائيل. ان الاسلام السياسي والحضاري يجب ان يقف على قدميه بالفهم والابداع والازدهار في شتى جوانبه حتى يزيل خطر الصليبية عليه لأن استمراره في الفقر والمقهورية هو الذي يدفعه الى صليبية مضادة وباصطلاحه هو الى جهاد ليس هو قادرا عليه. واذا تمرمر اكثر من المعقول فانتفض قد يصل الى مواقع انتحارية يرصفها هو في موقع الاستشهاد. ازاء هذا الجنون الممكن توقعه يكون الغرب هشاً لا يصبر كما يصبر الاسلام وتفنى هذه الصليبية المتجددة كما فنيت صليبية القرون الوسطى في بلادنا. ان اصطفاف اوروبا الغربية وروسيا الى جانب الولايات المتحدة يقنع المسلمين نهائيا وليس الاصوليين منهم فقط ان المسيحية في كيانها عدوة للاسلام واستقلال شعوبه فنكون امام استعمار متجدد بعدما زالت اشكال الاستعمار القديم.
كنا، بشكل او بآخر، قبل الحرب العالمية الثانية نعتبر الولايات المتحدة رسالية تدعو الى الديموقراطية والحرية. ان هذه الصورة، تزعزعت كثيرا وربما كليا في فلسطين وافريقيا ويوغوسلافيا السابقة ورأينا بلد لينكولن وويلسن يتبنى ال Realpolitik ولا يكتم انه يرعى مصالحه في الخارج ويصرح انه يدخل، رعاية لهذه المصالح، هذا الخلاف او ذاك. انه لم يبق حاملا ميزان العدل ولا يحتاج هذا في فلسطين التاريخية الى دليل. هل يمكنه بعد الكارثة الاخيرة ان يحس انه مدعو الى تغيير لدوره جذري فيصبح من جديد حكما لا طرفا وهذا يقويه ويزيد هيبته ويجعله رجاء للشعوب؟
قد يعذر عن “فشة الخلق” الى حين على الا تكون واسعة الرقعة. قد يردع هذا بعضا من اهل الارهاب الى زمن. لكن الغضب لا يستطيع ان يدوم لأنه يبيد الغاضب نفسه في حين آخر. لمصلحة اميركا اعتقد انه لا بد لها ان تدخل في طور المسالمة بينها وبين الشعوب كلها والكبير يقول السلام بالخدمة واقامة الحق.
لعل التصرف الاميركي في العالم مستقى من الآية الثانية من الاصحاح 26 من نبوءة اشعياء المكتوبة على مدخل جامعة هارفرد: “افتحوا الابواب ولتدخل الامة البارة” ثم يتابع السفر الآية بقوله ان هذه الامة “الحافظة للامانة. ان عزمها لثابت الخ…”. اميركا مقتنعة انها مؤهلة بالبر، بما تدعيه براً لها، ان تدخل ابواب المعرفة التي تمكنها من حكم العالم. اذكر ان الرئيس كلينتون قال شيئا كهذا. القوة تؤهل لهذا الحكم ببر او بلا بر. ومن الواضح ان الآباء المؤسسين اعتقدوا ان العالم الجديد الذي ذهبوا ليسكنوه انما هو ارض الميعاد الثانية التي تنزل عليها البركات. ويعيش الاميركي على ان المال عند وفرته انما هو عطاء الله.
لا يبدو ان الاميركي قرأ الانجيل الذي يحذر كثيرا من المال ويحذر اولا من التسلط. وبالتأكيد ان المواطن العادي عندهم لم يطالع الادب النسكي الذي يحذرنا كثيرا من استبداد الملك بنا. واذا كان بسط القوة على المدى الاميركي قائما وناجحا فلماذا لا تنبسط القوة على العالم اجمع والنفور منها يمكن قمعه بالانظمة الموالية المستفيدة كثيرا من تحكمها بشعوبها بما يضمن بقاء حكمها عن طريق السياسة الاميركية.
غير انه يجب ان تقرأ التاريخ وكيف اندثرت الممالك: “قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء” (سورة آل عمران، الآية 26). لا يبدو ان الاميركيين قرأوا الآية. ولكن لا بد انهم قرأوا ما جاء في المزامير: “ايها الملوك الآن تعقلوا ويا قضاة الارض اتعظوا” (مزمور 2: 10). المشكلة ان الاميركيين نصبوا انفسهم قضاة الارض يقيمون عدلهم هم – لا العدل – حيثما شاؤوا ولا مرجع لهم الا انفسهم. ولما كانوا على ما تبقى لهم من رسالية على عهد فرانكلين روزفلت اعتقدوا انه يجب انشاء هيئة عالمية يرجعون هم وسواهم اليها لاحقاق الحق حتى تبين لهم انهم قادرون على الاستغناء عنها حيثما تقضي الحاجة ولا يضيرهم بشيء ان تخرج اسرائيل على قرارات هيئة الامم جميعا لأنها هي ايضا اقامت نفسها او اقيمت قاضيا في ارض المشرق.
دعائي الى الله ان تحافظ اميركا على غناها وعلمها والتقنية التي ترعى وان يهديها الى تواضع يجعلها توقن ان احدا لم يقمها قاضيا في الارض. لعل هذه الكارثة الرهيبة التي حلت بها واوجعتنا تجعلها ترصف نفسها مع الشعوب فلا تستعلي ولا تؤدب حتى لا يحل العقاب بها.
لتحافظ على ثرائها وليزدها الله ثراء ولا تستكبر. لها ان تعظم ولنا نحن الفقراء ان نعظم ايضا وهذا يتطلب منها زهدا بقوتها او الا تستكبر بها. لا احد ينتظر منها ان تكون جمعية خيرية ولكن نتوقع منها الا تستخف بوجودنا وبأننا نحن ايضا مدعوون الى الحياة. لا نريد ان ننتزع منها كرامتها فهذا بغض. ولكن ماذا ينفعها “لو ربحت العالم كله وخسرت نفسها”؟ اذا جعلت اميركا كل قدرتها في خدمة المستضعفين في الارض يزول الارهاب وربما اطل الحب.
Continue readingهذا الأحد/ 16 ايلول 2001/ العدد 37
هذا الأحد الذي بعد عيد رفع الصليب يعطينا المعنى العميق لسر الصليب. أن تحمل صليبك اي أتعابك ومشقاتك ماشيا وراء يسوع، أن تكفر بأنانيتك او مركزية الأنا هذا هو السر. أن تخلّص نفسك، وهذه غاية موت يسوع، يعني ان «تُهلكها» اي ان تجاهد جهادا كبيرا، كليا حتى لا تعلق فيك خطيئة. في الحقيقة تُهلك الأنا الطامعة، العابدة نفسها، المستلذّة بما عندها.
لماذا تفعل هذا، ما مكافأة هذا العناء؟ خلاص النفس. ويذهب الإنجيل إلى ان الإنسان يريد كل شيء في هـذه الدنيا، ان يربح العالم وكل ما فيه من لذات، مـن مال، من مجد. هذا ما يسمى «العالم» بلغة الكتاب. يقول: إن ربحك كل هذا لا يساوي أن تخسر نفسك اي أن تخسر حياتك الروحية وأن يكون المسيح ساكنا فيـك. المسيح أهم من كل ما في دنياك. هذه اشياء مادية وعابرة او هي تدغـدغ كبرياءك وحبك للمجد. بهذا تنتفخ، وفي الحقيقة تبقى فارغا. انت إنْ احببت نفسك حقا وجدّيا تريدها مليئة ولا يملأها فرحا سوى المسيح.
المسيح ملء وجودك ولكن المسيح له ثمن في دنيا مغرية ومشوّقة. الخطيئة ساحرة للوهلة الاولى. أن تتركها اذا أتتك التجربة يبدو لك شيئا مزعجا. تظن للوهلة الاولى انك ستصير مجرّدا من جمالات العالم، من شهواته. هذا صحيح اذا كانت الشهوات مؤذية، قائمة على إشباع البطن وإذكاء المجد الباطل. ولكن على قدر اقترابك من يسوع تحسّ ان الفرح به هو اعظم من كل لذات العالم، ان لا معادلة بين ما تخسر ومن تربح لأن في المسيح اللطف والتعزية والفرح والوداعة اي الأشياء العميقة والتي تبقى فيك إلى الأبد.
عطايا المسيح اليك تجعلك قويا فيه، ثابتا، وتشعر بأن ما يعطيه ملء وليس شيئا جزئيا او تافها او مهترئا.
واذا سكنَتْ فيك كلمة المسيح وبِتَّ مغتذيا بها وناميا بها تحس بغناك الحقيقي وباستغنائك عن الأشياء العابرة والسخيفة.
انا ما قلت ان يسوع يطلب اليك الا تأكل ولا تشرب ولا تتزوج ولا تحصل على الأموال الضرورية لمعيشتك. هذه اذا أخذتها باعتدال وضمن شريعته لا تبعدك عنه ولكنك تطوعها له. المهم ان تعرف ان السيد هو قائدك في كل شيء وهو الميزان لكل شيء. تأخذ انت من هذا العالم شرط ان يأخذك المسيح اولا وان تعتبره موجِّها لك في ما تأخذ من هذا العالم وفي ما لا تأخذ.
الصليب ليس فقط إشارة صليب ولا هو مجرد ايقونة. هذا رمز لما هو أعمق. قلبك هو المصلوب. قلبك هو الذي تبيد فيه الشهوات المظلمة التي تكبّلك وتستعبدك. أن تتحرر منها غير ممكن الا اذا جعلت المسيح مَلِكا على قلبك. عندئذ يهون الجهاد وتستطيب الجهادَ طريقا إلى حبيبك يسوع. عندئذ لا تكون فقط حاملا على كتفيك الصليب. تكون مكلَّلا بالقيامة.
Continue readingأقوال رعائية/ الأحد 9 أيلول 2001 / العدد 36
نشأت عندنا عادات لا أجدها في العالم الأرثوذكسي مثل العمادة والإكليل في الأديرة. الدير ليس مكانا للإكليل لأن الناس الذين يعيشون فيه لا يتزوجون وليس من المستَحَب ان يشاهدوا أعراسا عندهم. كذلك العمادة التي تقول قوانيننا القديمة أنها تجري في كنيسة الرعية وليس في كنيسة خاصة.
أهمية التعميد في كنيسة الرعية ان الطفل المُعَمَد تتقبله الرعية عضوا من أعضائها. ولهذا كانت تتم المعمودية في القداس الإلهي فلم تكن دعوات إلى عمادة، فكلّ الرعية تكون مجتمعة وهي التي تتقبل الولد وتجعله عضوا فيها. الإنسان يعتمد ضمن الجماعة ليصير واحدا منها. ما يجري الآن سواء أكان في الدير أم في كنيسة الحي أو الكاتدرائية ان الأهل يدعون أنسباءهم وأصدقاءهم، والمعمودية عملية جماعية تخصنا جميعا ولا تخص الأهل وحدهم.
لقد قُمنا بهذا الاختبار وأدرجنا العمادة في القداس حسب ترتيب موضوع. كذلك أدرجنا الإكليل في القداس بحيث تتقاطع الصلوات الخاصة بالإكليل والصلوات الخاصة بالقداس وتتصل بعضها ببعض. أنت تتكلل ضمن الجماعة ولا تخرج من كنيسة رعيتك.
اليوم نرى ان معظم الناس لا يُصلّون في الإكليل. الأزياء معروضة بفحش كبير فلا حرمة للمعبد. الناس منشغلون بالناس ولا يبدون منشغلين بالكلام الإلهي. حُرمة الزواج ينتهكها الفحش.
يقولون أنا أتكلل في دير أو أُعَمِد ابني في دير لأن هذا نذر. لماذا تنذر هذا النذر؟ هذا كله يأتي من الروح الفردية. وروحنا نحن جماعية. الكنيسة في أبرشيتنا هي كنيسة القرية. وفيها أنت تولد روحيا وتنشأ روحيا وفيها يتم فرح زواجك ويُصَلّى فيها على جثمانك وتُدفَن بقربها.
هناك نذور كثيرة مغلوطة إذ ليس لها أساس في القانون الكنسي. من هذه النذور أن تشتري صورة أو ثريا وترغم وكلاء الوقف على قبولها. وقد لا تكون هذه الصورة أيقونة أرثوذكسية وتزعل إذا رفضناها ونحن مضطرون إلى الرفض. أنت تتبرع إلى الكنيسة بمبلغ من المال ويشتري وكلاء الكنيسة ما هم في حاجة اليه.
أحمد الله على ان المؤمنين عندنا اخذوا يفهمون هذا وطبقنا هذا في نجاح في الجبل المهجر حيث لا يأتيك احد ليفرض عليك كتابة اسمه. من أعطى يعطي الله ولا يفتش على نقش اسمه على أيقونة أو بلاطة. إذا أحسنت فالرب يسجّل لك ذلك في سفر الحياة.
الشيء الآخر الأساسي هو ان بعض الناس ينفقون كثيرا على أعراسهم والناس يموتون جوعا. في الضائقة التي نمر بها اليوم الإنفاق الكثير على المآدب والاستقبالات شيء فاحش. فليكن للعروسين هذه الشجاعة ان ينفقوا القليل القليل. ان هناء العروسين يبدأ بمحبتهما للفقراء.
ما يؤلمني ان أصحاب العمادة أو الزواج يبالغون في المصروف مبالغة كثيرة بدءا من بطاقة العرس التي صارت أغلى مما يجب. الإكليل يمكن ان يتماشى مع التواضع والخفر. يَجرح الكهنةَ في مناسبات الفرح أنّ أصحاب الاحتفال ينفقون القليل عليهم إذا قيس بما ينفقون على الكوكتيل. مال يهدر على الملذات والمجد الباطل ولا يعطى القليل إحسانا وتقربا من الله.
Continue reading