2001, مقالات, نشرة رعيتي

التشاور/ الأحد 9 كانون الأول 2001 / العدد 49

كل الكنيسة تقوم على اننا واحد. هذا ما يسمى جسد المسيح بحيث لا يستغني احدنا عن الآخر. فلو كان اخوك قليل المعرفة الا انه قد يكون عظيما في المحبة. وان انت تأنيت عليه وكلّمته بالمنطق قد يصير اكبر عطاء في عقله. وان كان اهوج وعاملته برفق قد يقترب من الوداعة فالتعاون. لا تلغ احدا لأنك بذلك تكون قد تصرفت كأن العالم هو لك وحدك وكأن الله اخطأ لما خلق سواك وسمح بأن يكون كما هو.

         في هذا المعنى قال بولس: “ان قالت الرِجل لأني لست يدا لست من الجسد. أفلم تكن لذلك من الجسد… لو كان الجسد عينا فأين السمع؟” (1 كورنثوس 12: 15-17). ولهذا دعانا الإنجيل الى ان نكون دائما في حالة التشاور وان يكون عندنا فكر المسيح. وفي هذا المنحى اراد ان يجتمع الإخوة ويتحاوروا وألا يستقل احد برأيه. فرأي الآخر قد يزيدك وضوحا وقد يأتي تنقيحا لرأيك فتخرج الحقيقة او الأمر النافع من هذا التقابل. ولهذا اوجد القانون مجلس الرعية ليكلم احدنا الآخر فلا يتفرد احد برأي ولا يفرض رأيا على الإخوة. فالتفرد يجرح من الذي لم يُدعَ الى الاجتماع، وكأنه يقال له انه  غير نافع او كأن رأيه متميز فنخشاه.

         واذا كان من شخص يستشار فهو رئيس الأبرشية لأنه موضوع فيها بقوة المسيح. ومن لا يؤمن بهذا فليس له ان يكون عضوا في اي نشاط كنسي. ولهذا اوصى القديس اغناطيوس الأنطاكي في اوائل المسيحية الا يعمل الإخوة شيئا بلا مشورة الأسقف ليس لأنه أمار ولكن لكونه الأخ الاول بسبب الوكالة الإلهية التي يحمل ونفترض فيه انه غير منحاز ولأنه طبيعي ان يكون بعيدا عن العصبيات المحلية. في كل حال هذه هي كنيستنا.

         ومتروك للإخوة في مجالس الرعايا البت في ما هو عادي او يومي، ولكن اذا شعروا ان للأمر المعروض اهمية خاصة فلا بد من استشارة العقلاء والأتقياء في الرعية من جهة ولا بد من موافقة المطران من جهة اخرى. والقضية لا تنحصر في البيع والشراء، فهذا امر مبتوت في القانون الكنسي وقوانين الدولة. ولكنها تشمل كل امر جديد ذي اهمية.

         هناك قلة تتمنع من استشارتنا بقولها: “الاوقاف اوقافنا. ما علاقة المطران بهذا؟”. الحقيقة ان الوقف ليس ملكا جماعيا للرعية. انه ملك الله. في سجلات الدولة التي تتعاطى الشؤون الدنيا لا بد ان يقال: هذا وقف القرية الفلانية. وفي الحقيقة ما تعودناه ان نكتب: هذا وقف الروم الارثوذكس في القرية الفلانية. هذا مكان الوقف، ولكن الملكية تبقى لله. ومن اراده الرب وارادته الدولة هو ان المطران متولي الوقف.

         انا اقول شيئا بسيطا وهو الا يستغني احدنا عن الآخر لكوننا جسدا واحدا للمسيح.

         الأمر الآخر والأكثر اهمية ان وكلاء الوقف ليسوا اسيادا على الكاهن. فهم لا يعطونه من مالهم الخاص. هم مؤتمنون على مال الجماعة، وليس عليهم ان يأمروا الكاهن بشيء. هم ليسوا رقباء عليه. هو رقيب عليهم. وعليهم ان يكلموه بكل وقار وبنوة لا ان يحسسوه بمنّة. “نحن نعطيك ونحن عم نعيّشك” كلام ليس فيه وقار. هم مجرد ناس ينقلون اليه مال الكنيسة. اذا تحققتُ بعد اليوم ان وكيلا من وكلاء يتصرف هكذا أنزع عنه وكالتي في لحظة.

         تشاوروا بعضكم مع بعض وشاوروا وكونوا متواضعين.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

الحائزون على الدنيا/ الأحد 25 تشرين الثاني 2001/ العدد 47

صعوبة الإنسان ان ينضم إلى الملكوت هو انه يجب الانضمام إلى نفسه. هو مركز الوجود لا الله. الرجل الغني موضوع إنجيلنا اليوم (لوقا 18: 18-27) ظن انه مركز لكونه حفظ الوصايا. ولكن عندما اشترط عليه يسوع ان يبيع كل شيء ليتبعه تراجع. ان يتجرد من كل شيء يعني انه فقد هيمنته على هذا الوجود. هو يهمه هذا الوجود مع حفظ الوصايا. الله والعالم معا. الله وعشق المال معا. لم يصل هذا الغني إلى عراء يسوع على الصليب أي ان يكون قلبه خاليا من كل شيء ما عدا الرب. المال قوة. إذًا الله ليس كل القوة.

المال طريق إلى قوة أعظم منه هي قوة السياسة. ان تسعى إلى دعم الكبار ليس سيئا في بلد تركيبته سيئة. ولكن ان تسعى في كل الوسائل، في مدح النافذين مثلا، في الرشوة، في أي نوع من أنواع الإغراء، فهذه سياسة على الطريقة اللبنانية حيث الشاطر هو كل شيء وحيث مطواعيتنا لرؤساء وهذه الأمة هي كل شيء.

هذا الشاعر بقدرته أو هذا القادر على الكثير لا تسحره قدرة الله الا إذا مرض أو مرض واحد من أولاده. القوي يستغني. هل يعني ذلك انه يجب ان تتخلى عن قوتك في الحكومة أو الدوائر؟ لا، ولكن استعملها بخوف الله فلا تمنن أحدا ولا تظلم ولا تشتر بها ضمير أحد.

هناك سلطة كبيرة هي سلطة الجمال عند النساء. الحسناء كثيرا ما تتباهى فجمالها غنى ونفوذ في الأرض وقد يكون لها مطلب سخيف في المعاملات ولكنها تلبّى. ولا يردّ زوجها سلطانها ولو كانت على خطأ. والتباهي يسير بها إلى الانتفاخ والغرور وتاليا إلى الفراغ.

وهناك لون آخر من التسلط وهو تسلط العلماء والمثقفين والأذكياء. العلم سلطان على أنصاف المتعلمين والبسطاء. والذكاء موقع من مواقع الافتخار مع انه مجرد هبة من الطبيعة صقلتَها أنت بجهودك ولكنك ورثتها بقانون الميراث الطبيعي.

كل هذا الذي ذكرناه حيازة في الدنيا. الجمال والذكاء والمال والسلطان السياسي، كل هذا من هذا العالم، ولا شيء من هذا له قيمة عند الله وعند المقربين إليه. وإذا كان لك شيء من هذا وكان لك به زهو فاعرف انك لن تذوق ملكوت الله. لا شيء من هذه ينفعك بذرّة لتتقدس. فقط إنْ صرت فقيرا إلى الله ومُوقنا بأن فقرك وحده يجلب عليك الغنى الإلهي تصير جميلا من نوع آخر وذكيا من نوع آخر. المتواضعون لهم ذكاء خاص وقدرة خاصة لم يسمع بها أكابر القوم وأكابر الثقافة. المستكبرون صاروا من هذه الدنيا، من ترابها. الذين جمّلهم تواضع يسوع يراهم معلقين عراة مثله على صليبه، متحفزين إلى القيامة.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

العصبية العائلية/ 21 تشرين الأول 2001 / العدد 42

من اشد الصعوبات في حياة أبرشية مؤلفة من قرى العصبية العائلية، وقد عرّف العصبية ابن خلدون بقوله انها «التناصر بين ذوي الأرحام»، وعندنا في الجبل هذا يعني المنحدرين من جد واحد قد يكون والد الوالد أو جد قديم. وهذا معروف بلغة الجبل بالأجباب أو الجباب. وهي جمع الجب أي البئر. وحاولت وأنا أتعاطى الأجباب كل يوم ان افهم سبب تسمية الفرع العائلي جبا ففهمت ان البئر سميت جبا لأنها قُطعت قطعا. ولعل التسمية العامية تعني الفرع المقطوع.

          عندنا مجموعة بيوت من عائلة كبرى اسمها عند العرب قبيلة أو عشيرة وبين أفرادها تماسك وتعاضد حتى حد العصبية وهي مسافة كبيرة أو صغيرة تقيمها أنت بينك وبين الآخرين وتتحكم بالعاطفة. ومن الواضح في الجبال انك اقرب إلى أهل جبك منك إلى الجباب الأخرى ما لم تظهر مودة تقوى على الشعور العائلي.

          لست أريد اليوم ان أكلمكم عن الأذى الكبير الناتج من العصبية العائلية في سلبياتها أكان هذا في حياتنا الوطنية أم حياتنا الكنسية. فإذا لم تقم علاقات ود بين العائلات فالرعية موجودة ظاهرا ولا يراها المسيح واحدة. ويصعب التعامل كثيرا مع وضع كهذا. نحن دعاؤنا إلى الله ان يجعل المحبة في قلوبنا فيبقى التماسك البناء ومن تعابيره الإحسان إلى فقراء العائلة ولكن ليس من تعابيره التمظهر وطلب المجد والسيطرة على احد. يعني هذا ان نحسب الكنيسة مجموعة قبائل تتقارب أحيانا أو تتباعد في روح هذه الدنيا وفي انفعالات لا عقل فيها. والانفعال لا ينشئ التآلف والتآزر الضروريين لكل عمل مشترك.

          ولعل الأهم ان يحس المرء انه شخص وليس جزءا من قبيلة وعلاقته بالأشخاص الآخرين باعتبارهم أعضاء في جسد المسيح. إذا كنت معمدا فأنت ابن الله الآب ولا تجيء من لحم ودم ولكنك تجيء من النعمة الإلهية، وكل إنسان آخر أخوك. وقد تتعاون مع الغريب في العمل الكنسي، وليس من غريب لأن دم المسيح الذي اخذته أنت بالمناولة الإلهية اخذه ذاك أيضا وصرتما من دم إلهي واحد.

          أمام العائلية البغيضة يسأل المؤمن نفسه: ما هو فكر المسيح؟ هل كان السيد يولي أهمية ما للعائلة حتى هذه الصغيرة المؤلفة من والدين وأولادهما؟ هو تكلم على المحبة بحيث اعتبر ان الله الآب هو وحده أبونا جميعا. وأكد وصية موسى: «أكرم أباك وأمك». وقال ان والد الابن الشاطر تحنن عليه وكشف صعوبة العلاقة بين هذا الوالد والابن الآخر. انه لم يقل مرة: ابن خالك أو عمك أقرب إليك من الغريب. وإذا كان الغريب أحوج إليك من النسيب، فتهمل النسيب وتخدم من كان في حاجة إليك.

          إلى هذا نقرأ ان السيد اجتمع إليه جمع. «ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا انه مختل». وبعد هذا ضاقت الحلقة «فجاء حينئذ إخوته وأمه ووقفوا خارجا وارسلوا إليه يدعونه». أي ان هؤلاء الأنسباء ما أرادوه ان يبشر. فعلم السيد بهذا وقال عن مؤيديه: «ها أمي وإخوتي» (مرقس، الإصحاح 3). هنا لم يقم يسوع أي وزن للقرابة الجسدية.

          وفي موضع آخر يقول: «جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها… وأعداء الإنسان أهل بيته» (متى10: 35 و36). والمعنى ان ذويك ان كانوا ضد يسوع فأنت ضدهم ولا يجمعكم الا المسيح. هذا اللحم والدم كلاهما إلى التراب.

Continue reading

Popular posts

خيبات / السبت ١٧ تشرين الثاني ٢٠٠٧

الرجاء المنتظر مني إبداؤه رجاء الى الله وليس أملا في مخلوق. فهذا يهبط ويرتفع وقد تعرفه بمقدار يجعلك تقول هذا الرجل يتلو هبوطه هبوط وغالبا ما سيقع على الصخر...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...