Category

2008

2008, مقالات, نشرة رعيتي

الصلاة/ الأحد أوّل حزيران 2008 / العدد 22

يميل الإنسان أحيانا بعد الصوم أن يسترخي في صلاته ويتحسّر على انقضاء الصوم لكونه يتحسر على ضعف الكثافة الروحية. غير ان الكنيسة أنشأت مواسم لملء الفراغ كالصعود والعنصرة لأنها تركز على صلاة الجماعة ولا تكتفي بالصلاة الفردية.

فردية كانت أم كانت جماعية، الأهمية الكبرى للصلاة هي انها اولا تحمل الله فينا. هو ينادينا من داخلنا. هو المصلّي فينا. حسب قول الكتاب: «الروح يشفع فينا بأنّات لا توصف». بتعبير آخر الرب مبدئ الصلاة فينا ولا نقدر ان نصلّي ما لم تنزل علينا نعمة الروح القدس. لذلك نستهلّ كل خدمة إلهيّة باستدعائه: «أيها الملك السماوي المعزّي».

الخوف أن نترك الله بالكسل، ألا نعود نذكره، أن يدخل الينا الفتور فتموت حرارة الدعاء فينا. وقد يصل بنا الفتور الى إهمال ذكر الله كليًا ونُترك الى كلّ عمل الأهواء العاصفة في النفس.

الصلاة عند المؤمن العادي هي الإحساس بالفقر، بفقر النفس الى خالقها وفاديها. هي الشعور ان ليس عندنا شيء بلا حضور الله فينا، أن نشعر بأنه هو محرّك النفس. وكلّما توغّل الإنسان بالخطيئة يصبح أليفًا لها حتى درجة عشق الخطيئة. تصبح الخطيئة مسكنه. تناجيه الخطيئة، تدغدغه ويتبنّى منطقها، لذلك لا يحنّ الى الصلاة.

أما اذا عاد الإنسان اليها بنعمة الروح ولو عاد شيئًا فشيئًا يرحمه الرب ويسكب عليه نعمته، وعند ذاك مناجاته لله تحارب مناجاته للخطيئة، ويسكن الروح القدس قلبه من جديد، وبقوته يعرف ان الروح يشفع في داخله بأنّات لا توصف.

غير أننا لا نجهل قوّة التجربة وعودة عواصف الشرير الى القلب، لذلك لا بد من عدم الاستسلام الى التراخي. فاذا وجدنا مثلا أن صلاة النوم الصغرى طويلة فلا نحذفنّ جزءًا منها لأن هذا يقودنا الى ان نحذف كل شيء. انت تحافظ على كل الصلوات التي كنت تقيمها لئلا تقع في الكسل وإهمال ذكر الله.

غير انك إذا شئت ليس فقط ان تصلّي ولكن أن تحب الصلاة فلا بد لك من درس الكتاب المقدّس ولا سيّما الإنجيل حتى تمتلئ من معاني الكلمات الإلهية لتتشبع معها صلاتك وتزداد فهمًا لصلاتك. فالخدم الإلهية عندنا آتية من الكتاب فتذهب منه إليها ومنها إليه لتأتي الكلمات التي تتلفّظ بها من روح الرب.

أنت لا تتلو أيّة صلاة كالببغاء. يجب أن تفهم كل شيء وتسأل عن كلّ شيء وتصلّي بهدوء وبطء بحيث تستوعب كل ما تقول. نقِّ نيّاتك قبل ان تصلي وتُبْ الى الرب فيكون قلبك مفعمًا من روح الله وتأتي كلمات أدعيتك من المسيح الساكن فيك.

الصلاة جهاد طويل مستمر ولكنه حياتنا. الصلاة تشفيك من كل خطيئة وترفعك هنا الى أجواء الملكوت.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

هل نشارك الغربيين القدسات؟/ الأحد 25 أيار 2008 / العدد 21

كنيستنا لم تنكر على أن الكنائس ذات التأسيس الرسولي عندها الأسرار المقدسة. ولذلك اذا قبلنا في الأرثوذكسية كاهنا من كنيسة أخرى لا نعيد رسامته.

اما السؤال المتداوَل هو لماذا الأرثوذكسيون والكاثوليك (روم كاثوليك، موارنة وما الى ذلك) لا يتناول واحدهم أصلا الا في حالات استثنائية عند الآخر (مثلا في حالة الإشراف على الموت ان لم نجد كاهنا من كنيستنا). هذا لا يتضمّن إنكارًا لقدسية الأسرار عند الإخوة الآخرين. وهذا لا يعني بالضرورة انهم هراطقة ولا هم ينعتوننا بذلك. ولكن المقاطعة تعني ما نسمّيه «قَطْع الشركة» حسب أهم علماء القانون الكنسي عندنا اليوم.

«قطع الشركة» تعني اننا لم نبقَ كنيسة واحدة الآن. لقد تمّ الانفصال الرسمي بيننا السنة الـ 1054 وتجذّر بعد الحملة الصليبية الرابعة السنة الـ 1204 عند احتلال الإفرنج القسطنطينيّة فتباعدنا بعضنا عن بعض، ومنذ ذلك الحين لم نجتمع حول المائدة المقدسة الواحدة. لا نحن ذهبنا إليهم ولا هم جاؤوا الينا، غير اننا لا نزال نطلب الى الله ان يمنّ علينا بالوحدة.

لا يفتكرنّ أحد بسبب من هذا الوضع ان هذا هو موقف أرثوذكسي فقط. هذا موقف كاثوليكي أيضًا وهم قد كتبوا في أيام البابا الراحل انهم لا يقبلوننا في المناولة. والبابا الحالي في قدّاسه يشدّد على هذه المقاطعة. امّا لماذا يسترضي احيانا غيرنا بقبولنا عند المناولة التي يوزعها؟ هذا شأنه ولكن ليست هذه تعليمات البابا او الرؤساء له. بالعامية نقول هو «فاتح عَ حسابو». اما نحن فنحترم موقف كنيسته الرسمي وهو لا يحترمها.

انقطاع العلماني عن المناولة عند إخوتنا الكاثوليك ناتج من انه ينتمي الى كنيسته. العلاقة مقطوعة بين الكنيستين، ولا يعمل كل منا على هواه. يتصرف كإخوته الذين من كنيسته. ليس في الكنائس تصرف فردي. هناك فقط تصرف جماعي. فإذا اتّحدت الكنيستان ينتهي «قطع الشركة» التي رمزها الكأس الواحدة.

طبعا الكاهن يأتيه من يأتيه أمامه وهو لا يعرف الجميع ولكن المبدأ هو انه يجب أن يتعلّم الجميع ان المشاركة لم تبق قائمة. اما اذا وجدنا لأسباب عائلية راهبة او راهبا من غير كنيستنا فيجب ان نقول لهم باحترام او محبة اننا لا نستطيع أن نخالف قوانيننا ولا قوانينهم. فاحترامًا لقراراتهم هم لا نقرّبهم من الكأس المقدسة، اذ يكون قد قام في أذهانهم اختلاط بين الكنائس، وهذا الاختلاط لم يحصل.

قلت هناك استثناءات مثل وضع الإشراف على الموت. كذلك مثلا اذا سكن أحد الإخوة الغربيين في قرية او مدينة ليس فيها كنيسة كاثوليكية فنرحّب به لأنه عارف بأنه يبقى كاثوليكيا ولا يخلط الأوضاع. هكذا لمّا تهجّر اللبنانيون في الحرب الى اليونان او قبرص كنا نخدمهم ونحافظ على ولائهم لكنيستهم.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

امتدادات القيامة/ الاحد 18 أيار 2008 / العدد 20

نعرف أن القديس لوقا بعد أن كتب ما صنعه المسيح وقاله، وذلك في الإنجيل الثالث، رأى أن يكتب في كتاب أعمال الرسل أوائل تاريخ الكنيسة التي رأى فيها امتدادًا للمسيح بالروح القدس. وركّز في قسم من الكتاب على العجائب التي صنعها الرسل وهي امتداد عجائب السيّد، وكأن لوقا يقول: السيّد وتلاميذه روح واحد، فكلّمنا اليوم عن مخلّع نسمّيه اليوم مفلوجًا اسمه أينياس. ما قال له بطرس انا أشفيك، ولكن «يشفيك يسوع المسيح». كان هذا في لدّة.

بعد هذا أكمل طريقه الى يافا وهي ليست بعيدة عن لدّة فعلِم أن فتاة اسمها طابيتا اي ظبية ماتت. ولما قاده الجمع الى بيتها، قال لها: «يا طابيتا قومي». هذا بعد أن جثا وصلّى. نتيجة لذلك آمن كثيرون بالرب.

وضعت الكنيسة هذه القراءة قبل القراءة الإنجيلية المتعلّقة بشفاء السيّد لمفلوج وقد تمّت قرب بِرْكة تسمّى بيت حسدا بلغتهم. كانت في القرون الماضية مطمورة تحت التراب ونقّب عنها العلماء في القرن العشرين، وهي جميلة جدًا ورأيتها السنة الـ1947 في القدس في زيارتي الأولى لها، وهذا لم يبقَ ممكنًا بعد احتلال اليهود للقدس.

كان يبرأ الإنسان المريض اذا استطاع ان ينزل بالماء من بعد تحريك ملاك له.

غير أن المفلوج الذي شفاه يسوع لم يوجد إنسان يساعده لينزل في البركة. اذ ذاك قال له يسوع: احمل سريرك وامشِ. المعنى ان السيّد لم يكن يحتاج الى عمل ملاك ليرمي هذا الإنسان في البركة.

يريد يوحنا الإنجيلي أن يسوع له علاقة مع البشر مباشرة. ليس من وسيط بيننا وبين السيّد. هو الوسيط الوحيد بيننا وبين الآب. القديسون إخوتنا وأصدقاؤنا ونصلّي كلّنا معا لله. ليسوا هم سلّمًا نتدرج عليه لندرك الله. كلّنا بعضا مع بعض ندرك الله. قوّتهم تأتي من أنهم تحرّروا من الخطيئة ويخاطبون الرب كما يخاطب الصديق صديقه.

الكاهن أب روحيّ لنا يساعدنا لنرتفع الى الله وليس هو جسر بيننا وبين الله. لنا اتحاد مباشر مع يسوع ولكلّ قديس اتحاد مباشر مع يسوع وكلّنا دوائر مركزها السيّد. نحن معًا أمّة مقدّسة. وهذه الأمّة كلّها هي حول السيّد متماسكة، الكلّ يصلّي من أجل الكلّ ونرتفع معًا الى حضرة الله.

ولكون القديس يحملك تخاطبه ولا يقوم مقامك في الحديث الى الله ولكنه اذا خاطب الله يذكرك لأنه يعرفك واحدًا من الأمّة المقدّسة ويريد أن تبقى بعيدًا عن الخطيئة وأن تنضمّ في نهاية عمرك الى الأجداد القديسين والملائكة ولا تبقى مفلوجًا بالمعنى الروحي. القديسون يريدونك صحيحًا وأبوك الروحيّ كذلك، ولكن هذا لا يعني انه يحمل عنك جهدًا يجب انت ان تحمله.

المهم في احد المخلّع ان تعتبر نفسك مفلوجًا روحيًا اي غير كامل استقامة القامة الروحية وان جهودا تنتظرك لئلا تقع في الكسل وتتّكل على سواك ليعضدك. النعمة وحدها عضد لك. جاهدْ باستمرار لئلا تهملك السماء فتصير غارقًا في بحر الدنيا ثم ترمي المسؤولية على الله او قديسيه. أنت مسؤول عن خلاصك وكما يُشفى المفلوج احيانا بصورة كاملة لك ان تشفى برحمة الرب.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الاختصاص في الكنيسة الأولى/ الأحد 11 أيار 2008/ العدد 19

الكنيسة في عهد الرسل كانت تهتمّ بفقرائها. مع ذلك حدث خلل في افتقاد المساكين. يقول الفصل المنشور هنا ان اليونانيين تذمّروا على العبرانيين بأن أراملهن كُنّ يُهملن في الخدمة اليوميّة اي في توزيع الإعاشة. كلمة العبرانيين تعني المسيحيين الفلسطينيين. وكلمة اليونانيين تعني المسيحيين الذين يتكلّمون اليونانيّة وقد جاؤوا من خارج البلد ولا سيما من الاسكندرية ليستوطنوا اورشليم ويشكّلون عنصرًا آخر مع أن كل الفئتين يهود اعتنقوا المسيحية. صار هناك شرخ في الكنيسة ذو طابع عنصري.

عند ذاك وعى الرسل انه لا بد من التمييز بين خدمة الكلمة وخدمة الإحسان، فدعوا ما أمكن من الجمهور المسيحي ان ينتخب سبعة رجال أقوياء في الحياة الروحية ليهتمّوا بالإعاشة.

ما يلفت في ذلك ان المُقامين على توزيع الطعام لا يمكن ان يكونوا فاترين لأن مشاركة الطعام في الكنيسة عمل روحي ايضًا والتقوى متوجبة على كل انسان عنده في الكنيسة وظيفة، ومن هنا تطلّب المجمع الأنطاكي المقدس عندما أطلق فكرة مجالس الرعية ان يأتي أعضاؤه ممارِسين للحياة الروحية.

قرر التلاميذ ان ينصرفوا فقط الى الرعاية وان يُوكلوا رجالاً آخرين لخدمة الجانب المادي. ثم سمّى سفر الأعمال السبعة، وأضاف عن أولهم استفانوس انه كان «رجلا ممتلئًا من الإيمان والروح القدس»، وسوف نقرأ في سفر الأعمال هنا الخطاب اللاهوتي العظيم الذي قاله استفانوس قبل رجمه من اليهود. التقوى العميقة شرط من شروط أبسط وظيفة في الكنائس.

السؤال المطروح هنا هل كان هؤلاء شمامسة؟ هذا وارد في حديث عن استفانوس في طقوسنا، وفي رأي أكثر علماء التفسير ولا سيّما ان النص يقول عن الرسل انهم وضعوا أيديهم على هؤلاء السبعة، والعبارة مصطلح يدل على رسامة وليس على بَرَكة عادية او مجرد قبول الرسل لما قاله العلمانيون الذين استدعاهم الرسل ليبدوا رأيهم في الخلاف الحاصل بين العبرانيين واليونانيين. بعد هذا يضيف لوقا كاتب سفر الأعمال ان كلمة الله كانت «تنمو بسبب نشاط الاثني عشر، وعدد التلاميذ كان يتكاثر في اورشليم جدا» اي ان الرسل كانوا لا يزالون في فلسطين ولم يذهبوا الى الخارج، وكان لهم هاجس تنصير أهل المدينة المقدسة عملاً بقول الرب: «ستكونون لي شهودًا في أورشليم» أولاً.

ثم يقول ان جمعًا كثيرًا من الكهنة أي من كهنة اليهود الذين كانوا في خدمة الهيكل انضمّوا الى الكنيسة، ويعبّر الكاتب عن هذا بأنهم كانوا يطيعون الإيمان المسيحي الذي كان ينحصر بأن الرب مات ثم قام. وعبّر عن هذا الاعتقاد دساتير الإيمان في المعمودية التي كانت مصدر دستور الإيمان النيقاوي الذي يُتلى في خدمة المعمودية وأُدخل فيما بعد الى القداس الإلهي ومستهلّه «اؤمن بإله واحد آب ضابط الكل».

الإيمان المسيحي عبّر عنه اولاً بولس الرسول برسائله ثم عبّر عنه الإنجيليون الأربعة كلٌّ حسب الوحي الإلهي وكلٌّ في عباراته والتصميم الذي وضعه كل من الإنجيليين، وأخيرا لخّصته المجامع المسكونية السبعة في الأساسيات: التجسد الإلهي من الروح القدس ووالدة الإله وموت المسيح وقيامته في ما نسميه العقائد أي العبارات المختصرة في ألوهية الروح القدس وفي الكنيسة والحياة الأبدية وقيامة الموتى. عبارات صِيغت ضد أصحاب البدع. وكانت الكنيسة، بسبب جحود الإيمان، مضطرة ان تردّ عن نفسها هجمات الهراطقة وتحدّد الإيمان بصورة واضحة. واستقامة الرأي نواتها هذا الدستور الأساسي بحيث أن من أنكره يكون خارجًا عن الكنيسة، وانتماؤك اليها شرطه ان تقبل بدستور الإيمان كله وإجماع آراء الآباء في تفسيره وشرح الطقوس له. فاذا سُئلتَ ما المسيحية فتلوت دستور الإيمان وقبلته تُعتبر مسيحيًا. هذا هو التراث الذي كُتب على ضوء الإنجيل. فإذا صدّقت ما ورد في كلّ تراثنا مختصَرًا في دستور الإيمان النيقاوي وفهْمِ آبائنا له لا تكون ملوّثًا بانحراف وتكون مباركًا.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

عمل الرسل وأتباعهم/ الأحد/ 4 أيار 2008/ العدد 18

الرسائل التي تتلى من الفصح وصاعدًا هي من كتاب أعمال الرسل لأنه هو الكتاب عن الروح القدس والكنيسة، ويسمّيهما سفر الرؤيا «الروح والعروس»، الروح هو الذي يمدّ الكنيسة بخصبه ورعايته ويقودها جيلا بعد جيل على رغم خطايا أبنائها وخطايا رعاتها الذين يهملون افتقادها.

ويُظهر الكتاب أن الرسل صنعوا آياتٍ وعجائب كثيرة في الشعب. وهذا يدلّنا على أن قوّة المسيح في الشفاء امتدّت بعده الى هؤلاء الذين اختارهم وأحلّ عليهم روحه القدوس في العنصرة.

لا يقول سفر الأعمال إن ناسًا كثيرين انضمّوا الى الكنيسة بسببٍ من العجائب. لا بد ان هذا حدث، ولكن الكثيرين انضمّوا بسبب تعليم الرسل ووعظهم. فبالتعليم والعجائب كانت لهم قوّة المسيح نفسها.

وفي المنطق نفسه قام بعض القديسين بالعجائب. على سبيل المثال تذكر معجزات والدة الإله والقديسين الذين نسمّيهم «صانعي العجائب». لتطويب قديس من قِبل كنيسة مستقلّة، لا نشترط حدوث أعجوبة ولكن نشترط قداسة السيرة والتعليم المستقيم الرأي عند من كان يعلّم.

وكما كان يؤتى الى السيّد بمرضى، أُتي الى الرسل بمرضى. اذًا ليس صحيحًا ما يقوله بعض الجهلة ان ليس من عجائب بعد المسيح. ذلك لأن الرب يسوع قائم في كنيسته بروحه القدوس. والكنيسة استمرار المسيح ولها قوّة المسيح لأنها عروسه.

ثم يشير المقطع الى شيعة الصدوقيّين الذين تحدّث عنهم الإنجيل. هؤلاء كانوا نافذين عند الرومان وكان نفوذهم يأتي من أموالهم. هؤلاء حبسوا الرسل في الحبس العام. «ففتح ملاك الرب أبواب السجن ليلاً» وأكمل الرسل خدمتهم في وعظهم في الهيكل، والمسيحيون في فلسطين لم يكونوا بعد قد انفصلوا عن الهيكل حتى تهدّم هذا في السنة السبعين على أيدي الرومان فعُرفوا كمذهب جديد مستقلّ عن اليهودية.

وكان الرسل يتكلّمون «بجميع كلمات» الحياة الأبدية التي أخذوها عن السيّد، والإنجيل لم يكن قد دوِّن بعد، ولكنهم حفظوا الكثير منه حفظًا، ولا بد أنهم كتبوا قطعًا من الكلام الذي تفوّه به السيّد حتى جاء بولس والإنجيليّون الأربعة وبعض من الرسل الذين نحافظ على رسائلهم.

وهذا يفرض علينا أن نتكلّم فقط من الباب الملوكي بكلمات الحياة لا بكلمات من خيالنا. أنت، كاهنًا او معلّمًا، تحمل فقط مضمون الإنجيل ولو تلوته بتعابيرك وأسلوبك، ولكن لا تعطي تعليمًا شخصيًّا منك. تتكلّم بالفصحى او بالعاميّة لا فرق، ولكن تبقى أمينًا للإنجيل ولكل الكتاب المقدّس، وإن كنت تعرف الآباء فتدعم المضمون الإنجيلي بأقوال الآباء والعبادات. لا علاقة لك بالشعراء والأدباء ولا تقدّم تفسيرًا خاصًا بك الّا اذا تأكّدت أنّ فيه ولاء للإنجيل.

طبعًا لك أن تدعّم وعظك بالمزامير والعهد القديم على أن تركّز كلّ فكرة على المخلّص لأنك تلميذه.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

في البدء / الأحد 27 نيسان 2008 / العدد 17

القراءة الإنجيليّة المتعلّقة بالقيامة تُقرأ في سَحَر العيد الذي تسمّيه العامة «الهجمة» اذ يدخل الكاهن الكنيسة بعد أن تكون أقفلت أبوابها.

أما في القداس فنقرأ فاتحة إنجيل يوحنا، ونلازم قراءته حتى نهايته لكونه الإنجيل الأفصح عن ألوهية المسيح. الاستهلال هو «في البدء كان الكلمة» ولا ريب أن يوحنا يستهلّ كتابه بأول كتاب التكوين: «في البدء خَلق الله السماوات والأرض» وتاليا يريد يوحنا أن يقول ان الكلمة اي ابن الله كان موجودا قبل بدء الخلق. ثم يردف أن الكلمة كان عند الله ويريد به الآب، وأخيرا ضد الذين يقولون ان الابن مخلوق قال الإنجيلي: «وإلهًا كان الكلمة». يصفه بالإله لأنه مولود من أبيه حتى يوضح المجمع المسكوني الأول: «المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق».

وعندما يقول: «كلٌّ به (اي بالابن) كان»، ثم يقول «به كانت الحياة»، يزداد الوضوح على ان الابن خالق، ولا يكون المجمع قد «اخترع» ألوهية المسيح كما يقول بعض.

توًّا بعد هذا يتكلّم الإنجيلي عن رسالة يوحنا المعمدان. يجعله شاهدًا للنور الذي قال عنه انه المسيح. المسيح وحده هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتٍ الى العالم. ولكن البشير يقول في نوع من الحزن ان هذا العالم لم يعرفه.

ثم يقول في حزن أشدّ: «الى خاصته (اي الى اليهود) جاء، وخاصتُه لم تقبله» ولكنه يشهد أن أناسًا قبلوه (اي نحن المؤمنين به) «أعطاهم سلطانًا ان يكونوا أولادًا لله». هؤلاء لم يولدوا من لحم ودم -هذه ولادة طبيعيّة- ولكنّّهم من الله وُلِدوا اي جدّدهم الروح القدس بنعمة المعمودية وبكل نعمة لاحقة.

في المقطع الثاني من هذه التلاوة يقول: «والكلمة صار جسدًا» اي انسانًا وحلّ فينا (دائما بالنعمة) بعد أن حلّ في أحشاء مريم. بعد تجسّده من العذراء يتكوّن فينا المسيح، في كل مؤمن به وذلك دائما بالروح القدس.

أما قوله «وقد أبصَرْنا مجده» فيشير به الى كل العجائب التي أظهرت هذا المجد، وخاصة تجلّى لنا مجده على الصليب وقالها يسوع غير مرّة في إنجيل يوحنا ذاته. ثم يعيدنا الكاتب الى يوحنا المعمدان وأنه شهد للمسيح على أنه متقدم عليه، ثم يعود الى السيّد فيقول: «من ملئه نحن كلّنا أخذنا» وهذا ما يؤكّده بولس عن السيّد «فيه حلّ كل ملء الله جسديًا»، حتى ينهي هذا المقطع بتأكيده على أننا بتنا في عصر النعمة بعد ان جاء ناموس موسى (هو من الله بلا ريب) ولكنّا الآن في مجال النعمة والحق وهما نزلا علينا بموت السيّد وقيامته وإرساله روحه. ولا يقول «أُعطيا» ولكنه يقول «حصلا» لأن النعمة والحق إشارة الى الروح القدس والمسيح وهما قد حصلا فينا وصار كلّ معمّد مسكن الله وكلّ المعمّدين معا كنيسة الله.

وهكذا نتدرّج من هذه القراءة الى كل سطر من سطور الإنجيل الرابع التي تتجلى فيها أزليّة الابن الإلهي. ليس مثل إنجيل يوحنا يرفعنا الى السموات.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

فضائل يذكرها بولس/ الأحد 20 نيسان 2008 /العدد 16

اقتبست الكنيسة من رسالة فيليبي ما فيه فرح وما يتفرع عن الفرح يوم ندخل بالشعانين في انكشاف هو الخلاص. فإذا قال الرسول: «افرحوا في الرب كلّ حين»، ينفي وطأة كل حزن علينا اذا ذكرنا المخلّص. وهذا يقود الى القول ان ليس من محل للحزن مهما طرأ علينا من أهوال.

«وليَظهَر حِلْمُكم لجميع الناس» فالمطلوب هو الصبر عليهم والمغفرة وانفتاح القلب لكل واحد.

ثم يدعو الى أن نرفع طلباتنا الى الله بالصلاة، ولكن يزيد على الطلبات الشكر اذا لبّى الله طلباتنا. وعندئذ ينزل علينا سلام الله «الذي يفوق كل عقل». والسلام الذي يشير اليه بولس هو ثمرة المصالحة مع الرب وليس مجرد هدوء أعصاب. ويوضح ان طبيعته نعمة لأنه يُنشئ البصائر في يسوع المسيح الذي فيه نرى الصالحات وما نرثه من الرب في الملكوت الآتي وما نراه عند الأتقياء في هذا الدهر.

وبعد هذا يشير بولس الى فضائل كثيرة تفيض من القلب التائب: «الحق» اولا الذي يحتوي كل شيء، و«العفاف» الذي نسعى اليه بجدّة في الأسبوع العظيم الذي نفتتح، ثم «العدل» بين الناس ولا سيّما المتخاصمين وألا نتحيّز الى أقربائنا أو أصدقائنا. والى العفاف يزيد «الطهارة» التي هي نقاوة القلب التي تؤهّلنا الى رؤية الرب كما قال السيّد في التطويبات.

«حُسْن الصيت» الذي يذكره ثمرة للسلوك الحَسَن. وكذلك يحضّ بولس على «مدح» الأتقياء في غيابهم لندعو الناس الى التشبّه بهم. «افتكروا في هذا» يقول، ولا تفتكروا في أي شيء سيّء لئلا تضيّعوا أيّة فرصة للفضيلة. انبذوا الكلام البطّال اي الثرثرة والنميمة التي تقتل النفس.

أخيرًا يختم بدعوته المؤمنين في فيليبي ان يتعلّموا منه وأن يتمسّكوا بما تسلّموه وسمعوه منه وما رأوه فيه، في تصرّفه. فالمسيحيّة تؤخذ ممن سبقك في الإيمان والجهاد والمحبة والعدل والطهارة وفي عمل الحق. المسيحيّة تنتقل من جيل الصالحين الذين كافحوا الشرّ قبلك ورأيت مجد الله عليهم. لا تقل فقط قولهم ولكن اعمل ما عمِلوا.

ليست المسيحيّة فقط كتبًا تُقرأ ولكنّها سلوكيّات تنتقل من واحد الى آخر. فويل لمن تأتي عن يده العثرات، وطوبى لمن عمِل الصالحات لأنه ليس يتبرّر وحده أمام الله ولكنه ينقل البِرّ للآخرين. فهناك تراث معرفتنا للإيمان والى جانبه تراث القداسة. فقد يعرف بعض الناس أشياء ولكنهم لا ينقلون النور.

ليست المعرفة كلّ شيء ولكن كل شيء أن تقترن بالطهارة فهذه تفعيل لمعرفة المسيح وما قاله. هكذا أنت تدخل الى أورشليم وتعيش معه الأحداث التي عاشها وتموت معه وتُدفَن معه وتقوم معه. وهذه عمليّة دائمة نسعى كل يوم الى تحقيقها كي لا يبقى في قلبك منزلة لغير المسيح.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

إخوة يسوع/ الأحد 13 نيسان 2008 / العدد 15

صاحب الرسالة إلى العبرانيين يسمّي المسيح المقدِّس (كسرة على الدال) ويسمّي المسيحيين مقدَّسين (فتحة على الدال) ويعتبر أننا إخوته بتجسّده. هو ابن لله الآب بالطبيعة، ونحن أولاد بالتبني. وقد أوضح الرسول أن الأخوّة باتت واضحة بيننا وبين الله لمّا اشترك هو في اللحم والدم. عمل هذا ليكون كالبشر ويموت مثلهم.

ثم زاد هذا إيضاحًا انه تجسّد «لكي يُبطل بموته مَن له سلطان الموت أي إبليس». جانب من جوانب موت السيد أنه يُبطل سلطان الموت، ونتيجةً لذلك «يُعتِق كل الذين كانوا مدة حياتهم خاضعين للعبودية مخافةً من الموت».

السؤال اذًا هو الآتي: لماذا كانت البشرية خاضعة لعبودية الخطيئة، ولم يقل ان الموت مكتوب عليها او كان في طبيعتها، بل قال: كانت تحت العبودية لأنها كانت تخشى الموت. فكل خطيئة خوف من الموت. مثال لذلك: السارق يسرق لظنّه ان الفقر الكبير يميته ويميت أولاده، او السارق لثروة كبيرة يسرق لظنّه ان ثروته لا تكفيه. الكاذب يكذب لكونه يخشى العقاب. ليس من خطيئة الا هي ناتجة من خوف. غاية موت المسيح حريّتنا من خوف الموت.

بعد الحديث عن موت السيّد يقول كاتب الرسالة ان السيّد «كان ينبغي ان يكون شبيهًا بإخوته في كل شيء ليكون رئيس كهنة» ليكون هو ذاته مقرّبا الذبيحة والذبيحة بآن. هذا هو كهنوت المسيح الذي ليس بعده كهنوت إلاّ بالمشاركة بحيث أنّ المسيح مستخدمًا الكاهن البشري هو الذي يقدّم الذبيحة.

ليس من كهنوت الى جانب كهنوت المسيح. كهنوت المخلّص وكهنوت البشر واحد. وذبيحة القداس واحدة مع ذبيحة الصليب. ليس من تكرار لذبيحة الصليب، وليس من ذبيحة ثانية. كل قداس هو امتداد او انعكاس لذبيحة الصليب.

وبعد هذا يقول الكاتب عن السيّد إنّه كان «رحيمًا أمينًا في ما لله حتى يكفّر خطايا الشعب» أي يزيل خطاياهم بغفرانه وقبولهم هذا الغفران بطاعتهم للوصايا.

ويستفيض الرسول بالشرح إذ يقول «إن الرب يسوع قد تألّم مجرَّبا (بفتح الراء) فهو قادر على ان يُغِيث المصابين بالتجارب» أي نحن جميعًا. لا تتحرر من الخطيئة إلا إذا اندمجت بآلام المسيح وعانيتها بالتوبة.

أن تتجرب قد تعني آلام الجسد اذا حلّت بك وآلام النفس وإغراء الخطيئة. كلّ هذه الآلام يحملها المسيح فيك ويحرّرك روحيًا من وطأتها ويحفظك من الخطيئة اذا اقتربت انت اليه وآمنت أنّه خلّصك ويخلّصك اليوم فتحيا بقيامته.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء يسوع لمريض/ الأحد 6 نيسان 2008 / العدد 14

الاعتقاد السائد في الزمن الذي كان فيه يسوع في البشرة أن بعض الأمراض العقلية او العصبيّة كان سببها روح شرير يسكن الجسد ولم يقل أحد يومًا انه يسكن القلب البشري. لذلك تستخدم الكنيسة صلوات تُسمّى استقسامات لطرد هذه الأرواح. غير أن هذه الظاهرة صارت نادرة بعد العهد الجديد باعتبار الأسرار المقدسة التي تسود فاعليتها الإنسان.

الولد الذي شفاه يسوع كان فيه «روح أبكم»، وفي الفصل ذاته سُمي ايضًا روحًا أصمّ.

والظاهرة عند هذا المريض كانت بوضوح ظاهرة داء الصرعِ épilepsie التي تُعالج اليوم عن طريق الطب. وينجح الدواء إلا في حالات مستعصية. وفي هذه الحالات يصل المريض إلى اختلال عقلي قد يكون الجنون او تشويهات أخرى.

الموضوع المهم أن الرب سأل والد الصبي إن كان يؤمن فأجاب بالنعم. عند ذاك شفى يسوع هذا الشاب، فسأله تلاميذه على انفراد: «لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟»، فقال لهم: «ان هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم».

هنا الكلمتان مقرونتان. وهذا ما نفعله في هذا الصيام الكبير. نمسك عن الطعام وبعض أنواعه ونقيم كل الصلوات المعروفة (السَحَر، الساعات، الغروب) ونُضيف إليها صلاة النوم الكبرى ويسمّيها العامة أحيانا «يا رب القوات ارحمنا» لأنها جزء من هذه الخدمة ويحبها الشعب عندنا ونتخشع عند إقامتها.

كلام يسوع ان الصلاة فاعلة لطرد الخطيئة، والصوم كذلك، وهما وسيلتان لجعل النفس في ذِكر الله، وان أنت ذكرته تتقبّل في نفسك فاعليّة يسوع في نطاق الشر.

أمرَ يسوع تلاميذه ألا يقولوا لأحد عن هذه العجيبة. المسيح لم يكن يريد ان يظهر على أنه خارق الأعمال لأنه كان يبغي أن يؤمن الناس به بسبب الكلام الإلهي الذي يقول، وإن لم يستطيعوا ذلك فبسبب الأعمال.

وأخيرا قال لهم: «ان ابن البشر يُسلم الى أيدي الناس، وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث». هذا هو مركز بل مضمون الإيمان المسيحي كلّه. يسوع، غير مرّة، تنبّأ عن موته وقيامته. وهذان الأمران هما اللذان يخلّصانا من الخطيئة. هما الأعجوبتان الكبيرتان. انهما معا أعجوبة الحب الإلهي للبشر والواقع الذي من أجله تجسّد ابن الله. مات ليُميت خطايانا. وقام ليتغلّب على الموت الذي هو «آخر عدوّ لنا» كما يقول بولس. وعندما انبلج نور القيامة بتنا نفهم ان هذا هو النور الكامل لنفوسنا واننا ننتظر منه كل غلبة في حياتنا. الموت الذي كان شوكة لنا صار باب الفرج وطريقنا الى الانتصار على الموت وعلى الخوف.

بعد السجود للصليب الأحد الماضي، نذكر الصلب والقيامة ويقوى توقنا إلى الخلاص الذي نعلنه في الأيام الثلاثة الأخيرة للأسبوع العظيم ونعرف أنفسنا أحياء بالمسيح يسوع وانه هو مخلّصنا الوحيد.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

أحد السجود للصليب/ الأحد 30 آذار 2008 / العدد 13

في هذا الأسبوع نصل الى منتصف الصيام، وقد يملّ بعض من الصائمين ويتعبون. لذلك وضعت الكنيسة ترتيب السجود للصليب كأننا في الجمعة العظيم.

يطوف الكاهن بالصليب محمولا على صينيّة فيها أزهار. فنركع او نقوم بسجدة أمامه بعد ان يكون وُضع على طاولة في منتصف الكنيسة او أقرب الى الايقونسطاس، ويعطينا الكاهن زهرة بعد أن نكون قبّلنا الصليب إشارة الى فرح القيامة.

في هذا السياق وضعنا القراءة الإنجيلية من مرقس ونستهلّها بقول السيّد: «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». المسيح يدعو ويتبعه من يتبعه، وحتى يكون اتّباعه جديا ينبغي على الإنسان ان يكفر بنفسه (ألا يعطي قيمة للمال، للنفوذ واية شهوة ضارّة) فلا تبقى شخصيته الخاطئة ولكن يكتسب شخصية المسيح.

شرط هذا أن يحمل الإنسان صليبه اي المتاعب التي أمامه في الحياة والأشخاص المزعجين له والعراقيل التي تواجهه ويتبع المسيح الذي قال: «تعالوا اليّ أيها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم».

أن يتبع المؤمن المسيح هو ان يتبعه الى الآخر اي الى الجلجلة. ليس نصف سير مع السيّد ولكن كل السير في احتمال كل شيء.

بعد هذا يقول: «من أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها». أهلَكَ نفسه اي تعب تعبًا شديدًا حتى لا يبقى له شيء، حتى لا تبقى له راحة الا بالمسيح. عندئذ ينوجد فلا وجود الا بالمسيح. وهنا يؤكّد الرب ان عطاء النفس مطلق لا جزئي، ولذلك يقول: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» فلك ان تربح كل المال وكل الجاه ونفسك تائهة في هذه الأشياء. أما نفسك المليئة بحضرة المسيح ففيها غناها الروحي وينزل عليها السلام من فوق. كل غنى العالم ومجده لا يساويان النفس.

وليدلّ الرب على ان كلامه قطعي،ّ يقول: «من يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الشرير يستحيي به ابن البشر متى أتى في مجد أبيه». انت فعليًا تستحيي بالمسيح إن لم تقبل شروط الخلاص: العطاء، الخدمة، المحبة.

المسيح يريد منك كل شيء بحيث لا تتعلق بشيء وتتعلّق به وحده. تتجرّد من اشتهاء اي شيء في هذا العالم وتلبس المسيح حسب قول بولس: «يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيحَ لبستم» اي صرتم ملاصقين اياه كلصوق الجسد بالثوب. بعد هذا التجرّد تريد خبزًا ومسكنًا وزوجة واولادا تعطاها وتبقى مستقلا عنها، غير مستعبد لشيء او لأحد، مصلوبا مع المسيح ومتأهبًا للقيام معه من الموت. الحياة الجديدة تأتيك من فوق. وهكذا تكمل صيامك بفرح.

Continue reading