Category

2003

2003, مقالات, نشرة رعيتي

الحياة الفصحية/ الأحد 11 ايار 2003 / العدد 19

مما نسمعه كثيرا ان الارثوذكسيين الصوامين يأسفون على انتهاء الصيام اذ تتكثف فيهم حياتهم الروحية او تلتمع. ومن الاوضح اننا نحلم بالأسبوع العظيم ونحن الى عباداته التي كتبها الروحانيون عندنا خلال قرون بما أوتوا من نعمة. ولكن المواسم لا تدوم والتعييد هو عينًا ما يخترق العادي والمألوف ليأخذك الى الأعلى حتى تنزل من الأعلى بعد ان تكون قد تجملت فيه واستغنيت وتنشر هذا الغنى على كل ايام السنة.

         السؤال الحقيقي هو كيف تجعل كل حياتك مملوءة من بركات الصيام والفصح الطيب؟ كيف تضع في نار محبتك وتقواك وقودا حتى لا تنطفئ؟ كيف تظل على هذا الانبهار الذي يعرفه كل ارثوذكسي امام الخدمة الإلهية ولو كان وضيع المعرفة. ما من شك ان العارف يأخذ من النصوص معاني لا يقدر الجاهل ان يأخذها. ولذلك لا تتقد الصلاة الا بالصلاة كما ان اي شيء لا يتقن الا بالتكرار وبدراسة تفاصيله. لذلك كان الانقطاع عن الخدمة الإلهية سببا لعدم استمتاعك الحقيقي بالصلوات الأكثر اهمية. هناك تماسك بين المعاني لا بد ان تتقصاه لتصل الى الأعماق. لا تفوّت اية فرصة تمكنك من المشاركة في اية صلاة في رعيتك او في غيرها لأنك هكذا “تأكل” الصلاة وتزداد فهمًا.

         غير انه ينفعك كثيرا ان تلتزم بجوقة إن كانت أذنك جيدة. كذلك ينفع ان تستمع كثيرا الى مسجّلات بيزنطية وان كانت متفاوتة الإتقان. والأهم من ذلك ان تقرأ هذا القليل الموضوع في العربية عن الليتورجيات لأن الفهم العقلي يساعدك على التذوق الكامل. والأهم الأهم ان تقرأ الكتاب المقدس كل يوم غير مهمل العهد القديم الذي يغذي كثيرا صلاة الغروب وصلاة السَحَر وغيرها. ما هو ثابت ان الخدمة الإلهية عندنا لا يمكن فهمها ان لم يكن المؤمن عارفا بالكتاب الإلهي. كل الصلاة تأتي منه وتشير اليه. وخوفي ان الكثيرين ممن يدعون معرفة طقوسنا يتوهمون المعرفة. في الحقيقة يمكن التعريف عن الطقوس على انها الكتاب المقدس مشروحا للجمهور المسيحي عن طريق سكب الكتاب بعبارات اخرى وتتوجه الى الأجيال السابقة التي كانت تستسيغ هذه العبارات ولكنها تستعين لفهمها بما كانت تعرفه من العهدين القديم والجديد اذ كان الآباء يعظون منهما. الوعظ في جوهره عند الآباء كان شرحا لكلمة  الله.

         اليوم يمكنك معرفة الكلمة اكثر من الماضي القريب بسبب وجود مكتبة ارثوذكسية تحوي بعض الشروح او تُدخل الى الكتاب.

         غير انك لن تبلغ ذورة الفهم – ان لم تكن لاهوتيا محترفا – الا اذا قمت بصلاتك الفردية خير قيام. فروح الصلاة تأتيك من المواظبة على الصلاة صباحا ومساء في بيتك. ذلك انك ان لم تكن مشبعا من محبة الصلاة تضجر في صلاة الجماعة. حتى لا تضجر لا يكفي ان تفهم. ينبغي ان تؤمن انك تنمو روحيا بصلاة الجماعة وتنقل فرحك الى الآخرين. اذا احببت جمال بيت الله بمعنى محبة صلاة الجماعة، يأتيك يوم تتضجر فيه من مغادرة الكنيسة. قد تقول في نفسك يوما يا ليت كل حياتي عبادة. سوف تدرك هذا حقا ان صارت حياتك فصحية اي مليئة بمحبة المسيح المنتصر على خطاياك. في الحقيقة ان لم تكن تائبا لا تجد في الصلاة تعزية.

         هذه العناصر المتكاملة من صلاة ودرس وتطهُّر تجعلك بصلاة الجماعة تحيا وتحيي غيرك.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

احد توما/ الأحد 4 ايار 2003 / العدد 18

ما تطلبه النفس ان تبقى مشدودة الى الفصح بعد إقامته حتى لا تفقد فرحه. ولهذا يبقى الموسم الفصحي عندنا حتى خميس الصعود ونرتل في هذه الفترة، باستمرار، المسيح قام. على هذا المنوال نقرأ اليوم من بشارة يوحنا عن ظهورين للسيد، اولهما عشية القيامة، وثانيهما في الأحد اللاحق، هذا الذي نحن فيه اليوم.

         مساء الفصح يبدو السيد لتلاميذه مجتمعين ويلقي عليهم السلام. “ولما قال هذا، اراهم يديه وجنبه”. كان هذا ليتيقنوا ان الرؤية صحيحة وان ما رأوه ليس شبحًا. الاستنتاج المنطقي من هذا الظهور ان هذا الذي يشاهدونه الآن انما هو هو الذي عُلق على الخشبة. نحن امام واقعة الصلب التي شهد لها الإنجيليون الأربعة وتحدث عنها بولس في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس حوالى عشر سنين بعد الحادثة اي كانت يقينا عند المسيحيين الذين تتلمذ عليهم الرسول.

         عند هذا المشهد كان توما غائبا. عند عودته الى العلية التي كانوا فيها مجتمعين أخبره الرسل بالأمر فقال: “ان لم أعاين أثر المسامير في يديه واجعل اصبعي في موضع المسامير وأضع يدي في جنبه لا اؤمن”. شك توما طبيعي ويدل على ان التلاميذ لم يكونوا مهووسين وان توما بخاصة لم يكن مهووسا. التصديق السريع لم يكن عند أحد. يسوع نفسه لم يسعَ الى ان يصدقوه فورا، ولذلك “أراهم يديه وجنبه”. فلما كان توما معهم في الأحد اللاحق، ظهر لهم الرب وقال لتوما “هات اصبعك الى ههنا وعاين يديّ، وهات يدك وضعها في جنبي”. هل تلمّس الرسول جسد الرب كما طلب اليه ان يفعل ام اكتفى بكلام يسوع ولم يجسّه، ليس هذا الأمر المهم. لعل السيد لما قال له: “لا تكن غير مؤمن” أراد ان يوحي اليه ان شهادة إخوته الرسل كافية. لعل هذا دعوة الينا ان نؤمن بما قالته الأجيال الاولى عن المعلم.

         مهما يكن من أمر تبقى شهادة توما شهادة عظيمة. هناك ظهورات اخرى عديدة تتلى علينا كلها في انجيل السَحَر يوم الأحد لأن الكنيسة تريدنا ان نؤمن بناء على ما جاء في الكتب. ولهذا اعتمدت الأناجيل الأربعة فقط لأنها من التراث الرسولي.

         مما نقرأه في إنجيل اليوم وغيره ان القيامة هي الدعامة الوحيدة لإيماننا بيسوع. يؤسس بولس الرسول المعمودية على موت المسيح وقيامته (الرسالة الى اهل رومية) ويؤسس سر القرابين الإلهية عليها ايضا (الرسالة الاولى الى اهل كورنثوس). كذلك يصدمه في جماعة كونثوس ان بعضا من المؤمنين لا يؤمنون بقيامة الأموات اذ يقول: “فاذا أعلن ان المسيح قام من بين الأموات، فكيف يقول بعضكم انه لا قيامة للأموات”… “وان كان المسيح لم يقم، فتبشيرنا باطل وايمانكم ايضا باطل”.

         هنا يذهلني ما سمعته مرارا من اشخاص قليلي الايمان قالوا لي ما مفاده اننا لا نعرف شيئا عن القيامة. من ذهب وعاد ليخبرنا؟ الآن اقول لهم: “ان واحدا ذهب واخبرنا وهو المسيح”. وشهادته كافية.

         إيمان الشهداء بقيامة المخلص هي وحدها التي تفسر انهم ذهبوا الى الموت بهذه الشجاعة المذهلة. منها وحدها استمدوا قوتهم. “قام المسيح فليس في القبور من ميت”. قالها القديس يوحنا الذهبي الفم مع انه شاهد ناسا يموتون. غير انه استبق القيامة الأخيرة ورأى ان الذين رقدوا بالمسيح ينتظرونه، فرآهم كأنهم نهضوا اليوم.

         القيامة وحدها تجعلنا اقوياء في المحنة، في المرض، غالبين للخطيئة، متعزين عن موت الأحبة. نحن بفضلها نحتمل كل صعوبة ونصبر على الاوجاع صبرا مذهلا. وبسبب فرحنا الفصحي نسلّم بعضنا على بعض بقولنا: المسيح قام؛ وجواب الآخر: حقا قام. انا حزين لأن الكثيرين أهملوا هذه التحية. عودتها اجتماعيا الينا والى أفواهنا كشف لإيماننا امام الناس.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

فصحنا/ الأحد 27 نيسان 2003 / العدد 17

الفصح كلمة تعني العبور. وفي العهد القديم هي الاحتفال بالخروج من مصر الى ارض الميعاد، ويتم العيد بأكل الحَمَل الفصحي. الفصح المسيحي هو ان يجتمع المؤمنون بيسوع ليقيموا ذكرى موته وقيامته وهو حَمَل الله الحامل خطايا العالم. وبه يعبرون من الخطيئة والموت الى حرية ابناء الله. ولهذا قال كتابنا عن يسوع انه هو الفصح (1 كورنثوس 5: 7). اخذنا اذًا عيدا قائما وغيَّرنا معناه. يسوع يعبر من هذا العالم الخاطئ الى الآب (يوحنا 13: 1).

         الفصح الدائم الذي تركه لنا يسوع هو الذبيحة السرية التي تتحقق بأننا نأكل جسد الرب ونشرب دمه اي نأخذه كاملا فينا، نأخذ ذاته. لهذا كان كل قداس ذكرى موته وقيامته معا. فهم المسيحيون هذا منذ البدء فصاروا يجتمعون كل يوم احد لِما سُمِّيَ كسر الخبز. ولهذا سمي اليوم الاول من الأسبوع يوم الرب. ولهذا السبب ايضا نقول بالعربية يوم الأحد ولا نقول الواحد لأن الواحد في الأرقام يليه اثنان وثلاثة. هذا هو يوم الأحد اي المكتمل بذاته الذي ليس كبقية الأيام. وقد ابتدأت الكنيسة تقيم فصحا اسبوعيا وهو اليوم الاول من الأسبوع. وبعد هذا انشأت العيد السنوي. وفيه نعلن تحررنا من الخطيئة والموت ونتحد بالمسيح المصلوب والقائم حيا على رجاء عبورنا الأخير الى الآب عند قيامتنا. فبعد المجيء الثاني نحقق العبور الكامل الى الله. لذلك عندما نقيم ذبيحة القداس نكون مشتركين بالمجيء الاول ومتوثبين الى المجيء الثاني.

         اما في الحياة الطقسية فالعيد هو ثلاثية تبـدأ مـن الجمعة العظيمة. لا ندخـل في اعمـاق العيـد الا اذا اشتركنا في فرح هذه الأيام الثلاثة. ولا ينحصر فرحنا في ان المسيح قام ولكن فرحنا ايضا في انه انتصر على الموت بقبوله الصلب. جوهر الخلاص ان السيـد قَبِـل موتـه طوعا فانسكبت حياته الإلهيـة في مملكـة المـوت وأماتت المـوت. ولهذا سميت عندنا ايقونة العيد النزول الى الجحيم، وعلى الايقونة ترى المسيح في ممـلكة الأموات منهضا بيديه آدم وحواء الممثلين لكـل الجنس البشري. لقد تـم الخلاص على الصليب كاملا وجاءت القيامة كشفا لهذا الخلاص. هي الدليـل على ظفر المسيح وتبيان ان الموت لم يستطع شيئا على المخلص.

         إسقاطا لهذا الخلاص علينا نقرأ في سبت النور من بولس: “ان كل من اصطبغ منا في المسيح يسوع اصطبغ في موته فدُفنا معه في المعمودية للموت (اي حتى نذهب الى موته وإماتة الخطيئة فينا) حتى اننا كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب كذلك نسلك نحن ايضا في جدة الحياة”. وحتى تظهر الكنيسة الوحدة بين السيد والمؤمنين به كانت تقيم معمودية الداخلين جديدا في الإيمان في الليل الفاصل بين سبت النور وفجر القيامة وذلك في بيت المعمودية فيدخل المسيحيون الجدد مبنى الكنيسة حاملين الشموع التي تدل على استنارتهم ويستقبلهم المؤمنون بالهتاف: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم (اي الآن) المسيح قد لبستم”.

         اما المؤمنون القدامى والجدد فيقولون للسيد المبارك: “قم يا الله واحكم في الأرض”. ان ما نعنيه بهذا ان المسيح الحي والظافر قد تم إعلانه ملكا على اهل الأرض، واننا مدعوون بقوة قيامته ان نصير بشرا جددا لا عيب فينا ولا دنس بل نكون لابسين فضائل الإنجيل.

         ولكوننا تائقين الى الحياة الجديدة، يقف الكاهن عند الباب الملوكي حاملا شمعة متقدة يقتبس منها المؤمنون نورا لشموعهم ويقول لهم: “هلموا خذوا نورا من النور الذي لا يعروه مساء ومجدوا المسيح الناهض من بين الأموات”. واذا كان ضياء المسيح لا يتبعه مساء او ظلمة، فما يريده السيد من كل واحد منا ان يحتفظ طوال حياته بنور يسوع ولا تدخل الى قلبه عتمات.

         اذ ذاك يبدأ الفرح الأعظم الذي نرجو بعده ان يكون كل يوم من ايامنا فصحا اي حقيقة ليس فيها زغل وبر لا تخالطه الخطيئة، وهكذا نقدر ان نرتل باستحقاق: المسيح قام.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع العظيم/ الأحد 20 نيسان 2003 / العدد 16

من احد الشعانين نحن مع يسوع في سر آلامه وفي سر خلاصنا. دخل يسوع اورشليم القاتلة في حقيقة تواضعه ليذهب الى آلامٍ تطوَّع لها من اجل ان نعرف بموته محبة الله. هتاف الأطفال: مبارك الآتي باسم الرب، ألا نفهمه مبارك المسيح الداخل ليس فقط المدينة ولكن قلوبنا لتحيا به؟

         ثم تأتيك الأمسيات الثلاث الساطعة اعني ليالي الخَتَن (وتعني بالعربية العريس)، السيد يدعونا الى ان نسهر معا ولا ننام نومة الخطيئة. الايقونة تمثله مهانا وأحيانا واقفا في القبر لتوحي بأنه يجعل النفس عروسا له بالموت الذي هو قمة حبه (ليس من حب اعظم من هذا ان يبذل الانسان نفسه عن احبائه). وتتوالى في هذه الليالي فصول الإنجيل التي اوردها متى وقالها يسوع بعد ان دخل اورشليم.

         في صلاة الخَتَن الاولى يقول الرب: “ها نحن صاعدون الى اورشليم وسيُسلَم ابن البشر”. تسنتج الكنيسة: “هلم اذن نحن يا إخوة نصحبه بضمائر نقية”. واخيرا يأتي التعليم عن التواضع منسوجا من انجيل مرقس: “الاول فيكم ليكن خادما للكل”. طبعا الخِدَم الصباحية وفيها القداس السابق تقديسه على ثلاثة ايام مع قراءة النبوءات وايوب البار المتألم وهو صورة المسيح. وكل يوم مساء تتكرر قطعة الختن لنعرف اننا ذاهبون بمشاركة آلامه الى عرس معه حتى نصل الى قمة اولى في الترتيل: “يا رب ان المرأة التي سقطت”، وكأننا نقول: نحن مثل هذه المرأة وقعنا ونبغي القيام. الأربعاء مساء نقيم صلاة الزيت وهو سر من اسرار الكنيسة يقام اصلا على المريض في البيت. غير ان استعماله سقط في الواقع عندنا، ولكنا نقيمه للجماعة كلها في هذا اليوم لكوننا جميعا مرضى جسديا وروحيا.

         قمة ثانية قداس الخميس العظيم الذي يمتاز بأنه ذكرى للعشاء السري. وفي الليل كل روايات الآلام كما وردت في الأناجيل الأربعة. وقد ارادت الكنيسة على رغم التكرار واختلاف التفاصيل ان نصغي الى وصف الآلام كما حصلت. والذروة هنا الإنجيل الاول وهو انجيل العهد المأخوذ من يوحنا وهو أغزر قراءة عن العلاقات التي تربط بين الآب والابن والروح القدس، وهو خطاب الوداع الذي ألقاه يسوع على تلاميذه في طريقه الى بستان الزيتون.

         غير ان الخدمة التي تحتوي على جوهر الآلام هي خدمة الساعات الملوكية صباح الجمعة اذ تتلى المزامير والنبوءات المتعلقة بالفداء الى جانب بعض الروايات الإنجيلية التي تتكر فيها بعض من الفصول الإنجيلية التي تليت مساء الخميس. وفي نهاية صلاة الغروب التي تختم الخدم نطوف بالإبيتافيون المسمى النعش عندنا، وهو كناية عن ايقونة المسيح المدفون، فتوضع في وسط الكنيسة بانتظار خدمة جناز المسيح. وهي كناية عن سَحَر السبت العظيم وفيها التراتيل المعروفة بالتقاريظ وهي مؤلفة من ثلاثة اجزاء تخاطب المسيح الدفين والمرتقبة قيامته،  وانتظار القيامة يضفي على هذه الخدمة طابع الفرح. فإنها كانت تقام صباح السبت العظيم. خدمة الآلام هي في الحقيقة الصلاة التي تقام صباح الجمعة في الترتيب الحالي.

         واخيرا يأتي سبت النور الذي كان يقام قديما مساء السبت وتجري فيه معمودية الموعوظين الذين آمنوا بالمسيح واعددناهم للمعمودية، فكان يُذهب     بهم الى بيت المعمودية القائم عند غربي الكنيسة، وبعد ارتدائهم الثوب الأبيض كانوا يدخلون حاملين الشموع ونستقبلهم بكلام بولس: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح لبستم”. في اثناء عمادهم كان المؤمنون يتلون من النبوءات ما يتعلق بالعماد والقيامة. ثم تأتي الرسالة لتقول: “ان كل من اصطبغ في المسيح يسوع اصطبغ في موته فدُفنّا معه في المعمودية للموت حتى اننا كما أُقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب كذلك نسلك نحن في جدة الحياة”. هذه دعوة لنا نحن ايضا لنعرف ان الفصح اذا تساقط علينا ننال به الحياة الجديدة. ثم يتلى من متى روايته عن القيامة.

         هذا هو في الحقيقة اول قداس للعيد، وكان ينتهي عند الفجر. ثم يقام قداس آخر صباح العيد.          كنا في هذا الصيام كله نستعد للقيامة بالتوبة والصوم والنسك. كنا نتطهر حتى نستحق رؤية المسيح الغالب لخطايانا والمعطينا حياة الأبد.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية (+522)/ الأحد 13 نيسان 2003 / العدد 15

اذا فتحت في اول نيسان السنكسار، وهو الكتاب الذي يحتوي سير القديسين، ترى في العنوان سيرة امنا البارة مريم المصرية، واذا قرأت القصة تراها قصتين، واحدة عن الراهب زوسيما وواحدة عن مريم. غير ان التوبة المذهلة لمريم حجبت زوسيما فخُصص لها الى يوم عيدها في اول نيسان هذا الأحد الخامس من الصوم. ويقول القديس صفرونيوس واضع السيرة انه استقاها بالتواتر من رهبان دير القديس يوحنا المعمدان في الأردن.

         زوسيما حاول روح الشر ان يقنعه ان ليس من يفوقه في النسك في برية الأردن. فذهب والتقى مريم التي بعد توغلها في فسق كبير بلغت درجة من القداسة اعلى من التي رغب فيها الراهب لنفسه. الحوار بينهما أخاذ. زوسيما وهو كاهن يطلب منها البركة، وهي تذكّره، لكونه كاهنا، انه هو الذي يعطي البركة. سألها من تكون. هنا تأتي السيرة المعروفة. حدثته عن الدعارة التي تعاطتها في الاسكندرية ليس رغبة في الكسب ولكن لاعتبارها تعاطي الجسد مصدرا للحياة.

         مرة رأت جمهورا يتراكض باتجاه البحر قاصدا الحج الى اورشليم. لا تقول السيرة انها سافرت لمحبتها الأماكن المقدسة. مارست الخطيئة في السفينة مع الركاب الذين سافروا بقصد الزيارات. حاولت دخول الكنيسة. منعتها قوة غير منظورة. شعرت بالتناقض بينها وبين كنيسة القيامة. استفاقت وسجدت. دخلت. تابت. قال لها صوت إلهي: اعبري الأردن. بقيت هناك 47 سنة. لازمتها التجربة 17 عاما. قاومت حتى بلغت الهدوء. قاومت ذكرياتها.

         بعد حديث شائق طلبت الى الراهب ان يأتيها بجسد الرب. عاد اليها بالقدسات في الصيام. رغبت اليه ان يعود في السنة القادمة. رآها قد رقدت بالرب وكان هذا في اول نيسان.

         تقول السيرة ان أسدًا اتى وحفر قبرا فآواها زوسيما فيه. هناك ايقونة تملأها هي بقامتها والى يسارها زوسيما منحن، وهو اياه عن يمينها يحمل الكأس المقدسة ولكنه يبقى اقصر منها. النصوص الطقوسية تقول لنا ما مفاده ان التحرك الشهواني الذي كان فيها تحول الى تحرك نحو المسيح. التوبة ليست ان تصير باردا، بليدا بل ان تُحوّل احتراقك من اجل الجسد او الدنيا او المال او السلطة احتراقا من اجل يسوع. لذلك اعتبرت الكنيسة هذه المرأة نموذجا عن كل نفس تائبة. ووضعت ذكراها في الأحد الخامس وهو الأخير من الصوم لندخل – بهذه التوبة المحققة – مع الرب اورشليم في احد الشعانين مطهَّرين لاستقبال الأسبوع العظيم.

         من احد الفريسي والعشار مرورا بالابن الشاطر حتى يوحنا السلمي وذكر الفضائل انتهاء بمريم المصرية نرى قمم توبة الى جانب آحاد هي ادنى الى التأمل اللاهوتي. انما تكمن اهمية مريم المصرية في ان نذكر اننا نحمل عبء الجسد ثقيلا والقلة تنعتق من هذا العبء. غير ان حضور زوسيما في السيرة يذكرنا بأن الذين تحرروا من وطأة الجسد قد لا يتحررون مما هو افتك اعني الكبرياء. كل منا له ضعفه الخاص او ضعفات متعددة، وامام كل هذه الضغوط وداعة المسيح وطراوته. وازاء كل التجارب التي تنتابنا تنتصب صورة مريم المصرية مذكرة بأن الله قادر ان ينشلك من كل نجاسة ويريحك من كل خطيئة مهما ثقلت. المهم الا تستسلم الى اليأس والا تحالف الخطيئة، ان تقول ان المعاصي هي ضد المشيئة الإلهية وان محبة الله معي لكي أفيد منها حتى أَخلص.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

القديس يوحنا السلّمي/ الأحد 6 نيسان 2003 /العدد 14

فيما يتقدم المؤمن على طريق التقشف بعد انتصاف الصوم، رأت الكنيسة ان تُظهر اليوم في هذا الأحد الرابع صورة ناسك عظيم، يوحنا السلّمي، وقد سُمّي كذلك لكونه صاحب كتاب سلّم الفضائل. توفي الرجل في بدء القرن السابع وكان قد تولى رئاسة دير سيناء. كان يعرف النفس البشرية كأنه عالم نفساني عصري ولا شيء يدلّ انه دخل جامعة. يحمل تراث الذين سبقوه ولكنه يلتمع احيانا فيقول مثلا: “من هو يا ترى الراهب الأمين الحكيم؟ هو من يحفظ غيرته متقده الى النهاية ولا يزال حتى الممات يزيد كل يوم على ناره نارا وعلى اضطرامه اضطراما وعلى شوقه شوقا وعلى همته ونشاطه همة ونشاطا دون انقطاع”. الراهب في سكون بمعنى انه اطفأ الشهوة ولكنه، ضمن هذا السكون، نار محبة لله وللإخوة. وهذا ما يطلبه الله الى كل مؤمن وليس فقط الى الرهبان.

         الايقونة اخذت هذا الكتاب الحاوي ثلاثين مقالة، وصورت السلم وعلى رأسها المسيح المبارك، وكل مقالة تمثل درجة من السلم. وانت ترى راهبا يتسلق درجتين او اربعا او عشرين وما فوق ويشده الشيطان اليه فيسقط، ولكنك ترى من يصل الى المسيح.

         غاية المؤلف ان يدخلك الكفاح العملي اي اقتناء الفضائل لأنها هي المنطلق الى التأمل في الأشياء الروحية. عن طريق الفضائل الإنجيلية اذا اكتسبتها تميز بين ما يجيء اليك من الفكر الإلهي وما يجيء من الشيطان او من طبيعتك البشرية وحدها. تنفيذ الوصايا يعطيك علما بما يخلّص نفسك.

         هذا الكتاب وان كان اصلا موجها الى الرهبان انما ينفع الناس جميعا. من لا يهمه ان يقرأ المقالة الخامسة عن التوبة الدائمة او عن الحقد والكذب او عن الطهارة او عن حب المال او عن عدم الحس؟ في حديثه عن عدم الحس يقول عن المصاب به: “يصيح لقد اذنبت ويهرع الى فعل ذلك الذنب عينه… يتفلسف في ذكر الموت ويتصرف كأنه غير مائت… يمدح الصلاة ويهرب منها”. هذا أدب روحي كبير. تأملوا في هذا: “ان كان وجه حبيبنا يغيرنا بجملتنا جليا ويجعلنا مشرقين فرحين فاقدي الحزن فكيف بوجه السيد اذا أتى الى نفس طاهرة وسكن فيها بحال غير منظور؟”.

         اذا اردنا ان نتابع هذا الصوم بجدية لا بد لنا ان نفهم انه، قبل كل شيء، زمان توبة. والتوبة ان ترفض ما لا يرضى عنه المسيح وان تحب ما يحب. لا بد ان نفهم هذا ان كل الصلوات وكل الأصوام لها غاية واحدة ان نتحول الى وجه يسوع حتى نعشقه، حتى ترتسم علينا انوار وجهه بصورة ان من رآنا نتصرف يدرك للتو اننا انما تصرفنا بقوة يسوع واننا من أصحابه.

         هذه التوبة هي الفصح، لأنها هي القيامة من موت الخطيئة. هذا الصوم ارادته الكنيسة مشوارا الى الفصح وتشربا لنوره يوما بعد يوم. ان لم نفعل هذا يبقى الصيام حِمية عن طعام اي شيئا تافها. العبادات كلها تذكير بالمعلّم الإلهي. ولكن ان لم نأخذ علمه اي ان لم نحول الإنجيل الى سلوك، يبقى الإنجيل كتابا مثل الكتب.

         فيما ينعطف الصوم الى نهايته، آن الوقت ان نستعد لاستقبال الأسبوع العظيم في كل جمالاته حتى يجدنا السيد طاهرين عند فجر الفصح.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

البشارة والصليب/ الأحد 30 آذار 2003 / العدد 13

البشارة هذه السنة والأحد الذي نحن فيه متقاربان في الزمان. ففي العيد الاول ننشد: “اليوم رأس خلاصنا وظهور السر الذي منذ الدهور”. الملاك يبشر مريم بأنها مدعوة الى قبول التجسد الإلهي الذي سيحصل بالروح القدس وفي طاعتها. نزول ابن الله على الأرض تهجئة الخلاص. عيد الميلاد ما هو الا انكشاف لسر اتخاذ الابن انسانيتنا وتبنّيها. من البشارة ينطلق السرور.

         غير ان الفرح يقابله موت الرب الذي يدل في جانب من جوانبه ان الانسانية خاطئة وانها تريد ان تتخلص من المسيح. هذا محزن جدا، والأحزان تتكرر في حياة كل منا. البشرية مضغوطة كما كان يسوع مضغوطا، وتنفجر احيانا بالكفر والجحود واجترار الخطايا. المصلوبية او الانجراح في حياتنا ما في ذلك ريب بمعنى ان الطرق تبدو مسدودة امام البشارة فيحس الانسان انه مشروع فاشل لأنه دائما يتكسر او يُهمَش ولا ينجح سوى المعتدين على الشرائع واهل العنف والقاهرين لأهل الحق، فكأن الذين يحبون الله هم الذين يجب ان يدفعوا وحدهم ثمن هذا الوجود.

         لا يبدو الله ملكا هنا على الأرض حيث الأشرار يسيطرون. عندما اقتبل يسوع الصليب بدا انه غير قادر على شيء. وتبدد التلاميذ اي انه لم يبق من يشهد ان هذا المعلق على الخشبة كان على حق وان الذين قتلوه كانوا الظالمين.

         انت فقط بالإيمان تعرف ان يسوع بقي الرب حتى عندما بدا مغلوبا لأن المحبة – ولو مصلوبة – هي الغالبة، وغلبتها ستسطع عن طريق القيامة. “أباد الموت بالموت”. ولكن تعيش انت صحراء قبل ان تنكشف لك الواحة، اي تعيش عطشان حتى حدود الاختناق ثم ترتوي بعطف إلهي: لا تعرف كيف حدثت الأعجوبة ولكنها حدثت واذا بك تشرب من ماء الحياة.

         معنى ذلك ان عنصرا اساسيا في إيمانك هو الرجاء. في وقت الضيق لا ترى شيئا، لا تحس بالنعمة الإلهية. انت لست افضل من المعلم الذي قال لأبيه: “إلهي، إلهي لماذا تركتني؟”. الحساس روحيا هو الذي يشعر بأنه متروك. نقول في صيامنا لله: “ارحمني انا الواقع”. ازاء النور الإلهي العظيم انت طبعا واقع. لذلك ترجو وتخلص عندما يتحقق رجاؤك.ولكن اثناء تركزك على الرجاء انت تخلص. تخلص قبل ان تنال، لكونك تمد نفسك الى رحمة الله.

         جميل الطواف بالصليب في احد السجود له في أواسط الصيام، فإنه قائم وسط ثلاث شموع مضاءة ترمز الى الثالوث اي ان الله رأى ان مسيحه هو الحمل الذبيح قبل انشاء العالم ورأى ايضا انك انت ذبيح. غير ان الصليب هذا موضوع ايضا على رياحين تحيط بالشموع. فاذا جئت في آخر الصلاة السحرية وقبَّلت الصليب، يدفع اليك الكاهن زهرة ليوحي اليك انك مهما تألمت، المسيح القائم من بين الأموات والمرموز اليه بريحانة هو معك.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الحرب/ الأحد 23 آذار 2003 / العدد 12

الكلام على الحرب يأتي من حبنا للسلام، والمسيح عند بولس هو السلام. الكنيسة الارثوذكسية لم تعلّم يوما ان هناك حروبا شرعية، ومن باب أولى لم تعرف هذه العبارة الجديدة “الحرب الوقائية”. وهي عبارة تستر بها الدولة المعتدية أطماعها وتشنها بسبب من خوف مزعوم. على المستوى الفردي انت لا تضرب انسانا لكونك تخشى ان يضربك.

         هذه اسطر كتبت قبل الحرب المتوقعة على العراق. عندما تصبح هذه النشرة بين ايديكم ماذا ستكون حالة المنطقة؟ الله أعلم. يبقى ان الضمير المسيحي بريء من هذه الحرب. فقد تكلمت كل الكنائس مجتمعة او منفردة ضد ضرب شعب بريء وتخريب بلده. ونحن ضمن مجلس الكنائس للشرق الاوسط تكلمنا. وصرخ بطريركنا صرخة مدوية ضد هذا الاقتتال المريع. نحن بسبب ولائنا للمسيح رئيس السلام، نحن الى جانب العراق. نحن ضد إبادة اي شعب في العالم ونحن، بخاصة، مع هذا الشعب الذي أفقروه بسبب الحصار ونتج عن ذلك موت مئات من ألوف الأطفال.

         نصلي حتى لا تقع هذه الحرب، واذا وقعت عند صدور هذه الكلمات نصلي لكي تتوقف ولا يحدث في هذا البلد اقتتال طائفي او عرقي، وحتى يضمد جراحه الجسدية والنفسية ولا تنمو فيه الأحقاد ولا يتزعزع شرقنا كله نتيجة الخلل اذا حصل هناك. ارجو ان نحفظ هذا في ذاكرتنا كل يوم وفي الذبيحة الإلهية.

         لقد قالت شعوب كثيرة انها ضد الحرب. ان التظاهر الكبير الذي بدا في مئات من المدن في العالم كله يعزينا بأن الإنسان الواعي اخذ يظهر في العالم كله. ان القسم الكبير من الشعب الاميركي قال انه ضد الحرب. وهذا ما يجعلنا نقدّره ونحبه. لقد تجلى في الفترة الأخيرة ان الإنسان العادي يكره الحرب لأنه يكره الموت في كل مكان. ان الوحدة الحقيقية بين الشعوب أمست ظاهرة. وهذه لا بد ان تصل الى السلطة لتصبح السلطات نفسها في يوم نرجوه قريبا ضد الحرب. فكما ان دولا كانت تتقاتل جيلا بعد جيل صارت متحابة وغدت الحرب غير معقولة بينها، من المعقول، بعد اجيال، ان تزول الحروب في العالم. لقد تنبأ اشعياء عن يوم يطبع به الشعوب “سيوفهم سككا ورماحهم مناجل ولا ترفع امة على امة سيفا ولا يتعلمون الحرب في ما بعد” (2: 4).

         اذ ذاك، ينصرفون الى المحبة والى المعرفة والى الرقي. لنا ان نحلم بأيام كهذه. ليس العنف حتميا. ولكن هذا يفرض ان روح الله يهب وينشئ انسانية جديدة تفهم ان صالحها هو في السلام.

         واذا رجونا ان تنتهي الحرب بسرعة اذا أصابت العراق، نرجو الا تعم المنطقة كلها لئلا يحكم الخوف الدنيا.

         والى هذا رجاؤنا الا تهب رياح التعصب الديني. والواضح ان قادة الشعوب الإسلامية بعد هذه الهبة المسيحية من اجل العراق فهموا ان قادة الكنائس يحبون الشعب العراقي الذي غالبيته الساحقة مسلمة. لقد انغرس في نفوس المسلمين الصالحين الهادئين ان المسيحية الطاهرة تريد لشعوبهم ازدهارا ونموا وسلاما. ونصلي ان يستمر اطمئنان المسلمين الى المسيحيين الصالحين الذين يكرهون هذه الحرب. وهذا من شأنه ان ينقي الأجواء بيننا في كل الاوطان التي نتعايش فيها ونرجو ان يسود العقل والحب علاقاتنا والا يصبح اي دين ملهما لموت الآخرين لأن الله يحيينا جميعا ولا يريدنا ان نموت.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 16 آذار 2003 / العدد 11

في الأحد الأول من صوم سنة 843 أعلنت الإمبراطورية تكريم الأيقونات بعد أن حطمتها الإمبراطورية نفسها خلال 12. سنة وعُرف هذا الاضطهاد بحرب الايقونات. فسمي هذا الأحد الاول “احد الارثوذكسية” وبالعربية “احد استقامة الرأي” لأن تكريم الايقونات صار – بعد القمع – رمزا لاستقامة العقيدة.

         نحفظ الذكرى التي وقعت في الصوم في تلك السنة. غير انها مناسبة لتذكر ان لا شيء في الدنيا اهم من ان تكون ارثوذكسي العقيدة. فالإيمان هو الذي يجعل اعمالك صالحة وصلاتك مقدسة وصيامك مباركا. خارج “الإيمان الذي دُفع مرة للقديسين” لا شيء ينفع، و”العقيدة الاخرى” وهكذا نسمّي العقيدة المنحرفة تذهب بصاحبها الى الهلاك الأبدي.

         التمسك باستقامة الرأي سببه انك ان قلت شيئا آخر لا تكون قد آمنت بالخلاص. مثل على ذلك ان المجمع المسكوني الاول رفض بدعة آريوس القائل بأن الابن مخلوق. ردت الكنيسة على هذا بقولها انه مولود (من الآب) غير مخلوق. سبب الرد ان المسيح ان لم يكن إلهًا لا يكون عَمَلُ الفداء قد تم، وان لم يكن انسانا كاملا، ان كان شبحا، لا يكون احد قد مات. وفي افتراض عدم أُلوهيته وعدم بشريته لا نكون قد نلنا الخلاص. فالكلام الصحيح عن الله رمز للايمان الذي يخلّص. نرفض الكلام المغلوط لحرصنا على خلاصنا.

         فكما رفضنا الآريوسية (بدعة آريوس) نرفض اليوم بدعة شهود يهوه التي تتنكر لألوهية المسيح. ونرفض شيعا أخرى كمذهب السبتيين ومذهب المعمدانيين وحركة “المولودين جديدا” الممثلة في هذه الفرقة او تلك المستوردة من الغرب.

         طبعا لا يستطيع الإنسان العادي ان يدرس تعاليم كل الفرق ليتصدى لها، وقد لا يعرف دائما السبب الذي يجعلنا رافضين للأفكار الغريبة. من اجل ذلك ينبغي ان يتمسك بإيمان كنيسته ولا يدخل في جدل مع اصحاب البدع، وفي ذلك اوصى الرسول بولس. غير ان العقيدة الارثوذكسية تُعرف بدرس الكتب التي صارت كثيرة في كنيستنا، ونشير الى كل منها في “رعيتي”، فقراءتها تحصّنك من الفكر المغلوط. والعنصر الثاني الذي يحصّنك هو ترددك على الكنيسة في الآحاد والأعياد لأن عقيدتنا مسكوبة في الصلوات والأناشيد اذا أصغيت اليها بانتباه.

         سؤال كثيرا ما يطرح هو لماذا غذى الروم الارثوذكس كل الكنائس الجديدة وكل الفرق المختلفة التي غزت بلادنا. اول جواب ان غيرنا من المسيحيين ايضا انضم بعضه الى الكنائس الجديدة وحاليا ينضمون الى هذه الفرق.

         اما الجواب الأعم فهو ان الوعظ والتعليم كانا ضعيفين في القرنيين التاسع عشر والعشرين لكون العدد الكبير من الكهنة كان شبه أميّ وما كان يعطي شرحًا للطقوس. الفراغ هذا استدعى الغلط ان يحتل النفس الارثوذكسية. الطقوس لها اهمية كبرى لأنها تحرك القلب وتقنع العقل بآن معا.

         وهذا كله يدعو الكهنة اليوم ان يعقدوا كلٌّ في رعيته سهرة روحية او إنجيلية في البيوت حتى يتمكن الناس من معرفة ايمانهم. الدفاع عنه. لا مزاح في العقيدة. ولا يجوز استقبال هؤلاء اذا قرعوا باب بيتك ليقيموا معك حديثا. ليس مطلوبا منك ان تجادل. المطلوب ان ترفض هؤلاء وان تمحص عقيدتك الأرثوذكسية لتستوعبها وتوزعها بفهم وقوة.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

عشية الصوم/ الأحد 9 آذار 2003 / العدد 10

ما هي الأفكار التي تبثها فينا الكنيسة اليوم استعداد للصيام؟ المعاني معبّر عنها في صلاة المساء وصلاة السحر. الفكرة السائدة هي العودة الى فردوس آدم الذي طردتني منه الخطيئة. “سكنى الفردوس” تعني حالة آدم قبل السقوط اي معاشرة الله والكلام معه من جديد. الغاية هي الخلاص والخلاص بالصليب. فاذا تشددنا بآلام المسيح نتمم الصيام ونسجد لقيامة الرب. منذ اليوم الاول هدفنا الفصح.

            امام هذه الرؤية نقرأ في الرسالة: “قد تناهى الليل واقترب النهار”. الليل هو الخطيئة التي نصوم لمكافحتها. والنهار او النور يلتصق بنا حسب دعوة بولس: “البسوا الرب يسوع”. هذا ما سنرتل في سبت النور: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم”.

            نعرف الغاية التي هي القيامة. ولكن ما الوسيلة لبلوغها؟ الإنجيل هنا يقول: “ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم ابوكم السماوي زلاتكم”. الصوم من عناصره الأساسية ان نصالح الآخرين، فاذا كنا نحن وإياهم جسد المسيح، نغض النظر عن سيئاتهم ونشملهم بمحبة المسيح التي نحن نعرفها. اذا غفرنا نجعل الفرح في نفوسنا ونفوس الآخرين. لذلك قال السيد: “اذا صُمْتَ فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي يرى في الخفاء”. اجل الصوم هو في امتدادنا الى الآخرين بالغفران. ولكنه بالدرجة الاولى صعود الى الرب الذي لولاه لما رأينا القريب ولما احببناه.

            والقريب يعني لكل واحد منا الفقير الذي اذا لم يأكل يكون هذا لعدم انتباهنا اليه اي عدم الاعتراف به أنه من لحمنا وعظامنا وبالدرجة الاولى من لحم المسيح وعظامه. ولهذا في إطار الصيام قال: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض”  لأنكم بذلك تحجبونها عن الآخر الذي يحتاج اليها. هل تعرف انك مؤتَمن على اموال الله التي بين يديك وان ما عندك هو ما يحتاج المساكين اليه. غير انه يبدو ان ما يريده يسوع لا ينتهي عند الإحسان او المشاركة اذ يقول: “حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك”. فإن اعتبرت المال كنزك فقلبك فيه. وان اعتبرت الله كنزك فقلبك فيه.

            أعطِ بالطريقة التي تريد: لسائل يقول لك ليس عنده دواء او لا يستطيع ايفاء قسط ولده. هذه تعزيات تريح النفس. او اعط كاهنا تعرف انه يُحصّل معيشته بصعوبة. من بذل باستمرار يحب باستمرار. ومن لا يعطي ابدا لا يحب ابدا.

            غدا سنصوم معا لأننا في حاجة ان تنزل علينا الرحمة معا وان نسير معا الى فصح الرب بالإمساك الذي وضعت الكنيسة صورته: الإحجام عن اكل اللحم ومشتقاته وحسب أعرافنا اليوم بدءا من وجبة الظهيرة. هذا من ضبط النفس وهذا إطار للصلاة المكثفة التي هي مناجاة ليسوع الآتي الينا يوما فيوما. فاذا أمسكت لا بد ان تذكر – إن هاجمتك التجربة – انك، في هذا الانضباط، على عهد مع الله لمتابعة مسيرة تكون فيها الخطيئة هجينة.

            انت تركز، في هذه الفترة، قواك كلها على يسوع لتجاهد معه وتخلو اليه مهملا ملذاتك وتسلياتك واللهو لتنحصر في حبه. وتقرأ ما يقوله لك حبه هذا فيك          شبيه بالمشي في الصحراء ولكنها صحراء تتفجر منها بعد حين ينابيع الخلاص.

Continue reading