Category

2003

2003, مقالات, نشرة رعيتي

إلى الكاهن/ الأحد 27 تموز 2003 / العدد 30

هذه الكلمة تخص الإخوة العلمانيين أيضا لأنهم يصبحون أدنى إلى التقوى إذا كان راعيهم على صورة المسيح أو أراد أن يكون. غير أني أتوجه إليك ليس من عل ولكن لأني أشتهي أن تكون عظيما لتبقى كنيسة المسيح على بهائها. الناس يجعلونك مسؤولاً عن تجميلها أو عن تقبيحها. اجل، الإنجيل سُلم إلى كل المؤمنين، ولكن طُلب إليك أن تحفظه حفظا جيدا في قلبك وعلى لسانك لينسكب في قلوب المؤمنين ويضمّهم إلى صدر المعلم.

أنت تعرف هذا وتعرف أننا عاكفون على القراءة في كل حين. اجل، أنا أعلم انك منهمك بالعبادات والعمادات والمآتم وأن بعض المواسم تستغرق وقتك وقوّتك. حذارِ أن تألف العبادة حتى التكرار الرتيب فتصير كلماتها على لسانك ولا يبقى اللهب وراء الكلمات. ثم يهمس الشيطان في أذنيك: «أنت كاهن جيد لأنك تتقن القداس وتهتم للكنيسة-المعبد وإدارة الجلسات لمجلس الرعية وجمع الأطفال والشبيبة وعيادة المرضى. أليس وقتك مأخوذا ولاسيما انك تزور البيوت؟ مبدئيا تعمل وتُعلّم، وتحسب تاليا -حسب منطوق الكتاب- انك مؤهل لدخول ملكوت السموات».

انتبه! هذه كلمات إبليسية قد تنسيك الأهم. قال الله لملاك الكنيسة التي في أفسس: «انك تتحلى بالثبات، فتحملت المشقات في سبيل اسمي من غير ان تسأم. ولكن مأخذي عليك هو أن حبك الأول قد تركته» (رؤيا 2: 3 و4). ثم يقول لهذا المسؤول عن كنيسة أفسس: «اذكر من أين سقطتَ وتُبْ». وكأن الله لا يقيم وزنا لأي جهد بذله هذا الأسقف إذ يبقى أن المأخذ عليه انه ترك محبته الأولى.

ثم قد يهمس الشيطان في أذنيك: «هل من أشياء أخرى تعملها وتبذل وقتك في النهار وبعضا من وقت في الليل؟». الخطيئة هي عينًا هذا أن تحسب أن حياة الكاهن هي كلها بعمله وأهمه الطقوس والتعليم وبعض افتقاد للمرضى والفقراء. لا يا صاحبي، الإنسان ليس عمقه في ما يعمل ويعلّم. انه كله في قلبه، والعمل يدفق من القلب.

كثيرا ما يفتر القلب فيقع الإنسان فريسة مظهره أو فريسة خطابه أو اجتماعياته الكنسية وأحيانا دنيوياته. أحيانا يغرَّق المسيح في الطقوس المتقنة، ودائما يغرق في الكلام المعسول الذي لا يتدفق من داخلك المستنير بنور النعمة.

لا شيء من كل ما تقول أو تعمل يؤمّن عافيتك الداخلية وان كانت لا تستقيم بلا عمل وتعليم يعبّران عن إيمانك. ولكن المهم أن تكون دائم الالتهاب بمحبة يسوع هذا الذي يحفظك وحده من الكبرياء. والكبرياء تهدد الناجحة أمورهم كما تهدد الكاهن الكثير النشاط.

لا تستطيع أن تكمل الطريق بالفتور. اذكر أن السيد يتقيأ الفاترين. متروك لك أن تكون ساخنا وهذا يغذى بالكلمة والصلاة العميقة التي لا تنقطع وتؤدى بوعي كامل كلمة كلمة. الناس دائما يميزون بين من يستظهر درسا ومن تأتي كلماته من قلب عاشق لربه. وإذا كنت على هذا الاضطرام لا يعظم احد في عينيك حتى تخشاه ولا يبقى احد حقيرا. ذلك لأن السيد الساكن فيك هو يجعلك ترى كما يرى وتتضع أمام الكل كما تواضع.

فإذا انكسر قلبك لتستقبل المسيح فيه لن يقلقك شيء. الكيد والنميمة إذا حصلا ينفرطان عند نفسك المُحِبة. اذكر محبتك الأولى عندما اختارك الروح القدس ووضع الأسقف يده عليك وربما بكيت وأنت راكع أمام المائدة وسكبتَ روحكَ، ساعتئذ، كلها أمام المسيح. إن أحببت هكذا يخلص الكثيرون. إن أحببت بهذا المقدار وعففت عن كل ما في هذا العالم فمتَّ فأنت شهيد.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

فقراؤنا/ الأحد 20 تموز 2003 / العدد 29

في ديوان جميل يقول شاعرنا كابي فؤاد دعبول: «مشلوح عَ بْحور التعب». يمكن ان ينطبق هذا على المحتاج إلى المال والمحتاج إلى العاطفة. وفي قصيدة أخرى يقول: أنا مِش حدا/ بالنسبة لحَدَا. هكذا المعوز بيننا.

ما أريد هو ان أدعو مجالس الرعايا هنا ان يكون المحتاج أول اهتماماتها. وهذا لا يتحقق في كثير من الأماكن إذ أرى بعضًا من القابضين على أموالنا يسعون فقط إلى البناء وإلى إضافة البناء على البناء، وارى مبالغ كثيرة أحيانا مجمدة في المصارف، واذا زاد الدخل فلا أفق الا انتظار عمار جديد وهذا يبقى لما يسمونه «مجد الطائفة» وهذا مجد باطل يزول بزوال الحجر.

ان المسؤولين عن الأوقاف عندنا يطلب يسوع منهم ان يحافظوا على الطائفة أي على البشر لا ان يحافظوا حصرا على الحجر. الفقير عندنا لا يحس ان الكنيسة تحبه لأنها تتركه على وضع العوز الذي يضنيه ولا يسمح له بإطعام أولاده وتربيتهم وتطبيبهم في بلد أضحى فقيرا جدا.

ألستم تعلمون ان السيد يسمي الفقراء: «إخوتي هؤلاء الصغار»؟ محبتنا لهم هي المحك الوحيد لمحبتنا ليسوع. هذا المال الذي بين أيديكم هو لهم، هو حقهم علينا. أنا أموت ألما إذا سألت أحدا منكم معونة للفقير ويأتي جوابكم: عندنا هذا المشروع أو ذاك. فقبل إنجازه كيف تريدون ان يعيش الفقير الذي سكب من أجله يسوع دمه؟

اطلب إليكم -وهذا طلب رئاسي أي طلب ملزم- ان تولوا الفقير اهتمامكم الأول وان تنفقوا الأموال له أولا. في الدرجة الثانية يأتي البناء ويأتي توسيع الكنائس. الكنيسة هي انتم ميسورين كنتم أم معسرين. أما قرأتم ما قاله القديس يوحنا الرحيم: «الفقراء سادتنا»؟. ماذا فعلتم بقول المخلص: «كنت جائعا فأطعمتوني»؟ يسوع الناصري كان فقيرا ووحد نفسه بالفقراء بالدرجة الأولى. أي ان المعلم في اليوم الأخير سوف يقول لكم: «أنا وكلتكم على كنيستي لترعوها مع الأسقف والكهنة». وإذا أجبتموه نحن بنينا لك حجارة ومنها حجارة الكنيسة، يجيبكم: «أحسنتم، ولكن ما كان أحسن ان تحافظوا على الحجارة الحية التي هي أحبائي الفقراء».

المطلوب منكم قانونيا ان تضعوا موازنة كل سنة وان تخصصوا منها للفقراء نسبة كبيرة قبل ان أتدخل وأضع المبلغ الذي يترتب للمحتاجين. لا احد منا يملك أموال الكنيسة لا أنا ولا انتم. نحن مؤتمنون فقط على مال الله، والله يريد ماله لأخصائه، وأخصاؤه هم هؤلاء الإخوة الذين لا يشبعون ولا يتطببون كما يليق. وتليق بهم العناية التي يعتني بها الموسر بنفسه.

والأمر الذي يضايقني كثيرا ان يأتي فقراؤكم إلى دار المطرانية مستعطين وانتم أولى مني بمساعدتهم الا إذا أسهمتم بتغذية الأبرشية لتقوم بواجب الإحسان تجاه هؤلاء ولست أرى فلسا واحدا من تسعين بالمئة منكم لهذا الغرض أو غيره.

«احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا شريعة المسيح» (بولس الرسول).

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الطلاق أيضا وأيضا/ الأحد 13 تموز 2003 / العدد 28

سأتكلم على حالات خلاف. قد يكون أسوأها ان يعاشر متزوج امرأة اخرى وينجب منها ويضطر على اعتناق ديانة اخرى ليشرعن زواجه الثاني بهدف شرعنة الولد الناتج من المرأة الثانية. ثم تراه يطلب العودة الى الكنيسة. ربما لم يكن واعيا دينه ليفهم ان في تركه خيانة. وربما أتى اعتناق ديانة اخرى من كونه يريد استعجال صدور الحكم عندنا وقد يطلب ذلك تدقيقا واستجواب شهود. هذا وضع تقدر الحكومة وحدها ان تمنعه بتشريع يمنع تغيير الدين لسبب الزنى.

         ومن المصائب ان المرأة التي ترى زوجها يميل الى امرأة اخرى ان تحاول “حرقصته” ابتغاء استعادته واذا بها تسقط. الزوجة العفيفة لا تلجأ الى هذه الأساليب الرخيصة. ومثلها في الرخص ان يختار احدهما الوقوع في الخطيئة لتؤخذ عليه وينال طلاقا يراه صعبا لعدم الدليل.

         وهناك عائلات في الحي الراقي (مخملية) والحمد لله انها قليلة حيث يحرر كل من الزوجين الآخر من رباط العفة ولكن في وقت التأزم يدعي عليه ويتهمه باختراق العفة.

         غير ان المرأة كثيرا ما شكت من البخل. تغالي احيانا. ولكن عند حصول البخل فما من شك ان الزوج فقد محبته وأفسد الرباط. هنا يجب ان نعرف ان آباء الكنيسة يعظّمون الكرم ويرون انه يغفر جما من الخطايا اذ يدل على قلب مفتوح وكثيرا ما كان سببا للمصالحة. وقد يكون البخل إشارة على ان الزوج ينفق امواله على امرأة اخرى. ومن الواضح ان البخل اذا ظهر فجأة فلا تفسير له الا ان هناك خيانة.

         كثيرا ما تحصل الخيانات بين عائلات تجمعها الصداقة وتختلط كثيرا يالسهرات والمطاعم. ان الإكثار من الخروج من البيت مع نفس الأشخاص لأمر فيه خطر بسبب جمال النساء وذكاء الرجال وقوة شخصيتهم. هذا امر يحتاج الى يقظة كثيرة وان يفاتح كل من الزوجين الآخر انه يحس بخطر عليه بسبب تذوق لشخصٍ يجذبه. ولا بد عند ذاك من قطع العلاقة لأن بولس يقول: “اهربوا من الزنى”. لم يقل الرسول هذا عن خطيئة اخرى. الهروب هو العلاج الشجاع.

         ما من شاك ان الأزياء غير المحتشمة لا تلجأ اليها المرأة العفيفة. ان تسعى المرأة الى ان تكون محط الأنظار النهمة يدل احيانا على انها راغبة في الشذوذ. اما اذا كانت موقنة ان جسدها مباح لزوجها فقط فلماذا هذا التعري الفاضح؟

         الى هذا فالملل من رفيق الحياة الزوجية وارد كثيرا لمئة سبب وسبب. وهذا يدفع الرفيق الى السعي الى مغامرة اذ يرى ان اشواقه انطفأت او انه اخطأ الاختيار (معظم الناس يخطئون الاختيار فهل نطلق معظم الناس؟). والطبيعة الفاسدة فينا تجعلنا نميل الى الفتوة اذا بلغت المرأة الكهولة او ما بعد الكهولة. هل يعني هذا اننا نرفض نساءنا في منتصف عمرهن ام نجد لهن كمالا روحيا يفوق الجمال الجسدي؟ ألا نستطيع ان نبعث فيهن جمالات روحية كانت قليلة او ضعيفة عندهن؟ الزواج جهد مستمر لننشئ الآخر من جديد، لنرى فيه بهاء كان الزهو الجسدي دونه بكثير؟

         المهمة الكبيرة الملقاة على من ارتبط بالميثاق الزوجي ان يكتشف كل يوم عند رفيقه حسنات لم ينتبه اليها سابقا او يحضه على اكتساب فضائل ما كانت قوية عنده. فاذا كان الرجل مثلا تهمه الثقافة ورأى ان زوجته قليلة التحصيل العلمي فلماذا لا يدفعها الى المطالعة ليقوى ذكاؤها فتصير احلى لديه. او اذا كانت قليلة الأناقة وهو يحبها لماذا لا يشجعها على ذلك ومن شأنها ان تحسن الأناقة.

         انا لا اعتقد بما يسمونه الانسجام الجنسي. ربما كان هذا حقيقيا بمقدار وهذا له قواعده. انا اعتقد باتحاد شخصيتين في كيانهما العميق اي بالتوافق الروحي بينهما. وهذا يعني عندنا ان يدفع كل من الزوجين الآخر الى الصلاة فهي العمق الإنساني الكبير. فاذا تقدما على هذه الطريق يكون المسيح جامعا اياهما. وامام وجهه يكتشف كل منهما وجه الآخر ويقوى الحب بينهما ليس على أساس الجسد ولكن في اعماق القلب.

         هذا مشوار يتطلب كل العمر. واذا ظهر الجفاء فيجب معالجته منذ البدء واتخاذ العلاج الحقيقي اي اعطاء المحبة بلا حساب والغرف من الإنجيل والاهتمام المكثف بالاولاد لأن الاولاد يعلّمون ذويهم ان يتقاربوا اكثر فاكثر. الزواج مأثرة من مآثر القلوب النقية. يمكن ان يصعد به الناس الى السماء وهم لا يزالون على الأرض.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الطلاق/ الأحد 6 تموز 2003 / العدد 27

لست أخوض الموضوع الآن من الناحية اللاهوتية فأنا في حالة حزن شديد لأن الكثير من العائلات يعيش والأزواج منفصلون روحيا بلا انقسام قانوني. لا يجمعهم الا سقف واحد وصاروا غرباء بعضهم عن بعض. زواج بلا روح وربما كان الاولاد جامعين. لا ينفصلون لعلمهم بأن الانفصال كارثة عليهم وعلى بنيهم، ولكن لا يعون انهم تعاهدوا على تأسيس عائلة يجمعها المسيح اي تواجه الصعوبات بالإيمان والصبر.

         “ويصيران كلاهما جسدا واحدا” لا تعني بالضرورة ان الحب الذي جمعهما في البداءة يمكن ان يستمر على لهبه الاول. هذه العاطفة الجياشة قلما تدوم على تأججها وهذا ليس بمطلوب. توتر الأعصاب والخطايا التي يرتكبها هذا او ذاك والعنف المنزلي بحق المرأة والبخل او العوز ومئة سبب وسبب من شأنها ان تطفئ اللهيب الجامح الذي بسببه نشأ الزواج. “ان يكونا جسدا واحدا” تعني ان يصلبا ليبقيا جسدا واحدا، ان يحتمل احدهما الآخر وكأنه صليبه. في الحياة العادية خارج العائلة اناس كثيرون يصلبوننا. هناك جهد لينكر الإنسان نفسه اي انانيته ومصالحه الآنيّة ليدوم هذا الرباط الذي تعهدنا ان نحافظ عليه. الزواج ميثاق نلازم به الآخر مهما صار ومهما غضب ومهما تشتت او تشرد. كل فريق يبقى محبا بلا توافر شروط عند الفريق الآخر. نحبه لأن المسيح أمرنا بذلك، لأننا اذا احببنا الزوج نكون محبين للمسيح.

         قد يذهب فرح اللقاء بالآخر او قد يتغير. الفرح لا يجيء فقط من الآخر. يأتي من قلبنا المفعم بالمسيح اي اذا عرفنا ان السيد يحبنا فنحن مملوؤون غبطة ولو سقط رفيقنا سقوطا كبيرا. المحبة التي هي في المسيح لا تقوم على شرط التبادل. قد يتفه الآخر او يصير مملاً او يضعف بيولوجيا. مع ذلك يبقى اخا في المسيح واذا عاملناه حسنا يشعر بمحبوبية، والمحبوب يشفى.

         ليس عندنا إحصاءات تدلنا على ان احكام الطلاق قد كثرت. فقد يطلب فلان الطلاق ولا يحكم له به. ولكن مجرد طلب الطلاق اشارة الى ان الانقسام قائم وان السقوط قد دخل الى العائلة.

         ما يجب ان نعرفه ان معظم اولاد المطلقين ولاسيما اذا كانوا صغارا يعيشون في حزن شديد. والسوء البادي أن كلاً من الوالد او الوالدة يشدهم الى نفسه ويدفعهم ضد الآخر.

         المحزن كثيرا انك ترى الناس يجيئون الى المحكمة ويقولون نحن اتفقنا على الطلاق والكنيسة لا تعرف طلاقا بالتراضي. احيانا يكون الطرفان قد تعاقدا على الرذيلة كل من جانبه فيأتون ويدعيان انهما راغبان معا في الطلاق.

         يجب ان يفهم الناس انهم يتزوجون الى الأبد كما ان المسيح متزوج مع كنيسته الى الأبد. ما يزيدني ألما ان كل المواطنين يظنون ان الطلاق سهل عند الارثوذكسيين. هذا غير صحيح من الناحية القانونية. ولكنه قد يكون صحيحا في هذه المحكمة او تلك. وهذا كثيرا ما كان مرتبطا بالرشوة. وفي احيان اخرى يكون القاضي قد ملّ ويريد ان ينهي الدعوى. الإكثار من طلب الطلاق قد يجعل المحكمة مسترخية. ولكن اي قاضٍ يحتمل ان يلفظ حكم الطلاق بسهولة؟ اي قاضٍ يرغب في ان يعرّض الاولاد الى التشرد؟ قال الفيلسوف الفرنسي برغسون “ان من اراد لذة الزرع يجب عليه ان يتحمل شقاء الحصاد”. وأراد بذلك ان يتحمل تعب العيش المشترك وتعب التربية.

         كثير من عائلاتنا ليس فيها المسيح. بلا مسيح لا يستطيع رجل ان يعيش مع امرأة. لا يستطيع بلا الرب ان يعيش مع موظفيه فكيف بالعائلة؟ صار الإكليل عند بعض كالعقد يكسره الناس متى شاؤوا. يعيش بعض الناس زيجاتهم كأنها عقود مدنية لا إله يسودها. هذه هي ظلمة الخطيئة الرهيبة. تلك هي اللعنة الكبرى.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

بطرس وبولس والآخرون/ الأحد 29 حزيران 2003 / العدد 26

اليوم نعيّد لهامتي (رأسي) الرسل بطرس وبولس، وغدًا للرسل مجتمعين. لقد عثرنا في دياميس رومية، الأمنكة التي كان المسيحيون يصلون فيها، على هذه العبارة: “يا بطرس ويا بولس تشفعا من اجلنا”. مما يدل على مكانتهما الفريدة، ولعل هذا يعود الى اعتقاد المؤمنين ان هذين الرسولين استشهدا معا السنة الـ 65 اي زمن اضطهاد الامبراطور نيرون للكنيسة.

         اهمية بطرس الرسول اعترافه بأن المسيح هو ابن الله الحي ثم قول السيد له: “انت بطرس وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي”. بطرس هو الاسم البديل لسمعان بن يونا. وهي كلمة يونانية (Petros) اشتقها الرب من كلمة (Petra) التي تعني الصخرة. لقد اراد يسوع ان يقول لهذا التلميذ انت صخري الاسم لأن ايمانك بي هو الصخرة التي أبني عليها كنيستي. ثم بعد نكرانه للمعلم قال له بعد القيامة “ارع خرافي… ارع غنمي”. بهذا الكلام أعاده الرب الى الرسولية التي كان فقدها بالنكران.

         وبعد ان قال له “انت بطرس وعلى هذه الصخرة”، قال: “وسأعطيك مفاتيح ملكوت السموات”. وحتى يفسر السيد كلامه أكمل “فكل ما ربطته على الأرض يكون مربوطا في السموات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات” (متى 16: 18و19). ولكن هذه العبارة ليست محصورة ببطرس اذ قال السيد للتلاميذ مجتمعين: “كل ما ربطتموه على الأرض يكون مربوطا في السماء. وكل ما حللتموه على الأرض يكون محلولا في السماء” (متى 18: 18). لا يستنتج اذًا من كلام السيد لبطرس انه حامل وحده مفاتيح الملكوت.

         غير اننا نرى العهد الجديد ولاسيما في سفر الأعمال ان بطرس يقوم ويتكلم باسم الجميع، ولكنا لا نرى إشارة الى ان احدا من بعده هو الاول. ولما أتى الآباء على ذكر الخلافة الرسولية قال اوريجانيس ان كل اسقف عنده ايمان بطرس وان كل مؤمن آمن بما آمن بطرس هو خليفة بطرس. لا نرى اذًا واحدًا يقول ان اولية بابا رومية مشتقة من اولية بطرس. لقد رأت الكنيسة في تنظيمها القانوني (وليس في إيمانها) ان اسقف رومية هو “الاول بين اخوة متساوين” وجعلت بين الكراسي اولويات فجاء ترتيب الكراسي الخمسة هكذا: رومية، القسطنطينية، الاسكندرية، انطاكية وارشليم.

         اما كون بولس هو هامة ايضا فقد أتى من تعليمه (14 رسالة منسوبة اليه) ومن جهاده العظيم. فلما قارن نفسه بالرسل الذين كانوا جميعا قبله: “انا في الأتعاب اكثر. وفي الجلد فوق القياس وفي السجون اكثر. وفي الموت مرارا” حتى أتى الى الرؤيا التي حصلت له: “اختُطفَ (اي هو) الى السماء وسمع كلمات سرية لا يحل لإنسان ان ينطق بها” (راجع الإصحاحين 11 و12 من الرسالة الثانية الى اهل كورنثوس).

         لذلك يتصدر بطرس وبولس صف الرسل في أعلى الايقونسطاس.

         غير ان عيد الغد قائم على اننا كنيسة رسولية اي كنيسة تحفظ تعاليم الرسل والكنائس المحلية القديمة أسسها الرسل. والكنائس الأخرى التي ظهرت جيلا بعد جيل انشأتها الكنائس القديمة بالتبشير. وعن هذا قال بولس: “لستم اذًا بعد غرباء ونزلا بل رعية مع القديسين واهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء” (افسس 2: 19و2.) لذلك يؤكد القديس يوحنا الدمشقي اننا لا نتجاوز تعاليم الرسل. كل الكلام اللاهوتي وكل عباداتنا قيمتها انها مسندة الى التعليم الاول. انها توضيح او شرح “للايمان المسلّم مرة للقديسين” (يهوذا 3).

         بسبب ذلك يسمى الاوفياء لهذا التراث القديم ارثوذكسيين وبالعربية مستقيمي الرأي. ونتيجة ذلك رفضنا للهرطقات التي ظهرت في القديم وتظهر في كل جيل. انها إضافة الى الايمان الطيب او إنقاص له او تشويه. واستقامة الرأي نبقى عليها لا بجهودنا فقط ولكن بنعمة الله.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

احد جميع القديسين/ الأحد 22 حزيران 2003 / العدد 25

“يسوع المسيح هو هو امسًا واليوم والى الأبد” (عبرانيين 13: 8). هو دائما مصدر القداسة. ذلك انه وعدنا اننا “نثبت فيه وهو يثبت فينا”. ونحن صرنا به “امة مقدسة”. وهو يجعلنا له بالروح القدس. لذلك تقيم الكنيسة في الأحد الواقع بعد حلول الروح القدس ذكرى لجميع القديسين. نحن كل يوم من السنة نقيم ذكرى لقديس او اكثر. ولكن في الملكوت قديسون لا نعرفهم ولم تعلن قداستهم رسميا. فأردنا بإقامة هذا العيد ان نقول اننا مرتبطون بهم وانهم يشفعون لنا.

         انهم اولا الرسل الاثنا عشر والأنبياء والشهداء ورؤساء الكهنة والنساك والأبرار (اي الرهبان) والملائكة والذين لا يقعون في اية فئة من هذه الفئات كالعلمانيين العاديين. هؤلاء جميعا توشحوا بالمحاسن الإلهية وبلغوا في الفضيلة مبلغا كبيرا وتطهروا بالآلام وجاهدوا جهادا موصولا.

         القداسة يعلنها المجمع المقدس في اية بطريركية او كنيسة مستقلة. ويكونوا قديسين محليين مثل القديس يوسف الدمشقي الشهيد في الكهنة الذي اعلن   قداسته المجمع الأنطاكي المقدس او القديس سيرافيم من برية ساروف الذي طوبته الكنيسة الروسية. واذا تبنت الكنائس كلها قديسا يكون للكنيسة الجامعة مثل الثلاثة الأقمار وانطونيوس وجاورجيوس ونقولاوس.

         لا يشترط عندنا ان يكون القديس صانع عجائب، والذين قاموا بعجائب نسميهم صانعي عجائب. اما الآخرون فنقدسهم بسبب طهارة حياتهم اذا لم يكن فيها شك او لسمو تعاليمهم اذا اقترنت بنقاوة السيرة. قبل ذلك تدرس الكنيسة حياتهم دراسة دقيقة وتتيقن من عظمة هذه السيرة. عند ذاك يتخذ المجمع المقدس قرارا بالتطويب، ويفوض احد الأدباء الروحيين ان يضع خدمة (صلاة غروب وصلاة سَحَر وطروبارية وما الى ذلك) وتوزع الخدمة على الأبرشيات فيقام العيد كل سنة. ويرسم للقديس ايقونة نموذجية تكون واحدة في كل الكنائس.

         القديسون نماذج لنا والتطويب لا تنحصر غايته في ان نطلب شفاعة هؤلاء ولكن في الأهمية نفسها ان نقتدي بهم. واذا عرفنا سيرتهم ندرك انهم عاشوا مثلنا في هذا العالم وعرفوا التجارب والمحن، واستطاع الشهداء منهم ان يتحملوا آلاما لا توصف. فاذا عبرت بنا محن شبيهة، نعرف اننا قادرون بالنعمة ان نتشبه بهم وان نبلغ نحن ايضا مرتبة القداسة.

         هذه غير محصورة بالرهبان والكهنة ورؤساء الكهنة “لأن مشيئة الله قداستكم”، والذي قوّى هؤلاء ليصلوا الى ما وصلوا اليه قادر اليوم ان يحررنا من الخطيئة كما حررهم هم من الخطيئة. انها هي العدو الوحيد لنا.

         لا يجوز لأحد ان يقول ان حياتي الزوجية صعبة جدا فكيف أتقدس. ولا يصح له ان يقول ان مهنتي تعرّضني لشتى التجارب فكيف لا اسقط. ما من وضع عائلي او اجتماعي انت فيه يمنعك من اقتبال النعمة الإلهية النازلة عليك. تسلح انت باليقظة والكلمة الإلهية وأعمال التقديس والأسرار الكنسية. هذه كلها وسائل بمتناول يديك وتوصلك الى القداسة.

         ما دام المسيح حيا فهو يمكنك ان تنفّذ ما قاله في الجهاد من اجل البر. المسيح اقوى من كل محنة تعتريك واقوى من كل إغراء. تحصن انت به ولا تيأس لو سقطت. استرحم الله وانهض وانت قادر بنعمته ان تبقى ناهضا وان ترى نور المخلص هنا. المهم ان ترغب في القداسة وان تعتبرها الغاية الوحيدة في حياتك. أمّا اذا قلت في نفسك: “القداسة ليست لي”، فلن تسير نحوها. لتكن القداسة مشتهاك الحقيقي الوحيد. اذ ذاك تنزل اليك، وتصبح السماء مسكنك منذ الآن.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الروح القدس/ الأحد 15 حزيران 2003 / العدد 24

في الخطاب الوداعي وعد السيد تلاميذه ان يرسل اليهم الروح القدس. “ان لم انطلق لا يأتيكم المعزي” (يوحنا 16: 7). ما وظيفته؟ “متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى جميع الحق… وذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم”. نحن نعلم ان المسيح علمنا كل شيء وان أحدا لن يزيد عليه. غير ان كلامه يجب ان نتذكره دوما وان يدخل القلوب. هذا هو عمل الروح القدس.

         تلاحظون في الرسالة المنشورة هنا ان حلول الروح على التلاميذ اتخذ شكل ألسنة نارية استقرت على كل واحد منهم. الروح يلهب القلوب ويوحدها. لذلك نزل عليهم وهم مجتمعون في مكان واحد ليهبهم مواهب. خدمة العنصرة تتكلم على المواهب: “ان الروح القدس نور وحياة وينبوع، حي، عقلي، روح فهم، صالح، مستقيم، عقلي، رئاسي، مطهر للهفوات، إله ومؤلِه، نار من نار بارزة، متكلم، فاعل، مقسم للمواهب…”.

         هذا الروح الواحد ينتج مواهب مختلفة في لمؤمنين، فهذا موهوب لخدمة الفقراء وذاك للتعبد وآخر للتعليم الديني المنظم وآخر للوعظ وذاك للإدارة وغيره لأعمال الرحمة. ومنا من كان له اكثر من موهبة. فالمؤمنون في الكنيسة يتصرفون بحيث لا يحسد احد الآخر ولا يستغني احد عن الآخر. هذه في مجموعتها تجعل الكنيسة جميلة.

         كل موهبة نعمة اي عطاء مجاني اراده الله لك وهو وحده يعلم لماذا خص فلانا بهذه الموهبة وآخر بموهبة اخرى. نحن نستلم ونأتي بثمار. غير ان الروح الإلهي يبني الكنيسة كلها. “الكنيسة جسد المسيح” اي كيانه الممتد في العالم. الى جانب المواهب الشخصية كيف يعيش المسيح في الكنيسة؟ يعيش بالكلمة التي نسمعها وتحيينا اذ يجعلنا الروح نمتصها، ويعيش كذلك بالأسرار الإلهية (المعمودية، الميرون، القرابين الإلهية وغيرها).

         هذه الأسرار نابعة من المسيح، من موته وقيامته. ففي المعمودية مثلا تموت مع يسوع وتقوم معه. الموت والقيامة حصلا لما كان السيد في البشرة (هنا على الأرض). ولكن كيف يتحقق موته وقيامته فيك؟ بالمعمودية التي يتممها الروح القدس. عند ذاك ينصب عليك فعل الخلاص.

         المسألة قد تكون اوضح في القداس. الكاهن يقول: “خذوا كلوا… اشربوا منه كلكم…”. انه يسرد حادثة العشاء السري الذي تأسس فيه سر الشكر (اي سر القرابين). كيف نبني على هذا الأساس او كيف يتم تفعيل هذا الكلام الإلهي؟ هنا يطلب الكاهن من الآب ان يرسل علينا وعلى القرابين الروح، ويطلب الى الآب ان يحوّل – بنزول الروح القدس – الخبز الى جسد الرب والخمر الى دم الرب. ما كنا موعودين به يتحقق الآن.

         نحن في المعمودية والقربان وسر التوبة وسر الزواج في عنصرة تدوم. الكنيسة تعيش بهذا الحضور الدائم للروح القدس  فيها.

         هو مُبدئ كل شيء. لذلك نقول: “ايها الملك السماوي المعزي…” في بداءة كل خدمة إلهية. انه “يشفع ينا بأنّات لا توصف”.هو يحملنا الى السيد والسيد يحملنا الى الآب.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

المطران/ الأحد 8 حزيران 2003 / العدد 23

العلاقة بيني وبينكم لا ينبغي أن يسودها الانفعال لا مني ولا منكم. هي علاقة تحكمها الكلمة الإلهية وتسودها المحبة من جهتي إليكم ومن جهتكم على ما ارجوه. لقد خطونا خطوات كبيرة في التعاون والمشورة، ويزين لي أننا قدرنا معا ان نقيم أبرشية تحلو ليسوع على رغم ضعفاتنا جميعا. غير ان التآلف العظيم ينبغي ان ينبع مما يريده الله.

بولس في رسالته إلى تيطس يسمّي الأسقف وكيل الله ويأمره ان يعظ بالتعليم ويوبخ المناقضين (1: 7-9). ويقول الرسول في الرسالة إلى العبرانيين: «أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم» (13: 17). القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل أفسس يقول: «عليكم ان تكونوا برأي واحد مع أسقفكم»، وفي رسالة اخرى له يطلب إلى المؤمنين ان يطيعوا أسقفهم كما يطيعون المسيح.

الكثير منكم يسلك هكذا وبعض لا يسلك هكذا. أنها لخطيئة ان ينفرد بعض عني في ما يقومون به من أعمال. الحمد لله ان هؤلاء قلة ولكن غيرتي عليهم تقودنا إلى ان اذكّر الجميع حتى لا يجربنا الشيطان بالانقسام. انه انقسام ان يتفرد أي مجلس رعية بقرار رئيسي يتضمن مسؤوليتي عن الأوقاف. فقد ذكّرت الجميع بأكثر من رسالة ان أي تغيير في المباني من قيام مبنى أو ترميم كنيسة أو تغيير بملامحها متعلق بي مباشرة. ان مجلس الرعية لا صلاحية له إطلاقا على إقامة حائط صغير أو هدمه أو أي شيء مثل هذا اذ يكون هكذا تصرف تصرف المالك وهو ليس بمالك.

لا أنا ولا أنتم تملكون شيئًا. الله وحده هو المالك. ولكن هنا على الأرض لا بد من ان يتصرف احد بهذه الأوقاف استثمارا أو استبدالا. والقوانين المقدسة القديمة تقول ان الأسقف نفسه لا يستطيع ان يبيع الا بعد مشاورة أساقفة الجوار. ولذا نربط اليوم موضوع البيع بالبطريرك. المؤمنون لهم رأي في كل مسألة وقفية في القرى، أستشيرهم خطيا. فمن باب أولى ان يستشيروني لأتخذ قرار إنسان جعله القانون الكنسي وليّا، وجعله العرب لما دخلوا بلادنا وليّا، ويؤيد هذا إلى اليوم القانون اللبناني. مع هذا أرى تغييرا في معالم الكنائس داخليًا أو خارجيًا.

يَبْلغني من وقت إلى آخر قول الناس: «ها الضيعة ضيعتنا والوقف وقفنا. شو دخل المطران؟». جوابي المتواضع ان الوقف ليس ملككم لتتصرفوا به وحدكم. فإن أجدادكم لما وقفوه وقفوه للكنيسة كلها. فإذا سُمّي وقف ما: وقف دوما أو سن الفيل أو بيت مري أو بحمدون على سبيل المثال، فليس الا من باب انه واقع هناك وانه من اجل لا مركزية الإدارة ينفق دخله محليا. ليس معنى هذا ان الأهالي يقررون وجهة الإنفاق أو الاستثمار. المطران يترك لهم بحريته مسؤولية التدبير لهذه الأمور لأنه لا يقدر ان يكون في كل مكان. ولكن لكون الأهالي مطلعين على الواقع، لا يتفرد المطران برأيه بل يشاور.

خذوا الأمور ببساطة المسيح وتحرروا من الفردية والانغلاق وتعاونوا بإخلاص فقد أثبتت الوقائع خلال ثلاث وثلاثين سنة ان هذه المطرانية لا تطمع بأوقافكم المحلية ولم تطلب منكم قرشا واحدا للأبرشية ككل. «اني لم أشتهِ فضة احد أو ذهبه أو لباسه». غير اني مكلف إلهيا بالحفاظ على نفوسكم ولطفها وقداستها وتاليا مكلف بوحدة الأبرشية.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

مجلس الرعية أيضًا وأيضًا/ الأحد 25 أيار 2003/ العدد 21

لا شيء يعذبني ويعذب بعض الكهنة مثل مجالس الرعايا وهي مجالس تسودها عقلية مغلوطة. هناك مجالس تعمل بروح المسالمة والأُخُوّة والتقوى. هناك صعوبة في تطبيق القانون لأسباب تختلف بين مكان ومكان. القانون يقول اننا نختار الأعضاء من بين المؤمنين الممارسين الذين تجدهم في كل قداس إلهي. غير ان الواقع يدل اننا لا نرى كل أعضاء المجالس يشاركوننا الخدمة الإلهية. وأنت لا تعرف مُسبقًا من سيأتي إلى الصلاة ومن يتخلف، فالقصة الحقيقية ليست في ان تجد من يعرف ضبط الوقف والمال، إذ القصة ان تجد دائما من عنده روح الرب.

ان تكون عضوا في مجلس رعية هو ان تتعهد الكنيسة بمعناها الروحي وان تسهم مع الكاهن في شدّ المؤمنين إلى الكنيسة على الأقل بحضورك الشخصي واصطحاب أهل بيتك إليها. ربما كان الحل في ان تُنشئ دروسا لاختيار مرشحين لمجالس الرعايا الأكثر غيرة والأعظم معرفة. غير ان الفكرة التي تسيطر علينا في كل قرية هو ان تختار الأعضاء من العائلات المختلفة وان تقيم توازنا بينها وبين جبابها، ولكن قد لا تجد في كل جب ولا في كل بيت من هو أهل لملء المنصب والقيام بالمسؤولية. أحيانا لا بد من اختلال التوازن لتحصل على الأكفاء المؤهلين لخوض المسائل الروحية والإدارية والمالية التي تفرض نفسها في كل رعية. حرام ان نتعب المطرانية بفرض الاختيار من كل بيت.

هذا من حيث الاختيار. اما من حيث سَير الأمور فالمطلوب دائما ان يعيش كل الأعضاء روح الأخوة بحيث يحترمون بعضهم بعضا، ويعيشوا سلام المسيح فلا يسيطر التمسك بالرأي الذي أدليتَ به إذا أثبت لك الزميل خطأ رأيك. ولا مجال في المجلس ان تتشكل كتل متنافرة فتلازم أنت كتلة والآخر كتلة أخرى فيأتي العناد ولا تتم مناقشة «حزبية» أو مناقشة قائمة على التحيز. بلا تنازل الواحد للآخر في سبيل الحقيقة والحق لا تسير الأمور سيرا حسنا. وحدة الكل أفضل من الإصرار على رأيك. كل الآراء تتضارب والحجة ترد الحجة، ولكن الإخلاص أهم من التفرد بالرأي حتى فرضه.

الشيء الآخر هو ان نقبل ترك المجلس إذا انتهت ولايته. فهيئة المجلس بطبيعتها غير دائمة. وهذا ما أصر عليه المجمع المقدس لأنه أراد ما يسمى في الديموقراطية «تبادل السلطات».

الحكمة من تغيير الأشخاص هو ان نجد فرصة للمؤمن الصالح الفهيم ان يدخل ليظهر مواهبه وتستفيد منه الكنيسة. كل إنسان يموت يستغنى عنه الا إذا كان عظيم المواهب، نادرا بحيث تخسر الكنيسة لو استغنينا عنه. هؤلاء قلائل. يجب ان تترك الفرصة للمؤمن النشيط المعطاء ان يدخل.

ثم لا يشكل المجلس أسرة مالكة تبقى إلى الأبد. فإذا لم يُجَدد لعضو بعد انتهاء ولاية المجلس لا يعني اننا نشكو منه. الفكرة الوحيدة عندنا انه يجب تشجيع الفئات الطالعة التي لم نكن نعرفها ثم اكتشفناها. ان مغادرة مجلس الرعية يعلّم الأعضاء التواضع ويظلون في الرعية مطلعين على ما يجري ومساهمين في الفكر لأن كثيرا من المشاريع التي تتداول يعرفها الكثيرون الخارجون عن المجلس فإذا ابدوا رأيهم يكونون كالحاضرين.

إذا أردتم ان يبقى هذا القانون مفعلا لا بد لنا -بنعمة الله- ان نزداد في التقوى وفي روح المسالمة وان تسلس الأمور في المناقشات حتى نكون في الواقع إخوة حقيقيين بعضا لبعض.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

هل تُغيَّر كلمات الكتاب؟/ الأحد 18 أيار 2003 / العدد 20

الأحد في 4 أيار أقمت القداس الإلهي خارج لبنان وبعد هذا اجتمعت إلى بعض من أبناء الرعية لتناول القهوة فسألني احدهم لماذا نذكر في صلواتنا «صهيون» و«إسرائيل»؟ الا نستطيع ان نلغي هذه الكلمات ونستعيض عنها بغيرها؟ وكنت مدركا انه يريد ذلك حتى لا يدخل إلى أذنيه ألفاظ تذكّر بدولة إسرائيل. فيما يتعلق بصهيون أجبته انها اسم لرابية من الروابي التي تقوم عليها أورشليم. وأتى داود إلى هذا المكان بتابوت العهد فصارت الرابية مقدّسة. ولما بني الهيكل ونقل التابوت إليه اتسع نطاق صهيون حتى شملت الهيكل. وكثيرا ما يطلق اسم صهيون على أورشليم كلها. ثم اتخذت حركة اليهود الحديثة اسم الصهيونية للدلالة على الاستيطان هناك. فعندما نستعمل نحن آية من الكتاب المقدس ورد فيها اسم هذه التلة لا نكون قد قبلنا بالصهيونية التي اشتق اليهود المعاصرون اسمها من صهيون، الرابية.

أما إسرائيل فهو يعقوب، ثم أطلق الاسم على نسله الذين سماهم الكتاب بني إسرائيل. ثم أطلق الاسم على المملكة الشمالية من فلسطين. واستعمل الأنبياء الاسم بمعنى روحي، وكذلك فرّق بولس الرسول بين إسرائيل حسب الجسد وإسرائيل حسب الروح. وفي إنجيل يوحنا لا تحمل الكلمة معنى القومية بل تشير إلى إيمان الشخص.

عندما ترد كلمة «إسرائيل» في الترتيل أو في قراءات الأنبياء فلا يخطر على بال إنسان مطّلع انها تعني دولة إسرائيل الحالية. التسمية الحالية أوجدها اليهود الذين أنشأوا دولتهم سنة 1948 لكي يستفيدوا من كون المسيحيين يعرفونها في العهد القديم وينقادوا إلى توحيد الكلمة مع الدولة التي اغتصبت فلسطين أو قسما منها. هذه شطارة يهودية لا تقودنا إلى شطب الكلمة من الكتاب المقدس. فإذا اقتبستَ من الكتاب الإلهي فينبغي ان تكون أمينا لنصوصه وتفسّر للناس اننا نحن المسيحيين لا نتعَرف إلى أرض الميعاد ولا نبارك اتخاذ اليهود المعاصرين هذه الكلمة ليدلوا على أنهم ورثة هذه الأرض.

عندما نقول في الغروب عن المسيح «نور إعلان للأمم ومجدا لشعبك إسرائيل»، وذلك في إنجيل لوقا، نعني بذلك ان يسوع أتى نورا للوثنيين ولليهود وانه جامع الاثنين. فإذا قلت كبعض المرتلين: «نور إعلان للأمم ومجدا للمؤمنين» أو ما شابه ذلك تكون مغيرا المعنى الذي قصده لوقا. كيف تغير: «الرب من ينابيع إسرائيل» التي نرتلها في كل فترة الفصح؟

لماذا لا يعترض المسلمون على استعمال كلمة إسرائيل في القرآن؟

نحن نؤمن بالعهد القديم أي نؤمن بأنه مُلهَم من الله وهو ليس فيه إشارة إلى قومية ولا يمكن دعم أية قومية به. الكلام القديم يبقى في موضعه. وعوضا ان تتخدش آذاننا بسبب المعنى الحاضر الذي أعطي للكلمة، نفسر استعمالنا لهذه الكلمة. إخواننا الأقباط الذين هم مثلنا رافضون لدولة إسرائيل الحديثة لم يبدلوا كلمة من طقوسهم، وعلماؤهم يشرحون لهم ان ورود اللفظة في الصلوات لا يدفعنا إلى قبول هذه الدولة التي قامت ظلما على حساب الشعب الفلسطيني. فهل إذا زالت دولة إسرائيل نعود إلى استعمال الكلمة؟

الكلام الإلهي يبقى هو هو وندخل نحن في فهم هذا الكلام كما قصده الأنبياء والمزامير.

Continue reading