Category

2003

2003, مقالات, نشرة رعيتي

ذكرى الآباء / الأحد 12 تشرين الاول 2003 / العدد 41

هي ذكرى الآباء المجتمعين في المجمع السابع المسكوني، على محاربي الايقونات، المنعقد في نيقية السنة الـ 787 والذي أعلن تكريم الأيقونة عقيدة. وعبارة “آباء قديسون” نطلقها على الذين كانوا في المجامع المسكونية السبعة التي هي قاعدة الإيمان عندنا كما نطلقها على الذين اوضحوا الإيمان الأرثوذكسي وكتبوا ضد الهرطقات. وهم ليسوا منحصرين بلائحة او زمن. الناس كلهم يعرفون الثلاثة الأقمار: يوحنا الذهبي الفم، باسيليوس الكبير، غريغوريوس اللاهوتي، وهؤلاء عاشوا بين القرن الرابع والقرن الخامس، ولكن من الكبار غيرهم ايريناوس اسقف ليون واثناسيوس الكبير وغريغوريوس اسقف نيصص اخو باسيليوس ثم مكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وغريغوريوس بالاماس.

         وقد يظن المؤمن البسيط ان احدهم كان يجتر تعليم الآخر كأنهم يرددون اسطوانة. لا، كانوا مبدعين يَحيون بالإيمان ويُحيون المؤمنين كل حسب طريقته وأسلوبه. وفي بعض الأمور غير الأساسية كانوا يختلفون. وعظوا وجاءت تعاليمهم معظمها في المواعظ ولكن منهم من وضع مؤلفات لاهوتية حسب المواضيع التي كانت الكنيسة تحتاج اليها في مكافحتها اصحاب البدع. المهم عندهم كان الدفاع عن الإيمان اي تبيان الإيمان الارثوذكسي على انه موافق للكتاب المقدس وتوضيح ان كلام الهراطقة كان تحريفا للكتاب او سوء فهم له.

         ان تقول في الله قولا حسنا موافقا لما أعلنه هو بالرسل كان همهم لأن الإنسان انما بالإيمان يخلص. “من آمن واعتمد خلص ومن لا يؤمن يدان”. لنأخذ مثلا اثناسيوس واليه يعود الفضل في وضع دستور الإيمان (كان هو محرك المجمع النيقاوي الاول). تصدى لآريوس القائل: “كان زمان لم يكن الكلمة (اي الابن) فيه”. بتعبير آخر كان آريوس يعلّم (وعلى طريقته سلك شهود يهوه) ان الابن اول المخلوقات. الكنيسة قالت في الدستور “مولود (ازليا من الآب) غير مخلوق”. ماذا كان هاجس اثناسيوس؟ الهاجس كان ان المسيح اذا كان مخلوقا لا يكون إلها. واذا لم يكن كذلك لا نكون قد حصلنا على الخلاص.

         بعد آريوس جاء اوطيخا وقال ان المسيح لم يكن بشرا. فتصدت له الكنيسة لأنه ان لم يكن انسانا لا يكون احد قد عُلّق على الصليب. في كل موقع اذًا كان همّ الكنيسة ان تؤكد ان المسيح إله وانسان معا حتى يكون الخلاص حقيقيا لا وهمًا.

         عندنا اذًا في الكنيسة عقائد جوهرها قائم في الدستور النيقاوي (سنة 325) المكمَّل في المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية (سنة 381). لذلك نقول “الدستور النيقاوي-القسطنطيني”. ويجب ان نلاحظ ان هناك حركة بين اقوال المجامع واقوال الآباء. بعضهم هيأ للمجامع مثل باسيليوس الذي اوضح ألوهية الروح القدس وتوفي سنة 973. جاء المجمع القسطنطيني المنعقد بعد سنتين من وفاته وأدخل بند الروح القدس في الدستور فاكتمل. او يكون الآباء شارحين للعقيدة بعد ان وضعها المجمع. وكانت المجامع تُثبت ما قيل في المجامع السابقة، ويأتي هكذا الخط الارثوذكسي واحدا متموجا بين ما حددته المجامع المسكونية وما علّمه الآباء.

         سمّيناهم آباءنا لأننا لم نأت من زنا كالهراطقة الذين كانوا يخلطون بين كلمة الله وآرائهم الخاصة او الفلسفة اليونانية، اي ليس لهم أصل شرعي. فالآباء الشرعيون يستحقون ان يقال لهم ولنا من بعدهم: “انتم نور العالم”. وقد اقتطفنا رسالة اليوم من كلام بولس الى تيطس: “رجل البدعة بعد الإنذار مرة واخرى أَعرضْ عنه” ثم قوله: “سلِّمْ على الذين يحبّوننا بالإيمان”. وهكذا لا نصغي الى قول الذين يدعوننا الى اجتماعاتهم مدّعين معرفة الكتاب. الشيطان ايضا يعرف الكتاب بدليل انه لما جَرّب يسوع كان يذكر آيات من الكتاب بمعنى خاطئ. نحن ندرس الكتاب على ضوء ما تعلّمنا اياه الكنيسة المقدسة.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة/ الأحد 5 تشرين الأول 2003 / العدد 40

إنجيل لوقا إنجيل الرحمة بامتياز، وفي مستهل قراءة اليوم (لوقا 6: 31-36) يقدم الإنجيلي قاعدة للسلوك فيها إقدام: «كما تريدون ان يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضا بهم». تريد أن يعطف عليك الناس، ان يساعدوك، ان يؤتوك خدمة في الضيق، ان يعودوك في مرضك، فبادر إلى هذه الأعمال إنْ وجدتَ الناس في مثل هذه الأحوال.

ثم يرتفع لوقا درجة عن هذا فيقول: «ان أحببتم الذين يحبونكم فأية منّة لكم»؟. وإذا أردتَ ان تعبّر عن محبتك بالإحسان، فأحسن إلى أي محتاج وليس فقط إلى نسيب لك أو صديق إذ قد تتوقّع من هذا شكرا أو ان يعاملك بالمثل ان صرت أنت في الضيق. ولكن أعطِ من لا ترجو منه مكافأة أو تقرُّبا إليك وقد لا يعود يوما للشكران. يذكر لوقا تطبيقا وهو: «ان أقرضتم الذين ترجون ان تستوفوا منهم فأية منّة لكم»؟. فقد لا يستطيع هذا ان يوفي السند الذي وقّعه على نفسه. أو ترسله إلى السجن؟ وماذا ينفعك هذا؟ ان كنت عاجزا عن دين كبير لا تَقُم به. اعرف ان بعضا من الناس يستغلون ميلك إلى المحتاجين ويعرفون رحمتك فلا يوفون ولو كانوا قادرين. تعامل مع هذا الوضع. فهناك ما يسمّونه دين شرف وهو يعني ان تسلف مبلغا ولا تقاضي من استدان. فهو يوفي إذا استطاع أو لا يوفي ولو كان قادرا على ذلك. سلّمه إلى الرب.

ثم يعلو لوقا أيضا درجة ويقول «أحبوا أعداءكم». «أحبوا» هنا لا تعني ان تجعل عدوّك صديقا فقد لا يقبل صداقتك. في ادنى مستوى، الكلمة تعني الا تحقد ولو توجّعت داخليا فالظلم موجع. وفي اغلب الأحيان لا تستطيع ان تقنع عدوك ان لا سبب حقيقيا لبغضه إياك أو لأذاك. فقد يشن عليك حملة شعواء ويلطخ سمعتك وذلك لأن الشيطان دخله ولوّث نفسه، ثم هناك من كان نهجه البغض ويتلذذ بالأذى. ويسوع حريص على ألا تقع أنت في حقد مقابل حقد لأن الحقد ظلم وبه تُلطِّخ قلبك وتنزع عنه الهدوء. وإذا تعكرتْ نفسك لا تستطيع ان تعاين وجه الله لأن الله سلام.

ويقدّم الإنجيلي عن الغفران حجة إذ يقول انك في الغفران تصير ابنا لله الذي «يُنعم على غير الشاكرين والأشرار». انه يرسل المطر ونور الشمس على جميع الناس كما يقول متى. ويُنعم على الناس بطعامهم أيا كانوا، ويُنعم على الخاطئ أيضا بشتى المواهب علّه يتوب.

ثم ينهي لوقا هذا الفصل بقوله: «كونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم». هنا يطلب يسوع ان تسلك كما الله يسلك. وأنت قادر على ذلك إذا أدركت ان النعمة جعلتك ابنا لله أي مشاركا المسيح بُنُوّته للآب.

ان تكون رحيما تعني في اللغة ان يتسع صدرك لجميع الناس. هكذا صدرُ الله. المهم ان تفهم ان الخطيئة هي وحدها ذلك الشيء الذي يؤذيك في العمق. وقد تنجح الرحمة بإعادة من ترحمه إلى صوابه. ربما لا يتأثر من ترحمه برحمتك. ولكن تكون أنت نجّيت نفسك من الكراهية. وفي أعلى مراتب الغفران تكون صرت غافرا مثل الله أبيك. لأن الرحمة تمحو كل معصية فيك وتكون تروّضت على التواضع. مَن لا يغفر هو الذي لا يتحمل جرحه. ولكن قد يجرحك الناس كثيرا. مطلوب منك ان تنزف وان تداوي جرحك بالدواء الوحيد الذي يشفيك وحده وهو الغفران. كل الخطايا تأسرنا، ولكن ليس مثل الحقد سجنا. وكما تغفر بسهولة لابنٍ لك شرس أو مشاكس لأنه مِن لحمك ودمك، اغفر لكل الشرسين لأنهم من لحم المسيح ودمه.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

صائد للناس/ الأحد 28 ايلول 2003 / العدد 39

بعد اعجوبة الصيد العجيب التي هي موضوع الإنجيل اليوم، اخذ سمعان بطرس يعترف امام المعجزة انه رجل خاطئ. اذ ذاك قال له السيد “لا تخف”، وربما اراد لا تخف خطاياك “فإنك من الآن تكون صائدًا للناس”. فذهب الرسول الى العالم حاملا هذا الكلام. كلام السيد لبطرس هو كلام الى كل مؤمن يشهد بالقول ويشهد بالفعل. ولكنه مسؤولية الكاهن الخاصة وهي لا تنحصر برعيته اذ يتكلم حيثما يشاء. ولكنها تتجلى في هذا القطيع من الخراف الذي أوكل اليه. وهذا ما نسميه الرعاية.

         الرعاية دائما بكلمة الله ولعل مكانها الاول الموعظة. هذه تسمى عند الشعب تفسيرا للإنجيل او توضيحا. انها ايصال الإنجيل الى رعية يدعوها الكاهن بأسمائها. الى هذا بعض من الافتقاد. وهنا لا بد من القول ان المجامع المسكونية فرضت العظة جزءا من القداس ومن كل خدمة إلهية. من هنا اني ارجو المؤمنين ان يستمعوا اليها ولو اعتبروها ضعيفة اذ لا بد لهم ان ينتفعوا روحيا من جملة واحدة.

         الشيء الأخير ان الخطابة، دينية كانت ام  غير دينية، من اصعب الفنون الأدبية لأنها موهبة، وفي الكنيسة هي موهبة من الله. وليس صحيحا ان الذي غاص في اللاهوت تأتي عظته اقوى من كاهن لم يدخل الجامعة. غير اني سأحاول ان انتبه الى تذمر بعض المؤمنين لأساعد الكهنة على وعظ أفضل. فاحتملوا بعضكم بعضا. لا تحل المشكلة بسكوت الكاهن ولكنها تحل بتحسين الأداء.

         الأمر الآخر انه ينقصنا عدد كبير من الكهنة. فاذا غاب احدهم عن المسرح فهذه مشكلة كبرى. وبكلام ابسط لا بد من ان تراعوا كاهنكم ان اردتم ان تبقى الكنيسة مفتوحة. عندنا طلاب لاهوت ولكنهم لم يتخرجوا بعد.

         ان تراعوا الكاهن هو ان تتوقعوا ان يخطئ بكلمة او بتصرف ربما ان يغضب احيانا او يمل او يتراخى. هو بشر فلا تعاملوه كأنه ملاك ولن يصير. واجبه هو ان يقترب من الحالة الملائكية، وواجبكم انتم ان تتصرفوا تجاهه كما يتصرف الابن مع ابيه الجسدي. فالوالد يخطئ وتراعون طبائعه او شيخوخته وتظلون ابناء.

         الكاهن مفروض ان يتذكر انه اب وان كل الرعية ابناؤه. له الحق ان يُسَرّ بكبار التقوى والأعظم طهارة فإنه يتعزى بهم، ولكن ليس له الحق ان يتحيز. انا اتمنى على الكاهن الا يكون صديقا حميما لعائلة. غير انه لا بد من التأكيد ان الرعية يقودها هذا الرجل الى الخلاص وان العلمانيين ابناء وبهذا المعنى ليسوا متساوين مع الكاهن. هناك قيادة روحية وإشراف على كل الأمور على الا يكون الكاهن متسلطا لأنه عند ذاك يخسر مكانة الأب.

         هناك كلمة تتردد احيانا على مسمعي: “لا نريد الخوري ان يتدخل بشؤون الضيعة”. السؤال ما شؤون الضيعة؟ اذا كان المراد بذلك تحيزه لهذا المرشح او ذاك لمنصب المختار او منصب رئيس البلدية، فهؤلاء على حق. ولكن اذا كان القصد الا يتدخل في شؤون البناء او الا يرتئي رأيا بشأن المال والفقراء والمرضى، فليسوا على حق.

         اجل هناك امور مهنية تتعلق بالوقف يكون هو حكيما اذا استمع الى اهل الخبرة. مرفوض الكلام القائل ان مدى الكاهن هو الهيكل وانه خارج الهيكل لا حضور له.

         ينبغي ان يتربى المؤمنون على ان لهم أبا عيب إسكاته وعيب تعنيفه وعيب اعتباره موظفا. كذلك ينبغي ان يتربى الكاهن على ان له ابناء بعضهم لطيف وبعضهم قريب من القسوة. هكذا يكون اللقاء في المسيح.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

امتداد الصليب/ الأحد 21 ايلول 2003 / العدد 38

ليس من حدث خلاصي إلا وله صدى في مسلكنا. العيد ينزل فينا حياة ونهجا فبعد الفرح تطبيق. هذا يتحقق اليوم في هذا الأحد الذي بعد رفع الصليب. القراءة الإنجيلية من مرقس ونستهلها بقول المعلم: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. “من أراد ان يتبعني” لأن المسيحية دعوة، ولكن اذا ارتضيتها فهي تلزمك بأشياء قاسية لأن المسيحية جدية وتتطلب كل قلبك، كل وجودك. من هنا قوله: “فليكفر بنفسه” او ليزهد بنفسه متخليا عن أنانياته وشهواته كلها. هو لم يقل فليترك مالا او بيتا، فقد تتركهما وتبقى محور ذاتك. تضرب ميلا مؤذيا فيك الى ميل مؤذٍ آخر في حين ان المطلوب ان تضرب التمحور حول ذاتك لتتمحور حول المسيح، أن تتحرر من كل ما يعرقل سيرتك الى يسوع.

            “يحمل صليبه ويتبعني”. طبعا هنا ليس المقصود ان تتزين بصليب من خشب او ذهب او فضة في عنقك. النص اعمق من هذا. المبتغى ان تتحمل من يضايقك وتحسه نيرا عليك ويزعجك يوميا، وهذا قد يكون من الذين يعيشون في بيتك او هم زملاؤك في العمل وآخرون. حتى متى تتحملهم؟ يقول “يتبعني”. الى اين سار حتى تمشي وراءه. انه لقد سار حتى الصليب. انت تمشي وراءه حتى لو أحسست بأن هذا الخصم او ذاك (وقد يكون قريبا لك) انما يميتك معنويا او يريد ان يسحقك بمصالحك او يخل في حياتك العائلية. تصبر وتغفر حتى النهاية.

            ولهذا قال: “من اراد ان يخلص نفسه يهلكها” بمعنى انه يبذلها تضحيات وسهرا ويلقي على نفسه أثقالا كثيرة. خلاف ذلك فيه ربح للعالم، للعالم الخاطئ. لذا يتابع السيد: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. المال ربح كبير. الوجاهة كذلك. الكيد ايضا. في نظر اهل الدنيا ان عملت هذا انت فهيم. ولكن في نظر الروحانيين هذا هلاك للنفس، للذات العميقة التي تلتقي فيها المسيح.

            هذا يعني بالتأكيد ان تكون مصلوبا (ولو كانت صحتك جيدة). وهذا يعني ان تكون مصبا لآلام يسوع فيك وتاليا مطرحا لمجده. عند ذاك فقط لا تكون مستحييا بيسوع وبكلامه اذ تكون مؤديا للشهادة. ليس مَن تلا دستور الايمان يكون شاهدا للمسيح. انه لضروري ان يكون ايمانك موافق الدستور. ولكن في الأهمية نفسها ان تتشبه بالمسيح، ان تصبح ايقونته. وايقونته الكاملة هي ايقونة الصلب لأنها تعبر لنا عن محبته لنا وتقول ان هذا الصليب هو المكان الذي تمجد فيه الآب.

            لماذا الإصرار على الصليب؟ ذلك ان بعضا من الناس يريدون ان يتوبوا عن خطيئة واحدة فيهم وليس عن كل خطيئة، او يريدون ان يغفروا لبعض الناس لا لكلهم. المسيحية لا يمكن ان تتجزأ. انها عمارة كاملة. وانت تعتنقها كاملة. تضم اليك جميع الناس كما امتدت ذراعا المخلص الى أقاصي الأرض ليجمع الى نفسه كل المعذبين ويصعد بهم الى الآب. انت اذا تجردت عن اشتهاء هذه الدنيا تكون قد تسمرت على صليب المخلص وقدرت ان تحب البشر جميعا وتصعد بهم الى الآب.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

استعدادًا لعيد الصليب/ الأحد 7 أيلول 2003 / العدد 36

اليوم الذي نحن فيه هو الأحد الذي قبل عيد رفع الصليب. الرسالة والانجيل مليئان بمعنى العيد وبأعماقه. القول البارز في الرسالة الى اهل غلاطية هو: “اما انا فحاشى لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وانا صُلبتُ للعالم”. اننا اذا قبلنا خلاص المسيح يكون العالم بما فيه من شر مصلوبًا عندي، ملغى، ميتًا ولا شركة لي معه. كذلك أصير انا مصلوبًا عند العالم، اي يعتبرني أهل هذه الدنيا الأشرار والمرتكبون الشر على اني ميت، لا فهم لي ولا إحساس. الذين هم للمسيح قد يكونون يهودًا وقد يكونون من الأمم. لا فرق لأنهم بالمسيح يصبحون على انتماء جديد، يصيرون خليقة جديدة.

            ثم ينهي بولس رسالته الى اهل غلاطية بقوله: “اني حامل في جسدي سمات الرب يسوع”، والسمات او العلامات التي يشير اليها الرسول هي الآلام التي تكبدها ويصفها في رسالة اخرى ولعله يتكلم عن مكافحته للخطيئة.

            اما القراءة الثانية فاقطفنا لها فصلاً من إنجيل يوحنا، ويوحنا أفصح من تكلّم عن معنى موت السيد. يبدأ المقطع بالكلام على الآتي: صعود المسيح الى السماء (من بعد موت وقيامة) انما كان من بعد نزوله اي التجسد. وهو، مع كونه تجسد، بقي في أحضان الآب. الذي سكن أحشاء مريم كان في الوقت نفسه مالئًا الكون. ثم يتحدث عن رفع ابن البشر اي عن موته. ثم شبه الإنجيلي رفع المسيح على الخشبة الى رفع موسى الحية النحاسية على سارية في البرية “فكان اي انسان لدغته حية ونظر الى الحية النحاسية يحيا” (عدد 3: 9). الفكرة ان من ضربه الشيطان بالخطيئة انما يُشفى اذا نظر الى المصلوب، “لكي لا يهلك كل من يؤمن به” (اي لكي لا يهلك اي من يؤمن به بل تكون له الحياة الدائمة).

            بعد هذا تأتي الجملة المحورية: “هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”. هذه قمة المحبة الإلهية. بعد ان كان الله يفتقدنا بالأنبياء، افتقدنا الآن بذاته اذ أرسل ابنه الحبيب لكي يكشف لنا سر محبته بالموت. الإله يأتي بكل قدرته ومحبته القائمتين في الابن ويدخل بهما نطاق الموت فيدمر الموت من داخله. اذ عندما دخلت الحياة الإلهية الى ما هو ضدها طردت البشاعة الروحية وحلّ محلّها الجمال الروحي واستأصلت الشر من قلب الانسان لما عرف انه حبيب الله. هذا هو سرّ التوبة انك لن تعود تتكئ على صدر يسوع الا اذا عرفت انك حبيبه. واذا دخل الحب العالم لا تبقى علاقة المسيح بنا علاقة ديان بل علاقة مخلّص.

            المخلص تعني انه الذي يعتقنا – إن آمنّا به وارتضيناه سيدًا علينا – يعتقنا من الخطيئة. الفداء في لاهوتنا هو التحرير. لست انت بعد تحت وطأة الخطيئة وتكبيلها وعبوديتها. انت انسان جديد وهبك الرب موهبة التجدد بنعمته من بعد كل سقطة.

            لهذا اليقين ينبغي ان نتهيأ للعيد المقبل علينا الأحد القادم.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

حول الحياة الزوجية/ الأحد 31 آب 2003 / العدد 35

لست أعلم اذا ازدادت عندنا نسبة المطلّقين، ولكن ما من شك ان الفساد أخذ يدب في بعض العائلات والفساد الكبير يعرّض صاحبه الى الطلاق. وهذا مرتبط بأن بعضًا من شعبنا فقد إيمانه بالعفة الزوجية اي بالأمانة. أجل، كان الناس في البلدان الغربية يسقطون في كل أجيالهم، ولكن الإخلاص كان يراعى اجمالا عندنا قبل انتشار التلفيزيون وبعض المجلات المصورة والأزياء الفاحشة. وكان الناس يرتضون قلة المال ويتقشفون. ولكن دعونا لا نتغنّى بالماضي ونواجه احوالنا الحاضرة بروح الرب والصدق بين الزوجين حتى لا يحتال عليهما احد.

نحن لا نستطيع ان نسلّم بهذا القول الشائع: «انا اريد ان اطلّق لأني لست احب زوجتي». انت طلب المسيح اليك ان تحبها. جعل المحبة وصية وليس مجرّد اشتهاء. فالاشتهاء ينتهي او يضمحل، ولذلك ينبغي ان تعوّض عنه بتقوية الانتباه الى قرينتك وخدمتها. فكلما ازدادت الخدمة قويت المحبة. اما الجسد فكالعشب، ذلك الذي قال عنه اشعياء: «العشب ييبس وزهره يذوي».

قبل ان تُقْدِم على زواج ومنذ طفولتك ربِّ نفسك على المحبة وانك موقوف للآخرين وبنوع خاص انت موقوف لتعزيز امرأتك وهنائها واحترامها. الأمر الثاني الذي لا بد لك ان تؤمن به ان الفضائل التي علّمنا اياها يسوع هي تنميك وتقويّك وانك كلما اكتسبت قوة روحية تصبح اكثر فهمًا للحياة وأوسع عطاء ويشتد تواضعك ويتسع عطاؤك ويتعمق، وهذا من شأنه ان يبني حياتك الزوجية على الصخر.

قالت احدى الباحثات الفرنسيات بعد ان استعرضت ما نعتبره نحن المؤمنين انحرافا مثل المساكنة بين غير متزوجين ان مؤسسة الزواج باقية الى الأبد لأنها الإطار الوحيد الذي يحفظ الاولاد. استمرار العناية هو الذي يعطي الاولاد سلامة. يجب ان يروا حولهم ابا واما يحبونهم وذلك باستمرار. تفوّق الزواج على المساكنة الحرة هو ان هذه تزول ولا يبقى احد للعناية بالاولاد. اذا لم تتعهد انت طفلك بالسهر غير المنقطع عليه لا بد له ان يتشرد. الطفل هو الذي جعل العائلة تدوم.

صارت تجارب في العصر الحديث لتأتي بديلا عن العائلة. لينين قام بواحدة منها فألغى العائلة عند بدء الثورة البلشفية وسرعان ما اعادها لكونه لاحظ تشتت الاولاد. وما نختبره في العائلات المطلَّقة ان الولد يطوف بين والده ووالدته اي انه ليس عليه سهر دائم. وما هو اساسي ان الوالدين رافدان اي تصب مواهب كل واحد بحسب طبيعته في الطفل ثم في الولد. فاذا افترضنا ان الوالد له سلطة وهَيبة وكلاهما اساسي، وان المرأة لها حضور آخر ويتميز بالحنان، فهذه خصال ينبغي ان تجتمع وان تنسكب معا في كيان الطفل.

اما ان تكون هناك حالات مستعصية تعذُر طالبي الطلاق فهذه ليست القاعدة. القاعدة ان اولاد المطلَّقين يصيبهم في اكثر الأحوال اختلال نفسي وشعور بأن الأهل أهملوهم اي انهم غير محبوبين. وهذا يُحدث عندهم حزنًا كبيرا.

المهم ان الولد خلال بنوته لذويه يكتشف ان أباه الحقيقي هو الله. وهذا هو الذي يجعله سليما. ابوة الله تتلاشى رؤيتها عند الولد ان لم يشعر ان والده أب حقيقي طاهر معطاء وان امه شيء كهذا.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الأمانة الزوجية/ الأحد 24 آب 2003 / العدد 34

الزواج تهاجمه شياطين كثيرة. غير اني اود ان اتكلم الآن على شيطان الضجر. احدى صعوبات الزواج انه عليك ان تجدده كل يوم على اختلاف الحقبات الزمنية. في البدء تسير انت بزخم العشق واللهب -ما دام لا يحتاج إلى ما يؤججه- ولكن قد تقع بين الزوجين ازمة في السنة الثالثة او السابعة وقد يشك الانسان في ما اختاره عند بلوغ الأربعين كما يشك في قناعات اخرى. وقد يضجر بعد السابعة (في العاشرة او العشرين). ويغريه ان «يجدد شبابه» ويحيي قواه بعد ان يكون قد تعب من امرأة واحدة ولا سيما اذا وجد امامه لحما هشا او سمع تذمرا (المرأة بتنقّ) وهذا يتعب الرجل كثيرا اذا فقد فرحه بزوجته وان يضع حدا للأسباب التي تجعلها «تنقّ».

قلة نادرة جدا تستطيع ان تعيش على زخم الحب الاول. الحب بما يرافقه من جنس يتعب ويشيخ. وهذا صعب على الفتى ان يعرفه مسبقا فليس من عشق ابدي وليس للجنس قوة ابدية. كل شيء يسير الى الموت. اذًا يجب ان يعوض على العشق بشيء آخر. ولكن التعويض مستحيل إن بنى الشاب اختياره اصلا على الجمال فهذا يذبل وتوجد دائما نساء اجمل من زوجتك. ان كان الجنس قاهرا فيك لا مهرب لك من ان تسعى الى وجه يكون فيه الجنس اقوى. كذلك الفتاة اذا بنت زواجها على مركز الرجل او وجاهته وماله -وهذا كثير- فقد يفقد الرجل كل هذا وتضجر. كل زواجٍ مبنيٍّ فقط على العشق او فقط على المال مهددٌ آجلا ام عاجلا. نحتاج اذًا ليس الى زواج حب ولكن الى زواج حب معقول اي يتحكم فيه العقل.

واريد بذلك العقل المسيحي، ماذا يعني هذا؟ هذا يعني ان تفتش عند اختيار رفيقة حياتك الى فضائل فيها: الى الاستقامة والطهارة والصدق والعفة، وهي تسعى الى هذه الفضائل فيه ايضًا، الى قدرة عنده على العمل، الى جدية في العمل، والى مؤهلات للعمل. فاذا ذبل العشق او شاخ، تبقى الفضائل لأنها ليست متعلقة بالأعصاب ولا بالنضارة. وتبقى في مرض القرين او فقره. وهي تقاوم وحدها ذبول الجسد او الضعف الجنسي.

فعندما نسلم خاتما الى كل من العروسين نعني ان زواجهما قائم على الميثاق حتى اذا جربهما المجرب يذكران انهما مرتبطان بالعهد الذي قطعاه على نفسيهما يوم الإكليل. ولكن السؤال هو ما قوة الميثاق؟ كيف يثبت؟ جوابنا انه يثبت ليس بتذكره او احيائه بمجرد الإرادة. ارادة الأمانة لا تكفي لأن الأمانة تحتاج الى زخم يأتيها من المحبة التي وضعها المسيح. انت لا تجد ابا واحدا من آبائنا قال ان المحبة تنشأ من العشق. انها تجيء من فهمنا لكلمة بولس في رسالة الإكليل: «ايها الرجال أَحبوا نساءكم كما احب المسيحُ الكنيسةَ وأسلمَ نفسَه لأجلها» (أفسس 5: 29). المعنى انه على صورة موت المسيح لكنيسته العروس يبذل كل واحد من الزوجين نفسه للآخر حتى الموت. والمحبة تتغذى بالصلاة وقراءة الكلمة وخدمة الواحد للآخر وهي التي تدعم الميثاق وتجعله غالبا للضجر وللإغراء بحيث انك تبذل نفسك لشريكك اذا مرض او بلغ الكهولة او الشيخوخة. انت لا تعطي للآخر نفسك لشرط متوافر فيه. فالإخلاص غير مشروط بأي وضع في الصحة او الجمال او الجاه او المال. فكما ان المسيح مات للمؤمنين به وهم خطأة، انت تبذل نفسك للقرين وهو على ضعفاته وخطاياه. وقد تكثر خطاياه مع العمر. ولكنك تغض النظر عنها وتنظر فقط الى الوعد الذي قطعته على نفسك لإيمانك بأن المسيح قادر ان يطهر قرينك وان يعود به الى التوبة.

وقد تكون في هذا ماشيا في الصحراء وتلمس انك تنال القليل من الآخر. ولكنك مع ذلك تعطي حسب وصية يسوع: «مجانا أخذتم مجانا أعطوا». انت اقتبلت عروسك مجانا من الله وقد تلاحظ يوما بخلاف ما توقعت انها قليلة المواهب او انها خسرت بعضا من مواهبها. بهذا المعنى قد تسير فقيرا في حياتك العائلية، فقيرا من كل موهبة في الآخر ولكنك وعدت بأن تبذل المحبة بمعناها الإنجيلي. هذا وحده سر إخلاصك.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

والدة الإله/ الأحد 17 آب 2003 / العدد 33

في الخامس عشر من آب أقمنا عيد رقادها اي اننا نعترف بأنها ماتت. غير اننا اذا تابعنا خدمة العيد (غروبا وسحرا) نعثر على كلمة انتقال. انها انتقلت “الى الحياة بما انها ام الحياة”. هذا ما هو في عباداتنا وتركناه إنشادا وصلاة ولم يُحوِّله مجمع مسكوني او محلي الى عقيدة وقد فعلت ذلك كنيسة روما في منتصف القرن العشرين. ايقونة الرقاد تظهر والدة الإله مسجاة وحولها الرسل والى جانب سريرها السيد واقفا ويحمل روحها مصورة بشكل طفلة مُقَمَطة.

         الفكرة السائدة في كنيستنا ان والدة الإله قائمة في المجد الإلهي بمعنى انها لن تَمثُلَ أمام الديان الإلهي ولا تنتظر الغبطة الكاملة كما ينتظرها القديسون أنفسهم بعد القيامة. وتُطَبِق عليها الكنيسة كلام داود: “قامت الملكة عن يمينك موشحة ومزينة بثوب مذهب”. انها عن يمين ابنها الملك اي انه رمى عليها وشاح كرامته.

         ولكونها تستمد كرامتها منه هي لا تريد ان نَذكَرَها دون ان نَذكُرَه. ان المبالغة في ذكرها في ادعيتنا الخاصة دون ان يبقى لنا دعاء واحد للسيد إنما هو خطر         روحي. ولذلك لا نراها في كنائسنا مُصوَّرة وحدها. على الايقونسطاس وجدران معابدنا تحمل دائما الطفل الإلهي وكأنها تقول: انا ما وُجدت الا لأحمله اليكم فاذا خاطبتموني انا أدلكم عليه. لذلك تُنعت السيدة الحاملة الطفل على ذراعها بالـ “اوذيغتريا” اي المرشدة والمعنى انها ترشدنا اليه. ويدها اليمنى تشير اليه.

         كيف نفهم تعظيمنا للعذراء؟ هي قالت عند لقائها أليصابات أم يوحنا المعمدان: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال”. ولكن هذه الآية تأتي من بعد “تعظّم نفسي للرب”، ومن بعد “لأنه نظر الى تواضع أمته”. إذًا تواضعها هو الذي نعظمه. وما يؤكد هذا انها بعد ان سمعت سلام جبرائيل لها ودعوة الرب لها انها ستكون ام السيد قالت: “ها انا أمة (اي عبدة) للرب”. كِبَرُها من كونها رأت نفسها في حالة الطاعة لله.

         ماذا تعني طاعتها الى جانب قبول تفويضها بالأمومة للرب يسوع؟ الإنجيل يقول انها كانت “تحفظ جميع هذه الأمور (اي المتعلقة بيسوع) في قلبها” (راجع لوقا 2 :51). في موضع آخر فيما كان السيد يتكلم “رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما. اما هو فقال بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه” (لوقا 11: 27 و28).

         لا ينكر هنا السيد ان مريم مُطوَّبة لكونها حملته. ولكنه أراد ان يركز على اننا جميعا نحمله اذا حفظنا كلامه ولوقا الذي كتب هذا انما هو القائل في ما سبق وقلناه ان والدة الإله كانت “تحفظ جميع هذه الأمور”.

         الى هذا لنا عبرة من عرس قانا الجليل. ففي البدء قالت له عن المدعوين الى العرس: “ليس عندهم خمر”. فقال لها يسوع “ما لي ولك يا امرأة. لم تأتِ ساعتي بعد” اي ما شأننا نحن بناس يشربون الخمر. وقت اعجوبة اظهر فيها مجدي لم يأتِ. بعد ذلك حوّل الماء الى خمر اي انه انصاع لما طلبته. فقال الكتاب: “هذه بداية الآيات صنعها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده”. هي كانت الدافعة الى كشف قوة يسوع.

         ولعل اهم ما قاله السيد بشأنها لما كان معلقا على الصليب هو ما قاله لها فيما كانت واقفة هناك الى جانب التلميذ الحبيب: “يا امرأة هوذا ابنك”. التقليد الكنسي يقول ان هذا التلميذ هو يوحنا كاتب الإنجيل الرابع. غير ان الكاتب لا يسمي نفسه. وآباؤنا قالوا انه صورة عن كل تلميذ حبيب. مريم اذًا أمّ لكل من أحبه يسوع. انها حاضن لكل واحد منا. ولهذا يحق لنا ان نسميها في صلواتنا: “عروس الله”. هي الحبيبة الاولى. ولذلك يصغي الله اليها.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

التجلي/ الأحد 10 آب 2003 / العدد 32

“هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ” كلمة الرب هذه قيلت اولا في معمودية السيد، وقيلت على جبل التجلي لتعني الشيء نفسه. فمعمودية الأردن كانت في الأداء الرمزي صورة عن موت المسيح (نزوله الى الماء كما الى قبره) وصورة عن القيامة بخروجه من الماء. اما على ثابور امام مشهد النور الساطع فقد يظن المرء ان هذا كان استباقا للقيامة وحدها. غير ان السيد قبل التجلي وبعده انبأ بموته وقيامته ولم يفك هذه عن ذاك. الفصح عملية متكاملة يتضمن الموت والانبعاث من الموت. وسحابة المجد التي ظللت السيد والنبيين الياس وموسى تشير الى المجد اي الى قوة المعلم. فهو تمجد على الصليب كما يعلّم يوحنا وتمجد في القيامة ايضا. “الآن تَمجَّدَ ابن الانسان وتمجد الله فيه” تدل على مجد له نهائي في الصليب. وجاءت القيامة كشافة لهذا المجد. وكل من تابع عباداتنا في الأسبوع العظيم يعرف اننا دائما نتقلب بين الجلجلة وقبر السيد لندل على المجد الواحد والظفر الواحد.

          والمعنى الألمي للتجلي يبدو ايضا من كون موسى والياس كَلّما المخلّص على خروجه من اورشليم أي عن موته اولا. وجرى الحديث فيما كان النور الإلهي يلفهما مع المعلم.

          ماذا حدث؟ قبل كل شيء التغيير الذي حدث على وجه السيد وعلى ثيابه لم يأته من الخارج. هذا ليس نورا حسيا، ليس ضياء الشمس. هو نور الألوهة المستقرة فيه. هذه أخفى يسوع نورها في ذاته حتى يتمكن من الاتصال بالبشر اتصالا طبيعيا، حتى يأخذ شكل العبد ويتواضع الى الحالة التي هم عليها. لو كان يبهرهم بنور وضّاء باستمرار لما أحسوا انه واحد منهم. كان إخفاء نوره فيه اساسيًا لإتمام الرسالة.

          لم يتغير شيء اذًا في كيان السيد. انه كشف النور عن نفسه من اجل التلاميذ. انهم هم عاينوا مجده بعيون وقلوب صارت تبصر بالنعمة التي منّ بها عليهم. هم الذين انتقلوا الى رؤية النور غير المخلوق. هم الذين تجلوا وانقطع النور عنهم بعد ان انتهت الرؤية وعادوا مع المعلم الى الحياة الطبيعية.

          هذا النور الإلهي ينزل احيانا على القديسين هنا قبل انتقالهم الى الملكوت. وعندنا سيرة غير واحد سطع عليه نور المسيح الذي يبدو محسوسًا ولكنه ليس بمحسوس. هؤلاء الأبرار يستبِقون مجد الملكوت بمعنى ان المجد هبط عليهم ولو لزمان قصير او بصورة متقطعة. القديسون الارثوذكسيون نورانيون ليس فقط بمعنى ان قلوبهم مطهرة ولكن بمعنى الظهور الإلهي عليهم. ولا نجد في العالم الارثوذكسي ظاهرة قديسين عليهم جراح او مظاهر أخرى.

          الشيء الأخير هو ان الرب يسوع تجلى فيما كان يصلي حسبما ورد في انجيل لوقا. ينعكس هذا فينا فتصير طريق الدعاء الفردي او صلاة الجماعة هي ظرف لنزول النعمة علينا. الله اذا سكن قلبك آبا وابنا وروحا قدوسا هو الذي يأتيك بالاستنارة فتتحرر من ظلمة خطاياك، واذا تكثف في ذهنك نوره يصير قلبك مثل قلب الله. يكون هذا تجليك.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

دعوا الأطفال يأتون إليّ/ الأحد 3 آب 2003 / العدد 31

“وأتوه بأطفال ليضع يده عليهم ويصلّي، فانتهرهم التلاميذ. فقال يسوع: “دعوا الأطفال، لا تمنعوهم أن يأتوا إليّ، لأن لأمثال هؤلاء ملكوت السماوات”. ثم وضع يديه عليهم ومضى في طريقه”(متى 19: 13-15).

         لم يكن العالم القديم يقيم وزنا للطفل. كان عليه فقط ان يستمع ويؤدبه ذووه بالضرب. وأهون وسائل التأديب الزجر وهذا ما فعله التلاميذ. يغير يسوع التعامل. يضع يده على رأسهم. لذلك طلب أن يقدمهم ذووهم اليه ولا شك انه صلى من أجلهم. اليوم نرعى أطفالنا، نطعمهم على قواعد العلم ونعنى بهم عناية فائقة. ولكن هل ندنيهم من يسوع؟

         الكنيسة تعمدهم أي تؤمن بأنهم باتوا أعضاء في جسد المسيح ولكي تكتمل هذه العضوية تناولهم جسد الرب ودمه. غير ان اقتراب الطفل من السيد يتحقق من اليوم الأول إن أنت رسمت عليه إشارة الصليب مرة أو مرات في اليوم لأن الصليب يحتضنه آنذاك. ومنذ قدرته على تحريك يمناه تدربه على أن يقوم هو بهذه الإشارة على نفسه. والأهم أن تصطحبه إلى الكنيسة يوم الأحد فإنه يكتسب من الأناشيد وحركات الكاهن والأيقونات أكثر مما تظن. وإذا نما بضع سنوات فمن المهم أن يخدم في الهيكل. هذه الأمور الملموسة تسهل له أن يقتبس من الرب الإيمان بصورة يزداد بها وعيًا. في الكنيسة التشرب يلعب دورا كبيرا. ويفهم الولد على طريقته أكثر مما تظنون. للولد فهم خاص به، مرتبط بعمره ويستطيع في الثالثة والرابعة والخامسة أن يستوعب الكثير من الإيمان. ولكن عليك ان تعرف أسلوب التكلم معه. هنا أصر إصرارا كبيرا على أن يعرف ما تيسر من الكتاب المقدس. في مرحلة أولى تحكي له الكثير مما جاء في العهدين. ولكن سرعان ما يتمكن من قراءة العربية اجعله يقرأ مقتطفات من الكتاب. فالقصص التوراتي يمكن قراءته وبعض المزامير أيضًا والكثير من العهد الجديد. قبل العاشرة له أن يصبح أليف بعض النصوص وإذا كان نبيهًا أن يقرأ فيما بعد الكثير بما في ذلك رسائل بولس. أنا أعرف إنسانًا عاش رسائل بولس وهو في الثانية عشرة من عمره.

         هذا يمشي مع التهذيب الكامل. كيف ينمو ولدك في المسيح وانت تغنجه عن طريق تعليمه المسبات؟ ليس من نمو سليم للطفل ان انت شتمت أمه أو كنت قاسيا عليها أو ضربتها أمامه. وفي الأهمية نفسها ألا تغادر البيت وولدك فيه. عطشه إليك وإلى أمه يحدث في نفسه حزنا وإحباطا إذ يحس بأنه مهجور. هذه المتروكية من أسوأ ما يصيب الطفل. هذا يقودنا إلى أن السهرات خارج المنزل يجب ان تبطل كليا إذا كان عندك صغار، فليس صحيحا ان الولد إذا بلغ مثلا 12 سنة يستطيع أن يتولى أمر أخيه إن بقي ساهرا.

         الصغير يمكن ان ينام في حراسة خادمة أو حاضن للأولاد مأجور. ولكن الولد الواعي يحس بترك أهله له ويحس بأنهم أنانيون. الأبوة والأمومة تعهد صبور طويل. ومن لا يحتمل تكاليفها وأهمها الحضور ما كان عليه ان يتزوج.

         عَلّم ولدك الصلاة كما هي في كتبنا وليحفظها غيبا قبل أن يفهم. إلى جانب ذلك من المفيد ان يرفع أدعية باللغة العامية مثل: يارب احفظ البابا والماما وأختي وما إلى ذلك. ولكن هذا لا يغني في مرحلة متقدمة عن الصلاة القانونية (قدوس الله، أبانا وما إلى ذلك).

         دربه على الأيقونة ومحبتها وفسرها له في حدود معرفتك أي شد نفسك أنت إلى المعرفة. الأرثوذكسية تحب الأشياء الملموسة لأنها فهمت التربية. من طرق شتى ينبغي أن يأتي الطفل إلى يسوع.

Continue reading