Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

1994, مقالات, نشرة رعيتي

الأكثرية والأقلية /الأحد 19 حزيران 1994 /العدد 25

هناك من يحب ان ينوجد في عيون الناس، في تعزيزهم له والقلة تسعى ان تنوجد في عيني الرب وفي رضاه. هناك من يلح على ان يحترمه الناس في ما يظهر، في ما ينفق وهناك من يسعى الى ان يحترم هو الناس في تهذيبه وانتباهه اليهم وخدمة لهم لا يبغي منها اجرا ولا شكورا. هناك من يصدم ومن يجرح ويتعالى ويفرض جاهه وسلطانه وهناك من يتوارى حتى يعبر غضب الرب ويحمل الآخرين في دعائه عندما يلاحظ انه لا يستطيع النصح. هناك من يعطي عاطفة وهناك من يطلب عاطفة ويعاتب ويقاطع ويعاقب اذا ظن في الآخرين تقصيرا.

من الناس من ينوجد اذا نسوه واكثرهم ينوجد اذا وقروه ومدحوه والتفوا حوله. بعضهم يخاف الله واكثرهم يخيف. بعضهم يمارس سلطان الحب واكثرهم يمارس سلطان القوة. بعضهم غني بفقره واكثرهم فقير بغناه. بعضهم يحس ان اختفاءه اقتراب من الله واكثرهم يحس ان ظهوره يمكنه من الوجود.

من الناس من يأكل كثيرا ويشرب خشية من الموت، والقليل لا يأكل ولا يشرب خوفا من الله. قلة تصلي لايمانها بالخلاص واكثرهم لا يصلي حقيقة وعميقا لاكتفائه بذاته. قلة ترى الجمال في كل مكان والأكثرون يرون القباحة عميمة. اكثرهم يكشف عورات الناس هربا من رؤية عوراته وقلة تستر العورات لأنها تعرف نفسها مفضوحة عند الرب. القلة عفيفة اللسان خوفا من النميمة واكثرهم ينم لأنه لا يريد إصلاح نفسه. اكثرهم يغضب لأنه لا يحب والقلة صامتة اذا أحبت. والغضوب لا سلام فيه والوديع تنقّت نفسه. هناك من يعيش بثورة عارمة يظن فيها انه يثبت حقوقه وهناك من يعيش بلطف دائم لاعتقاده ان اللطف يشفي النفس ويشفي الآخرين من توتر اعصابهم.

الأكثرية تفلش نفسها اذ ليس عندها عمق والعميقون يصمتون سعيا منهم الى التوبة. الأكثرية تغري لتتسلط والقلة تعف التماسا للرضا الإلهي. الأكثرية تريد ان يتحلق القوم حولها والقلة تهرب من المجد. الكثيرون ينظمون الموائد السخية ليقال عنهم انهم كرماء والقلة قليلة الولائم لأنها تكره الانتفاخ. الكثيرون يحسبون ان البذخ يعلي من شأنهم ومن لا يبذخ يوفر ماله للمحتاجين. الكثرة تعطي لتُعرف والقلة تعطي ليعرفها الله.

الكثيرون يناقشون ليقال عنهم اذكياء والأذكياء الحقيقيون يجادلون قليلا. الكثيرون يبسطون معارفهم ليقال عنهم انهم يقرأون ومن يعرف كثيرا ادنى الى الحشمة من الكلام.

الأكثرون يفتخرون بعائلاتهم والقول انها عريقة والقليل يعرف فضل الله عليه وعلى عائلته. الأكثرون يتحزبون لعيالهم لأنهم يتحزبون لأنفسهم والقلة تقول ان نسبها وضيع. معظم الناس قبائل ولها حزازات القبائل والقلة تلتمس اللطف الإلهي. الأكثرون يريدون علو مقام في الدنيا والقلة ترجو الصفح الإلهي لتنوجد في الملكوت فقط. الأكثرية مسطحة والأقلية عميقة. الأكثرية تحيا بالوهم والقلة تطلب الراهن. معظم الناس يحركها وهج دنياها والقلة تطلب وهجا في السماء. الأكثرية أجساد والقلة وجوه. الأكثرية تغتذي من الشهوة والقلة تغتذي من التقشف. الأكثرية تافهة والقلة تعيش في عالم المعاني. الأكثرية من الدنيا والقلة من الله.

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

الأسبوع السادس من الصوم /الاحد 24 نيسان 1994 /العدد 17

هذا الأسبوع الأخير من الصوم نستعد فيه لأحداث ثلاثة: سبت العازر وأحد الشعانين والأسبوع العظيم. نستبق هذا الأسبوع المقدس بذكر العازر وصعود المسيح الى اورشليم بعد إقامته صديقه. يمرض العازر الثلاثاء. اختاه تبعثان برسل الى المعلم الثلاثاء. يموت الرجل الاربعاء. عرف المعلم ذلك ليس برسل آخرين ولكن بسبب من علمه الإلهي ويتقدم الرب الى بيت عنيا والقوم حزانى. السبت يقام الميت “الذي أنتن”. يدمع الرب ولكنه يقيم بصوته صديقه.

تأخذ العبادة الحدث وتفهمه هكذا: “ايها المسيح الإله لما أقمت العازر من بين الأموات قبل آلامك حققت القيامة العامة”. اذا كانت إقامة هذا الرجل ممكنة صارت إقامتنا معقولة. ولكن الترتيل يقول شيئا آخر: “قد سبقت يا مخلصي فحققت قيامتك المجيدة لما اعتقت من الجحيم لعازر” اي هيأت بالأعجوبة صورة عن قيامتك. الفرق ان لعازر قام بجسد عادي ثم مات في حينه واما المسيح فقد قام بجسد نوراني غير قابل الموت.

ثم اتخذت الكنيسة حدث بيت عنيا وذكرتنا انه علينا بالصيام ان نترك “صداقة الجسد” لنصير أصدقاء المسيح. “نحن كنا راقدين رقاد اللذات وقلبنا تخترقه سهام الشياطين. نحن كنا في قبر الكسل وعدم الإحساس، المغلق بباب اليأس. الرسل الذين بعثت بهم اختا العازر هما العمل والتأمل اللذان يحييان العقل الراقد في القبر كالعازر آخر”. وهكذا يمكن ان نرى انفسنا قائمين بالتوبة والتقشف.

ثم يأتي احد الشعانين الذي نرتل فيه الطروبارية نفسها التي رتلناها في سبت العازر كأن هذين العيدين عيد واحد ويظهران المسيح الواحد، يظهران ألوهيته في إقامة صديقه وناسوته في ركب الجحش. فاذا طفنا بسعف النخل يوم الأحد نصوّر صعودنا مع المسيح الى اورشليم. يا ليت البالغين وليس فقط الأطفال يحملون الشموع المزينة بالزهور. سعف النخل وأغصان الزيتون هي لقاؤنا مع المسيح بالفضائل التي نلناها في الصوم. واذا لم نحصل على اية فضيلة في الصيام نكون قضيناه فقط كأنه حمية طعامية.

ينتهي الصوم الأربعيني يوم الجمعة مساء من الأسبوع السادس. بين سبت العازر وسبت النور نحن في صوم آخر. ننتقل من صوم نسكي الى صوم مركّز على سر الشكر، على جسد المسيح ودمه. نحن في انتظار العريس. نرجو الى الله ان يؤهلنا لرؤية آلامه.

ثم يأتي أحد الشعانين. في فلسطين كان النساك يعودون الى اديرتهم بعد ان يكونوا قضوا الأربعين في البرية. العلمانيون لهم ايضا بريتهم في النفس. هكذا يتوحد العالم كله برجوع كل واحد منا الى قلبه الذي هو المسيح. نمشي لمقابلة السيد حاملين الصليب وممجدين الرب بالفضائل حتى يأتي يوم الدينونة الذي نجتمع فيه في حضرة المسيح الأخيرة.

هكذا يحل الأسبوع العظيم. نذكر فيه آلام الرب تاريخيا ونحققها في الخدمة الإلهية ونجعلها دربا الى الحياة الأبدية.

قد نكون قضينا الصوم كله بتهاون لا نبالي بالعمق الروحي الذي كان لنا في الصوم. ممكن “نلحق حالنا” في الاسبوع العظيم. فلنمسك، اذ ذاك، عن الزفر ونجمع حواسنا وفكرنا في المصلوب ولنشارك في الصلوات المسائية. واذا تبنا حقيقة ندنو من جسد الرب لنصبح بشرا جددا حتى لا يداهمنا العيد عن غير استحقاق اذ كيف تنشد شفاهنا والقلب لا ينشد؟ المسيح قام ما في ذلك ريب. ولكن كيف نستفيد نحن من فصحه ان لم نشدد عزائمنا لنقوم معه؟

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

التقمص/ الأحد 17 نيسان 1994/ العدد 16

فكرة التقمص نجدها في مصر القديمة واليونان عند فيِثاغوراس والهند وافريقيا وبالإجمال حيث الخلود هو ببقاء النفس وفناء الجسد. تعبر النفس او الروح الى حيوان او انسان في العائلة نفسها في بعض الحضارات. عند افلاطون تقوم الفكرة على ان النفس تتطهر وتخلد إذا مرّت بأجساد متتالية حتى تنعتق من الجسد اخيرا فتصل الى المنطقة السماوية التي جاءت منها في البدء.

سمعت بضعة من الناس ينسبون هذه العقيدة الى الإنجيل حيث يقول السيد عن يوحنا المعمدان انه يسير امام الرب “بروح ايليا وقوته” (لوقا 1: 17). الحق ان الرب يسوع شبه المعمدان عدة مرات بإيليا بمعنى ان سلوك يوحنا ونهجه وشجاعته وأخلاقه جعلته على مثال ايليا. ففي فترة العهد الجديد لم يكن اليهود يعتقدون اطلاقا بالتقمص.

المسيحية تؤمن ان النفس البشرية والجسد كيان واحد وان هذا الكيان الانساني الكامل ينبعث في اليوم الأخير وتؤمن ان الانسان يتطهر بالتوبة في لحظة. فعندما قال يسوع للص اليمين: “اليوم تكون معي في الفردوس” أبان ان هذا الرجل الخاطئ خلص بتوبته ولم يكن في حاجة الى ان ينتقل من جسد الى جسد. فرحمة الرب كافية لتجعل كلاً منا انسانا جديدا وذلك دفعة واحدة.

نحن نؤمن بقيامة المخلص وهي كافية لإعطاء كل منا القيامة في اليوم الأخير. ذلك ان الجسد ليس قميصا نرميه عند الموت لنعبر منه الى جسد آخر. جسدنا ليس شيئا يضاف عندنا على الروح. ما هو بشيء نملكه. جسدي هو أنا كما ان روحي هي انا. والرب يحييهما كليهما. بنعمة الرب والفداء يجعل الرب لكل منا استمرارا ما وبكلام ابسط يحيي الروح بعد سقوطها بالخطيئة ويعيد الجسد اليها باليوم الأخير. ذلك ان ليس لأحد منا روح مجردة. انها روح ملازمة لجسد وهذا يبعثه الله في اليوم الأخير مجيدا، حرا ويقيمه في المجد.

نحن نؤمن بأن من تناول جسد الرب ودمه لا يمكن ان يفنى الى الأبد. لذلك قال السيد: “ان كل من رأى الابن وآمن به كانت له الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يوحنا 4: 40) أي اني أبعث هذا الكيان البشري كله، هذا الذي لم يتجزأ ولم يتبعثر الا إلى حين، ولم يقل اني اقيم روحه ولكن اقيمه هو. “من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يوحنا 6: 54).

يؤكد بولس هذا التعليم ويؤسس قيامتنا على قيامة المخلص ولذا يقول: “فإذا كان الأموات لا يقومون، فالمسيح لم يقم أيضا” (1كورنثوس 15: 16). ويوضح المعنى نفسه بقوله: “ان المسيح قد قام من بين الأموات وهو بكر الراقدين” (1كورنثوس 15 :20). وبعد هذا يوضح الرسول كيفية القيامة إذ يقول: “يكون زرع الجسم بفساد والقيامة بغير فساد … يزرع جسم بشري فيقوم جسما روحيا اي محيًى بالروح القدس. يقول بعد هذا ان الفاسد (أي الإنسان الفاسد) يلبس عدم الفساد. لا يقول النفس الفاسدة ولكنه قال ان الكائن الفاسد (أي النفس والجسد معًا) يلبس عدم الفساد.

نحن لا نؤمن بثنائية الروح والجسد ولكن نؤمن بوحدتهما. الوحدة قائمة في رعاية الله عند موتنا. هي لا تبدو ويبديها الله في اليوم الأخير. ان انتظارنا للقيامة يجعلنا نقدس مدفنا للمسيحيين ولا نهتك حرمة الأجساد ولا نحرقها والانسان عندنا قادر ان يدنس جسده او ان يقدسه بالأسرار الإلهية. ونحن نؤمن ان القرابين الإلهية تعطى “لصحتي النفس والجسد”. نؤمن ان الجسد هو لله وانه هيكل الروح القدس وان المسيح تجلى بجسده وان اتباعه يمكن ان يتجلوا بأجسادهم ويسطع في القديسين نور غير مخلوق.

كل هذا يجعلنا نعتقد ان التقمص ينافي المسيحية بصورة اساسية.

Continue reading
1994, مقالات, نشرة رعيتي

الرشوة/ الأحد 9 كانون الثاني 1994/ العدد 2

ان القوانين المقدسة صارمة جدا بحق الذي يشتري رسامته بالمال «جاعلا من النعمة التي لا تباع سلعة للمتاجرة فيُرسم اسقفا او خوراسقفا او قسا او شماسا … فالذي يثبت عليه انه قام بمثل هذه الرسامة او التعيين يجرَّد من وظيفته. واما الذي يُرسم او يُعيّن بهذه الصورة فلا يحق له التمتع بدرجته او وظيفته بل بالعكس يُعزل منها لحصوله عليها بالمال» (القانون 2 من مجمع خلقيدونية السنة 451).

القاعدة الأخلاقية ان الانسان لا يحصل على وظيفة الا اذا كان مستحقا لها. والقاعدة الثانية ان من كان في وظيفته يقوم بها ويكتفي براتبه. واما من كان راتبه ضئيلا فهو في عهدة المجتمع ككل وفي عهدة المحسنين ولا يشترط للقيام بوظيفته على احد مبلغا من المال لأن إداء الوظيفة واجب نابع من خدمة المواطنين الذين لهم حق على اصحاب الوظائف ولا يجوز تعطيل هذا الحق. من قَبِل مسؤولية في الدولة -صغيرة كانت ام كبيرة- يجعل نفسه خادما للكل ولا سيما للفقراء الذين لا يجوز ابتزازهم او التغاضي عن مصالحهم.

كل خدمة مجانية والمجتمع السياسي كفيل بإعاشة من جعلهم في خدمته. قد تكون الدولة مقصرة ولا سيما في الضائقات. هذا الوضع يتطلب منها جهادا لرفع الرواتب او للجم رفع الأسعار. المجتمع يقوم على العدالة ومنها إنصاف الذين جعلناهم في المسؤولية. لقد عرفنا قبل هذه الحرب قضاة عاشوا بالفقر وماتوا ولم يتركوا شيئا. وعرفت الانسانية قديما حكاما كبارا ماتوا ولم يورثوا عائلاتهم شيئا. عظماء في الكنيسة وفي الدنيا عاشوا في تقشف رهيب ولم يتدنسوا بمال حرام.

اذا واجهت موظفا يتقاعس دون ان يلبي لك طلبا مشروعا فيجب ان تلح عليه او على رئيسه ليؤدي الواجب. لا مانع ان تنتظر ولكن لا تلطخ يديك بالخطيئة. ليس اسوأ من الموظف الكبير او الصغير من اتكالُه على الهدايا لأن الهدية تضعف إرادة المسؤول الذي يتقبلها وتجره الى القيام بعمل غير مشروع. فالعمل الذي ينهى عنه القانون في اي حقل من حقول الحياة المجتمعية لم يُمنع الا لأنه يؤذي احد المواطنين. فالموظف الذي يتساهل بعمل غير قانوني يعرف انه يضر احد الناس او يضرالدولة التي تمثل المجتمع في جملته.

القاضي الذي يرجو هدية او يلوح له بها يصدر بالضرورة حكما يظلم فيه طرفا من الطرفين المتقاضيين. والطبيب الذي يعطي تقريرا كاذبا انما يؤذي المؤسسة التي ينتمي اليها المتمارض ومن اعطى إفادة كاذبة يؤذي بالأقل نفسه لأنه يقزمها ويصير جبانا ولا يعلم الناس الصدق.

الوزير او النائب او السياسي بعامة اذا ارتشى فليس يحب وطنه لأنه يقول ما أرادوه ان يقوله ويسكت عن قانون مجحف او عن موقف سياسي ظالم. ان من اشتهى المال يذهب الى حد الخيانة الكبرى.

من يدافع عن المظلوم اذا زالت العفة؟ من يحمي الوطن من التعديات ان لم تقم جماعات من الناس طاهرة لا يغريها مال؟ من يقول في الكنيسة نريد اسقفا صالحا طاهرا، معلما كبيرا اذا تفشت الرشوة عند من لهم حق الربط والعقد. اي ارثوذكسي يضمن سلامة عائلته اذا كان القضاة الروحيون يضعفون امام الهدايا؟ كيف يفحص القاضي دعوى فحصا دقيقا بموجب القوانين اذا وعده احد المتقاضيين بمال؟

ان «محبة المال اصل كل الشرور» كما يعلمنا بولس. هي خراب للمجتمع والكنيسة والدولة والضمير. اذا انت تنزهت فبإمكانك ان تجعل المسؤولين يميلون الى النزاهة. لبنان لن يقوم الا بالطاهرين. اللبنانيون لن يكونوا على شيء الا اذا تعلّموا ان هناك اشياء لا يجوز عملها واشياء «ما لها دبّار». الحق الذي نلح عليه في كل مسؤولية هو الله نفسه.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

التوبيخ / الأحد 5 أيلول 1993/ العدد 36

من الخطايا االشائعة عندنا سؤ الظن. كيف نرتكبها «والله فاحص القلوب والكلى بعدل» (مزمور 7: 9). من وقت الى آخر يسألني واحد سمع وعظي: «لماذا قصدتني»؟ جوابي اني لم اقصد احدا. الكلمة الإلهية هي فحصتك وهذا خير. العلاقة بين الناس تقوم على الثقة اصلا، على بساطة المسيح كما يسميها بولس. ألم يقل الكتاب: «لا تحكموا حسب الظاهر» (يوحنا 7: 24). لا احد يدخل حقيقة الى قلب الآخر. انت لك ما تسمع وما عليك التأويل. «والله يدين سرائر الناس» (رومية 2: 16). اجل، يمكن ان يضللنا ظاهر الكلام. لنا ان نحلل وان ندرس دوافع التصرف عند الآخرين ولكن انى لنا ان نعرف النيات؟ الله وحده يكشف قلوب الناس في اليوم الأخير. ان من شك بالنيات ينتحل صفة الديان التي حصرها الله بنفسه.

ان من رمى الناس في الجحيم يرمي نفسه في الجحيم، يقع في الخطيئة التي ينسبها الى الآخرين. لك انت ان تفحص قلبك وانت تراه تحت حكم الله. انشغل بنفسك ولا تشغل نفسك بالآخرين. غض الطرف عن معاصي الناس وسلمهم الى الله اي خذهم بدعائك. هذا ينفعك وينفعهم. لا تكن قاسيا لئلا تجلب عليك غضب الله.

«ان وقع احد في فخ الخطيئة، فأصلحوه انتم الروحيين بروح الوداعة. وحذار انت من نفسك لئلا تجرَّب انت ايضًا» (غلاطية 6: 1). الوداعة لها وحدها حظ في تقويم الآخرين. ماذا يقول بولس بعد هذا؟ يقول: «ليحمل بعضكم أثقال بعض وأتموا هكذا العمل بشريعة المسيح» اي احتمل بصبر خطايا الناس لأنك بهذا وحده تعطيهم فرصة ليصلحوا انفسهم.

فتش عن ان يصلحك الناس. اقبل النصيحة ولا تنجرح. لا تقل لأحد: «لماذا وبختني امام الناس؟» من انت لتكون فوق اللوم؟ لا تنفعل اذا اراد احد الإخوة تقويمك ولو اضطر ان يقول هذا بحضرة آخرين. اذا كان لائمك على حق فاقبل ما يقول لأن الحقيقة تنجيك. لا تسأل عن نية لائمك. ربما كان يحبك ويريدك في الخير. اذا كان منصفا لا ترفض النصيحة مهما قسا عليك. قد يكون شديد اللهجة. ليس كل انسان طريئا. اللهجة ليست مهمة. الأهمية في القول الصادق العادل.

لا تعتبر نفسك فوق الحق. هنا ايضا يقول الرسول: «ان ظن احد انه شيء، مع انه ليس بشيء فقد خدع نفسه». الحق يمكن ان يأتيك من صغير. الحكمة قد تهبط عليك من افواه المجانين. تقبل النصيحة بكل تواضع لأن المهم ان تعلو، ان تتنزه عن الشر. كن شاكرا لمن وبخك. لا تحزن لأن الموبخ قد يكون رسول الله اليك. «علّم الصديق فيزداد قبولا» (امثال 9: 9).

اختر ابا روحيا او صديقا ليكشف لك سيئاتك. هكذا يفعل من يحبك فإن حبيبك يريدك على اعلى مستوى من الخير. غيرك يستطيع ان يكون موضوعيا في فحصك. وانت اذا اخطأت تكون انفعاليا. صديقك او ابوك الروحي يجردك من اوهامك. اما انت فخطاياك تزجك في بحر من الاوهام. خطيئتك تعمي بصيرتك. اما الصديق الروحي فيعرف كيف يجب ان تتوجه.

اختر لك من يربيك. كل انسان مهما ظن انه سلك في طريق البر يحتاج الى من يربيه مهما بلغ من العمر. وان لم تجد مرشدا فاجعل كتاب الله لك مرشدا. سلطه على اعمالك واعمال قلبك حتى يصير قلبك موافقا لكلمة الله. فاذا قدرت ان يمحصك الكتاب كما تمحص النار المعادن تصير بلا لوم. ليس احد منا تائبا بالعمق الذي يريده الله منا. لذلك جرد نفسك من الأقنعة. اعرضها للنور بلا خوف. فاذا لم تقبل توبيخ الكلمة الإلهية تكون محبا لخطاياك. حب الخطيئة موت والتجرد عنها قيامة من بين الأموات.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

هذا الصيف/ الاحد 1 آب 1993 / العدد31

هذا الصيف وغيره موسم الانفلاش. الكثيرون يعتبرون الصيف حقبة من السنة لا يخضعون فيها لانضباط. لا يرى بعض ان القداس اساسي. يحتجون بأن نزهة في الجبل تعفيهم من لقاء الرب في الذبيحة وان ارتياد البحر يأخذ منهم كل النهار. لعلهم لم يقرأوا شيئا عن مضار الشمس وعن تسببها بسرطان الجلد اذا غالوا.

طبعا عندنا مشكلة في ان يوم الرب هو الذي جعلته الامم المسيحية يوما للراحة مع ان شيئا في الإنجيل لا يذكر ذلك. افهم ان تكون الراحة اساسية بعد اسبوع متعب. غير ان الإنجيل هو الذي جعل الذبيحة يوم أحد فيبقى ان نصلي باكرا جدا في الصيف او ان نسعى الى كنيسة ارثوذكسية في طريقنا الى المياه او قمم الجبل.

اما عن ثياب البحر فماذا اقول او ماذا اقول عن اختلاط الجنسين في ما يشبه العري؟ انا ليس عندي حلول والأطباء يقولون ان السباحة رياضة ولا أنفع. طبعا الصادقون يقولون ان هذه الثياب المختصرة جدا فيها اغراء او بعض إغراء. فليحمل كل انسان مسؤوليته وليراقب داخل نفسه وليتصرف كراشد.

هذا ليس كل المصيبة. فالعري صار الوضع المألوف عند الكثيرات وأريد ان اكون ساذجا لأردد قول النساء انها مجرد ازياء ولكن لا احد في العالم مقتنع بذلك فإن صدقت المرأة لا بد ان تقول ان في الأمر فتنة وان الفتنة تروقها. وغالبا ما تروق الأعين وان معظم العيون نهمة. من يقتنع بأن التي ترتدي المقصّر والمضيق لا تسعى الى ذلك عامدة؟ هل هي مقتنعة بأنها لا تعرض محاسنها عرضا وانها غير مسؤولة عن إثارة الرغبات عند الرجل؟

والشعراء تغزلوا بالمكشوف من بدن المرأة بحيث امكنك ان ترى توافقا كاملا منذ القرن السادس عشر في اوربا بين الأعضاء المكشوفة واياها في الشعر.

لماذا لا يكفي المرأة جاذبها الروحي والأدبي اعني الجانب العميق فيها حتى يلقى قلبها قلب الرجل وفكرها فكره؟ لماذا تريد ان تشتريه بجسدها كأنها غير مؤمنة بشخصيتها؟ لماذا تريد ان يختارها من اجل جسدها اي ان يكون خياره لها غير حر، غير مسؤول؟

واذا سمحت لنفسي على سبيل التمرين العقلي ان اتساهل مع فتاة عزباء تفتش عن إثارة لأنها يئست من عمق شخصيتها،  فلا افهم ان تلبس متزوجة هي دون الكهولة او في الكهولة هذه الثياب المنحسرة الملتصقة بها وكأنها غير محجوبة. الا تؤمن بأن جسدها بعض من شخصيتها التي يحبها زوجها وبأن هذا الجسد لغة بينها وبينه؟

لماذا تجعل بدنها خطابا بينها وبين رجل غريب؟ الا تدرك ان شهوة الغريب تتأجج او يمكن ان تتأجج بسببها وكأنها تدعوه ان يتفرس بها. كل شيء يدل ان هذا مستطاب لديها. لماذا يهمّها بعد زواجها ان يقول عنها الناس انها جميلة؟ أليست العيون تلامس كاليد؟ أليست في هذه الملامسة المدعوة، فاحشة؟ ان تفعل هذا وان تدعي العفة لتناقض مفضوح. ربما ادركنا زمنا لم تبقَ فيه الحشمة جانبا من جوانب العفاف.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

الحسد / الأحد 18 تموز 1993/ العدد 29

ما أكثر الذين يسوّدون صحيفة الناس حسدا. ان نفوسهم هم المعقدة لا تريد ان تعترف بالخير الذي يصدر عن سواهم، يحبون ان يلتمعوا هم وحدهم، لذلك اذا سمعوا من يمدح احد الناس يقولون: ولكن. ويفضلون الا يظهر الخير إطلاقا ان لم يكن عن أيديهم. لذلك يموتون في عزلتهم. لم يقدروا ان يجعلوا لأنفسهم شركاء في الخير، في الرؤية. في انزوائهم هذا المميت لا يفرحون بالحق ولا يرجون الا ان ينتفخوا حتى تبدو انجازاتهم وتُحسب لهم. يعيشون لا من محبة الغير ولكن من الإطراء.

يحتاطون أنفسهم بالضعاف لأنهم لا يحتملون المواجهة. المواجهة ان يكون الوجه للوجه اي ان أعترف بك وتعترف بي. ان اعترف بك يعني ان انتظر صدور الحقيقة عنك، ان تكون من رأيك، ان اتنازل عن موقفي اذا تبينتُ خطأه. ان اتنازل لك يعني انك موجود. ان تكون انت موجودا يعني اني انا لا املأ الساحة وحدي.

الحسود في عقله وفي تعامله يزيلك من الوجود. ولهذا كان الحسد مقرونا دائما بالغضب فإن الصراخ درجة من درجات العقل. انا ألغيك بصوتي. لذلك كان اليهود يصرخون لما هتفوا لبيلاطس: اصلبه، اصلبه. انت تصلب من تحسده. تعطل عمله او لا ترغب اليه في عمل. وكلما فعل الحاسد ذلك توغل في انعزاله. يقول الإنجيل عن موت السيد انهم «كانوا قد اسلموه حسدا» (مرقس 15: 10). انه كان قد أثبت للشعب ان الفريسيين والمستلمين الكنيسة اليهودية ليسوا بشيء امام الله. صار هو في وجدان الودعاء وحده الأمة. بطلوا هم ان يكونوا الأمة. لذلك كان لا بد له ان يموت. لا مجال للحاسد ان لم يتب الا ان يموت فقعا، ان يتلاشى من الداخل، ان يزول في كل مجال روحي.

غضبُ الله علينا ان الكنيسة مكان الحسد الكبير، ان نشاطها يقف او يتعرقل لأنهم لا يدعونك تعمل. لا شيء يجعل الكنيسة في حالة خراب مثل حسد بعضنا بعضا آخر. يعرقلونك لأنهم يُقصون كل الناس ما خلا فئة الأزلام الذين يرددون لهم شعائرهم ويلتفون حولهم.

إمكان الخلاص الوحيد ان يلهم الرب الحسود ان يكتشف ان الدنيا تتسع له ولسواه وان الخير ينزل عليه وعلى سواه وان لكل منا موهبة مختلفة على مقدار النعمة التي نزلت. الكنيسة هي جمال الكل مجتمعين ونشاط الكل متشاورين. شرط ذلك التواضعُ وهو تلك الفضيلة التي تجعلك تعلي الكل وتفضلهم على نفسك. ذلك ان الحسد نتيجة الاستعلاء. الاستعلاء هو أن تكتفي بنفسك وأن تظنها كافية للوجود. أن تستعلي وتنتفخ هو ان تحس بأن الآخرين قُصر وغير اكفاء وانه يمكنك ان تهملهم الى تفاهتهم.

الحاسد يجب ان نبكي من اجله لا ان نبكيه، ان نحيطه بصلاة حارة ليفتح نفسه التي جفت. المأساة ان يتوغل في حقده والمأساة الثانية ان نهمله الى حقده بحيث نكون قد وقعنا نحن انفسنا بالعزلة. الصلاة وحدها تُسقط حاجز العداوة وتوحي بان الآخر هو اليك كتنفسك. الآخر رئتك الاخرى. هو يعلمك الثقة به وبنفسك، اريد تلك النفس التي تكون قد بلغت الوداعة.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

السرقة / الاحد 25 نيسان 1993 / العدد 17

السرقة تبدأ بشهوة ما يقتنيه الغير. “من القلب تنبعث المقاصد السيئة والقتل والزنى والفحش” (متى 15: 18). دواؤها التنزه عما لا نملكه والاستقلال عما نملكه. فإن تملكنا هذا الذي عندنا حتى العبودية فنحن معرضون لاشتهاء ما عند سوانا ايضا. العيون النهمة تدفع اليدين الى السطو والنهب واذا أردنا شيئا واقتحمنا المكان الذي هو فيه فنحن مستعدون للقتل اذا دافع من اعتدينا على موجوداته وعن نفسه.

نحن لا نعرف كيف تكونت ثروة هذا وذاك. ان حصلّها بطرق غير شرعية فله من يدينه. واذا قررنا ان نقيم توازنا بيننا وبين من أثرى بالحرام نقع في الخطأ الذي ارتكبه هو. نحن ليس شأننا ان نقيم العدل بيننا وبينه. العدالة الاجتماعية شأن المجتمع كله وشأن الدولة بخاصة.

المال الحلال هو الذي يأتيك بالعمل او بالإرث. “هناك ستة ايام يجب العمل فيها” (لوقا 13: 14). فالانكفاء عن العمل خطيئة الا اذا اضطرتك عليه البطالة. اجل هناك أوضاع تغري في اية مسؤولية مالية انت فيها. هذا كان وضع يهوذا الذي “كان سارقا وكان صندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يلقى فيه” (يوحنا 12: 6). انت موظف شركة مثلا أرسلتك في مهمة فقدمت لها فواتير كاذبة. انت متعهد بناء وقبضت ثمن المواد ولم تضع في البناء المواد المتفق عليها. او انت أهملت صيانة مطلوبة منك. ليست السرقة فقط ان تدخل الى بيت وتنهبه ولكن ان تأخذ بالارتكاب ما ليس لك او ان تؤذي الآخرين بإغفال يجلب عليهم خسارة.

ان تحرم الناس ظلما مما لهم حق فيه هذا ما يحدث كثيرا : العامل الذي لا تدفع له الحد الأدنى او تبقيه على الحد الأدنى وانت قدير، الخادمة التي تستغل فقرها لأنها لبنانية في حين انك تدفع الأضعاف للخادمة الأجنبية كل هذا نوع من انواع السرقة. وقد تنبه لهذا الكتاب الإلهي في قوله: “ها ان الأجرة التي حرمتموها العملة الذين حصدوا حقولكم قد ارتفع صياحها، وان صراخ الحصادين قد بلغ أذني رب القوات” (يعقوب 5: 4).

كفاحنا لروح السرقة واستغلال الفقراء يكون بتربية انفسنا على العمل وعلى حب العطاء. بهذا المعنى قال بولس: “من كان يسرق فليكف عن السرقة، بل الأولى ان يعمل بيديه بنزاهة لكي يحصل على ما يقسمه بينه وبين المحتاج” (أفسس 4: 28).

تربية النفس على الا تشتهي الا الحاجة الضرورية، ان تذوق الحياة مع المسيح على انها الثروة الحقيقية، ان تتقشف في سبيل العطاء، ان تصلي من اجل البقاء على عفة النفس كل هذا يدنينا من الاستقامة. الا يغير المال رأيك في شيء، الا يجعلك متزلفا، الا تخشى مخلوقا، ان تكره الكذب فوق كل شيء، كل هذا من مقتضيات الطهارة. لقد كب يسوع كل أمجاد العالم وقدر ان يقول: “لا تستطيعون ان تعبدوا ربين الله والمال”. العفة عن طلب المال بصورة غير شرعية شرط اساسي لمحبة الله.

يستطيع الانسان بعد إنفاقه على اولادهالصغار ان يعيش هو وزوجته بمتاع قليل. هكذا فقط يعصم نفسه ويصير فقيرا الى الله.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

الكذب / الاحد 11 نيسان 1993/ العدد 15

لعل الخطيئة الأكثر تفشيا في بلدنا الكذب. له تعريف بسيط وهو ان تقول غير الواقع لمّا يكون عليك ان تشهد للحقيقة، ان تقول للآخر ما كان من حقه ان يعرفه الا اذا كان هناك خطر على حياة انسان وهذا ما سمح به الآباء الشرقيون. ازيد على ذلك انه مسموح اخفاء الحقيقة ان كان هناك خطر على صيت انسان فليس عليك ان توافق على النميمة اذا جاء من ينسب الى احد الناس سيئة او فاحشة انت تعرف بها. ذلك انه ليس من حق احد ان يكشف عورات الناس الا اذا استدعتك المحكمة وطلبت جلاء واقعة.

الكلام الذي غالبا ما تسمعه في اوساطنا ان هناك كذبة بيضاء لا تؤذي احدا. الحقيقة ان تغيير الحقائق يؤذي الكاذب نفسه لأنه يعلمه الجبن ويثبته في الخوف ويقزم شخصيته. الحقيقة تسكن فيك كما الله لأنه هو الحقيقة والله كشف نفسه بيسوع المسيح ولم يصمت. وجه الله فيك الحقيقة التي تبديها. هذه يجب ان تبِين كأنك بها تنقل الله. ولا ينبغي ان تفصل بين الباطن والظاهر. ففي احد كتبنا القديمة ان اليوم الأخير يحل عندما يكون الظاهر كالباطن. المسيحيون لا يخشون احدا. لا يخافون الموت ولذلك يرفضون الباطنية التي تقول انه مرخص لك ان تكفر بالله ان كان هناك خطر على نفسك. الإنجيل يطلب ان تؤدي الشهادة امام الأمم ولو كان ثمن ذلك الموت. «اذا شهدت بفمك ان يسوع رب، وآمنت بقلبك ان الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص» (رومية 10: 9).

القاعدة هي الشهادة. ولذلك يسمي الكتاب المسيح «الشاهد الأمين الصادق» (رؤيا 3: 14). واخلاق يسوع تنعكس في المؤمن: «الشاهد الأمين لا يكذب» (امثال 14: 5). ويجعل العهد الجديد الصدق اساس التعامل بين الناس فيقول: «لا تكذبوا بعضكم على بعض» (كولوسي 3: 9)، ويربط احيانا الكذب بشهوة الادعاء: «فلا تفتخروا ولا تكذبوا على الحق» (يعقوب 3: 14). ويلح الكتاب ليس فقط على استمرارنا بالصدق ولكن على ان نبغض الكذب، ويحض على الا نصغي الى كلام كذب.

غير ان الكلمة الإلهية رأت بُعدا في الكذب قلما نفكر به، فلم تحدده فقط بالكلام الغاش ولكن بالمواقف المناقضة للحقيقة، ولذلك قالت ان هناك ليس فقط من يقول كذبا ولكن من يصنع كذبا (رؤيا 22: 15). فأن نتبع رجلا كذابا ونواليه ونظهر اننا من انصاره، ان نسكت حيث يجب الإفصاح، الا نقاوم مشروعا مغلوطا، ان نغالي في المديح، ان نمدح للكسب او الاسترضاء، ان نتصرف كأننا متلهفون لواحد ونحن لسنا بمتلهفين لنخدعه، كل هذا كذب في العمل. ولهذا قال هوشع: «احاط بي افرايم بالكذب» (12: 1).

هذا كله مصدره الشيطان الذي قال عنه يسوع: «انه كاذب وابو الكذاب» (يوحنا 8: 44).

من انتابه هذا الضعف يضرب جذوره، يحاول الا يخاف. هذا يأتي عن تقوية الثقة بالله حتى اذا تدعمت به لا تخشى عقاب البشر. واذا كذبت فاستغفر وتروض على الصدق المرة تلو المرة ترَ أنك قادر عليه لأنك اصبحت قويا بالمسيح.

في غياب الصدق وانتشار الباطنية لا يقدم احد على معاملة. الكذب يقوي الشك عند الصادقين فيحجمون عن التعامل. القاعدة ان يكون «كلامكم نعم نعم ولا لا» وان تشرِّف الوعود التي وعدت بها وان تحس ان الصدق يحررك من الجبن ويجعلك مرجعا في القوم ويدفعهم بدورهم الى قول الحق وسلوك الحق.

Continue reading
1993, مقالات, نشرة رعيتي

القاعدة الاخلاقية / الأحد 28 آذار 1993 / العدد 13

يدور في اذهان الناس ان الوصايا العشر تحتوي كل الاخلاق المسيحية. الحقيقة انها نموذج وان ثمة خطايا كثيرة لا تذكرها هذه الوصايا. اضف الى ان الوصية الثانية: «احفظ يوم السبت لتقدّسه» هي امر طقوسي يهودي ولم نبق مرتبطين به فالرب بقيامته حررنا من يوم السبت. وإقلاعنا نحن عن العمل يوم الاحد ليس وصية الهية. هو ترتيب كنسي، والاصل فيه إقامة القداس الالهي. في العهد القديم نفسه القاعدة الاشمل هي هذه: «احبب الرب الهك حبك لنفسك» (لاويين 19: 18). هذه اتخذها يسوع: «احبب الرب الهك بكل قلبك وبكل نفسك وبكل ذهنك. تلك هي الوصية الاولى والكبرى». وبعد هذا اضاف: «والثانية مثلها: احبب قريبك حبك لنفسك» (متى 22: 37-40). ثم في إيجاز كلي يقول: «بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والانبياء». الاخلاق في تعليم يسوع هي المحبة.

ولكن ما الرباط بين هذه الوصية الجديدة والوصايا العشر؟ هنا يوضح بولس: «مَن احب غيره اتمّ الشريعة». فان الوصايا التي تقول: «لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشته» وسواها من الوصايا، مجتمعة في هذه الكلمة: «أحبب قريبك حبك لنفسك”. فالمحبة لا تُنزل بالقريب شرًا، فالمحبة اذًا كمال الشريعة» (رومية 13: 8-10).

قد يبدأ الانسان بالمحافظة على الشرائع ثم اذا عرف يسوع يفهم ان قدرتنا على إتمامها تأتي من نعمة الله. فحتى لا تكون الوصايا سيفًا مصلتا فوق رأس الانسان ينبغي ان تنبع من القلب الذي استضاء بنور المسيح. هذا هو العهد الجديد الذي تحدث عنه ارمياء بقوله: «وأُسكنهم في الطمأنينة، فيكونون لي شعبًا وأكون لهم إلهًا، وأُعطيهم قلبًا واحدًا… وأقطع معهم عهدًا ابديًا اني لا ارجع عنهم» (32: 37-40). فلكون الروح القدس ساكنًا فينا ونعرف الطمأنينة التي لنا من الله ننفّذ كل كلمة منه. فاذا صارت كلمة فينا تنبع هي بالعمل الصالح.

نحن صرنا في ملكوت المسيح وفي سيادته علينا، في ذوقنا لحبه لنا نعمل ما يرضيه وهذا يعطينا الفرح. عند ظهور الملكوت بالمسيح اعطانا يسوع شرعة الملكوت المكثفة في انجيل متى في ما يُسمى عظة الجبل الواردة في الاصحاحات ال5 والـ6 والـ7 وما يقابلها في انجيل لوقا.

هذه تبدأ بالتطويبات: «طوبى للمساكين بالروح». يسوع لا يأتي بشريعة لا يعرف العهد القديم اصولها. انه جاء ليكمل تلك. ان يسوع يحقق النبوة ويصل بها الى كمالها. يجعلها ممكنة بالحب الذي هو اعطاه. يسوع يملأ الشريعة القديمة ويربطها بسر الحب. كانت وصية فوق الانسان. الآن تأتي من الانسان الذي أسلم نفسه للسيد.

يسوع يصل الى الجذور. «سمعتم انه قيل للأولين: «لا تقتل…» أما انا فأقول لكم: مَن غضب على اخيه استوجب حكم القضاء». كذلك: «سمعتم انه قيل «لا تزنِ،» اما انا فأقول لكم: مَن نظر الى امرأة بشهوة، زنى بها في قلبه». المسألة ليست ان نمتنع عن شيء خارجي بل ان نطهر القلب كي لا يميل الى السوء.

من هنا ان الاخلاق المسيحية تقوم على ترويض الانسان نفسه على ان تحب السيد وان يراقبها حتى تمتنع عن الخطيئة وتحب الخير. اذ ذاك، الوصايا تنبع تلقائيًا من القلب المتطهر.

Continue reading