Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2009, مقالات, نشرة رعيتي

عجائب الرسل / الأحد 10 أيار 2009 / العدد 19

في رسالة اليوم، نزل بطرس الى القديسين الساكنين في لدّة. وكلمة قديسين في هذه الفترة كانت تعني كل المسيحيين لأنهم تقدّسوا بالمعمودية والإيمان. بطرس أقام هناك إينياس وكان شابا مخلّعًا اي مفلوجًا. كان الرسول اذًا فيه قوة المسيح الذي قام بأعجوبة شبيهة. نتيجة ذلك ان كثيرًا من اليهود رجعوا الى الرب اي انضمّوا الى المسيحية.

بعد هذا أعجوبة أخرى أقام بها بطرس فتاة من الموت كما أقام يسوع ابن الأرملة ولعازر. واضح هنا ان كاتب سفر الأعمال اي لوقا أراد أن يوحي ان المعجزات التي قام بها السيد تتكرر مع رسوله العظيم. كان هذا ايضًا في لدّة قرب يافا.

قبل أن يقوم بطرس بهذه الأعجوبة “جثا على ركبتيه وصلّى” اي استمدّ قوته من السيد في حين ان يسوع كان يصنع العجائب بلا صلاة سابقة ما عدا دعاءه الى الآب قبل إقامة لعازر. نتيجة ذلك أن آمن كثيرون بالرب.

على مثال الرسول قام مَن نسمّيهم قديسين بعجائب مماثلة اذ ان رسالة يسوع تكمل في الكنيسة بالتعليم من جهة وبالشفاء من جهة. جيلا بعد جيل شفى القديسون مرضى بكل أنواع الأمراض. يسوع يستمر في كنيسته، ورسمت الكنيسة سر مسحة الزيت لشفاء المريض، وبهذا أوصى يعقوب الرسول في رسالته بقوله: “إذا مرض أحدكم فليدعُ قسوس الكنيسة (اي الكهنة) ويدهنوه بزيت”.

الشفاء ليس مرتبطًا حصرًا بصلاة الزيت هذه ولكن بأية صلاة يقيمها الكاهن او العلماني. وكثيرون من الذين شفوا المرضى كانوا علمانيين يضعون يدهم على رأس المريض او لا يضعون. وقد لا يرونه ويصلّون من أجله من بعيد.

هذا لا يمنعنا من ان نستعيـن بالأطبـاء فإنهم يعالجـون واللـه يشفي. الطبـابـة والصلاة يتمـاشيـان، ومـن الضرورة ان نستدعي الطبيب كما علّم بذلك القديس باسيـليـوس الكبيـر. لا يجـوز لمريض ان يستبعـد الطبـيـب ويتّكل فقط على صلاتـه. الوسيلـة الطبيعيـة اي الطـب تكـون مقرونـة بما هو فوق الطبيعـة اي بالتـدخل الإلهـي. ذلك التدخـل الإلهـي لا نعـرف سره أي لا نعرف أية وسيلـة طبيعيـة يستخدم. الشفـاء الإلهـي يعـود بالمـريض الى ما هو فوق النواميس الطبيعية، فالله سيد نامـوس الطبيعـة ويستخدم الله وسائله الخاصة. كلمتـه هي التي تحيي، ونرجـوه نحـن بالصـلاة ان يقـول كلمتـه فتكـون الأشيـاء.

أحيانًا كثيرة يتقوّى إيمان أهل المريض إذا شُفي أو إيمان مَن عرف بحدوث الأعجوبة. كل هذا لا يعني انه يجب ان نكون سريعي التصديق بكل ما يُحكى لنا عن عجيبة حدثت هنا أو هناك، ولكن الأطباء كثيرًا ما يقولون نحن ليس عندنا تفسير علمي لما حصل. هم لا يريدون أن يتكلّموا عمّا هو خارج نطاقهم، ولكننا نحن المؤمنين نعرف ان التغيير الكلي في جسم المريض إذا حصل يأتي بنعمة الله.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

خدمة الموائد / الأحد 3 أيار 2009/ العدد 18

 “حدثَ تذمّر من اليونانيين على العبرانيّين بأن أراملهم كنّ يُهملن في الخدمة اليوميّة”. ما معنى هذا الكلام؟ اليونانيون الذين كانوا يعيشون في اورشليم هم يهود من الشتات اليهودي الذين كان معظمهم من الاسكندريّة ويتكلّمون اليونانيّة بعد ان غادروا فلسطين وسكنوا في الخارج. هؤلاد تنصّر بعضهم ولكن كان يُشار اليهم باللغة التي كانوا يتكلّمونها. ومن تسمّيهم الرسالة عبرانيين كانوا قد انضمّوا الى الكنيسة ويتكلّمون اللغة الآراميّة التي كانت لغة فلسطين.

حدث بين الفئتين في الكنيسة شيء من العنصريّة اللغويّة. والذين كانوا مستلمين إعالة الفقراء في الكنيسة كانوا يتحيّزون للعنصر الفلسطيني المقيم. امام هذا التذمّر دعا الإثنا عشر (أي الرسل) جمهور التلاميذ (اي كلّ المسيحيّين على اختلاف ألسنتهم) وقالوا لهم: “لا يحسن أن نترك نحن كلمة الله ونخدم الموائد” اي لا يحسن ان نكون مسؤولين عن الإعاشة.

انتخبوا سبعة رجال قيل انهم أول الشمامسة وان رتبة الشموسيّة ظهرت هكذا. مهما يكن مـن أمـر كان الشماس في الكنيسة الأولى الى جانب خدمته في الصلاة يشرف على توزيع المساعدات للمسيحيين. فقد مع الوقت هذا الدور وأُسند للعلمانيين.

الشرط في انتخابهم كان ان يكونوا “ممتلئين من الروح القدس والحكمة”. كل خدمة في الكنيسة مهما كان ظاهرها اجتماعيا تقتضي ان يكون المسؤول عنها ممتلئا من الروح القدس والحكمة، ولا يجوز إسناد خدمة لأحد ما لم يكن إنسانا روحانيا مصليا.

أعمال الرسل تذكر هؤلاء بأسمائهم وأوّلهم استفانوس الذي سيأتي ذكره بالتفصيل وهو اوّل الشهداء في التاريخ المسيحي. والخطاب الذي ألقاه على اليهود دلّ على أنّه فاهم الكتاب المقدّس وقويّ في معرفة المسيح.

ما يـسند كونـهم شمامسة قـول الكتـاب ان “الرسل صلّوا ووضعـوا عليهم الأيدي”. وضع الأيدي الذي هو الرسامة تُستعمل للدلالة على من له رتبة في الكنيسة.

ثم يقول الكتاب: “وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر في اورشليم جدًا”. غالبا في هذا الوقت لم يكن احد من التلاميذ غادر فلسطين الى البشارة في الخارج، وكان الرسل في هذه الفترة يركزون على دعوة اليهود. ثم ينتهي المقطع الذي نقرأه اليوم ان جمعًا كثيرًا من الكهنة اي من كهنة الهيكل “يطيعون الإيمان”.

سِفْر أعمال الرسل هو سفر عمل الروح القدس بعد العنصرة وبه كانت الكنيسة تنتشر. هذه، بهذا المعنى، كنيسة الروح القدس الذي يجعلها هو كنيسة المسيح فتصير جسده اي كيانه الظاهر في العالم. ما من أمر عظيم وجليل وطاهر تمّ في تاريخ المسيحية الا انطلاقا من نعمة الروح الإلهي.

قد يُخطئ الكثيرون ويحصل إهمال عند الرعاة ويحسّ الإنسان أحيانا ان الكنيسة تتدهور، ومع ذلك تنهض وتعيش. كلّ ذلك لأنّ السيّد قال انه معنا حتى نهاية الدهور. فإذا رأى الله ان كنيسته في إهمال، يبعث الذين يضع فيهـم إيمـانـا عظيمـا وحماسة كبـرى ليقـوموا بالدعوة من جديد فينتعش الكلّ بهم ويتقوّى الضعاف.

دائما ينشل الروح القدس الكنيسة من الهبوط والجهل ويجعل فيها معرفة وتجلّيات.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

أحد توما / الأحد 26 نيسان 2009 / العدد 17

هكذا يسمّى الأحد الذي يلي الفصح في اللغة الكنسيّة والشعب يسمّيه الأحد الجديد. القراءة تحكي عن ظهورين للسيّد، الأوّل الفصح مساء، والثاني أسبوعا بعد الفصح، وفي هذين الوقتين كان التلاميذ مجتمعين في مكان واحد. في هذين اليومين يحيّيهم المخلّص بقوله “السلام لكم” وهو الذي قال عنه قبل موته انه سلامه. وبولس يقول عن المسيح انه هو السلام (أفسس 14:2). عشيّة القيامة يقول لهم خذوا الروح القدس وذلك قبل أن تحلّ العنصرة، ثم يقول: “مَن غفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أمسكتم خطاياهم أُمسكت”. رأت الكنيسة أن هذا الكلام يؤسس سرّ التوبة (الاعتراف) من حيث ان غفران الخطايا ثمر القيامة. العمادة ايضًا تغفر الخطايا للبالغين المهتدين الى المسيح. كذلك البشارة اذا قَبِلها الإنسان بصدق وتوبة.

عند الظهور الأول لم يكن توما مع التلاميذ وأطلقت تسمية الاثني عشر عليهم مع ان يهوذا كان قد مات. توما لم يكن اذ ذاك، فقال عند رجوعه الى البيت: “ان لم أعاين أثر المسامير وطعنة الجنب لا أؤمن”. في الظهور الثـاني كان تومـا معهم، وعنـدما تراءى لهـم السيّد قال لتوما: “هاتِ إصبعك الى هنا وعاين”. فلمّا عاين ما كان يريد ان يعاينه قال “ربّي وإلهي” اي “انت ربّي وإلهي”.

في الأصل اليوناني الكلمتان معرّفتان وليس في النص التباس لأنّ اليهود ليس عندهم أرباب كثيرون وآلهة كثيرون. المعنى اذًا هو انك انت هو الربّ والإله. ليس من إيمان بربوبيّة المسيح وألوهيّته أبلغ من هذا.

الأمر المهم الثاني أنّ أثر المسامير في اليدين وأثر طعنة الحربة في الجنب يدلاّن ان الذي ظهر هو اياه الذي عُلّق على الصليب، وليس هنا من احتمال تخيّل كما يقول بعض أعداء إيماننا في الغرب. أراد يسوع أن يقدّم برهانا قاطعًا على أنّ الذي ظهر للتلاميذ المجتمعين مع توما هو الذي صلبه اليهود وقام. الظهور يدلّ على انّ هذا الذي مات ودفنوه هو اياه الذي خرج من القبر.

ليس في الإنجيل وصف لتحرّك جسد المسيح في القبر او انتعاشه بالمعنى الطبي. الإنجيليون اكتفوا بحادثتَي الصلب والدفن وبحوادث الظهورات. الانتقال من الدفن الى الظهورات هو القيامة.

ان شهادة توما من أقوى الشهادات على القيامة الحقيقيّة الفعليّة، وعندي انها أقوى شهادة لكونها مبنيّة على لمس التلميذ لجسد السيّد.

صح ان السيّد يطوّبنا نحن الذين لم نشاهد المسيح قائما، ولكننا أخذنا عن الشهود العيان، وأهميّة الإنجيل من حيث هو وثيقة ان ثلاثة إنجيليّين (ما عدا لوقا) كانوا شهودًا للحوادث. أهميّة الإنجيل للمؤمن ولغير المؤمن انه وثيقة دوّنت حوادث شوهدت، وكتابته انتهت قبل انصرام القرن الأوّل (يوحنا هو الأخير). لك الحق ان تؤمن بالعقيدة التي يحتويها الإنجيل وألّا تؤمن، والايمان نعمة من السماء وليست نتيجة العقل المحض. ولكنك لا تستطيع ان تنكر ان الشهود الذين كتبوا كانوا معاصرين للمسيح.

ويؤكّد يوحنا في آخر هذه القراءة ان غاية الأناجيل هي ان “تؤمنـوا بأنّ يسـوع هو المسيـح ابـن الله وأن تكون لكم اذا آمنتم حياة باسمه”. الايمـان ينـزل عليك هبة مجانية، ولكنه مسنود الى وقائع جرت ووصفها ناس عاشوا في زمن المسيح.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح / الأحد 19 نيسان 2009 / العدد 16

نحن فصحيّون دائما لأننا نرتّل للقيامة كلّ أحد، لأنّ الأسبوع الذي يهيّئ للعيد كلّه مشبع بكلمات القيامة وانتظارها. ظهرنا فصحيين في أوائل الكنيسة لأننا كنّا نرتدي ثيابًا بيضاء عند الموت. عاداتنا ليس فيها حزن لأنّ المسيح في موته كان غالب الموت.

فصحنا ليس يومًا واحدًا. يمتدّ من الجمعة العظيمة الى أحد القيامة. اخترنا يوم الأحد للتعييد لأنه يختصر الخلاص كلّه مع أنّ الخلاص يبدأ بتجسّد إلهنا اي يوم بشّر الملاك العذراء بمجيء إلهنا. صح ان الفصح ينتهي إنشادًا يوم خميس الصعود، ولكنا نحيا بقوّته حتى يحلّ فصح الإنسانيّة الأخير عند القيامة الأخيرة.

معنى العيد كامن في كلام السيّد في خطبة الوداع: “ثِقوا انّي قد غلبتُ العالم” (يوحنا 33:16). المسيح الظافر هو المسيح المحرّر اذ لم يبقَ مؤمن أسير الخطيئة اذا ارتكبها او أسير القهـر الذي يحلّّه فيه الظالمون ولا يبـقَ مكبّلًا بمـرضه او بفقـره او بالعـداء الذي يُعادى به. عيد المؤمن الدائم كلّ يوم هو عبوره من وطأة ضعفاته عليه والضعفات مُـرّة. هو انتـقاله من الجهل الروحـيّ الى المعرفـة الروحيّة. هو تحقيقه ملكوت السموات فيما هو على الأرض. هو إعلان الله اياه على انه خـليقة جديدة، أخ لكلّ المخلوقات الذكيّة التي تتجدّد بالمسيح.

الإنـسان الفصحيّ هو الذي يـعرف وسط كلّ انـشغاله وفـي همومه الدنـيويّـة وفي أوجـاعه وخـسارتـه للـدنيا، الذي يـعرف ان يـركّز حيـاتـه على السيّـد. تـذهـب بـه الأقـدار أنّـى شاءت وتـمتـحنـه المصائـب ويـشرد الى حيـن ولكنـهّ يـعرف ان يـعود الى نـقطة ارتـكازه.

الفصح ان يلملم المسيح كل واحد منّا من شتاته الى وجهه الجامع لكلّ خليقة لا ترتاح الا اذا عرفت خلاصها. الانسان المسيحي مَن عرف ان يقول ان “المسيح يسوع جاء ليخلّص الخطأة الذين أنا أوّلهم” (1تيموثاوس 15:1).

واذا عبرنا الأسبوع العظيم ايام توبة، فالعيد هو رؤية النور الذي سكبته علينا التوبة اي انه يوم تهليل بدوس المسيح الموت الذي عشعش فينا وقهرنا الى حين. العيد هو اليقين ان الخطيئة ليست مقرّنا النهائي.

لذلك نقبل بعضنا بعضًا في كل الزمن الفصحي قائلين: المسيح قام.

بسبب من فهمنا هذا للفصح أصبحنا كنيسة مرتّلة بامتياز. هذا لا يعذر احدًا اذا استرخى من بعد جهاد الصوم واستنارتنا بالأسبوع العظيم. فنتشدّد بقوّة الذي غلب الموت من بعد ان امتلأنا بالفرح.

نتقبّل بالعيد ثمار جهاد الصوم، ولكن بعد العيد نعود الى الجهاد، الى اليقظة الدائمة على طهارة نفوسنا والى المحبة. التراخي إغراء كبير. دائما نحن مشدودو الأحقاء. بلا هذا الشدّ لا طريق الى الفرح، لا طريق الى الفصح اي لا طريق الى السماء. من اجل كل ذلك “افرحوا في الرب كـلّ حين وأقـول افـرحـوا” ( فيـليبـي 4:4). ليس فقـط بسبـب حـدث جـرى وهو قيـامـة الرب، ولكن بـسبب انتصاراتكم على كل خطيئة، والنصر يأتي من الذي انتصر ويبقى منتصرًا في أعماقنا. المسيح قام

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الشعانين / الأحد 12 نيسان 2009 / العدد 15

طقوسيا، ينتهي الصوم مع سبت العازر، ونبدأ الأسبوع العظيم في أحد الشعانين. في مساء ذلك اليوم، نقيم صلاة الخَتَن، ولفظة الخَتَن سريانية وتعني العريس اي الرب يسوع نفسه لكونه عريس الكنيسة، ونُبقي صلاة الخَتَن حتى الثلاثاء مساء.

دخول يسوع الى اورشليم وارد في الأناجيل الأربعة مع اختلاف بسيط في الوصف.

غاية الدخول الى اورشليم هو الوصول الى الموت فالقيامة.

السيد راكب على أتان وجحشها. في إنجيل يوحنا الذي هو إنجيل القداس، لا يتكلّم الا على جحش فيتحقق هكذا قول النبي القائل: “لا تخافي يا ابنة صهيون، ها ان مَلِكك يأتيك على جحش ابن أتان”. لا يدخل على خيل الذي هو ركوب الملوك والعظماء.

في متى يقول: خرجت الجموع لاستقباله، ولا يقول اي انجيل ان هذا الاستقبال قام به أطفال. كان الأطفال مع غيرهم. ان يكون هذا العيد مخصصا للأطفال تقليد شعبيّ فقط ظهر في بلادنا.

إنجيل متى هو الأوسع في الحديث عما فعله يسوع الاثنين والثلاثاء والاربعاء. أيام مليئة بالتعليم اللاهوتي ولا سيما بخطاب الويلات السبع التي نطق بها السيد عن الفريسيين وبرثاء اورشليم وعلامات نهاية الزمان والحديث عن ملكوت الله.

وحاول المفسرون ان يستخرجوا من هذه الأعمال والكلمات برنامج السيد لهذه الأيام الثلاثة قبل إقامة العشاء السري والتسليم والمحاكمة والصلب.

بالشعانين ندخل اسبوعًا مكثّفًا، مضيئًا. لذلك جاءت تسميته “الأسبوع العظيم”. وفيها نعيش الأعمال العظيمة التي قام بها السيد ونعيش الكلمات العظيمة حتى نتحد بآلامه ونرنو الى قيامته في اول الأسبوع اللاحق.

في هذه الأيام نلملم النفس وندعو يسوع الى الدخول اليها ونتشرب القراءات في المزامير والأناجيل ورسائل بولس ولا سيما في دورة هذا الأسبوع في الساعات الملوكية صباح الجمعة العظيم ونتهلل بالقيامة في خدمة الجناز لأنها في حقيقتها سَحَرية سبت النور.

ولكن كل هذه الخِدم قُدّمت عدة ساعات قبل توقيتها الزمنيّ لكون المؤمنين يجتمعون في الليالي.

نضع نفوسنا في قلب المسيح ولا ندعها تتلهّى بشؤون هذا العالم، ونصوم صومًا شديدًا، واعتاد بعض الأتقياء أن يمتنعوا عن الطعام منذ الخميس العظيم مساء حتى صباح العيد فيفطرون بعد قداس العيد وقلوبهم تواقة الى القيامة الشافية نفوسنا من كل خطيئة والمفرحة إياها بالظفر الإلهي.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

إخوة المسيح / الأحد 5 نيسان 2009 / العدد 14

في رسالة اليوم يقول صاحب الرسالة الى العبرانيين ان المقدِّس (بكسر الدال) والمقدَسين (بفتح الدال) اي البشر من واحد. المسيح من الآب في الجوهر، ونحن من الآب بالنعمة. لذلك يسمّينا “إخوة” اذ يخبرنا باسم أبيه. ثم أراد الكاتب ان يوضح سر التجسد الإلهي بما فيه موته فيقول ما مفاده ان الإله الابن، بما ان البشر مشتركون في اللحم والدم، اشترك هو فيهما لكي يموت ويبطل بموته “من كان له سلطان الموت اي إبليس”. ذلك لأنّ “أجرة الخطيئة هي الموت” وإبليس يغري بالخطيئة فنموت.

واذا مات المسيح يعتق بموته “كلّ الذين كانوا مدّة حياتهم كلها خاضعين للعبودية مخافة من الموت”. المعنى ان كلّ خطيئة هي خوف من الموت. الكذب خوف من العقاب الذي يَلحقنا ان صدقنا. السرقة خوف من الجوع. نسرق فنخطئ فنموت.

الرسول يقول ان غاية التجسّد ان نتحرّر من خوف الموت وتاليًا من الموت.

واذا مات المسيح يصبح “رئيس كهنة” لأنه يقدّم ذاته عن الخطيئة فيلغيها ويلغي الموت الذي سبّبته (بالقيامة من بين الأموات). هو المقرِّب والمقرَب. من نسمّيه كاهنًا على الأرض يستمدّ كهنوته من كهنوت المسيح، ولا يقرّب نفسه ولكنّه يقرّب ذبيحة المسيح الواحدة اي هذا الجسد الذي رُفع على الخشبة. القرابين في الكنيسة ليست تكرارًا لذبيحة السيّد. هي إيّاها ولكنها متَرجَمة بخبز وخمر.

ثم يسمّي المسيح رحيمًا وأمينًا في ما لله حتى يكفّر خطايا الشعب. انه يحمل كل الرحمة وكلّ الأمانة.

أخيرًا يقول “لأنه اذا كان قد تألّم مجرَبًا فهو قادر على أن يغيث المصابين بالتجربة”. جُرِّب يسوع بآلام جسديّة ونفسيّة ما خلا الخطيئة. ذاق أوجاع الصليب وتوجّع لخطايانا حتى جعله أبوه “خطيئة” بمعنى أن زلاّت البشر تجمّعت فيه ألمًا كبيرًا. فلكونه ذاق كلّ الأوجاع فهو قادر على أن يغيث المصابين بالتجارب.

إنّه مع كلّ مريض، مع كلّ فقير، مع كلّ خاطئ تصيبه ضربات الشيطان، ليس أن السيّد يضربه الشيطان ولكنه يتحمّل ألم الإنسان الخاطئ.

المسيح مع كلّ إنسان يحتضر ورفيق كلّ إنسان يموت. هو في القبر معنا وسيكون في القيامة معنا، وبعد قيامتنا نكون معه قرب العرش الإلهي.

المسيح معنا في كل أحوالنا. السؤال: لماذا جاء الشرّ من العالم والرب إله محبة، لا جواب فلسفيا عنه. لا يقول الكتاب: لماذا ظهر الشرّ، ولكنه يقول اذا أصابك الشرّ فالمسيح مُلازمك حتى تتحمّل كلّ صليب وتمشي مع أوجاعك الى الجلجلة فإلى القيامة. لا نعرف كيف جاء الشرّ، ولكنّا نعرف انه يزول اذا ارتمينا على صدر المعلّم كما ارتمى التلميذ الحبيب على هذا الصدر في العشاء السريّ.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

في الايمان والصلاة والصوم/ الاحد 29 آذار 2009/ العدد 13

هذا الشاب الذي يقول الإنجيل إنه كان فيه روح شرير وتظهر عليه علامات داء الصرع، سأل الرب أباه إن كان يؤمن أو كان يستطيع أن يؤمن. أجاب: «اني أؤمن يا سيد فأغِث عدم إيماني» بمعنى ضعف إيماني أو قلّته.

كان يسوع يريد أن يهب هذا الرجل شفاء ابنه تلبية لإيمان الوالد، وفي مواضع كثيرة جعل السيد الإيمان شرطًا للشفاء أو حافزًا للشفاء لكون الإيمان أهم من صحة الجسد. أراد هذا الرجل أن يتقوى إيمانه بنعمة يسوع. كان هذا الوالد يعرف أن أمورًا حياتية كثيرة تُلهي الإنسان عن إيمانه، وكان يعرف أيضًا أن الإيمان عطية الله. بكلام آخر يتشدد الإيمان إذا كافحنا ضعفنا فيه، يتشدد بمحبتنا لله، كما أن الإيمان إذا نزل يدعم المحبة. هناك طريق ذو اتجاهين بين الإيمان والمحبة.

في هذا الإطار قال يسوع لتلاميذه إن هذا الجنس (من الشيطان) لا يمكن أن يخرج إلا بالصلاة والصوم. طبيعة الصلاة أنها تُدخل الله إلى القلب، والقلب المستـنيـر بـالله يـقوى على الوجود كله. الرب إذا حلّ فينا يطرد أعداءه الذين يعشّشون فينا، فلا يبقى مكان إلا لله، فإذا فعلنا في الوجود يكون الله ذاته قد فعل، نصير جسره إلى هذا العالم وإلى قوى الشر التي فيه. المعروف أننا نحاول أمرًا أول هو ان ننقّي القلب ليستقبل الله، وأمرًا ثانيًا ان الرب إذا جاء هو أيضًا يطهّر القلب.

الشيء الآخر ان قوة الصوم فينا تحلّ فينا ثمرةً للصلاة -هي تمكّننا من أن نصوم. والحركة العكسية صحيحة أيضًا وهي أننا إذا كنا في حالة الصيام تحنّ النفس الى الصلاة. فإذا فرّغنا الجسد من الطعام وسلكنا في طريق ضبطه، نكون في حاجة إلى أن نملأ الكيان من شيء غير الطعام، وهذا لا يمكن أن يكون إلا الله. إنه هو الذي يجعل لنفسه مكانًا فينا. وإذا كنا حقًا محصورين بالإمساك وهاجمَنا روح الشر، نفكّر عند التجربة أننا لا نستطيع أن نصبح في تناقض -كيف نخطئ وقد دعونا الرب أن يجعل لنفسه مسكنًا فينا. الصلاة والصوم متشابكان متلاحمان.

وقد فتحت لنا الكنيسة أبوابها لنا في هذا الموسم المبارك لكي نأخذ المعاني الإلهية بترداد صلاة النوم الكبرى مع الجماعة والمشاركة في القداس السابق تقديسه. فهذه الفترة تكثيف للصلاة، فترة وعي ونباهة حتى يزيد شوقنا إلى الله ويدفعنا الشوق إلى مخاطبته. من يقول: إني اشتقت إلى الرب وأريد أن أكلّمه مع كل إخوتي في الكنيسة لأني أرجو أن يكلّمني هو ويهزّ ضميري ويعطيني الفرح على رجاء الفصح.

الفصح «عيد الأعياد وموسم المواسم» لأنه النور الإلهي الذي يرتسم على وجوهنا، ويمكّننا انتصار القيامة من رؤيته.

كل صلاة مفروض انها فصحية بمعنى انها مقتبسة من قوّة موت السيّد وقوّة قيامته. السيّد الظافر هو الذي يبعث بروحه القدوس الى قلوبنا ليشفع بنا. لذلك نستهلّ كلّ خِدَمنا في الكنيسة باستدعاء الروح القدس (أيها الملك السماوي). المصلّي انسان يكشف ان الله موجود في العالم في قديسيه.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب/ الاحد 22 آذار 2009 / العدد 12

هذا الأحد رتّبته الكنيسة لنسجد للصليب، والمعنى أن نسجد للمصلوب اذ اختبرت ان بعضا من المؤمنين اذا أدركوا منتصف الصيام يتعبون من الجهاد او يملّونه ويتضجّرون.

لهـذا، يـحمل الكاهـن الصليـب على صيـنيّة محاطـًا بـالريـاحيـن إن وُجـِدت او بـالزهور، ويـضع حـوله ثـلاث شمـوع تـرمز الى الثـالوث المقدّس اذ فداء المسيـح، وان قـام بـه السيـّد في جـسده، الا انـه مشيـئـة الآب والروح القـدس ايـضًا. واذا جـاء المـؤمـن للتـبـرّك بـعد المجـدلة الكبـرى، يـقبّل الصليـب، ويـعطيـه الكـاهـن زهـرة ليـوحـي اليـه انـه بالصليب قد أتى الفرح لكلّ العالم.

وفي القداس نقرأ من مرقس القطعة التي نستهلّها بقول الرب: “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. المفروض ان كلّ من اقتبل المعمودية يريد ان يتبع السيّد، ولكنّه قد يملّ احيانا او يتراجع عن الجهاد ولا يعاشر المسيح ولا يضعه في قلبه. اذًا هنــاك ارادة متــجـدّدة لاتّـبـاع الـمعـلـّم تساعدها فينا الصلاة وقراءة الكلمة والعمل الصالح.

السيـر وراء يـسوع يـتطلّب منّا أن نـكفر بالنفس اي أن نـبتعد عن كبريـائها وعن التصوّر أننا مركز الوجود. السير وراء المسيح يعني التخلّي عن الرذائل والتـحرّر من العيـوب، وهذا سمّاه يسوع صليبًا لأنه مُتعب كالصليب. ثم يقول: “ويـتبـعني”. الى أين تـوصل طريـق الجهاد؟ الى الجـلجـلة. حيـث نتّحد مع الرب المصلوب.

ثم يقول السيّد: “من أراد أن يخلّص نفسه يُهلكها” بمعنى أنه يفرض على ذاته التعب في اكتساب الفضائل.

أخيرًا يقول السيّد هذا القول العظيم: “ماذا يـنفع الانـسان لو ربـح العالم كلّه وخسر نفسه؟”. اذا جـمع اموالا طائـلة ومنـازل فخمة او صار ذا نفوذ كبـير ومعبود الجماهير، والمسيح ليـس في قـلبه، ماذا يـنـتـفع؟ ويـوضح السيـّد هـذا الكلام بـقوله: “ماذا يـعطي الإنسان فداءً عن نـفسه؟”.

كل عـظمة الأرض ومجدها لا تساوي ذرة من حيـاتـك في المسيح. واذا خـسرت كلّ مجد الدنيا ومـالك، ومات ذووك وأصدقاؤك، وبقيت صديقًا للمسيح، فأنت ملك.

أن تكون مع المسيح هو الّا تستحي به وبكلامه، أن تتبنّى الإنجيل في كلّ ما يقوله، ان تحاول ان تستوحي كلّ سلوكك من الإنجيل، ان تلتصق بكنيسة المسيح. وقد أعطينا خصيصًا موسم الصيام ليقوى عندنا هذا الالتصاق بيسوع.

فاذا تشدّدنا اليوم بالصليب، نكمل المسيرة الى الأسبوع العظيم حيث نلتقي ببهاء المصلوب وقوّة قيامته.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء يسوع لمفلوج / الأحد 15 آذار 2009 / العدد 11

كفرناحوم في الجليل هي المدينة التي اختار السيّد السكنى فيها بعد ان ترك الناصرة. مرّة كان مجتمعًا الى التلاميذ وأحبائه في أحد البيوت. البيوت الفلسطينيّة طبعًا معظمها صغير، واكتظّ الناس الذين كانوا حول المعلّم. “كان يخاطبهم بالكلمة”. ما عدا صنع العجائب، هذا ما كان الربّ يفعله اذا واجه جمهورا.

كان المسيح يستند الى العهد القديم الذي كان الناس يعرفونه ليصل الى رسالته هو.

أثناء جلوسه في هذا البيت أتى اليه أربعة رجال يحملون مخلّعًا اي مفلوجًا، ولما رأوا أنّهم لم يقدروا أن يصلوا إليه نقبوا السقف الذي كان مبنيًا كسقوف بعض البيوت اللبنانيّة في الجبل. السقف قائم من تراب مرصوص على خشبات متوازية.

غاية النقب ان يُدَلّوا المريض المستلقي على سرير الى الموضع الذي كان يسوع جالسًا فيه.

هـم كانـوا يـنـتظرون أن يشفيه الرب توّا منذ بدء اللقاء، غير أنّه قال: “يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك”. اعتبر بعض القائمين هناك أنّ هذا تجديف بمعنى أنّ هذا الرجل يجعل نفسه إلهًا. وتعجّبهم كان في محلّه لأنه لا نبيّ في هذه الأمة ولا معلّم للشريعة كان يغفر الخطايا او يُعلن لإنسان أنّ خطاياه مغفورة.

ردّ يسوع على موقفهم بقوله: “ما الأيسر، أن يـُقال مفغورة لك خـطاياك، أم أن يُقال قمْ واحملْ سريرك وامشِ”. الفـكرة أنّكـم رأيـتم أنتم مرارًا أنّـي اصنع عجائب وأُقيـم المفلوج وغير المفلوج من مرضه، ولكنّ إعلاني الغفران لهذا المريـض شيء جديـد ولا تعرفونه في تراثكم.

ولكي تتأكّدوا صحّة ما قلتُه في الغفران اسمعوا هذا: “إن ابن البشر له سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا”. كأنّه يقول أنا ابن البشر الذي تحدّث عنه دانيال. أغفر لأني جئت من الله وأشفي وقد رأيتم هذا، وهذه القوة تأتيني من فوق.

بعد أن قال يسوع للمريض: “قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك” قام فورًا. وخرج المفلوج.

هل نحن نفتش عن يسوع كما فتّش عنه الذيـن كانـوا حاملي المخلّع. هل نـُزيل الحواجز التي تـمنعنا من الاتـصال به كما فعلوا لمّا نـقبوا السقف؟

عنـدما نـكون في الخطيـئة نـسعى إليـه، واذا كنـا في البِـرّ نـسعى إليـه أكثر. ذلـك أن حياتـنا من يـسوع وفي يسوع. واذا ذهبـنا عنـه نضيـّع الوقـت والجـهود. شرط ذهابـنا اليـه أن نـؤمن أنّ الخطيئة فالج اي أنّها تُعرقل سيرنا الى السيّد.

عندما نرى أنفسنا على صدره كما فعل التلميذ الحبيب في العشاء السري نعرف أنّ لنا طمأنينة وسلامًا به.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن معلّمًا / الاحد 10 آذار 2009 / العدد 9

الى جانب الوعظ التعليم الذي يتمّ في الكنيسة او خارج الكنيسة. لقد ألفنا في كل الأبرشيات السهرات الإنجيليّة حيث يؤخذ مقطع من الكتاب ليفسّر سواء أكان هذا مقطوعًا من العهد الجديد او كان قراءة موصولة بحيث تأخذ مثلا كل إنجيل من الأناجيل الأربعة وتتابعه أسبوعا بعد اسبوع في هذا الحي او ذاك او في هذه المجموعة من العائلات او تلك. وهذا يحتاج الى استعداد جدي في الكتب التفسيريّة أُصدرت من كاتب أرثوذكسي او كاثوليكي. واليوم في تفسير النصوص ليس من اختلاف كبير بين المذاهب. غير ان السهرة الإنجيليّة تختلف عن صف في معهد اللاهوت بحيث توجّه الحاضرين الى مواقف أخلاقيّة، الى التوبة والى معرفة العبادات وتحثّ الحاضرين على أن يطالعوا الكتاب كلّ يوم في بيوتهم اذ المهم ان يعرف المؤمن العهد الجديد معرفة حقيقيّة ولا يتّكل فقط على المرشد.

المجال الثاني هو تربية الأحداث والأطفال على التعليم المسيحي. فهناك مدارس لا تعليم مسيحيًا فيها او هناك مدارس لا تنتمي الى كنيستنا. لذلك لا بد للراعي ان يـرعى رعيّـته. هـذا لا يـعني ان يـحتـكر الكاهن التعليم بل يقضي واجبه ان يُنشئ مسؤولين ومسؤولات من شبيبة الكنيسة ويدرّبهم على التعليم او يفوّض شبابا يعرف الكاهن انهم تروّضوا على المعرفة في حركة الشبيبة او مؤسسات أخرى.

وهذا يُحوجه ان يعرف كتب التعليم المسيحي المتداوَلة عندنا وان يجعل التلاميذ يقرأونها بحيث يكون التعليم متدرّجًا. واذا عرف الكاهن بكل تواضع انه غير مؤهّل لإعطاء التعليم او التدريب عليه، فليأتِ بأحد شبابنا المتقن التعليم ليتولّاه. تعليم الصغار موهبة ليست معطاة لكل واحد. لا بد في اكثر الأحيان من شخص علماني او شماس متدرّب يتولى المسؤوليّة.

الى هذا لا بدّ من تأسيس مكتبة في الرعايا لإعارة الكتب للمؤمنين. يحتاج هذا الى شيء من التنظيم. وعندنا في الكنيسة الأنطاكيّة ما لا يقلّ عن 400 كتاب بالعربيّة، فيها مواضيع مختلفة، كما عندنا للذين يُتقنون اللغات كتب لعلماء أرثوذكسيين بالفرنسيّة والإنكليزيّة. لم نبقَ فقراء في موضوع الكتاب. نتبنّى اذًا نظام إعارة الكتب. لا يحقّ لأحد أن يبقى جاهلًا. الكتب على مستويات مختلفة. والبسطاء لهم أن يفهموا كما المثقّفون.

الى هذا ايضا عندنا كهنة من كنيستنا يظهرون على شاشة التلفزيون. فتّشوا عنهم وقولوا للمؤمنين. إزاءهم نحافظ على قدرتنا على مناقشتهم.

الشيء الأخير أن عندنا من الكهنة من يُدعى الى إلقاء محاضرات هنا وهناك. المحاضرة غير العظة القصيرة. لها أسلوبها الخاص في الكتابة وتتطلّب استعدادًا كبيرًا في الكتب التي تعالج موضوعها. عظمة فنها انها تبسط معلومات لاهوتيّة او تاريخيّة او طقوسيّة كبيرة ومعرفة للديانات الأخرى. طبعا تقتضي معرفة اللغة الفصحى. ويمكن الكاهن ان يقوم بسلسلة مواضيع لا سيّما في الصيام الكبير ولا تكون عظة ولكن تعليما متناسقًا. له مثلا ان يتحدّث عن الأسرار فيتكلّم مطوّلا عن المعموديّة والمناولة بحيث يتناول سرًا وراء سرّ. كذلك يمكنه مثلا أن يتحدّث عن لاهوت بولس من خلال كلّ رسائله او عن لاهوت يوحنا في إنجيله والرسائل او عن تاريخ الكتابة للعهد الجديد او عن أهم المجامع المـسكونـيـّة تـعليـمًا عـقـائـديّـا متـجنّـبًا التـعـقيد ومتـجنّبًا السطحيّة بآن. وهذا كلام دقيق ومشبع ومطوّل.

للكاهن أن يأخذ موضوعًا واحدًا في الصيام او في يوم من الأسبوع طوال موسم او فترة طويلة من السنة اذا كان عنده مادة يُشبع بها المؤمنين.

وجه الكرازة وأساليبها ومراجعها وإلقاؤها تغني الحياة الروحيّة والفكر اللاهوتي في أيّة رعيّة، فلا يكتفي الكاهن بالموعظة على الإنجيل في كل قداس او خدمة، ولكن يتّخذ كل صناعة الكلمة اذا استطاع. واذا لم يقدر في البدء على إعطاء كل هذه الأنواع من الكلام فليكتفِ اولاً بما يستطيع، وليدرس باستمرار ليتمكّن من كل شيء لأنه خادم الكلمة.

Continue reading