Category

مقالات

2015, جريدة النهار, مقالات

أحد الأجداد / السبت في 12 كانون الأول 2015

في أحد النسبة أو النسب الذي يلي هذا يرد الحديث عن تحدر المسيح من إبراهيم أي من النسل المؤمن. اما اليوم فالحديث عن تحدر يسوع الناصري ممن سبق إبراهيم أي من الأمم الوثنية. لذلك التشديد في المسيحية الغربية عن تحدر المسيح من اليهود لا يعكس الصورة الكاملة التي أرادها لنفسه أعني تحدره من البشرية جمعاء هاجس بشري ان نؤكد تحدره من أنبياء إسرائيل ولكن ليس دونه بشرية تأكيدنا انه ابن البشرية كلها.

يسوع في جسده أتى من مريم أي من اليهود. وهذا تعبر عنه الكنيسة في أحد النسبة ومعناه أحد النسب. ولا يذكر الكتاب الا انه جاء من إبراهيم. اما إبراهيم نفسه فجاء من أور الكلدانيين، من العراق اليوم أي من الأمم. يسوع إذًا جسديًا كان من الأمم التي لم تكن يهودية. فكان الكنيسة في إقامتها هذا الأحد وتسميته أحد الأجداد أي الذين سبقوا إبراهيم أرادت ان تقول ان السيد هو أيضًا من الأمم.

نحن لسنا بالتالي متحدرين فقط من اليهود. القسم الأكبر منا جاء من الأمم. ونحن مع الأمم التي تنصرت صرنا من شعب الله بالمعمودية. وبعد خروج المسيحية من فلسطين صار غير اليهود الأكثرية في الكنيسة وهي لا تسأل أحدا من أعضائها ان كان أبوه يهوديا ام كان من الأمم. هذا موضوع تجاوزناه كليا.

المسيح يظهر في هذا الأحد سليل الشعوب وليس فقط سليل الشعب اليهودي. فقد أعدها الله لاستقبال المسيح بالإنجيل.

هنا التأكيد المفرط في الغرب المسيحي على يهودية المسيح يتجاهل ما قاله بولس ان اليهود والبرابرة أي غير اليهود واحد في المسيح يسوع بالتأكيد أكد الغرب أصله اليهودي بالروح ليكافح النازية التي اضطهدت اليهود. ولكن لا ضرورة الآن لهذا بعد انتهاء النازية.

عندي انه يجب ان نؤكد أحد الأجداد بعد ان أصر الغرب المسيحي إزاء هتلر ان يؤكد ارتباطه بالعهد القديم. هذه مرحلة من الفكر الغربي اجتزناها. حاجتنا الحقيقية بعد ان قبل العالم الحديث اليهود في مجتمعاته ان نؤكد عالمية المسيح وان نؤكد تاليا أحد الأجداد بالقوة التي نقول فيها بأحد الآباء.

لنا ان نؤكد الأصل الجسدي للمسيح لكونه إنسانا وخلصنا في جسده أي في بشريته وهذا لا ينسينا ألوهيته. نحن مخلصون بالطبيعتين.

نحن لا يعقدنا اليهود روحيا بعد ان تجاوزناهم. ونحن نرجو خلاصهم بالمسيح، أي إذا عرفوه. ولا تزال صلتنا بهم هي إياها أي برجائنا ان يتعمدوا. غير هذه الرؤية عاطفية.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

بلّغ أنك مبلّغ / السبت 5 كانون الأول 2015

أسرعت إلى القلم. من أنا لأقول شيئًا مني؟ غير أني أقول صادقًا لم أرد أن أقول شيئًا إلا من الله. لا شيء يؤكد لي أني أبلغ كلام الله إلا لاقتناعي أن ليس عندي ما أقوله مني لهم. «بلّغ أنك مبلّغ لست عليهم بمسيطر» أنت تمحى عندما تقول لأنك عبد. ولكن الكلام فيك ولا تستطيع إلا أن تخرجه من فمك.

الكلام فيك هو الذي نزل عليك. أنت ناقل لكلام الله إن كنت له. كلامك لا تعرف انه من الله إن لم تكن مؤمنًا كبيرًا ولست تريد أن يكون لك كلام إلا الذي ينزل عليك. ما يأتي مني أتاني من الناس حولي أو ممن سبقني. له قيمة الناس وقيمة قبولي. ليس ما تقول حقًا إلا الذي نزل عليك. أنت امتحن كلامك بالضمير لتوقن على قدر الإمكان أنه نازل عليك. «بلّغ انك مبلّغ لست عليهم بمسيطر»، حاول أن تفهم ما قاله الله. أنت فمه إن استطعت أن تكون له رسولا، حاول أن يكون قلبك له ليجعلك رسولا. إذا أنت مع خطاياك لا تقدر أن تكون وحيدًا مع الله. إذا استطعت أن تتحرر من الخطيئة إلى حد كبير تقدر أن تقول كلمة الله بصورة فعالة وإلا كنت مجرد محدث. ما من واعظ ولد في العالم إن لم يكن برحمة الله يستطيع أن يبلغ. وإذا زاد كلمة واحدة على كلمة الله تبطل كلمته.

غير إنه لا يمكن أن يقول كلمة الله إن لم يكنها. التوحد بالله إيمانًا، وسلوكًا شرط التبليغ فإذا استطاع الواعظ أن يوحد نفسه بربه بالمحبة يقدر أن يقول شيئًا من ربه وإلا كان كلامه ترداد ما قرأ. لذلك كان الواعظ الكبير المطيع الكبير.

يعني ذلك إن من لم يكن مسعاه أن يتطهر لا ينبغي له أن يتكلم بشؤون الله لأن شأن الله لم يدخل إليه. يجب أن يفهم المتدنس إن لا قدرة له على تبليغ الكلام الإلهي. الناس لا يسعون إلى كلامك. يريدون كلمة من فوق. وأنت لا تستطيع أن تصطنع نفسك إلهيًا. هذا ينزل عليك أو لا ينزل.

ان لم تعرف نفسك عائشًا بالله لا تقل شيئًا. هذا يكون تفهًا. امتنع عن الكلام ان عرفت نفسك مدنسًا إذ يأتي كلامك دنسًا. لا تتكلم إلا من فيض نزل عنك. الناس لا ينتظرون كلامًا بشريًا. يتوقعون كلمة من الله أتى بها لسان بشري.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

السلام / السبت في ٢٨ تشرين الثاني ٢٠١٥

إذا قال المؤمن للمؤمنين السلام عليكم يريد به سلام الله لأن الرب وحده يعطي نفسك طمأنينة بمعنى انه يحررك من الخطيئة أولا ويمنع الشر من ان يفتك بك. لا بد للشرور من ان تأتي ولكن لها الا تؤذيك ان كنت مؤمنا. إذا قال المؤمن للمؤمن السلام عليك يريد بذلك سلام الله في نفسك لأن المخلوق لا يقدر ان يعطي المخلوق سلاما حقيقيا أو نهائيا. الناس في اضطراب فلا يستطيعون سلاما. فإذا قال لك أحد السلام عليكم يريد سلام الله القادر وحده ان يعطي النفس هدوءا حقيقيا.

لا يقدر أحد ان ينتزع سلامك منك ان كان من الله. يهزك، يقلقك ولكن ان سكن الرب نفسك يبقى فيها ان بقيت أنت في طاعته إذ ذاك لا يقدر عليك شيء أو أحد. نفسك لا تحيا روحيا بذاتها. الله وحده محييها ان قبلت أحياءه لها بالطاعة. سلامها ان ربها يسلمها من أذى الخطيئة. إذ ذاك هي منسجمة معه ولا يخجل المؤمنون ان يقولوا ان النفس هذه تألهت أي صارت قابلة النعمة وهي عطاء إلهي غير مخلوق.

ليس في الإنسان سلام في نفسه الا إذا نزل عليه من فوق لأن الإنسان متناقضات بالهوى أي بالتحرك الذي ليس من الله. وإذا بقي الإنسان غير تائب فمن أين له هدوء في النفس؟ التائب إلهيا متحرر من الخطيئة لذلك الدعوة إلى السلام لا مضمون لها الا إذا كانت دعوة إلى التوبة.

السلام السياسي بين شعبين مؤقت بطبيعته. يزول بظهور الهوى أي مطامع الشعوب. هو تهدئة مؤقتة في عالم السياسة المتغيرة بطبيعتها. في دنيا السياسة تعطيك الدولة الأخرى سلاما ان كان لها فيه منفعة. فإذا تغيرت منافعها تتغير سياستها.

السلام بين الدول ان لم يبق على القبول المصادق من الواحدة للأخرى لا يدوم. يجب ان تقنع كل شعب انه ليس وحده على الأرض وربما يجب ان يعتقد ان الشعوب الأخرى لها حق في الحياة. في الأخير السلام القائم على مصلحة الدول معرض للزوال. وحدها القناعة بأن للآخر حقا في الوجود تضمن السلام إلى حد بعيد.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

على رجاء القيامة / السبت في ٢١ تشرين الثاني ٢٠١٥

ليس من عريس للكنيسة الا المسيح لأنه هو وحده الكامل. والكنيسة ليست عروسة كاملة له الا من باب التمني لأنها من التاريخ ولأن في أعضائها خطايا. في الحقيقة الكنيسة رجاء لا تتحقق الا في اليوم الأخير. وكلنا سائر فيها على رجاء القيامة والحياة الأبدية. بمعنى حقيقي الكنيسة مشروع والمشروع في طبيعته وتسميته غير كامل. الكنيسة لا تكتمل الا في اليوم الأخير أي عندما تقوم الأجساد عادمة الفساد. ولكونها مشروع الخلاص نحن فيها. ونحن بها في طريقنا إلى القيامة.

وأنت تأتي إلى القيامة إذا استنرت أي إذا تناولت جسد الرب ودمه لأن الرب قال: «أنا القيامة والحياة». الكتاب يعلم ان الذين أخذوا جسد المخلص هم المدعوون إلى قيامته. الذين لم ينالوا جسد الرب هنا ليس عندنا عنهم تعليم. هم في رحمته. لذلك على الرجاء نقول ان السيد يمد رحمته على من شاء. وعلى إيماننا في المخلص ورحمته نرجو الخلاص لمن أحبهم هو. الناس جميعا يأخذهم في رحمته. ربما كانت رحمته هي القيامة لمن لم يعرف التعليم عن القيامة. وهؤلاء هم أكثر الإنسانية.

نحن في اللاهوت العميق الأصيل ليس عندنا تعليم عن خلود النفس. هذا قول من الفلسفة اليونانية. تعليمنا نحن عن قيامة الأموات في أجسادهم كما ورد بوضوح عند بولس. بكلام آخر لم يرد شيء في الكتاب المقدس عن خلود النفس. الوارد كلام عن قيامة الأجساد بما فيها النفس. نحن لسنا خلوديين. نحن قياميون. هذا تعليم آخر.

نمر بالموت قصاصًا محتومًا وزوال الموت حتى القيامة الأخيرة. وقبلها ليس من نصر كامل. النظام الإلهي الكامل من بعد الخطيئة هو الموت والقيامة قبل اليوم الأخير وعد. والوعد شيء مما سيصير.

القيامة فينا اليوم ما هي الا المحبة. الأجساد لا تزال في القبور قبل هذا بالروح القدس الذي فينا نصبح قياميين أي ذائقون مسبقًا قوة القيامة. التوبة أولا هي القيامة الأولى. من هذه نسير إلى انبعاث أجسادنا.

عندما ترجو وأنت في المسيح يتحقق شيء من رجائك بالقداسة. في عمق الكلام القداسة إطلالة حقيقية على القيامة. لأن القداسة هي مشيئة الله. بكلام آخر القداسة بدء الملكوت فيك. بها أطللت. وحدتنا مع أهل السماء قداستنا وقداستهم.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

الصداقة / السبت ١٤ تشرين الثاني ٢٠١٥

الصديق كما افهمه هو من انفتح عليك لإحساسه بالقربى منك ولا سيما في الأمور العظيمة. من اقترب منك سطحيا، اجتماعيا لا يصل إلى هذه المنزلة. وتحس ان قلبك مفتوح له بحيث تسمح له أو تريده ان يدخل إلى أعماق نفسك ويقرأها ويناجيها. الصداقة تتم إذا في عمق النفس وتأخذها إذ لا خوف فيها على نفسها. تنفتح وتعطي لأنها تكون تحررت من الامتلاك.

على مستوى عال من الإحساس وربما من الخلق أنت تأخذ من الصديق كما تعطيه. المودة غير موجودة من جهة واحدة. إذ ذاك تكون عطفا أو حبا بلا تبادل وهذا أمر ممكن ولكن الصداقة تبدأ بشعور الحاجة إلى الآخر للأخذ منه وطبيعيا يرافقها العطاء. وهذا يعني ان ثمة في نفسيهما تلاقيا وجدانيا يصل أحيانا كثيرة إلى حد التساوي وان لم يكن هذا منفعة أو إرشادًا أو تعاضدًا حزبيا وما إليه.

الصداقة تبدأ بعطش لأن الآخر «أساسي حتى التنفس». وما لم تسع إلى تنفس من خارج نفسك فأنت تجف حتى الممات. المحبة إذًا أصل بشري فينا قبل ان تتجمل وتسمو بنزول الله علينا. الذين يحبون الله كثيرًا هم الأصدقاء الحقيقيون لأنهم لا يريدون ان يبيدوك أو يتسلطوا عليك. اما الذين عندهم سلطان يفرضون ما يظنونه عاطفة فهؤلاء ليسوا بأصدقاء.

تبدأ الصداقة بملاحظة الانسجام بين نفسين ولكنها لا تبقى الا عند القادرين على المحبة الحق المعطاء. لأنها ليست مأخوذة لنفسها ولكنها مأخوذة إلى الآخر بسبب مما يفوق الآخر أي بسبب الرب والا كانت تحكما. أنت في الصداقة قربان أي معطى للآخر وعند الكبار أنت معطى لأنك تذهب منه إلـى الله أو إلى الحق أي دائما في العطف ولكنك غاية بحد نفسك أي ان الصديق لا يجعلك لأجل نفسه ليستمتع بقلبك وبفهمك وقرباك ولكنه لك بسبب من قربه إلى الحق. وحيث لا حق لا صداقة. هناك استمتاع وقد يكون هذا بالمعنى الراقي ولكنه استمتاع.

أظن ان الصداقة جوع لأن الآخر أساسي في وجودك. تكتشف هذا مرة ولا تعرف السبب. ان كنت روحانيا تفهم ان العلاقة بدأت برؤية الحياة الروحية عند الآخر أو بقدرته على الوصول إليها. هذه هي العلاقة الأقوى التي لا تزول بزوال المنافع أو تغير الأمزجة إذ الصداقة العظيمة الله في أصلها ويبقى في نموها. ما خلا الله كل قربى استمتاع.

تبدأ الصداقة بالقربى تحسها. عند المؤمنين هي وحدة الإيمان إذا عظم وسعى الإنسان فيه إلى شريك وأعني بذلك قربى القيم أو وحدتها. ما عدا ذلك منافع في الأرض وتحالف في مصالحها ولا علاقة لهذا بالقلوب.

لذلك ليس من صداقة الا بين الطاهرين في نسبة من الطهارة كبيرة. والذين تقاربوا بسبب من منافع في الأرض يتباعدون إذا انتهت منافعهم.

إذا جاءت الصداقة من تقارب العواطف فقط تزول بزوال العاطفة. اما إذا أتت من القيم التي نبني عليها حياتنا فتبقى تابعة من القيم ولو تقلبت ظروف حياتنا. بلا قيم تتصدع الصداقة إذ تتعرض إلى صدمات كثيرة. لذلك كان الذين حاولوا تعليمي الحق يقولون لا صداقة بلا إله يحييها فيك ويغذيها. على هذا أقول ان ليس من صداقة الا إذا أنت من قيم نعرف نحن المؤمنين انها آتية من الله فصديقك قد يخطئ إليك. كيف تحفظه ان لم تسامح؟ أنت لا تحاسبه على خطأ تملكه هو في كثرة من الأحوال. قد تنخفض الصداقة عند قليلي الإيمان إذا اصطدمت بالمنافع المتناقضة. إذ ذاك تعرف انها لم تكن من الله. إذا لم تبق مشاهدا نور الله على وجه صديقك تخسره. في الأخير الأخير أنت في الصديق تحب الله. فتحس ان صديقك هو وجهه فهم أم لم يفهم.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

وجه الرب / السبت ٧ تشرين الثاني ٢٠١٥

من يرزقني ان أرى وجهك يا رب ولا أموت. ليس من وجه على الأرض صورة وجهك. ما رآك أحد قبل ظهور مسيحك. الأنبياء كلمات. ولكن أنّى لي أن أراك وأنا في الخطيئة؟ أنت أطللت في وجوه. هي صور. هذا يترك فيّ عطشا. أين تكون في عطشي اليك؟ هل كُتب عليّ ان أبقى جافا؟ وجهك يا رب أعطني.

غير اني اعرف اني في الخطيئة لا اراك. اذًا لست أعيش. متى أعيش؟ لماذا تحجب وجهك عن عيني؟ هل لأنهما جسد؟ لماذا اذًا تركتني في الجسد؟ هل تريد ان أموت قبل ان تأخذ مني روحي؟ كل ما عداك عذاب.

سأل ابنك الأعمى ماذا تريد. أجابه ان أبصر. ولكن اذا أنا سألتك ان تبصرني كيف أواجه عينيك؟ هل اذا نظرتا إلي يعني هذا لي الغفران أم يبيدني بصرك بسبب من الخطيئة؟ أنا لا استطيع ان ادنو من وجهك لأن من رأى وجه الله لا يحيا. كان هذا في القديم غضبا وأنت بعثت الينا من أتى بالرحمة. هل نزلت إلي بالرحمة؟ كيف أعرف اني لست ماكثا في الغضب؟ كيف أعرف انك قبلت أعمالي؟

فقير أنا يا رب ولن يزول فقري اليك لأني أكون قد وصلت وما وصل أحد. كيف ادنو منك وفيّ ما تكرهه؟ ما عندي غير هذه المشكلة حتى أموت. هل أموت؟ هل يموت أحد وأنت حياة المائتين؟ اكشف لي وجهك يا رب حتى لا أموت. لا تقبل أنت موتي. ضعفي هو موتي. هل تنهضني أنا الأعرج؟ إذا نهضت هل لي ان انظر إلى عينيك؟

أنا طريح هذه الأرض. كيف تنقذني من السقوط المتواصل؟ أنا بعيد يا رب. دعني اقترب لئلا أموت.

كل مسعى لنبقى في البشرة مستحقين باطل. أنت وحدك المتعة. لا تبقني خائفا يا رب من ضعفاتي لئلا أموت فيها ولكني أعرف اني لن اكتسب من قوة الا تلك التي تعطيها. لا تدعني إذا في فقري.

لا أحد من القديسين بديل عنك يا رب. ان أنا رأيت وجوه المقيمين في القداسة أعرف انها لا تكفي، انها ضعيفة. وجهك يحتوي كل الوجوه. ليس من وجه مخلوق يضيف عليك شيئا. كل حياتي ان أراك وأشبع. كل وجوه القديسين يا رب إشعاعات وليس في واحد منها نهاية. أنت لا تلغي الوجوه يا سيد. تسودها حتى نعود منها إليك ونستريح. وجهك لا يلغي وجها، يضيئه.

الفقر يا رب جوع. أنت قلت انك خبز الحياة. معنى كلامك انك أنت الحياة. دعني أشعر ذلك لئلا أموت. وجهك يا رب، وجهك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

في‭ ‬الألم/ السبت في 31 تشرين الأول 2015

الألم مطروح سؤالا على المفكّر الديني. هل هو عقاب من الله كما يظن البعض؟ الجواب البسيط ان الله لا يعاقب بالألم ولا بغير الألم. على الإنسان الموجوع ان يقرأ اذا استطاع معنى ما يحل به. له ان يرى في أوجاعه افتقادا من الله أي تعبيرا عن محبته للإنسان. وأنت لا تحق لك الشماتة. أنت لست ترجمانا عند الله إذا حلّ الألم بالناس. حق لك ان ترى في أوجاعك تذكيرا من ربّك من أجل عودتك اليه. ولكن في الشماتة تجعل نفسك مترجما لله وبالترجمة لم يفوضك ربك. أنت لا يحق لك ان تترجم لأحد آلامه. أوجاعه تكفيه. إذا أخذ منها درسا فهذا حقه وحده. الألم يعني لنا تربية ان كنا مؤمنين ولكن أنت لم يفوضك ربك لتقول للناس ان آلامهم فكر الله.

لا يحسب أحد على الناس ان آلامهم من الله. أحيانا هي علامة برهم. أنت اقرأ آلامك وحدك تربية لك. لا يجدر ان الا تدمج بين الألم والخلاص. الألم بحد نفسه لا يعني شيئا. ان أخذته تربية لك يصير له معنى. لذلك ليس لنا تعليم عن الألم. قد يكون عقابا. أنت لا يحق لك ان ترى عقابا في أوجاع الآخرين. لك ان تتوب إذا ازدادت آلامك أنت.

ان توجع نفسك عمدا لتتحد بآلام المسيح هذا ليس من تعليم كنيستنا. الدنيا فيها آلام كثيرة فلا تحتاج أنت إلى الإكثار من آلامك عمدا. طلب الألم والسعي اليه ليس من المسيحية في شيء. المسيحية ليست ديانة الألم كما يظن البعض. هي ديانة القيامة أي التخلص من الألم. نحن ما جاء خلاصنا من آلام المسيح الا لأنها وعد بالقيامة.

في الكنيسة الشرقية المصلوب تصور عيناه مفتوحتين حتى نقول ان الصليب من حيث هو أوجاع لا يعني شيئا لأن معناه الحقيقي انه طريق إلى القيامة. غير صحيح ان الروحاني المسيحي يتلذذ بالألم. يقبله بالصبر لأن الله سمح به لكي يتجاوزه بالقيامة التي هي عطية الله. ليس الصليب عندنا الا مرحلة. الغاية هي الانبعاث من الموت.

نحن لا نطلب الموت ولا نستلذه. نمر به إلى القيامة. الصليب  حدث دخل علينا بخطيئة الإنسان. المسيح قبل الصلب إذ لا قيامة بلا صلب.

يخطئ كل من اعتقد أن الكنيسة تريد المؤمنين ان يشتهوا صلبهم بالأوجاع. نحن نكره الأوجاع. نقبلها لأنها الممر المألوف بشريا إلى ما هو بعدها أي إلى الحرية بالله وفي الله.

من يتابع حقا وفي عمق صلوات الآلام عندنا في الأسبوع العظيم يفهم اننا لا نستلذ هذه الآلام ولكنا ننظر بعدها إلى التحرر منها. لك ان تقول ان الصليب شعارنا إذا فهمت انه طريقنا إلى التحرر بالانبعاث. ولكن يخطئ بعض المسيحيين إذا بالغوا في الكلام عن القيامة دون ان يذكروا الألم وقبوله بطاعة الله.

هناك من استلذ الألم. هذا ليس من المسيحية. انه موجود. أنت تقبله فقط لأنه مرحلة للتحرر منه. عندما تركز كنيستنا في أعيادها وأناشيدها على القيامة فهي لا تهمل صلب السيد ولكنها تذكر أنه طريق إلى الانبعاث من الموت. إذ ينبغي ان ينتبه أبناء كنيستنا الذين يذكرون القيامة كثيرا في عباداتهم ان هذه لا يبلغها الإنسان الا إذا مر بصلب شهواته وأخطائه. أنت تحرر نفسك من عشق الخطيئة لتصل إلى الخلاص. الخطيئة جذابة، لا تتعايش واياها لئلا تلتقطك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

القتل / السبت في 24 تشرين الأول 2015

في البدء كان القتل. قايين، قاتل أخيه مثال لكل القتلة في كل زمان ومكان. الإنسان يسالم لأنه يخاف ان يُمات. السلام إذًا قناعة، إيمان. اما القتل فهو البدء. والبدأ حيواني فينا إلى أن جاء الله وقال: لا تقتل. الهدوء غلب الطبع البشري. أتى بالتعليم الإلهي. اما الإنسان فكما قال الرومان الأقدمون الإنسان ذئب للإنسان. أنت ان صرت إلهي الطباع والروح تكتسب السلام. تريده طمأنينة لك. الأساس ان تلغي الآخر. انها نعمة ان تحس ان الآخر ضروري لك. وكثيرا ما شعرت ان موته ضروري، أو موته يحييك. المحبة بمعناها الحقيقي الواسع ليست من مألوف قلوبنا. هي نعمة من فوق.

الا تكون عنيفا في فكرك قبل المعاملة أمر نازل عليك من فوق. ان تصير هادئا حتى إعطاء السلام إلى كل مخلوق يعني انك تجاوزت الحيوان الكامن فيك. ان تقبل الآخر كما هو، كما تراه تعني انك قبلته خليقة الله وانك اعترفت بالله. من أصعب الأشياء ان تعترف بالآخر في محبة. ان تحب هو الا تتمسك بمصالحك ومنافعك، ان تكون معرضا للآخر ونزواته وأحقاده. الاعتراف بالآخر هو المحك الذي تعرف به انك محب لله. أنت لا ترى الله ولا تتأكد انك محبه ما لم تكن محبا للناس. ان تكون مسالما في المعاملة لا تكفي اذ قد تخفي مصالح لك ومنافع. ان يكون قلبك محبا هذا كل شيء.

الإنسان في الأصل ذئب للإنسان إلى ان يتوب. المحبة من الله. المحبة لا تبقى فيك ولا تتأصل ما لم تكن خاضعا لله ترى من خلاله البشر جميعا إخوة. الإنسان قاتل للإنسان فكرًا أو عملًا ما لم يكتشف ان الانسان الآخر حبيب الله.

ان لم تكن خائفا من إنسان آخر تغفر له لإيمانك انه حبيب الله. أنت تريد ان يبقى الرب عنده وتحس انه أخوك بأمر من الله. بلا هذا الإلهام الإلهي لك مصالحك وله مصالحه. الرب وحده يكشف لك انه أخوك وإذا ضعف إيمانك بالله تكون صلتك مع الآخرين قائمة على مصالح لك ولهم. الرب وحده جامع الناس اليه أي انهم يلتقون بعضهم ببعض بالإيمان.

أنت لا تقتل لأنك تريد الحياة لك أيضا. الذي يسالمك يريد الحياة لك ولنفسه. وهذا يأتي اما من خوف عنده أو من محبة للسلام ليست قائمة على الخوف.

في البدء كان قايين أي كان القتل. المحبة جاءت فيما بعد. لذلك جاء في الكتاب عندنا «الله محبة» أي هو الجامع بينك وبين الآخر وهو الواضع فيك احترام الآخر وتصبح المسالمة طبعا. في الحقيقة ليس من طبع. هناك النعمة تنزل عليك لأن الرسول عندما قال «الله محبة» أراد انه هو الذي يعطيها. لا تكفي بشرتك لكي تحب لأنها تحب وتبغض اما اذا انحصرت في المحبة فأنت آت من الله.

كل من أبغض قاتل نفس واذا لم تبغض تكون آتيا من الله. وعندما قال يوحنا الرسول «الله محبة» أراد ان طبيعة الله هي المحبة. عندما نقول هذا نريد ان الله وحده هو القادر ان يخرج من نفسه ليضم الخلائق كلها اليه.

القاتل يقيم نفسه مقام الله لأنه يتولى الموت الذي هو أمر من الله فينا. الحياة يستردها من أعطاها لذلك لا تقتل أحدا ولا تقتل نفسك.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

في الغضب / السبت ١٧ تشرين الأول ٢٠١٥

«اغضبوا ولا تخطئوا» لداود النبي تعني لي إذا أثاركم أحد إلى حد الغضب لا تبقوا عليه. أنتم ليس لكم شيء على من أثاركم. لا ترزحوا تحت الإثارة. اصفحوا وعودوا إلى الهدوء. أرادوا ان يثيروكم لتخطئوا. أمام هذا يقول الكتاب «اغضبوا ولا تخطئوا» بمعنى ان الثورة على أذى اصابكم معقولة ولكن الثورة على من أحدثها فيكم خطيئة.

عندما يقول صاحب المزامير: «اغضبوا ولا تخطئوا» لا يحلل الغضب ولكنه يريدانه إذا حل لا تذهبوا به حتى الكراهية إذ الصفح هو الوصية. وكأن داود يقول انه يفهم حدوث الغضب ولكنه يحصره في من غضب ولا يريده ان يمتد. بكلام أوضح أنت لا تغضب على الآخرين لأن في ذلك أذى. الإثارة ممكنة وطبيعية. ولكن ان تحل على آخر فهذا من الخطيئة. في مراقبتي لنفسي وللناس لا أعرف غضبا ليس فيه أذى لصاحبه وللغير. هو جواب غير شرعي عن جرح حصل إذ لا يقبل الله جوابا الا الغفران. من غضب عليك يجرح نفسه أولا. أنت تحزن لجرحه نفسه وأنت لك الله معزيا. إذا أثار أحد فيك غضبًا شديدًا تبكي لخلاص نفسه وتبقى نفسك حرة منه لها إلهها. عند غضبك تبكي على نفسك لا على من أغضبك لأن ما يريده الله شفاؤه. الغضب في كثرة الأحوال حقيقته ان أحد الناس مسّك وانتفضت لكرامتك كما تسميها.

عندما تثور لغضب أصابك تكون قد استعظمت الجرح الذي ابتليت به. تكون ضعفت وما حررت الغاضب من خطيئته. إذا جرحك أحد أذكر انه في الحقيقة جرح نفسه أولا. أنت لا تصيبك طعنة وجهت اليك الا إذا أردت ان تصير ضحيتها.

إذا غضب عليك أحد اشفق عليه وسامح انه يحتاج إلى حنانك ليشفى. من أساء إليك يصبح بإساءته محتاجا اليك. ادعُ ربك من أجله. في اسائته يبقى أخاك ولو لم يعلم. من آذاك اعلم الناس انه في حاجة إلى عطف ربه بواسطتك.

من يغضب لا يعلم ان شراسة الأذى لفاعله. المغضوب عليه يشعر انه هو وحده المجروح والحقيقة ان الجرح لاثنين. «طوبى لمن غفرت ذنوبهم وسُترت خطاياهم».

إذا غضب عليك أحد اشفق عليه أولا فإنه آذى نفسه قبل ان يؤذيك. جرح المغضوب عليه معرفته انه أقصي من الوجود أو أقلّه انك أقصيته عن قلبك. المحروم من المحبة قد يكون في غاية الحزن. لا تجعل أحدا في الصحراء. قد يموت اختناقا.

Continue reading
2015, جريدة النهار, مقالات

السلطة / السبت في ١٠ تشرين الأول 2015

لا أعتقد ان في فكر بولس الرسول تقديسًا مطلقًا للسلطة السياسية على ما قد يفهم من ظاهر الكلام في رسالته إلى أهل رومية بعد أن أعطى حكمًا يبدو مطلقًا من أن «لا سلطة إلا من عند الله» (رومية ١٣: ١). ليس الرسول في معرض موقف مبدئي. إنه يخاطب أهل رومية في ظرفهم. السلطة عنده سلطة رومية ويراها في خدمة الله وهو لا يتصور انها قد لا تكون كذلك. لا يمكن أن نعتبر كلام بولس في هذه الرسالة تقديسًا لكل سلطة سياسية أيًّا كان تصرفها. فالدولة في حكم الله وإن خرجت عنه لا قدسية لها. تبطل سلطة إن هي خلعت سلطان الله عليها. هل نتمرد على السلطة السياسية بالضرورة إن اقتنعنا انها خلعت سلطة الله؟ موضوع مفتوح وشائك. غير أن الثابت عندنا أن الفكر المسيحي يقول إن قدسية السلطة ليست قائمة دائمًا. تذهب وتجيء. وهذا يفتح موضوع التمرد على السلطة.

ليس إذًا من قيمة مطلقة لأية سلطة، هذا تابع لتحركها. السلطة تزول بالظلم لأنها تكون خالفت الغاية من وجودها. هل يجب أن تزيلها إن هي فعلت؟ سؤال مفتوح. الجواب الأول المبدئي هو أن سلام البلد هو الأساس وأنك أحيانًا تقبل بالظلم لأنه ليس الأسوأ. بصورة بسيطة أقول إن ليس من قدسية لأي نظام. المهم أولاً العدل بين الناس وثانيًا السلام الداخلي. إذًا لا قدسية لأي نظام قائم. القدسية لسلام الشعب والعدل فيه ليس من سلطة تأخذ شرعيتها من ذاتها. الشرعية فيها قائمة على قدسية ممارستها. لذلك أباح الأخلاقيون خلع السلطة أحيانًا. المعيار عندهم منفعة الأمة. ليس من حاكم صالح خارج ممارسته. أي ليس من قدسية للكيان السياسي. القدسية للممارسة فقط. القداسة للأشخاص وليست للأنظمة. لذلك في المبدأ يجوز خلع النظام إن سلك ضد سلامة الأشخاص أو حريتهم.

في الأخير السلطة ليست بالأشخاص القائمين على الحكم. هي في العدل وعند استبداد الظلم يحق لك أن تخلع السلطة إذ تكون قد فقدت شرعيتها.

يفترض بولس الرسول أن السلطة في خدمة الله للخير (رومية ١٣: ٨). إذًا غير صحيح اننا نخضع للسلاطين القائمة لمجرد أنها قائمة. ليس من ترادف بين السلطة والخير. لذلك أباح الأخلاقيون التمرد على السلطة السياسية في بعض من الحالات. كل فلسفة الديمقراطية انك تحكم على السلطة القائمة. أنت تخضع للسلطة القائمة إن كانت في واقعها مع الله. ولكن ليس من قدسية للجالس على الحكم لمجرد جلوسه. السؤال الوحيد المطروح هو هل الحاكم مع الله.

Continue reading