Category

مقالات

2012, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح / الأحد 15 نيسان 2012 / العدد 16

«المسيح قام من بين الأموات» كشف لقمّة إيماننا. وقد درَجت منذ فترة عبارة للتعزية بين الذين يحسّون بالقيامة. قبلنا القديس سيرافيم الروسي ألّف عبارة تحية له يقولها في كل لقاء: «يا فرحي، المسيح قام». ونحن الذين لا نستحيي بالإيمان في زياراتنا الفصحية لا نزال نردد: «المسيح قام».

هل نبقيها جملة صارت مألوفة عند الأرثوذكس أَم نُخرجها إلى اللسان من أعماق القلب إحياء للصديق الذي نُسلّم عليه ودعمًا لإيمانه وتشجيعه على قبول قيامة المخلّص قوة له وحياة جديدة؟ إذا كنّا نعنيها فقد نكون مسرورين أو متعبين، مرضى أو أصحّاء، ميسورين أو محتاجين. العبارة هذه فوق كل هذه الأوضاع والظروف الحياتية، قائمة وفاعلة بذاتها وناقلة النعمة من أفواهنا إلى أُذني الآخر فقلبِه.

نتلو القولة من قداس الفصح إلى خميس الصعود لنشبع جميعًا من حيوية القيامة لعلمنا بأننا انتقلنا من الموت، ايّ نوع من أنواع الموت، إلى الحياة اذ لم يكُن في عمق النفس البشرية فرحٌ ما دام الموت منتصرًا والبشرُ غير عارفين الا الموت. ولما عرفوا الحياة الجديدة في المسيح لم يبقَ الموت حقيقة راهنة وسمّيناه الرقاد لعلْمنا بأننا بالمسيح ننتقل إلى حياة جديدة في السماء.

كل مشكلة الإنسان الموت وما قبله صعوبات نتخطّاها. ولما جاء المسيح حلّ هذه المشكلة وتلقّينا من المخلّص وعد القيامة. هذه هي القيامة الأخيرة أو العامة. ولكن هذه القيامة الأخيرة تسبقها قيامة أولى وهي المعمودية، وقيامات عديدة وهي توباتنا المتلاحقة ومناولتنا جسد الرب ودمه. وهذه تهيّء القيامة الأخيرة. أي ان حياتنا صارت بالمسيح قيامة دائمة، واذا سقطنا يعود جسد المسيح ودمه لإحيائنا وإقامتنا في رجاء قيامات آتية.

نمط حياتنا تحن الفصحيين نمط قياميّ، وأناشيدنا أناشيد قيامة لأن كل كلام في الكنيسة يقود إليها ويحتويها ضمنًا أو صراحة. لذلك ركّزنا أن كل أحد في مطلع الأسبوع هو فصح ويُذكر فيه القائم من بين الأموات. ولا شك أن تعييدنا يوم الأحد سبق تاريخيا تعييدنا للقيامة.

حتى يتم الفرح الفصحيّ فينا كل يوم ينبغي ألاّ ننسى ان ابن الله تجسد ليحيا حياتنا ويُلازمنا في كل شيء ما خلا الخطيئة. «إنْ حَيِينا فللرب نحيا، وإنْ مُتنا فللرب نموت» (رومية 14: 8).

يسوع يُساكننا في العيش وفي الموت. واذا التصق بنا في الموت يُحيينا توّا ولو بصورة غير منظورة. يجعلنا له ومعه إلى أن يجمعنا في اليوم الأخير.

إن قرأتم هذا قولوا: «حقا قام».

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكسيون / السبت 14 نيسان 2012

لم أكن لأخصص لهم مقالا لو لم تكن لهم فرادة. الفرادة لا تجعلهم أفضل من سواهم أو أسوأ. سأحكي عنهم بما تيسر لأنهم مجهولون إلى حد انهم لا يستطيعون لقلة عددهم ان تكون لهم مطامع في الأرض. ولكنهم هنا يعايشون سواهم بلا نتوء، بقليل من الصراخ.

مرة كنت ضيفًا على المثلث الرحمات مطران بيروت الماروني السيد إغناطيوس زياده. فلما استطعنا ان نختلي قال لي ما الفرق بين قداسنا وقداسكم. أجبته: سيدنا، هذا سؤال عارف، زودني أنت بالجواب. فبعد ان شرح لي خلفية القداس الماروني قال لي: أنتم تستهلون قداسكم بقولكم: «مباركة مملكة الآب والابن والروح القدس». هذا الكلام الملوكي أتاكم من معاشرتكم أباطرة الروم. لم أعارضه مع علمي انه غالى في تبجيلنا ولكني كنت أدرك عمق ما قال، رحمه الله. في هذا الخط وفيما كان ادنى إلى التواضع اذكر اني قلت غير مرة لغسان تويني nous sommes d’empire وعنيت بهذه القولة اننا نندمج بالامبراطورية القائمة من حيث هي دولة وعبرنا الامبراطورية الرومانية ثم العربية والمملوكية والعثمانية ودولة الانتداب وانطوينا طبعا في ما نحلم انهما دولة لبنان.

في رؤيتي الشخصية ان السنّة كانوا على حق بما جاهروا بطريقة أو بأخرى انهم لا يقبلون التصنيف الطوائفي ولعل ما جمعنا اليهم اننا مثلهم لم نقل بالطائفية لإيماننا اننا الكنيسة الجامعة أو من الكنيسة الجامعة واننا لا نرضى هذا الحبس الطائفي الذي اراده لنا دستور 1926. ولكن هنا يسمع صوتك اذا سمح لك ببوق. ربما آذانا دنيويا قداسنا الذي يجعلنا في السماء حيث نرى الناس كلهم سماويين وهم يريدون أنفسهم أيضًا من الأرض. المشكلة انه ممنوع عليك في لبنان ان تحلم ببلد لم تنزل بعد صورته من فوق وشفافيتك لا تُرى.

واذا رتلنا الأحد «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت» نحس انه يتكلم على دوسه لموته وان عيوننا مأخوذة إلى ترتيلنا بالقوة التي لا تجعلنا نرى مواتية لبنان وألاعيبه. ولكنا نصر على سعينا إلى الملكوت ونهمل ما كان على جنباتنا من تراب هذه الدنيا.

هناك من يقول منا نحن مع الآخرين. هذا كلام حسن. ولكن أليس من العدل ان ننتظر ان يكونوا هم أيضًا معنا وان يكون في الأرض شيء من السماء حتى نقبل نحن القول اننا نرتضي ان ندخل إلينا شيئًا من الأرض لنلتقي في مكان ما من الوجود؟

#  #

#

أما ضاقت الأرض بأنطون سعاده وميشال عفلق وقسطنطين زريق وأسد رستم وجورج حبش وبعض آخرين والإنجيليين الذين رئسوا في الحركة الفلسطينية وآباؤهم أو أجدادهم جاؤوا من صفوفنا. اعرف ان الاحتجاج لا ينشئ دائمًا أطروحة ولكن هل كان احتجاج هؤلاء غير ناتج من ضيق ما كشفته هويتهم الدينية؟ هناك خطأ ما في التركيبة اللبنانية اذ تجعل بعضًا أبناء الست وبعضًا أبناء الجارية. ولكن يمكن ان تكون أميرًا وأصر بعض ان يجعلوا أمك جارية.

لكني ما نويت ان اتأفف ولكن ان شئت ان تكتب يسمح لك بالوجع. غير ان آباءنا الكبار منعونا من الصراخ وسمحوا بأن تتكلم بهدوء لمن له اذنان ليسمع أصواتًا هادئة. في هذه الحالة تهمك وحدتك مع الإخوة الطقوسيين منهم وغير الطقوسيين. مع ذلك غير الممارسين منا يقولون الأحد: المسيح قام مدة أربعين يوما ويقبّلون بعضهم بعضا بقبلة مقدسة كما يقول بولس. وتساءلت طوال سنوات ما تعني صفة المقدسة حتى اهتديت ان من أنشد هذا النشيد أو أنشدته له أمه يعرف ان المؤمن الآخر بهذه العبارة أخ له صلّى في كل أحد وعيد أم أهمل صلاته ولكنه يذكر بين الفصح وخميس الصعود ان المسيح صعد بجسده إلى السماء وجلس عن يمين الآب أي اعطى ناسوتنا الممجد بالمسيح الكرامة نفسها التي للاهوت. ونحن اذا بالطاقة كما يقول الفلاسفة عن يمين العظمة في السماويات في رفقة الأبرار الذين سبقونا إلى وجه الآب.

هذا ما يُسمّى عند آبائنا السكر الصاحي. من رآنا صباح العيد بعد استهلالنا صلاة السحر بالمسيح قام نحمل الشموع مضاءة ونقبل بعضنا بعضًا لا بد ان يقول: من أين جاء هؤلاء القوم. لماذا كل هذه المحبة؟ هذا ليس فقط حبًا. هذا عشق. تعليقي على كلام هذا الغريب: ما ضرر العشق؟ تعال إلينا.

نحن لم نعمل شيئًا صالحًا على الأرض كما كان باسيليوس يقول لنا كل أحد في قداديس الصوم. ولكن فخرنا -وهذا ليس منا بل من الله- اننا في حضرة الله دائمًا في حالة غناء إلى ان يأتي المخلص إلى هذا العالم ثانية. غير اني لست أريد ان أترك للأعزة انطباعًا ان هذه الدنيا ليست للرب ونحن بكلمة الرب لا بدغدغات السياسة نشدها إليه. نحن لم نقبل يومًا ان نسمى طائفة. ربما كان هذا في الجريدة الرسمية وما يشبهها من قرطاسية هذه الدولة. فعند الناس أنت مصنف في مكان ما. ولكنا نحن نعرف مكانة الصالحين منا ومكانة الخطأة. ولكن بعد السكر الصاحي تنتقل من الخطيئة إلى البر فيعلمك «المسيح قام» في كامل إنشادها.

#   #

#

يقول باسيليوس في قداسه نقلا عن بطرس اننا «شعب خاص، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة». هذا فقط بسبب من الكأس المقدسة التي نرتشف. الخطأة شعب خاص لا لامتياز لهم ولكن لكون الرب يخصهم برحمته والحنان. كذلك الأمة مقدسة لكونها خاطئة والله يقدسها بدم ابنه. ان المخلص يرانا في هشاشتنا واذا ارتفع يرفعنا معه حتى نستوي على العرش ونحن جسده.

كل اعتراف ان تعترف انك آخر الناس من حيث البشرة وانك تصير أولهم بالدعوة. نحن فتات الأرض وبهذه الصفة لا يمكننا ان نستكبر لئلا يلغى الاعتراف. «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله». والله يعرف من يكسر ليجعله متواضعا ولكن اذا قرأت تواضع المسيح معلقًا على الخشبة تبكي وتجثو وهذا ما حاولنا ان نصنعه في الصوم وبعد هذا نتهلل بترنيمنا: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت» إلى ان تقوم الانسانية جمعاء من كبوتها ويستقيم كل رأي فيها وتصبح واحدة مع الحق.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة الشعانين/ الأحد 8 نيسان 2012/ العدد 15

لعل ما دعا الكنيسة الى اقتباس هذا الفصل لرسالة اليوم المأخوذة من الرسالة الى أهل فيليبي كلام هذا الفصل على الفرح، ذلك الذي يعطينا إياه دخول يسوع الى اورشليم الدخول الأخير. «افرحوا في الرب كل حين». آلام السيد ليست مصدر حزن لنا وهي التي قادتنا الى الخلاص وأظهرت الخلاص في القيامة. والآلام والقيامة وجهان لحقيقة واحدة وهي نصر المسيح.

والفرح يُظهر الحلم والرجاء. اما سبب ذلك فكون الرب قريبا. المفسّرون المعاصرون يقولون ان بولس كان ينتظر أن يعود الرب يسوع في حياة الرسول. مهما يكن من أمر فالرب دائما قريب بالكلمة وبسرّ القرابين المعروف بسرّ الشكر. ونحن نذوق في الأسبوع العظيم ان الرب يأتينا روحيا في كل يوم من أيام الأسبوع حتى يسطع المجيء صباح العيد. بعد قربى المخلّص منّا لا يبقى لنا همّ. ننشدّ الى «الصلاة والتضرّع مع الشكر»، والشكر نوع من انواع الصلاة. والصلاة تهدف إلى التطهّر، وبلا إرادة الطهارة ليس من صلاة. والطهارة فينا تأتي من سلام الله فينا، وهذا السلام يفوق كل تصوّر عقليّ، واذا حل فينا سلام الله يحفظ قلوبنا وبصائرنا في يسوع المسيح. تنتقل بسلامٍ اليه ويصبح مقرّنا. نحن فيه. نحن فوق.

بعد قول الرسول هذا الكلام يريدنا أن نفكر بالأمور العالية ويسمّيها، وهي الحق والعفاف والعدل والطهارة. العفاف وجه من وجوه الطهارة وهو متعلّق بالجسد. أما الطهارة فأشمل وهي ساكنة القلب. كذلك يريدنا أن نحافظ على حُسن الصيت الآتي من حُسن السلوك. وعلى رغم هذا يرتكب بعض القوم النميمة في حقنا.

وحتى يُسهّل بولس عليهم كل هذه الفضائل يقول: «ما تَعلّمتموه وتَسلّمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيّ فبهذا اعملوا». بولس يعتبر نفسه مصدرا في تعليم الإيمان وهو ذلك الايمان الذي وضعه الرب في قلب الرسول. والإيمان جاءهم بالسمع والتعليم وتقاليد الكنائس التي أَسّسها بولس. هناك ما يشاهده المؤمنون في العبادات، في القداس الإلهي.

هذه المجموعة في حركة السمع والمشاهدة والعمل الطقوسيّ رآها المؤمنون عند بولس. وهكذا ينتقل الإيمان عندنا بالتواتر في نقل العلم الديني وفي التشبّه بالقدامى. اذا عمّدنا بالتغطيس فلأن هذا انتقل الينا بالتقليد. اذا رسمنا على وجوهنا إشارة الصليب يكون هذا بتقليدنا الأقدمين. الإشارات والرموز في كنيستنا كالأيقونات والبخور والثياب الكهنوتية والعمارة الكنسيّة كلها جاءت مما شاهدنا. الترتيل انتقل إلينا جيلا بعد جيل، ولمَسْنا أنه يُجدي تعليمًا إيمانيًا وحثّا على التقوى ومشاركة الإخوة اذ نرتّل معا بفم واحد وروح واحد.

واذا ذُقنا هذا في كل خدمة إلهية، نبدأ اليوم نُنشد نشيد الخَتَن اي العريس الإلهي، وتبدأ الدعوة الى اليقظة حتى إذا تمّت هذه في كل أيام الأسبوع العظيم يكون فرحنا قد تمّ لاستقبال الفصح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

هل من إسلام سياسي؟ / السبت 7 نيسان 2012

الاسلام كامل لا يوصف بغيره. »ان هو الا وحي يوحى« بحسب ما يعرفه كتابه  (النجم 4) ولا يزاد على الوحي شيء ليس من طبيعته. والسياسة تعني الحكم ولفظة حكم لم تأتِ في التنزيل بمعنى دولة او هيكلية إدارية. أصول الحكم ليست مضمونة في الدين كما بيّن ذلك بصراحة وقوة الشيخ علي عبد الرازق وعندي ان كل الانتفاضة عليه ان كتابه صدر السنة الـ1925. اي عاما بعد الغاء مصطفى كمال للخلافة وكأن العلامة عبد  الرازق جاء ليدعم أتاتورك ويثبّت الغاء الخلافة التي كان المسلمون متعلّقين بها، كأن شيخا أزهريا مثل عبد الرازق ظهر ليقضي على مسرة المسلمين بنظام ظهر توا من بعد وفاة الرسول.

لا شيء يدلّ على ان مسلك الرسول كان يتضمّن حكما بالمعنى السياسي. أهل المدينة ما كانوا وحدهم الأمة. المسلمون في معيتهم في يثرب وخارج يثرب كانوا امة الله. ولم تكن هنا دوائر او شبه دوائر لشكل هيكلية إدارية. كان محمد في شخصه مرجعية كل شيء في الأمة. أمة المسلمين كانت مجتمعا ولم تكن محكومة دولة. فليس من معنى لقول الدارسين ان الاسلام دين ودنيا. هو دين بمعناه الإلهي وبمعناه المسلكي.

بوفاة الرسول كان لا بدّ من تنظيم فبويع ابو بكر ثم بقيّة الراشدين الى ان جاء بنو أمية فقوي التنظيم وظهرت أمة العرب والإسلام في وقت واحد لأن العرب قبل محمد ما كانوا أمة واشتدّت صفة العروبة برؤيتها امبراطورية الفرس وامبراطورية الروم. هذا زاد في إحساس المسلمين انهم دولة وقويت جدا فكرة الدولة بالفتوحات. الا ان إسلام محمد لم يكن شيئا من هذا لأن محمدًا لم ينقل الا كلام الله والله لم يتكلّم عن سياسة المسلمين.

#   #

#

اذا جئنا الى العصر الحديث نرى ان الطابع الدنيوي الذي اتخذه المسلمون العرب كان العروبة فقامت الأسرة الهاشمية في الحجاز على خليفة المسلمين العثماني اي اعتبرت ان ليس للمسلمين وحدة سياسية يؤمنها الخليفة وقضى أتاتورك رسميا على الخلافة اي اعتبر ان الأتراك بقوا مسلمين بلا نظام سياسي عالمي وآمنوا ان النظام المدني الذي تبنوه لا يناقض الإسلام وألغى الأتراك اباحة الشريعة الزواج بغير امرأة واحدة غير ناسين ان المسلمين يستوحون مصلحة الأمة.

ثم ماذا يعني الاسلام السياسي والبلدان الإسلامية تعرف كل الأنظمة فهناك نظام الأسرة الواحدة وهناك النظام الملكي والنظام الجمهوري الرئاسي والنظام البرلماني وهناك جمهورية لا تقول في دستورها ان دينها الإسلام ولا شيء يدلّ على ان المسلمين يريدون ان يتماثلوا في أنظمة الحكم.

حصيلة كل هذا ان القاعدة في السياسة عند المسلمين  كما في غير السياسة احيانا تبقى مصلحة الأمة. وأمة المسلمين في إبداعها ونموها وازدهارها الثقافي والاقتصادي والتماع حضارتها وسلامها وسلامتها والتحامها بالأمم الأخرى او الشرائح الأخرى بلا تسلّط منها ولا تسلّط عليها، بلا قوقعة ولا انفلاش ولكن في السعي في كل مجتمع الى ظهور الأكفياء منها او من غيرها لأن في الأكفياء من كل جماعة منفعة للمسلمين. ويحصل هذا اذا اعترف المسلمون بمفهوم الوحدة القائمة على التعدد.

ملآن القرآن بالحديث عن الانسان والناس لعلم ربّ العالمين بوجود عالمين متعايشين ومنتجين في كل الحقول لمنفعتم ومنفعة المسلمين. يعني هذا قبول المسلمين بالعيش الحقيقي مع كل أطياف البشر. في الإسلام مرونة تفسيرية كبرى جعل أحد علماء العراق يتلو علي آياتٍ كريمات تدلّ على ان المسيحيين ليسوا بكفّار. انا أعرف ديانات الهند في العصر الحديث هي تقول انها موحدة. تاليا ان ليس فيها شريك. اذًا انتقلنا الى طور تفسيري يجعل التوحيد عنصرا اساسيا في معظم ديانات العالم ما ييسر على رؤية المسلمين أنفسهم عائشين في مجتمعات تقبلهم وتريد لهم الخير وترى بين كل الناس نوعا من التجانس الروحي. تبقى الدعوة قائمةعلى أساس الحرية. والسلام. »فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر« (الكهف 29).

#   #

#

ويسعى الناس على اختلاف أديانهم ان يروا أنفسهم مواطنين يرحبون  بوحدتهم وبالانسان الكفء في كل مجالات الحياة. غير ان ثمة مبادئ يمسك فيها الانسان الحديث وهو ان ان الله لم يعين دينا ليتحكم بأهل الأرض جميعا شاؤوا ام أبوا ولم يجعل احدا في ذمة احد ولكن جعل كل مواطن في ذمة المواطن الاخر بحيث ندافع بعضنا عن  بعض ونرعى بعضنا بعضا ونراعي الجميع. الناس موجودون كائنا ما كان فكرهم وحياتهم غالية ومفيدة لمن لا يؤمن مثلهم.

هذه الخطوط في الفكر المجتمعي هي حياة المدنية وفي السياسة تعبيرها الحكم المدني. ولنا ان نختلف لأن هذا شأن البشر واختلفنا في الدين الواحد ولكن الانسان طبيعته الحرية ولو استأنس بالرأي الآخر. سميناه المجتمع القائم على الخلاف، ديموقراطية وليس من بديل لها الا النظام البوليسي او الاستبدادي.

اخذت الحرية ثمانمئة سنة لتصير قاعدة الحياة الجماعية في بريطانيا العظمى وهي قائمة في فرنسا منذ مئتي سنة فقط وكذلك في اميركا. ان العرب اذا اندرجوا في التفكير الذي ساد اداريا وسياسيا البلدان التي ذكرت يفهمون المجتمع المدني.

يأخذ العلماء والمناضلون السياسيون المسلمون دينهم بالفهم الكبير وروح المحبة للآخرين ويبنون في روحانية عالية الاوطان مع الآخرين ويكون لكل واحد منا طمأنينة كاملة للآخر على حريته.

الإسلام السياسي اختراع الناس، تعبئة لعاشقي السلطة وواضح ان المسلمين اذا ادركوا أعلى مقامات الحضارة تصبح لغتهم السياسية مدنية كعظماء الأرض. لكوني اريد ان أعيش جعلني ربي واحدا على الأرض مع المسلمين اريد لهم أعلى درجات الرقيّ. هذا ليساعدني على أن أبقى في حياة كريمة.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

إلى الآلام/ الأحد أوّل نيسان 2012 / العدد 14

في هذا الفصل من إنجيل مرقس يُدخل السيدُ تلاميذه في سرّه العظيم. كان صاعدًا معهم الى اورشليم فتنبأ أن ابن البشر، أي هو، سيُسلم الى رؤساء الكهنة والكتبة. هؤلاء كانوا الذين ينسخون التوراة لتُذاع على ما أمكن من الناس وصاروا بسبب من هذا العمل علماء حتى قال: «فيحكمون عليه بالموت ويُسلمونه الى الأُمم». ويريد هنا بالأمم ممثل روما في فلسطين بيلاطس البنطيّ.

اليهود والوثنيون اشتركوا بقتل السيد. وتكلّم يسوع عن شكل آلامه: «فيهزأون به ويبصُقون عليه ويجلدونه ويقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم». هكذا تكلم الإنجيليون الآخرون.

هنا يأتي حديث غريب تفوّه به ابنا زبدى يعقوب ويوحنا (الإنجيليّ). كانا قد ظلاّ على الظن أن يسوع ملكٌ زمنيّ، وسياسيّ، فطلبا أن يكونا وزيرين عنده في حكومته. فسألهما اذا كانا يقدران أن يتألما مثلما سوف يتألم. وكانا مع غيرهما لا يفهمان شيئًا مما سيحصل له. غضب التلاميذُ من رغبة يعقوب ويوحنا يتميزان فيها عن بقية الرسل مع أن أحدًا لم يكن بعد قد فهم أن مملكة يسوع لم تكن من هذا العالم.

عند ذاك دعا يسوع الاثني عشر ليقول لهم ان الأُمم الوثنية عندها من يسودها. أمّا انتم فلا يكون بينكم من يسود، واذا جاز أن تفتّشوا عن كبير فليكن هذا لكم خادمًا. الخدمة وحدها طريق الى الكبَر المعروف في مملكة يسوع. ثم شدد على كلمة خادم فقال: «من أراد ان يكون فيكم أوّلَ فليكُن للجميع عبدًا».

النموذج أمامكم ابن البشر الذي لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم. ولكن ليس فقط ذلك ولكن ليموت.

الكبير عندنا يقول عن نفسه انه حقير. المطران عندنا كان يوقّع رسائله «الحقير في رؤساء الكهنة». اي انه يتواضع حتى النهاية ليصدّقه المؤمنون وليتمكّن من خدمة صالحة. كل منا جاء فداء عن كثيرين مثل السيد. كل منا لا يصير شيئًا الا بنعمة الرب.

بهذا الشعور نُقبل الى آلام السيد وموته وقيامته. هذا الشعور هو الكفر بالأنا، بالمصالح والمنافع وحُبّ الظهور. لا تستطيع ان تأخذ شيئا من الجمعة العظيمة الا اذا شعرت أنك فقير الى الله مثلما شعرت القديسةُ مريم المصرية التي نعيّد لها اليوم أنها لا شيء وبقيت 47 سنة في برية اليهودية تُكفّر عن خطاياها.

أن نُميت خطايانا منذ اليوم يجعلنا قابلين للفصح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الجهل / السبت 31 آذار 2012

أعرف اني لا أعرف الكثير. وفضل الله عليك اذا نجاك من الإدعاء على هذا الصعيد. وكارثة الجهل انه لا يسمح لك بمتابعة هذا الكون اي ان تكون مجردا من المعارف الضرورية للعيش او غريبًا عن نوعية عيش فتكون تاليا على نقص كبير قد لا يهم الله ولكن غيابه لا ينفعك في هذه الدنيا.

اذا ساغ هنا شيء من الاعتراف ينفع بعضا اقول اني لم احفظ شيئا من العلوم الطبيعية واني لا افهم شيئا من حديث اقتصادي على رغم من تحصيلي شيئا دقيقا في هذا العلم ولكن قبل ستين سنة. اذا لم تعرف، اذا لم تتطور بتطور قطاع من المعرفة لازم تعسر عليك الحياة. اضطررت تاليا ان الازم اللغة لئلا اطرح في الجهل الكامل. وهنا ايضًا ألحظ عندي نواقص كبيرة. لذلك اقتنيت اهم القواميس العربية لتتبع علوم اللغة. والقاموس يلغي ما تظنه اختلافا. مثال على ذلك كنت أسمع كاهنا يتقن العربية في تلاوته المزمور الخمسين يقول: تنضحني بالزوفى بكسر الضاد فتساءلت لماذا هذا الرجل بالذات يلحن حتى تبين لي ان لسان العرب يقبل كسرها ويقبل فتحها. الى هذا لاحظت منذ بضع من سنين ان جمهورا كبيرا في الرعية لا يفهم الفصحى فآثرت مزجها بالعامية عند الوعظ. عليك احيانا ان تتنازل عن الفصحى لتوصل معنى إلهيا اذ انك خادم للخلاص لا للغة.

لماذا نطمع بفهم الكون؟ الأمي او شسبه الأمي لا يطمع ولكن الدماغ اذا انتشى قليلا بالمعرفة يشتهي الأكثر وهذا حلال لا يجرح التواضع بالضرورة. العارفون الكبار الذين عرفتهم ذقت تواضعهم. ان تقرأ هذا الكون يرضي الله اذ طلب منا ان نتسلط على الأرض. والتسلط هنا يعني الخدمة وليس فيه استكبار. انت تقدر ان تقرأ الله من خلال الكون وان تلمس يده مخلوقاته. هذا باب من أبواب التخشع الى ان يخطفنا الرب الى وجهه. اذ ذاك »العلم سيبطل« وتغدو الرؤية كل شيء في السماء.

ولكن تدغدغك المعرفة اذا كانت عظيمة. وصلت الى هذه القناعة لما كنت مرة جالسا عند الشيخ عبدالله العلايلي على الأرض في بيته نتدفأ بجمر المنقل وطرحت عليه سؤالا في اللغة. قال لي دون ان يلتفت كثيرا: اذهب الى هذا الرف (وحدده) وخذ الكتاب السابع تر الجواب في الصفحة كذا. ذهلت، اذ ذاك، ذهولا صاعقا وعرفت كيف يكون العلماء وحاولت ان أدرس العربية.

عرفت جهلي يزداد لما رأيت الحاسوب وما يتفرع عنه من علم وانا لم امس الآلة هذه حتى اليوم ولو كانت في مكتبي في استعمال الموظفين. واتعجب عندما يجدون لي حلا لمسألة بسرعة فائقة فعرفت نفسي غريبا عن المعلوماتية واني انتمي الى حضارة متراجعة يمكن تسميتها الحضارة الأدبية. ادركت ان الشعر يتوارى في معظم البلدان وان الناس يؤثرون الكلام العادي الذي يصل بهم الى غايتهم وهي تطبيقية. هل ان الأدب كله ترف عقلي ام ان للجمال والحقيقة المكتوبة مكانة في هذه الدنيا؟ هل ان الحياة كلها طعام وشراب ومسكن وتحصيل معارف بواسطة الحاسوب ام ان هناك نفوسا تحب ان تتحرك مجانا. كانت امي تستعجلني الى تناول وجبة الغداء وتنزعج مني لأني استمر في القراءة. هل هذه الحرب تبقى قائمة بين اهل العلم واهل ما يعتبره هؤلاء حياة عادية لا تخلو من التفه.

#   #

#

سؤال شبيه يطرح نفسه حول العلاقة بين المعرفة والحياة الروحية. عندما قال بولس لتلميذه تيموثاوس: «اعكف على القراءة حتى مجيئي» (1تيموثاوس 4: 13) كان مدركا ان القراءة الروحية تقربنا من الله لأنها كلامه او ترجمة كلامه. وكلمته حياة. كيف يعامل الله الذين لا يعلمون عن وحيه شيئا او تعبيرهم فيه قليل؟ عند الرب وسيلة اتصال غير الكلمات الملهمة ما في ذلك ريب وهذه الوسيلة هي انسكابه في قلبك بالحب. المسيح لم يكتب شيئا ولكنه قال. ولا نعرف كل ما قال. «وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست أظن ان العالم نفسه يسع الصحف المكتوبة» (يوحنا 21: 25). ماذا يدخل في عقول المؤمنين البسطاء من مدلول الكلمات التي يسمعونها؟ ليس عندي شك ان الأيقونة تتكلم واللحن يتكلم وجو الخشوع يصير كالكلام كما ليس عندي شك اننا نستدخل معا الكلمات حسب طبقتنا الفكرية. خطر الأمية على أهلها انهم يجهلون كثيرا معنى ما يسمعون ويضعون تاليا مشاعرهم عوض الفكر النازل في الصلاة.

اما خطر النص المقدس على المثقفين فهو التأويل وجهلهم احيانا للتراث المحيط بالنص الإلهي فالمثقف عنده تراثه الذي فيه يتقبل الكلام الإلهي. بأي شيء يتقدس تعني اي شيء يستلم. مع كل هذه الأخطار لا بد من الكلمة النازلة. ايضا «اعكف على القراءة» و«عظ في الوقت المناسب وغير المناسب» (2تيموثاوس 4: 2) والوعظ بالكلمة.

اما خلاص العارف فمثل خلاص الجاهل. اجل تساعدك النصوص على معرفة الله ولكن شهواتك احيانا تعطلها. ونمثل امام الآب في عرائنا من الجهل وفي عرائنا من المعرفة. تظهر النفس امامه كما استلمت. ليس من مشهد في الكنيسة يلهمني حبا لبسطاء العقل والتحصيل مثل صف المؤمنين امام الكأس المقدسة. هؤلاء واللاهوتيون الكبار واحد في المحبوبية عند الله. لا يمر الله بكلمته ليعبر اليهم. هو يأتي بنفسه ويسكن القلوب.

#   #

#

لماذا أهلكت نفسي بالتحصيل الذي من الدنيا وذاك الذي من الحياة الأبدية؟

الاول جئته لاعتقادي ان الطبيعة والفن كتاب من الله الينا. اقرأ ربي حيث يمكنني من ذلك. لست اعلم اذا أخذت الكثير من الطبيعة. اظن اني حاولت اخذ الكثير من الفن. ما شجعني على ذلك كوني موقنا ان الله مخفي في الجمالات واني أغيب عنه إن غبت عنها.

ثم لإيماني بالكلمة أقبلت عليها حسبما استطعت. انت لست حرا من تجلياتها واذا نأيت عنها تضع نفسك في الجهالة. هل أعطتني الكلمة هذا الذي كان في البدء وتجسد من مريم؟ في ضعفي وانكساري أقر انها اسعفتني في ظروف التأزم والحزن اذ كنت في حاجة الى تلحينها لذاتها واحس اني كثيرا ما سمعت النظم الإلهي واللحن في البيعة.

هل اقتبلها قلبي اقتبالا غير مشروط؟ هل خضع لها وقد أراد الخضوع؟ هذا ما سيقوله الآب بعد ان يستردني اليه وارجو الا اخشى المواجهة.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

البشارة بالخلاص/ الأحد 25 آذار 2012 / العدد 13

الخلاص غاية البشارة بالتجسّد الإلهي. ثمرة البشارة عرّفها كاتب رسالة اليوم أن المقدِّس (المسيح) والمقدَّسين (المؤمنين) كلهم من واحد أي الآب وهذا يؤسس الأُخوّة القائمة بيننا وبين المخلّص. وتظهر أُخوّتنا للسيد بأننا نُسبّحه في الكنيسة وبإعلان يسوع (في الرسالة): «ها أنذا والأولاد الذين أَعطانيهم الله» (أولاد الله أو أبناؤه).

لنا عُنصر اشتراك أساسيّ مع المسيح أننا معه حاملون اللحم والدم اللذين اشترك هو فيهما بالتجسد من مريم لكي يُبطل بموته الشيطان أي فاعلية الشيطان ويُحررنا من العبودية التي كنا خاضعين لها مخافةً من الموت.

نرتكب الخطيئة خوفًا من الموت إذ نعتقد أن الخطيئة تُحيينا، تُنعشنا. ولكن ما إن أَحسسنا أننا نموت بها، تُعطينا العدم لأنها عدم إذ ليس فيها قوّة الحياة.

بعد هذا يقول الكاتب ان الله اتّخذ نسل إبراهيم. «فمن ثم كان ينبغي أن يكون شبيهًا بإخوته في كل شيء». وأهم شبه له بنا أنه مات إذ الموت أهم شيء في حياتنا وهو أفصح تعبير عن حب يسوع لنا. وأفصح تعبير كان لكاتب الرسالة عن موت المسيح انه سمّاه «رئيس كهنة» وهو الوحيد الذي صار لله أبيه قربانًا بالموت. وهو قرَّب باختياره هذا القربان «حتّى يُكفّر خطايا الشعب».

ثم يوضح أن الرب يسوع تألم مجرَّبًا، والتجربة كانت قاسية في الضرب والهزء وإكليل الشوك وتسميره على الخشبة وطعنه بالحربة. ولكونه ذاق التجربة صار «قادرًا على أن يُغيث المصابين بالتجارب» أي نحن المؤمنين به.

الطريق ابتدأ بالبشارة، ومنذ أخذ هو يبشّر صار اليهود أعداء له وأرادوا إسكاته وقمعه، ولكنه تكلّل هو بانتصاره على الموت. فإذا ما أَقمنا ذكرى البشارة اليوم، لنبقَ عالمين أننا نتهيأ لنُتابع كل طريقه حتى آخرها على هذه الأرض في الصليب والقيامة. ولنذُق سَيرنا معه لأنه هو الطريق وليس غيره من طريق.

اليوم يوم فرح لأنه يكشف لنا قرب الله من الإنسان ليس فقط كما كان يقول في الأنبياء ولكن في كونه نزل ونصب خيمته في حيّنا وعايشنا في كل أطوار حياتنا، وآخر تعبير عن معايشته أنه مات معنا، وصار موتُنا مجالسة له، وازداد بموتنا قربُنا اليه بعد أن كان الموت «أُجرة للخطيئة» ولعنة.

هذا كله تطلّع فصحي. والفصح وحده هو التطلّع وتقبّلنا قوّة الله. فبعد أن كنّا مفصولين عنه، يُخبرنا أن قبول مريم للتجسّد جعلنا أبناء الله بعد أن كنّا أبناء الغضب.

ولكون عيد البشارة يقع دائمًا في الصيام، صرنا نفهم أن التقشف والنُسك والتوبة صارت كلها لازمة لنا لنفهم أُخوّة السيد لنا وقيادته لنا الى الخلاص بالصليب والقيامة.

ونحن لا نعبُر عيد البشارة إلا لننعطف على الأسبوع العظيم ونفرح فيه ونتهيأ به الى نصر المسيح في الفصح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأقباط / السبت 24 آذار 2012

بعد رحيل الأنبا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ان افضل ما أقدمه له ان أكلّم قراء »النهار« عن كنيسته بعد ان عرفوا في صحافتنا الكثير عنه.

لفظة قبطي مشتقة من اليونانية القديمة التي تدلّ على الانسان المصري بما صار في الفرنسية  Egyptien وما يقاربها في لغات الغرب. القبطي هو اذًا المصري. واستعمل العرب عند فتحهم للبلد لفظة قبط او فقط. ولكون العرب عنصرا يختلف دينيا عن مسيحيي البلد سموا هؤلاء اقباطا.

الترادف الكامل بين قبطي ومسيحي يسقط عندما نعرف ان الكنيسة القبطية هي فقط غالبة عددا وان ثمة من نسميهم روم ارثوذكس الذين هم على عقيدة اخرى والكاثوليك على اختلاف طوائفهم والانجيليين. من هؤلاء من انشقّ عن الكنيسة القبطية وهم القبطيون الكاثوليك والانجيليون ومنهم من هاجر الى مصر من اليونان ومن منطقتنا. يبقى ان الأقباط الارثوذكس هم الأكثرية الكبرى.

يفترقون عن الآخرين الذين ذكرت اننا كنا ندعوهم أصحاب الطبيعة الواحدة ونسمي كل الآخرين أصحاب الطبيعتين. مشكلة الطبيعة والطبيعتين في المسيح ظهرت في المجمع الخليقدوني وهو الرابع المسكوني المنعقد السنة الـ451 والقائل بأن للمسيح طبيعة إلهية وطبيعة انسانية. هذا لم يعترف به من صاروا الكنيسة الأرثوذكسية القبطية في مصر وعلى عقيدتهم الأحباش والأرمن والسريان وهم القائلون بأن للمسيح طبيعة إلهية واحدة متجسدة. وبسبب قولهم بالطبيعة الواحدة حرمهم المجمع الرابع.

ولكن غدا في القرون الوسطى ومن المعاصرين من قال ان الاختلاف بين أصحاب الطبيعة وأصحاب الطبيعتين ليس خلافا اذ ان الاختلاف فقط لفظي فكل المسيحيين يذهبون الى ان المسيح إله كامل وإنسان كامل وهذا ما أكّده دائما الأنبا شنودة وتاليا مضمون الايمان واحد وليس من هرطقة في اي فريق. يبقى ان تتصالح القيادات وان تعكس الوحدة وصورة الاتحاد.

#   #

#

لا يبدو ان هناك احصاء للأقباط دقيقا ولا سيّما ان مصر ليس عندها نظام طوائفي. غير ان الأقباط يعتبرون انفسهم عشر الأمة اي ما يقارب ثمانية مليون نسمة. هم والمسلمون يتنافسون في الوطنية المصرية. كل فريق ديني يعتبر الآخر مصريا كاملا وكل مواطن عندهم يذكر ان المواطن الآخر حمل القضية الوطنية عاليا بحيث لا يتهم المسلم القبطي انه كان قريبا من الانكليز. ما هو السبب العاطفي اذًا لقتل مسيحي هنا ومسيحي هناك؟ مسألة لم أحلّها بعد.

غير ان الواضح ان البابا شنودة لم يضع الأقباط ازاء المسلمين ولم يتهم احدا بقتل شعبه وما كان يلجأ الا للدولة ولما كان بعض من اهل الغرب ولا سيما الاميركان يحاولون البحث عن حرية الدين ما كان شنودة يأخذ بموقفهم ورفض كل مرة اللجوء الى فكرة حرية الدين لئلا يلقي مسؤولية على المسلمين.

بقي شنودة ساهرا على التقوى الشعبية وهي عظيمة جدا. المصلّون والصوّامون كثر والايمان يبدو قويا على بساطته وذلك عند المثقفين ايضا. ولما كان شنودة يحاضر كل يوم اربعاء في الكنيسة المرقسية كان يحضره ما لا يقل عن خمسة آلاف انسان من كل الطبقات الفكرية وكنت أراهم خارجين من المحاضرة جمهورا تلو جمهور.

وعظت في كنائسهم بعض المرات وعند خروجي كانوا يتلمسون جبتي للتبرك مع علمهم اني لست قبطيا. عرفت من نال شهادات في اللاهوت عالية وصادقتهم. عندهم جميعا المسيحية واحدة. في التأزم الاجتماعي هكذا تبدو ويظلّون على قوة الشهادة. غير القادرين على التعبير الكلامي عندهم كان يبدو لي ان قلبه يعرف. بهؤلاء كنت أحسّ ان المسيح يمشي على ضفتي نهر النيل.

في حالات الضعف السياسي  لا بد لهم ان يتحلّقوا حول الإكليروس وهم يقدمون لمصر ما استطاعوا من المعرفة. علوا في العلم. كفاني هنا ان أذكر في الفنون عوض كامل ورمسيس ويصا واصف وسامي جبرا وحبيب جرجس ومراد كامل.

في الحياة الكنسية يقود الأقباط مجمع مقدس مؤلّف من أساقفة ومطارنة ورؤساء اديرة ومجلس اكليريكي لدى البطريرك.

انتخاب البطريرك يتمّ على درجتين. يشترك المؤمنون في الترشيح ويختار ثلاثة يأتي الناجح بالقرعة.

البطريرك يعيّن المطارنة بعد استشارة غير ملزمة للعلمانيين. عندهم مجلس ملّي يهتمّ بادارة الأوقاف والعلاقات الاجتماعية. الإصلاح الذي تمّ السنة الـ1955 جعل الأحوال الشخصية تحت سلطة الحكومة التي تفحص الخلافات الزوجية.

على رغم الحدود الموضوعة تبقى الكنيسة القبطية على حيويتها في الوعظ والنشر والحياة الرهبانية التي تجددت في العقود الأخيرة وانضمّ اليها مثقّفون كثيرون يزاولون كل ما استلموه من التراث القديم.

مع هذا لا يزال الأقباط منخرطين في الحياة العامة. لهم صحافتهم المنتظمة في جريدتي مصر ووطني. لهم حضورهم في القيادة السياسية وان كان لا يصل احدهم الى المسؤولية انتخابا. كان بعضهم مقربا من سعد زغلول عند تأسيس الوفد. كنت اتابع في مطلع شبابي نشاط القبطي العظيم مكرم عبيد. كان لواصف بطرس غالي دور حاسم في إعداد معاهدة السنة الـ1936 التي كرست استقلال مصر.

حافظ جمال عبد الناصر على كرامة الأقباط. رأيته السنة الـ1965، يضع حجر الأساس  للكاتدارئية الجديدة. هنا اسماء في الأدب والفن لا تنسى. كيف تنسى جورج حنين والبروفسور عزيز سريال عطية واضع الموسوعة القبطية؟

لا يسعني ان اسمي كل من ساهم في خدمة الفن القبطي في الرسم والعمارة. كيف نهمل ذكر الأطباء  والأساتذة والمعماريين والمهندسن والصاغة وعدة صناعات أخرى.

سيبقى الأقباط بالرضاء الإلهي اولا وبإخلاص المسلمين لبلدهم الذي له عظمة الا يتكلّم على الأكثرية والأقليّة لتعود مصر الى عمق حضارتها وذوقها وجمالها وعلى ريادتها للعالم العربي.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 18 آذار 2012 / العدد 12

هذا الأحد المسمّى أحد السجود للصليب هو في حقيقته سجود للمصلوب. الفكرة ان الكنيسة لاحظت أن بعض المؤمنين يتعبون من الصيام في انتصافه، فحتى تشدّهم الى ان يكملوا السعي بلا ملل جعلت ذكرى صغيرة من آلام السيد.

الذبيحة التي رُفعت على الصليب هي المسيح نفسه. وبها صار رئيس كهنة او بالحري الرئيس الوحيد لأنه المقرِّب والمقرَّب معا.

في إنجيل اليوم يكشف مرقس لكل مؤمن معنى الصليب وكيف يجب ان يلتزم الصليب وينذبح بآلام السيد، ويبين أن في الأمر اتّباعا لطريق المخلّص اذ يقول: «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني».

في البدء عندك وقفة التزام. إرادتك تتعهد المسيح. هذا يقودك الى ان تتجرد عن الأنانية وحب الذات وشهواتها، وهذا ما قال عنه السيد «فليكفر بنفسه». ولكن حتى تتخلى عن شهواتك حقيقةً لا بد لك من حَمل صليبك اي ان تحتمل مشقّات الحياة كما حمل الرب يسوع صليبه. ان تمشي وراء السيد يُلقي عليك تعبا جسديا ونفسيا. الناس الذين حولك او من تتعامل معهم يعذّبونك بالدرجة الأولى. هذه الآلام شرط لتتبع المسيح. ان كانت كل حياتك هرج ومرج فأنت تابعٌ أهواءَك ولست تابعًا للمسيح.

ويجسّم الإنجيل هذا المعنى بقوله: «من أَهلَكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». إهلاك النفس يقصد به التعب والإمساك عن الخطيئة. هذا كله ضبط للأهواء ومراقبة للنفس وإشراف على الذات.

ويصل الى القمة عندما يقول: «ماذا ينفع لو ربح العالم كله وخسر نفسه، او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه؟». لك ان تربح كل أموال الدنيا ومجدها، ونفسك واقعة في الخطيئة. ماذا تكون قد كسبت؟ تكون نفسك قد دخلت الجحيم اليها وفي نفسك مال ومجد ونفوذ اي لا شيء في نظر الله او شقاء حقيقي للنفس. بماذا تفدي نفسك؟ هل نفسُك اذا انتُهكت ثمن لهذه الأمجاد والملذات.

هذا السقوط يعني في حقيقته أنك تستحيي بابن البشر. إن كنت لا تستحيي تحتمل كل شيء وتشهد ويضمّك المسيح الى صدره.

المطلوب أن تختار بين المخلّص وما كان عدوّا للمخلّص اي الخطيئة. هما لا يجتمعان في قلب واحد. المطلوب ان تنحاز ليسوع ولا تجمع معه آخر او لا تجمع معه ضدّه.

اذا كنت معه تذهب الى أعمالك والى عائلتك والى كل همومك الشرعية. تأتي منه اليها وتكون أعمالك مقدسة. وتكون حاملا صليب المسيح بفرح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الفرح / السبت 17 آذار 2012

منتصف الصوم عندنا في الأسبوع القادم وقد أحس الكثير من الأقدمين ان نصف زمان الإمساك خالطه شيء من الملل وبعض من تعب فخشي علينا الأقدمون أن نقع ولا نتابع المسيرة بفرح. دائمًا الكنيسة تخاف من زوال الفرح لأن خلافه استباق لموت ما في حين ان رؤيتنا رؤية قيامة.

ما كنت اتمناه وانا أكتب لجميع الناس ان يدركوا ان المسيحية التي تتكلم برموز وليس فقط بكلمات ما جعلت الصليب مركزا لها الا لكونه تحولا الى الانبعاث. اذا كان المسيح لا ينطفئ فنور الفصح هو كل شيء ولسنا ديانة مأساوية، مسدودة النوافذ اذ دخل السيد على تلاميذه بعد القيامة والأبواب مغلقة. ليس من انغلاق للنفس، اذا هي أرادت، يحول دون دخوله اليها. يدخل ليزيل الألم والحزن اذا رافقه ويخطئ من ظن ان المسيحية ديانة الألم وتعذيب الذات المقصود وان فيه فضلا. الفضل للصابرين اذا صبروا وليس للمتوجعين لمجرد توجعهم.

الإنجيل كتاب مليء بالعجائب وأراد المسيح شفاء المرضى. «العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون» (متى 11: 5). ولكن لا يظنن احد انه قادر ان ينال التعزيات الإلهية وعظمة النعمة بهدوء الكسل. لا مفر من الخطيئة ولكن لا خروج منها الا بالتوبة ولا صعود على معارج التوبة الا بالصلاة.

المسيح لم يخترع الصليب. كان موجودا في العقوبات الرومانية. تقبله تقبلا ليعلمنا ان لنا به حراكا الى الله. النعمة المنسكبة علينا يتهيأ لها الانسان بشدائد تعتريه. كيف تشطب الشدائد روحيا وليس بالطب الجسدي او الطب النفسي بلا سكينة هي سكينة الله لنفسه.

لك ان تتوقع شفاء على صعيد الطبيعة ونحن نؤمن ان لله اصبعا في هذا. والطب النفسي يعالج العقد التي ورثتها ولكنه غير مكترث بعافيتك الروحية. اصلا لا يسعى الى هذا ومؤسس هذا الطب كان ملحدا. انا ما قلت ان بديل المعالجة الصلاة. والقديسون حضوا على طلب المعالجة الطبيعية. غير ان الانسان مصلوب على ما يعتريه وعلى ذاته حتى يتلقى الحنان الإلهي. لا احد يخترع صليبه الشخصي او يتوهمه. قد لا يروقك استعمالي لكلمة صليب. ولكن حقيقتها قائمة في وسط الوجود. نحن نبقى على التسمية لأنها أعطتنا حياة لما واجه الناصري الخشبة التي علق عليها بالمسامير وإكليل شوك.

#   #

#

لما وضعت كنيستنا يوم غد ذكرى للصليب ترى اذا قرأت النصوص كلها المتعلقة بالتعييد انها شبيهة جدا بنصوص الاسبوع العظيم ولا سيما الجمعة العظيمة وكأن الذكرى استباق لتلك العظيمة، كأننا لا نستطيع ان ننتظر الموسم الفصحي مدة تطول. واللاهوت الذي تقرأه منذ مساء اليوم حتى الاحد هو اياه اللاهوت الفصحي. النظام الطقوسي عندنا دائما يبدأ بيوم سابق لأي عيد عظيم كأن زمنا لا فرح فيه يعذبنا. نشتهي التذوق المسبق للموسم المرجو.

لست اذكر من هو العالم المسلم الذي قال من قرون عديدة ما مفاده ان الله لا يدع امة توحيدية تخطئ قرونا عديدة في فهمها للصلب او تقع في انحراف رهيب كهذا المنسوب اليها. انا ما أخذته على نفسي اني لا أساجل ولكني لست قائلا هذا القول. انا لست افهم ان اعظم قصيدة حب كهذه التي نحن في صددها يمكن ان تكون بالكلية غريبة عن الفكر الإلهي.

انا لا افهم ان الوفًا مؤلفة من الشهداء الذين قُتلوا من اجل هذه القضية او بسببها ماتوا عبثا اي انهم ماتوا في الكذبة الكبرى واذا انخدعوا فمن صاحب الخدعة. هم ما اتوا بجلال قداستهم الا من ايمانهم بما اعتبروه واقع خلاص.

نحن الصائمين نجيء الى التعبد غدا ليطهرنا الله من كل ادناسنا فنرث حامل الحياة اعني المسيح.

نطلب «صفحا الهيا ونورا سماويا وحياة وسرورا حقيقيا» ونعلم ان هذه هي المجد. ولكن قبل نزول المجد نقول «يا رب لا بغضبك توبخ شعبا خاطئا ولا برجزك تؤدبنا لأنك صالح».

#   #

#

في الأخير ماذا يعني الصليب الذي نتجدد غدا بمعرفته؟

كل فكرة موت المسيح لا تعني لنا الا انه وهو الحياة قد دخل نطاق الموت وأمات الموت. القصة كلها تختزل بأن ارتضاء يسوع الألم ألغى الألم واعطى الانسان المؤمن به طاقة الغلبة على كل ما هو سلبي في الوجود.

غير ان نصر القيامة يعيدنا الى الا ننسى المتألمين والفقراء والمرضى وان نستعد لنأخذهم معنا الى الفرح. نحن لا نحب صلب احد ولا ان يبقى تحت وطأة صليبه. واحد حمل الصليب حتى لا يبقى مخلوق رازحا. سعينا ان نصعد مع كل الناس الى اعلى ما في الكون وهذا ما نسميه السماء. رجاؤنا ان يتسلح البشر جميعا بالنصر على ما يعادي البشرية فيهم.

سنواصل الصوم بالرضاء الإلهي على رجاء رؤية الفصح نحن وكل المحبين ليسوع ونصلي عند ذاك لفرح الانسانية جمعاء.

Continue reading