Category

مقالات

2012, مقالات, نشرة رعيتي

معيشة الكاهن/ الأحد 20 أيار 2012 / العدد 21

الكاهن يريده ربه منزّها عن عشق المال بنوع خاص، لأنه اذا وقع في هذا العشق يتعثّر به المؤمنون ومنهم من يبتعد عن الكنيسة بسببه. ربما كانت هذه السقطة نتيجة قلّة موارده او ضعف راتبه. ولكن الصمود الروحيّ أمام التجربة يريده الله. حتى لو حُلّت قضية الراتب لا يتحوّل الشغوف بالمال الى نزيه آليًا. هذا التحوّل ثمر النعمة فقط.

لا يجوز ان يتأفف الكاهن من وضع له ضيّق. الكثيرون من الناس هم في هذا الوضع، وقد لا تأتي الحلول سريعة، ولكن لا بد أن نتدارس أحوال الكاهن بصورة جدية بدءا من إيجاد راتب مرضيّ، وهذا لا يتوفر اذا كانت الرعية الصغيرة وحدها مسؤولة عن إعاشة هذا الرجل وعائلته. لا بد من وضع مركزيّ بحيث يتساوى خادم رعية كبرى وخادم رعية صغرى او يتقاربان. ربما يتراءى حلّ من جمع الرواتب كلها في المطرانية ليتم توزيع أقرب الى العدالة. فالرعايا الكبيرة اذا تمسّكت باستقلالها الكامل لا تحل المشكلة.

اذا لم نركّز كل الأموال في المطرانية يمكننا على الأقل أن ندفع لصندوق مشترك نسبة من مواردنا لنغذّي كهنة الرعايا الفقيرة. ما من شك عندي أن بعضا من رعايا ولو قليلا تخزن مبلغا من المال يبقى سنين لا ينفع أحدا، تجني منها الرعية فوائد وقت يعيش خدّام المذبح الآخرين في ضائقة كبيرة.

متى نفهم أننا إخوة وأنه عيب على الوافرة أموالُه أن يترك بعضا من الإخوة في عوز كبير. لا نقدر أن نهرب الى الأبد من تنظيم مشاركة أخوية حرة او إلزامية حتى لا يحسّ أحد بعزلة.

أنا لم ألجأ الى نظام إلزاميّ اتكالا منّي على أن المشاركة تأتي عفوية لأقوم بتوزيع أقرب ما يكون الى العدل، ولكن لم يفت الأوان إذ قد يأتي الإلهام فنصبح الواحد أقرب الى الآخر.

بانتظار تنظيم كامل، تبقى قضية البطرشيل اي العطاء الحر من المؤمن لكاهنه في المناسبات كالإكليل او العمادة او المأتم. اعتاد أهلنا هذه الطريقة. لا مانع أن نبقى عليها حتى يأتي يوم الإصلاح الكامل. غير أن نظام البطرشيل لا يقوم إلا بالكرَم الكثير، والسوء فيه أن المؤمن يتعمّد مرة واحدة ويتزوّج مرة واحدة ويموت مرة واحدة. هذا يعني أنه يدفع ثلاث مرات للقائم بالخدمة. وأَزيد على هذا أن شعبنا قليل الممارسة، موسميّ، بمعنى أنه يحضر الصلوات في الأعياد الكبرى، وحتى في الأعياد لا يحضر الكل. فإذا كانت الصواني لا تجمع الا القليل، من أين يجمع راتب الكاهن؟ عندنا اذًا مشكلة لا تزال عالقة.

غير أن الحل الجزئي هو أن نُكرم كاهننا بالمناسبات إكراما يليق به وبنا حتى لا نموت ببخلنا ويحزن الكاهن المعوز وأولاده أولادنا. لماذا كُتب على كثيرين من خدّام الهيكل أن يحسّ ابناؤهم وبناتهم بالبؤس او بفقر يشبه البؤس؟

فكّروا فيما بينكم بهذه الأوضاع. قولوا لي ما يخطر ببالكم حتى نتنادى للحلول.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

العائلة / السبت 19 أيار 2012

فتشت عبثًا في العهد الجديد عن لفظةعائلة او عيلة الا اذا سعيت الى المعنى مداورة في كلام متى على المنحدرين من ابراهيم وفي كلام لوقا على المنحدرين من آدم. ذكر العائلةككيان غائب لأن المسيح جاء ليخلّص الإنسان لا كتلة مجتمعية فيها السوء والصلاح واختلاف الطبائع. الفرد هو الذي يهتدي الى الرب او ينشز فيصبح اذا اهتدى من عائلة الآب ويبقى ابواه واخوته من شراذم الدنيا. تتبعثر الجماعة ويبقى المهتدي الى ربه والضالّون الى شياطينهم.

غير ان العهد الجديد لا ينسى مسؤولية الوالد والوالدة والأبناء والبنات. اما القول في بعض الأوساط ان العائلة خليّة في الكنيسة فلم أجد له أثرًا في ما دفع مرة واحدة الى القديسين. ليس من دعوة الى ان تصلّي العائلة معا في وقت واحد وان تستخدم كلّها النصوص اياها فهذا من باب التربية وقد ينجح الأمر هنا ولا ينجح هناك.

العيلة واقع عملاني وليست واقعا كينونيا. على مستوى العمل والرعاية والافتقاد لا غنى عن هذا الواقع وقد أجمع علماء النفس المعاصرون انه وان كثرت المساكنة وتشريعها بالزواج في عدة بلدان من الغرب تبقى العائلة حاجة انسانية لا غنى عنها. قرأت بسرعة هذا الأدب غير انه يزيّن لي ان التوازن النفساني والنضج العاطفي معرضان للاختلال الكبير ان كان احدنا لا يعرف اباه وامه او عاش صريع خلافاتهما او رأى احدهما يرتكب الكبائر والظلم والعسف والغضب الشديد بحيث امكن القول ان انفكاك العائلة ينتج عنه انفكاك الشخصية.

في الطائفة الارثوذكسية قاضيت كل العائلات التي تقدّمت استئنافا بدعاوى طلاق خلال اثنتي عشرة سنة كما قاضيت جزءًا من هذه الطائفة بداءة. لن أحدّثكم عن فحصي للعائلات التي رغبت في الانفصال. هذا يخرج من اهتمامي في هذا المقال يهمني الأذى النفساني اللاحق بالاولاد. هنا امكن التقرير ان الاضطراب النفسي وخلل الطبائع والاكتئاب سيئات تلحق بالبنين والبنات لا سيّما اذا كانوا صغيري السن لا أطفالا رضعا ولا متقدمين في الرشد. ولكن القاعدة العامة ان الأذى يحلّ بالأولاد كذلك الخيبة من الأهل ولاسيّما  اذا بانت خطاياهم للولد. كل خطيئة تولّد صدمة وكل صدمة تصدعا في النفس بمقادير مختلفة حسب الوضع العائلي المنهار.

في الواقع كان الانهيار واقعا قبل الخلاف واستدعاء الطلاق وكان الحزن قد دخل الى هذه النفس او تلك النفوس التي تؤلّف العائلة.

لست أعرف نفسيّة الأولاد في الكنائس المسيحية الأخرى التي ليست عندها قانونيا طلاق ولكن عندها الإبطال. تصوّري انه مهما كانت التسمية فالعائلة الكاثوليكية تعرف الانفصال ونتائجه.

لا أعرف شيئا عن سيكولوجية الأولاد المسلمين الذين ينفصل ذووهم بالطلاق. هل تشريع الطلاق في الإسلام يجعل الولد أكثر قبولا لهذه المؤسسة؟ نحن في حاجة الى دراسة سوسيولوجية مستفيضة هنا ولكن ظنّي ان الولد المسلم اية كانت الشريعة التي يألفها يحب بقاء ذوويه معا وان يظلّ ملتصقًا بهما.

#   #

#

ما يجعلني أوافق على ان مؤسسة الزواج باقية هو ان الزواج وحده يرعى صحة الأولاد وعافيتهما السيكولوجية بدءا من انه ليس من بديل عن الأم. يهمّ كل انسان ان يعرف ممن جاء الى هذا العالم. لذا يبقى الغربي سنوات اذا فقدهما او فقد معرفتهما يفتش عنهما في كل اقاصي الأرض. هكذا الانسان مفطور على انه يريد صلة على الأقل بأمّه. هو يعرف انه نما فيها طوال تسعة أشهر وانها حاضنته مهما طال عمره لأن حبل السرة وان قطع حسيا لا يقطع نفسانيا وكأن الانسان ابدا جنين وعندما يوارى الثرى يعود ابنا للأرض التي منها أُخذ. الأم والأرض والمدينة واحد ومنها جميعا جاء الانسان.

علاقتنا بالأب هي علاقتنا بالتاريخ العائلي المعروف عند اهل المال وغير معروف عند الفقراء ولكن الشعور بالماضي يلهمنا الشعور بالاستمرار. هناك رعاية للأب تتمثل في قوته وسيادته. وهذه القوة نعرفها متصلة بالأحشائية. كيف تتواصل سيادة الوالد على ولده والتصاقية الأم به في هذه الموهبة التي تدعى العائلة لمن استعملها سالمة هذا هو من نعم الله علينا. هذا يكشف حب الله لنا في هذا الثالوث الذي هو الأب والأم والوليد.

هنا تثار علاقة الأخ بأخيه او أخته. كيف تتجلّى العائلة عند ذاك؟ هل من مكانة لهذا التعدّد؟ اذا كان حب الأهل للأولاد عموديا فالحب الأخوي أفقي بمعنى تشابه الإحساس عند الإخوة والأخوات بقوة الأب او سيادته من جهة وبالأصول الرحمية تجاه الأم. طبعا هذا كله غارق في العقل الباطن. شعور هذا الولد تجاه امه وأبيه ليس واحدا او ليس بالعمق نفسه بين الاخوة والأخوات. لهذا أرى ان الصداقة بين البنين والبنات هي الطاغية على شعور أحدهم للآخر. من هذا المنظار كانت العائلة مكان التلاقي الشعوري بين الإخوة.

واذا كانت الأخوة هي صداقة أكثر من انتمائها الى اللحم والدم يكون ايثار الولد الواحد على بعض من الكثرة إضعافا لنمو الصداقة عند الإنسان في العيلة. البيئة العائلية دفء مفيد جدًآ للنمو الأسري. قد يعطل الخفر والخجل او عوامل أخرى تنمية المودات خارج العائلة وكثيرا ما يظهر العداء بين الإخوة ولكن الناموس الطبيعي ان ينشأ الحب ويكبر في اخوّة سليمة.

أنا أجيء من عائلة فيها ثمانية أولاد وما كان أبي على ذلك اليسر الذي يقال اليوم انه واجب لإكثار الولادات. ولم أسمع اصلا ان والدي يتأفف من اقتصاد علئلي معتدل. ذقنا صعوبات قليلة في الحرب العالمية الثانية. أءخلنا جامعات وما كان احد يقول في وسطنا الجامعي كيف يسجل هذا  ابن متري خضر في جامعة ويعيش في العاصمة ونحن لسنا ابناء العاصمة.

كنّا ندرس على ضوء القنديل اذ لم تكن الكهرباء تضيئنا آنذاك ونمشي على أقدامنا وكانت العائلة تصادق عائلات مسلمة. كنا نعيش معا في الحي وتعلّمنا نحن ان نحب المسلمين وما سمعت واحدا من الناس يقول لفقره لا أريد ان استخلف.

النصيحة الوحيدة التي كنت استمعها من الكهنة ان أطع أباك وأمك وعليها كانوا يزيدون احبب قريبك كنفسك. المسيحية العملية كانت هذه عند مرشدينا الروحيين والمسيحية النظرية تأتي من القداس واذا انت أتممت هذا كانوا يعتبرون انك بلغت الرشد الروحي الذي يكلل فيك كل مسعى.

العائلة كانت في عمقها الروحي تقوم على انشاد امي وبهاء ايقوناتها والخفر يضطرني الا أتكلّم على نقاوة والدي. الطهارة الكاملة في الكلام كانت مما لا يناقش لزومها. واستقامة الرأي التي كنا عليها مذهبيا كانت تقتضي استقامة السلوك اذا اردت ان تحس انك من هذه العائلة.

لست أعلم اذا تقيدنا بكل ذلك ولكن هذه كانت سياسة العائلة اذا أريد للعائلة البقاء. هي لا تبقى في الإيلاد ولكنها كانت تنمو بالولادة الجديدة التي من فوق.

العائلة تتلاشى في عائلة الآب او لا تكون.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

السامرية / الأحد 13 أيار 2012 / العدد 20

هذا الفصل الإنجيلي يحتوي على حوار من أجمل حوارات السيد. الحادثة السابقة للمقطع الذي نقرأه ان السيد لما كان لا يزال في اليهودية، وهي المقاطعة المحيطة بأورشليم، أحس بكيد الفريسيين وتآمرهم عليه، فقرر ان يذهب الى الجليل، وهي بلاده، وكان لا بد له ان يمر بالمنطقة الوسط وهي السامرة. فوصل الى مدينة سوخار وكانت قريبة جدا من نابلس، التي كانت في ذلك الزمن ولا تزال الى يومنا. في هذه الضيعة كانت عين يعقوب او بئر يعقوب، وهذه البئر قائمة حتى اليوم وعندها كنيسة ارثوذكسية.

نحو الساعة السادسة اي عند الظهر جاءت امرأة سامرية. في بلادنا في طفولتي كانوا يتبعون هذا التوقيت ويسمونه الساعة العربية. المرأة حاملة جرة خزفية والبئر عمقها 32 مترًا وكان بإمكانها ان ترفع الماء، ولم يكن ليسوع دلو ليرفع الماء. طلب منها الرب ان تسقيه فرفضت لكونه يهوديا والسامريون فرقة انشقت عن اليهود لاختلاف في العقيدة ولاختلاف عنصري اذ كانوا قد اختلطوا بشعوب أجنبية. لما رفضت ان تعطيه ماء ليشرب قال لها: «لو عرفت عطية الله ومن الذي قال لك اعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا». قالت له: من أين لك الماء الحي؟ قال لها عند ذاك: «كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا وأما من يشرب من الماء الذي انا أعطيه فلن يعطش الى الأبد». أي ماء قصد؟ لم تفهم شيئا من كل هذا.

أراد السيد ان يوقظها روحيا وطلب منها ان تدعو رجلها (في الترجمة الاميركية زوجها). ترجمتنا نحن أفضل اذ لم يكن لها زوج وساكنت في الماضي خمسة رجال وهي الآن تساكن رجلا. رأت ان يسوع يعرف وضعها فقالت: «يا سيّد أرى انك نبي» وطرحت عليه سؤالا لاهوتيا: «آباؤنا سجدوا في هذا الجبل (المُسَمّى جريزيم) وأنتم تقولون ان السجود هو في هيكل اورشليم». عند ذاك قال لها ما معناه انه ليس هنا ولا في اورشليم يكون السجود لله. الله لا يهمّه مكان. «الله انما يُسجَد له بالروح والحق» اي في القلب، في عمق الكيان البشري. في الحق تعني الله نفسه اي السجود المباشر الذي لا يحتاج الى تلة صهيون حيث كان الهيكل ولا الى جبلكم حيث كان في القديم هيكل السامريين. وكان قد دُمر قبل مجيء المسيح الى العالم.

هذا الحوار أهم ما ورد في إنجيل اليوم. والمرأة تركت جرتها، وهي لأجل استقاء الماء جاءت، وأخذت تبشّر قومها بالمسيح وهيأتهم لبشارة الرسل التي يذكرها سفر أعمال الرسل. وسمّتها الكنيسة القديسة فوتيني، وفي التسمية العربية في أوساطنا هي فوتين اي المستنيرة.

أعطنا يا رب ان نهتدي من كل قلبنا كما اهتدت المرأة السامرية.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

المرأة / السبت 12 أيار 2012

ماذا تقول كلمة الله عن المرأة قبل ان تقول الخبرة البشرية شيئًا. غير ان صعوبة الحديث عن الخبرة انها ليست واحدة عند جميع الناس وثانيا تكمن الصعوبة في كون الرجل اذا تكلّم على المرأة تعوزه الموضوعية لكونه متأثرا بنجاح علاقته بها او إخفاقها.

بدء الكلام عن المرأة ما جاء في سفر التكوين: «فخلق الله الانسان على صورته». بعد هذا يقول: «ذكرًا وأنثى خلقهم». وكأنه يقول ان البشرية مجموعة بلا تفريق بين الجنسين هي على صورة الله.

في رواية ثانية للخلق بعد ان استل الله من آدم حواء قال: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي…» ويكشف الكتاب لنا ان الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان كلاهما جسدًا واحدًا وفي الخلفية العبرية الجسد الواحد يعني الكيان الواحد.

في هذه المرحلة من الوحي لا يرى الله اليهما الا من حيث انهما معا اي متحدان، متعاطفان. عبارة آدم عن حواء «عظم من عظامي ولحم من لحمي» تشير الى اولية الرجل بوضوح. لغة وجودية، عملانية ولعل الحياة لا تطلب اكثر من هذا.

غير ان سفر التكوين بعد ان اهتم كثيرا بمن انحدر من ابراهيم عن طريق الزواج قال عن ابنه اسحق انه احب رفقة زوجته. هذا أفهوم جديد. نحن مع حضارة مشرقية تعرف الحب منذ القرن الثاني قبل الميلاد وهو تاريخ تدوين سفر التكوين على ما اصطلح عليه علماء عصرنا.

ويذهب سفر التكوين الى ابعد من هذا اذ يقول عن احد الناس ان «نفسه تعلقت بدينة ابنة يعقوب واحب الفتاة ولاطف الفتاة» (34: 3). نحن هنا مع أفهوم العشق وهو Eros في اليونانية.

قمة الشعور العشقي تجده منذ مطلع نشيد الأنشاد. «ها انت جميلة يا حبيبتي ها انت جميلة» (1: 25)، «اني مريضة حبا»، «احلفكن يا بنات اورشليم بالظباء وبأيائل الحقول الا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء».

والى هذا حب الله لشعبه بتسميته عروسا مستعار من لغة الحب البشري وهذا عند انبياء العهد القديم.

في كل ما ذكرنا عندنا بين الرجل والمرأة خطاب حب. موضوع الزواج شيء آخر.

#   #

#

اذا انتقلنا الآن الى العهد الجديد لا نجد اثرا لمقولة الحب بين الرجل والمرأة. هناك حديث عن الزواج فقط او عن عرس ولكن لا ذكر لعلاقة عاطفية مرتبطة بالجنس او تقود الى الزواج. ما يتعلق بالرقة غير مذكور. هناك فقط دعوة الى المحبة بمعناها الروحي كما في قوله: «أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم». طبعا لا حديث هنا اطلاقا عن تلاقي الجنسين. هناك فقط حديث عن التضحية بالنفس حتى الموت. المحبة عند الرجل للمرأة في تعليم بولس هي حصرا تضحية حتى الموت بلا اشارة الى اي انفعال  مرتبط بالجسد.

ينفرد العهد الجديد في اعتبار المرأة وحدها في قضية مريم. فتاة تحبل بلا مشاركة رجل وتصير قطبا اساسيا في الحياة المسيحية بلا تماس مع مقولة الحب. علاقتها بالمخلص ترتكز على مقولة العطاء وحده.

شفى يسوع نساء كثيرات لا ذكر لرجال لهنّ. نساء خاطئات يطيّبن قدميه وواحدة تبلّ قدميه بالدموع وتمسحهما  بشعر رأسها. ونساء كثيرات كنّ يخدمنه من اموالهنّ منهن مريم التي تدعى المجدلية وهي الاولى التي بشرت بالقيامة. رجال اسرائيل كانوا يكرهون المرأة ويعبرون عن هذا في صلواتهم. وحده في تاريخ هذا الشعب رفع من شأن المرأة. هو القائل عن الزانية: »من كان منكم بلا خطيئة فليرمها اولا بحجر« وبعد ان تركوه قال للخاطئة: «يا امرأة اين هم اولئك المشتكون عليك. اما  دانك احد. فقالت لا احد يا سيد فقال لها يسوع ولا انا ادينك. اذهبي ولا تخطئي بعد».

بعد هذا كانت واقفة عند صليبه امه والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. فقال لهذا عن مريم: هذه امك«. هل يعني ان لنا في العمق الذي لا يدرك اما واحدة واننا ان صرنا الى النعمة لنا والد واحد وهو الآب. في هذه الوالدية السامية ليس من أب ولا أم. فاذا نظر الله الينا لا يرى الا أبوّته وكأننا بتنا مثل ملكي صادق «بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة ايام لنا ولا نهاية حياة» (عبرانيين 3: 7).

#   #

#

في الرسالة الى أهل غلاطية «ليس ذكر وأنثى» (28: 3) واو العطف الواردة بعد ليس بين لفظة ذكر ولفظة أنثى هي لتنفي جمعهما ولإقرار استقلال الأنوثة عن المذكورة. في ما يختص بما نعالجه المرأة قائمة بنفسها وهي على صورة الله بنفسها. في الأصل هما كائنان منفصلان وليس أحدهما مخلوقا للآخر كأنه ناقص بلا زواج. المرأة لإمكانها ابتغاء الكمال الروحي لا تكتمل قداستها بالرجل ولا هو تكتمل قداسته بها وأعلى درجات القداسة هي لامرأة وعنيت بها مريم.

مستوي الطبيعة شيء آخر. هناك اختلاف في النفسانية حسب قول العلماء وهم يؤكدون سيكولوجيا ذكورية وسيكولوجيا أنثوية غير انهم يوكدون ايضا ان قوة العقل واحدة وان ليس من علم لا تستطيع المرأة ان تحصله. ظروف الحياة والتربية والمجتمعات تجعل بينهما اختلافا غير ان قوة الإدراك تؤهلهما للمعرفة الواحدة.

ربما اختلف الانفعال او حدّة الانفعال ولكن استيعاب القوة العاقلة واحدة فتستوي بها المرأة والرجل. في الأمور الجوهرية كل منهما وحده كامل الكيان وقد تجاوزنا علميا النقاش حول المساواة بين الرجل والمرأة.

لا أحب كلمة تكامل لأنها تتضمّن دونية ما ولكني اؤثر كلمة انسجام  بين الجنسين بسبب التباين النفساني. ولكن من المؤسف ان الأوربيين في دنيا العمل الراقي يفرقون في المعاش بين الرجل والمرأة ولو كانا على مستوى علمي واحد.

برهنت المرأة على علوّ مستواها وانتصرت. مع ذلك في بلدان عديدة في الحياة الزوجية تبقى مقموعة ومذَلّة والذلّ ان الرجل يمارس شدّة بسبب من أمواله.  هذه هي حقارته الى ان يرى زوجته كما يرى امه او اخته في البهاء الإلهي الذي خُلقت عليه.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

مجالس الرعية/ الأحد 6 أيار 2012 / العدد 19

في مطالع السبعينات من القرن العشرين، لما سنّ المجمع المقدس قانون مجالس الرعية، ظن أنه من الحسن أن تشرف لجنة من بضعة أشخاص على أمور الرعية من كل النواحي الروحية والثقافية والمالية. وفي كل تجمّع بشريّ، هناك إمكان عمل وهناك إمكان إهمال وهناك طبائع الناس بعضها جيّد وبعضها سيّء. ولستُ الآن بمعرض نجاح هذا القانون أو إخفاقه، فيختلف النجاح أو التخلّف حسب الأماكن وحسب مستوى التقوى عند الأعضاء.

ومن الصعوبات الكبرى أن المطران لا يستطيع أن يعرف جميع الناس إذا عيّن، ولا يتّفق المؤمنون على أن يدلّوه على أفضل العناصر، وفي بعض القرى في هذه الأبرشية من لا يقبل رئاسة الكاهن على المجلس أي يريدون الاستئثار بإدارة الأمور وجعل الأب الروحيّ محصورًا في أداء الصلوات ولا رأي له مثلا في راتبه أو إعانة الفقراء وهم في رعايته بنوع خاصّ. ليست غاية هذه السطور انتقاد وجود هذه المجالس، فالمجمع شرّعها وليس من حديث عن إلغائها، ولكن كيف نتصرّف اذا أخطأت الإدارة؟ كيف لا يبقى المجلس فقط آلة إدارية ولكن يكون حسن الإدارة؟السؤال الحقيقيّ هو هذا: كيف يعيش أعضاء المجلس بعضهم مع بعض؟ جوابُنا أن لا عيش الا في المحبة والتسامُح والغفران بحيث لا يتمسّك كل منهم برأيه عنادا ولكن يقبل الرأي السليم. الأرثوذكسيّ ليس فقط المنتمي بالمعمودية إلى كنيسة المسيح ولكنه المستقيم الرأي. فإن حسبت في مناقشة أن زميلك رأيه أقوم من رأيك تتخلّى عن رأيك وتتبعه لأن هذا الإنسان يكون قد استلهم المسيح أكثر منك أو دلّته خبرته على الموقف الصالح. ولا فرق بين أن تكون أنت قائدًا للفكر أو يكون سواك قائدًا للفكر. المهم أن تكون الحقيقة ملهمة للجميع وأن نكون جميعًا أبناء للحقيقة.

ماذا يحصل أحيانًا عندنا؟ تحصل خلافات قائمة على العائليّة أو على سياسة الضيعة. ونحن في هذه الأبرشية قرى. اذا كُنّا محبّين نكون محبّين لجميع العائلات لكونها تنتمي إلى المسيح والمسيح يحبّها بالمقدار نفسه. الكنيسة ليست مؤلفة من عائلات. هي مؤلفة من أفراد. فإذا كنت تحب الحق تكون ضد أخيك اذا كان ضد الحق.

أن تَظهر، أن تُسيطر، أن تُحبّ السلطة هذا من الشرير. الإنسان المتواضع يتوارى، يقمع كبرياءه ولا يدّعي أن عائلته شيء عظيم أو هي أعظم من الآخرين. الله يدين جميع الناس. لا يدين عائلات. يدين أفرادًا. فقد يكون أبوك قديسًا وأنت سيء. لا قربى عندنا إلا بين الخيّرين، الصالحين. الإنسان السيّء غريب عنك. اخدمْهُ خدمةً طيّبة مع كونه سيئًا لأنه خروف يسوع.

لا تقسم مجلس الرعية إلى زُمَر، إلى مجموعات متنافرة. اجمع. لتكن طريقتك التوحيد بين الإخوة. كونوا في المجلس جسمًا واحدًا اذا أردتم خدمة الجماعة أو أردتم ان تصبحوا جماعة موحّدة في دم المسيح.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

لبنان المرجو / السبت 5 أيار 2012

في لبنان الصغير كان الأرثوذكسيون ممثلين في مجلس الادارة بعدل وعاشوا في نظام المتصرفية. لم يرتضوا لبنان الكبير اذ كانوا مع فيصل حامل صيغة العروبة آنذاك. مع ذهاب فيصل تلبننوا سياسيا في حفاظهم العاطفي على رحابة مشرقية. بمعنى انهم لم يعيشوا عقدة اقليتهم العددية وما قبلوها لسواهم ولكن هذا التجمع الاقلوي الذي كرسه دستور 1926 فذلكه ميشال شيحا الكلداني الحامل ذكريات العراق.

في بلدنا شرخ بين الشعور العميق والواقع السياسي. فقد اقتبس المسلمون العروبة من مؤسسيها الفكريين اي موارنة باريس ثم انسلخ الموارنة عنها سياسيا  مع انهم اكتب العرب في لغتهم. ومع ان الموارنة اخوة الارثوذكسيين في المسيح لم يعطوا لهذا ترجمة سياسية وصاروا اسياد البلد. وبعد ان تلبنن المسلمون كليا ولكن تدريجيا كانت لهم قراءة للبنان نافعة لهم وخسر الموارنة لبنان سياسيا وبقوا له عاطفيا. في كل هذه اللعبة ما افاد الارثوذكسيون بعروبتهم شيئا من المسلمين وما افادوا من الموارنة دنيويا اذ حفظ الموارنة في لاهوتهم الكاثوليكي ودا للارثوذكس ولا سيما السنوات الاخيرة غير ان هذا لم يؤتِ بترجمة سياسية.

التشرذم الطائفي لا تستطيع انت بجرة قلم ان تحل محله الوطنية اللبنانية وهي شعور لا يولد نظاما. لا بد ان تضرب النظام الطائفي وهو قائم بسيادة طوائف نافذة على طوائف مستضعفة. الى ان ينشأ عندك نظام مدني كيف تقيم عدلا خارجا عن العدد او خارجا عن تسلط اعتباطي او عشوائي لناس على ناس؟

تمتمة الجواب ان تحول السؤال الى هذا: انت عندك شعوب مؤمنة بأديان مختلفة وفي كل دين مذهب او اكثر وأصحاب المذهب لهم ثقافة خاصة بهم.  لنأخذ الطهو مثلا. هناك طهو سني لورق العنب رائع وهناك كبة شيعية او جنوبية تختلف عما يطبخ في المناطق الشمالية والوسطى. وهناك لهجات بعضها مختلف كثيرا عن غيره وهناك مواقف حاسمة في الزواج وديمومته ودرجات قدسيته وكل الموضوع الجنسي. الى جانب ذلك ذاكرات جماعية متنوعة المضمون بحيث لا تستطيع ان ترى نموذجا إناسيا واحدا وبحيث يعسر جدا ان تتكلم عن طبائع لبنانية كثيرة التقارب الا في الخطايا الموحدة لما يسميه الدستور الامة اللبنانية وهو يريد التجمع السوسيولوجي لهذا الحلف الطوائفي الذي سماه الجنرال غورو في اول ايلول 1920 لبنان الكبير بقرار منه. هذا املاء فرنسي يجمع فوقيا مجموعة شعوب لتؤلف معا الشعب اللبناني وهي لم تستطع تأليفه.

ولم تدفع هذه الشعوب ثمنا لوحدة اريدت لها وكل شيء في الوقت الحاضر يدل على ان بعض القيمين على البلد لا يريدون اي خير له او يبذلون ادنى تضحية لتنصهر هذه الشعوب بعضها ببعض ولأية غاية تنصهر روحيا وثقافيا؟ ماذا نفعل بالنكهة الشيعية ذات الفرادة الساطعة؟ هل من محاولة جدية لاقتراب الكاثوليك والارثوذكس؟ هذه امور ليست بتفاصيل لدنو شعب من شعب آخر. توحيد المذاهب الاسلامية الذي ينادي به جامع الأزهر من عقود لم يبق له أثر.

الانقباض هو الطابع الوحيد الذي يميز كل طائفة وأعجوبة الانفتاح الديني والمجتمعي لم تطل حتى اليوم.

هل نقرر في سبيل حلم الوحدة اللبنانية اننا بتنا شعبا واحدا ونرضى في الواقع بتطويع شعب لشعب؟

متى تتم الوحدة اللبنانية وعلى اي أساس؟ هل ندعو كل شعب الى فقدان دسمه او ملامحه او نقوم بعمل توحيدي رمزي في هذه المناسبة او تلك لنوهم انفسنا اننا ذاهبون الى الانصهار؟ هل تعرفون خارج لبنان بلدا يعزف النشيد الوطني في كل مناسبة؟

كل هذه الامة كما يحلو للدستور ان يسميها تذهب خلال 12 ساعة لتضع ورقة في صندوق اقتراع مكتوبة عليها اسماء مرشحين لتقنع نفسها بأنها صارت واحدة بهم وتعود في اليوم الثاني الى انقسامها شعوبا مختلفة لا تعاون بينها الا في التجارة والقطاع الاقتصادي والتنافس المالي ونعت ذاتها باللبنانية لأن هناك علما واحدا وتركيبة دولة غير قادرة او غير مريدة على بناء طريق لا حفرة فيها او إقامة كهرباء لا تضيء او جر مياه لا تروي او ذبح لحم فاسد وإذاعة رعب في النفوس وتوهم انها تحكم وهي لا تحكم بانتظار دولة تكون غبيا اذا توقعتها بمعطيات اليوم.

ان تكون في لبنان غير طائفي أمنية لا أساس لها سياسيا. ان تكون محبا شيء آخر لا علاقة له بالسياسة. يمكن المحبة ان تشفي الطوائف من حدتها، من كبريائها، من أناها المقيت. ولكن هذا لا يصلح النظام الطوائفي. وهو لا ينهدم منطقيا. يجب ان يتفجر كليا. ولن يتفجر ما لم تأتِ بنظام آخر كليا. حتى الآن لسنا نعرف النظام المدني الذي يتجاهل الطوائف كليا. وليس لبنان مؤهلا لاكتشاف نظام لنفسه لا يعرفه علماء الدستور.

هل نصل، هل يمكننا ان نصل الى وضع كهذا؟ هذا يعني اننا قادرون ان نفصل بين شعورنا الديني وقيام طوائف لنا لا معنى سياسيا لها. هل اللبناني حر من السياسة الى هذا الحد؟ وهل هو متدين الى هذا الحد حتى يعتقد ان الإيمان اخروي كليا وليس له مردود سياسي؟ انا ليس عندي وصفة تحرير من الطائفية ولست اعرف مرحلية لوصولنا الى نظام علماني.

انت لست مضطرا ان تؤمن بإمكانات هذه الشعوب لتصير شعبا واحدا. انت مضطر ان تحب جميع هذه الشعوب لكي تتحرر من الانقباض او الانغلاق وتبني بالإخلاص دولة تعرف نفسها خادمة لكل هذه الجماعات وهذا يتطلب فهما كبيرا لخصائص هذه الشرائح وكيف تقربها بعضها من بعض.

من المعيب ان تسود طائفة طائفة اخرى بأية صورة من صور السيادة. من المعيب الا تجعل كرامتك ككرامة الآخر وان تعليه فوق رأسك لتدخلوا بالمساواة الى ندوة برلمانية تسعون فيها الى بناء لبنان عظيم وتفتخرون بالبهاء الروحي الذي تجعله فيه اخلاقكم السامية.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

انتخاب السبعة/ الأحد 29 نيسان 2012 / العدد 18

أعمال الرسل هو السِفْر المتعلّق ببدايات الكنيسة اي إنه كتاب عن عمل الروح القدس الذي انبثّ في الكون بعد قيامة الرب. في هذا المقطع المنشور اليوم من هذا الكتاب حديث عن تذمّر أُولئك المسيحيين المُسمّين يونانيين على المسيحيين المُسمّين عبرانيين، والسبب ان أرامل اليونانيين يُهمَلن في الخدمة اليومية وهي توزيع الإعانات او الطعام لتلك النساء. اليونانيون هم المسيحيون الناطقون باللغة اليونانية الذين استوطنوا أورشليم، وهُم كانوا من اليهود الذين هجروا فلسطين وسكنوا حيث يتكلم الناس باليونانية مثل الإسكندرية. بعد اهتدائهم الى المسيحية أَحبّوا لذكرى المسيح أن يعيشوا في أورشليم. والذين سمّاهم الكتاب عبرانيين هم الذين من أصل يهوديّ واهتدَوا وبقُوا حيث كانوا اي في فلسطين.

ارتأى الرسل أن يتركوا «خدمة الموائد» لأنها تأخذ منهم وقتًا كثيرًا والأولوية هي للبشارة. رأوا أنهم يستطيعون أن يُفوّضوا عددا من المؤمنين كانوا سبعة لينصرفوا الى خدمة الموائد. أَتوا بهم بالانتخاب، ورأوا أن مجرد التوزيع المادّي لا يكفي اذ يجب أن يكونوا «ممتلئين من الروح القدس والحكمة». أية خدمة في الكنيسة تحتاج الى الفضيلة، الى تعاطي الناس وعدم التسلّط عليهم والى سلام في النفس والى الهدوء، وفي توزيع المال او مواد الأطعمة تحتاج الى عدل بين الناس وإسقاط الحواجز النفسية بين قومين مختلفين او عنصرين هما اليونانيون والعبرانيون.

سمّاهم الكتاب الإلهي وصنّف أَحدَهم استفانوس بأنه ممتلئ من الإيمان والروح القدس، وسوف نقف في سِفْر الأعمال على فهمه اللاهوتيّ واستشهاده.

هل كان لهؤلاء السبعة رتبة او درجة؟ الرأي الغالب أنهم كانوا شمامسة أو أول الشمامسة في الكنيسة. القديس يوحنا الذهبيّ الفم لم يكن على هذا الرأي. ولكن المعروف في الكنيسة الأولى أن العمل الاجتماعي كان يتولاّه الشمامسة الى جانب خدمتهم الطقوسية. السبعة كانوا على شيء من التكريس إذ وُضعت الأيدي عليهم. ووضْعُ الأيدي عليهم علامة رسامة. كل تكريس من خدمة المرتّل والقارئ الى خدمة الأسقف تتطلب وضع الأيدي. السبعة اذًا لم يكونوا شمامسة بالمعنى المعروف اليوم، كان لهم مقام رسمي ولو مؤقتا. الترهّب الذي لا يعتبره معظم العلماء اليوم سرّا اعتبره بعض العلماء القدامى سرّا إذ يقوم بوضع الأيدي من قبل رئيس الدير او الأسقف. السرّ هو التخصيص لله بعلامة حسّية يرافقها نزول النعمة. وفي الكهنوت هو انتداب النعمة لخدمة معيّنة. هذا ليس امتيازا لأحد بل تفويض إلهيّ مجانيّ. بعد هذا توّا يقول لوقا (وهو كاتب أعمال الرسل): «وكانت كلمة الله تنمو (بالبشارة) وعدد التلاميذ يتكاثر في اورشليم». وعندما يقول «وكان جمعٌ كثير من الكهنة يُطيعون الإيمان» يقصد كهنة الهيكل الذين انضمّوا الى الكنيسة.

ثم اهتدى جيل بعد جيل، وكانوا يجاهدون في الإيمان جهادًا كبيرًا.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

القيامة الكونية / السبت 28 نيسان 2012

القيامة حدث وفكر اي انها كانت واقعا في مسيرة يسوع الناصري ولكنها كانت معنى. هذا تعبّر عنه أنشودة الفصح القائلة: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت». المراد بهذا القول ان الموت لمّا دخل المسيح لم يتحكّم به وكأنّ هناك شيئا يتجاوز وطأة الحدث ويعبر عن انتصار المخلّص ضمن واقعة الميتة.

الموت حدث توضحه الأناجيل الأربعة في فصول عديدة كما يركّز عليه بولس ايضًا. في رواية لوقا: «وتبعه جمهور كثير من الشعب والنساء اللواتي كنّ يلطمن ايضا وينحن عليه» (23: 27). وبعد ان رفع على الخشبة «أسلم الروح» (23: 46). عبارة أسلم الروح ترد حرفيا في بقية اأناجيل مع ذكر شهود بأسمائهم. الصلب حدث ماديا اذا اتخذت الأناجيل صحافة تلك الأيام آمنت بالخلاص ام لم تؤمن. تقول الروايات عن موت يسوع الناصري متوافقة وصحيحة لثبوت النص الإنجيلي الحاضر  الذي استشهد به أهل القرن الأول وأكّدوا الحدث قبل تدوين الأناجيل كاملة.

قتل يسوع الناصري بتحريض من جماهير اليهود وحكم قضائي روماني اساسي لنقول بحدث آخر هو القيامة. هذه تكشف المعنى الرئيس لموت الناصري عند أتباعه. السؤال الباقي هو هل ان القيامة حدث لك ان تلمسه. بداءة جواب ان يسوع دُفن في مغارة اي فوقه سقفها وليس فوقه تراب وان هذا القبر الواسع شوهد شاغرا صباح الأحد. حسب رواية متى قول الملاك لمريم المجدلية ومريم الأخرى اللتين جاءتا الى القبر: «هلّما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعا فيه». بعد هذا قال: «انه قد قام». يبدو اذًا ان إثباتا حسيا للقيامة قائم على عدم وجود جثمان في القبر. عند مرقس شاب جالس في القبر قال للنساء اللواتي أتين الى القبر ليطيّبن الجسد. «قد قام. ليس هو ههنا. هوذا الموضع الذي وضعوه فيه». هنا ايضًا تأكيد على الشغور.

لوقا يعبّر عن شغور القبر بقوله ان بطرس كان هناك «ونظر الأكفان موضوعة وحدها» اي بلا جثمان. وهذه الشهادة هي اياها عند يوحنا.

لا تقول الأناجيل ان جسد يسوع تحرّك في اليوم الثالث وخرج ولكنها تقول كلها انه ظهر لأتباعه. القيامة ليست حدثا ماديا، كالصلب بمعنى انها غير موصوفة ماديا ولكنها حدث استقرأناه او تبيناه من ظهورات المعلّم للتلاميذ ولمريم المجدلية في البستان. له تاليا حدثية او حادثية اي واقع مادي آخر. كانت تحررا واقعيا من موت واقعي. نقبله من شهادة الشهود اي الرسل وصحبهم الذين قالوا انهم رأوه.

#   #

#

نحن نفهم معنى صلبه من القيامة. الصلب حدث ولكنك في حاجة الى من يفسره لك اي ان ينقلك من الواقعة الى السبب الذي من اجله كانت غاية الصليب وهو ان نحيا بالقيامة كما المسيح حيا. بتعبير آخر قصد القيامة هو نحن ولكن هذا لم يكن ليحصل الا اذا أدان المسيح الخطيئة بجسده كما يقول باسيليوس. ولهذا جاء عيد الفصح ليقول اننا بعد الحياة الجديدة التي نلناها بالمسيح لا ننتظر شيئا آخر فقد «حلّ ملء الزمان» كما قال بولس وبتنا بالصليب أبناء الله وصارت الأرض سماء ودعينا الى عرش المجد.

لم يترجم احد معنى القيامة وقبولنا امتدادها كما فعل بولس اذ قال: «الا تعلمون اننا حين تعمّدنا لنتحد بالمسيح يسوع تعمّدنا لنموت معه فدفنا معه بالمعمودية وشاركناه في موته حتى كما أقامه الآب بقدرته المجيدة من بين الأموات نسلك نحن ايضا في حياة جديدة» (رومية 66: 3 و4) فإن لم نشأ ان نحيا حياة جديدة فكأن قيامة المخلّص لم تعننا، كأننا لم نأخذها وبقينا في خطايانا.

ما كانت القيامة لهذا الرسول العظيم حدثًا مضى يُغنى. صارت وجودًا في حياة المؤمنين، يجيئون من نورها، من دفئها، من ديمومتها. لذلك وضع القديس سيرافيم الروسي تحية يوميّة: «يا فرحي، المسيح قام». هذا يستدعي في ذاكرتي القديس مرداريوس الذي كان نبيلا رومانيا. سمع مرة فيما كان يتمشى في قصره في الطابق العلوي اغاني صاعدة من الشارع. اطلّ من الشرفة، رأى جمهورا يغني. سأل الخدم من هؤلاء ولماذا يغنون. قالوا هؤلاء قوم جاؤوا من الشرق مسوقون الى الإعدام ويرتلون لاعتقادهم، انهم بموتهم يتحدون بمخلصهم الذي يدعى يسوع. فقال مرداريوس في قلبه: ناس تجعلهم ديانتهم في هذا الفرح في طريقهم الى الموت يجب ان تكون ديانتهم صحيحة. فنزل وانضمّ اليهم. وعمّد بدمه. ونعيّد له من حيث انه شهيد.

كلّ من التمع عندنا ببهاء روحي يكون قد قام من خطيئة كما قام يسوع. اذا نظرنا الى ايقونة في كنيستنا وفرحنا بها نكون في اللحظة آتين من القيامة وذكرها بدء الأسبوع لأنّ كل قداس فصح.

المسيحيون الأوائل كانوا يرتدون البياض اذا مات لهم عزيز لكونه انتقل الى القيامة اذ له عند موته حديث مع الآب كما يقول امبروسيوس أسقف ميلان.

غير ان الله لا يهتمّ فقط للأفراد. يريد القيامة ان تعمّ الكون ولذلك في اليوم الأخير الكون ضياء. تعليمنا ان قيامة يسوع دشّنت الكون الجديد وتنير المادة فيه في اليوم الأخير. اذا صحّ تعبيري لا تبقى المادة مادية ولكنها تستضيء بنور المسيح وتصير كلّ حركة كونية جزءا من الفصح الأخير.

اذ ذاك، نفهم كلّ مدى ترتيلتنا: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور». قول ان الموتى يقومون ونبقى عند هذا القول لا يروي غليلا. ينبغي ايضاح ذلك بقولنا ان الكون يصبح رداء المسيح والمسيح لا يرتدي الا النور.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

أحد توما / الأحد 22 نيسان 2012 / العدد 17

عند يوم القيامة مساء، دخل يسوع بجسده الممجّد غير خاضع لكثافة الجدران الى التلاميذ المجتمعين في العلّية معا «خوفًا من اليهود»، إذ خاف التلاميذ أن تقضي أُمّتُهم عليهم لمحو قضية يسوع نهائيا، وسلّم عليهم تسليمًا عاديّا، ولكونه كان عالمًا بأن شكّهم بهذا الشخص الظاهر ممكن «أَراهُم يديه وجنبه» فأَدركوا انه الرب. وبعد أن تثبّتوا أنه القائم وهو عارف أنهم يمتلئون منه، جاء وقت تفويضهم بإرسالهم فقال لهم: «كما أَرسلَني الآب كذلك أنا أُرسلكم». كانوا في حاجة الى تكليف إلهيّ. يجب أن يأخذوا شيئًا يأتي من الله ولهذا قال: «خذوا الروح القدس». انه مستقرّ فيّ وعندي مواهبه. لكم كل مواهبه لتبنوا الكنيسة فيأخذ كل مؤمن الموهبة التي يريد الروح الإلهي أن يعطيه: هذا التعليم، وهذا التدبير، وهذا الوعظ، كما يبيّن بولس في رسالته الى اهل رومية. ثم قال لهم: «من غفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت».

خلفيّة هذا الكلام أني أَقمتُ بموتي وقيامتي العهد الجديد معكم، هذا الذي تكلّم عليـه إرمياء الإصحاح 31 إذ يقول: «أَصفح عن إثمهم ولا أَذكُر خطيئتهم بعد». الرسول لا يغفر او يربط الخطايا تعسّفًا (هكذا كما يريد). يعرف فكر الله في هذه الخطيئة وتلك، ويعبّر عن الغفران الإلهي او عدم الغفران. في إنجيل متى: «كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولا في السماء» (18: 18). التشديد في هذا القول على أن الكنيسة بعد الفصح والتجديد الروحي هي المكان الذي نتوب فيه لنيل المغفرة. إستندت الكنيسة على هذا الكلام لتبرير سر التوبة. شكّ توما الرسول الذي كان غائبًا عشيّة الفصح بظهور السيد. لما ظهر الرب ثانية بعد أسبوع اي في ما سُمّي في الكنيسة «أحد توما» وبّخه السيد على عدم إيمانه. عند ذاك قال للسيد: ربّي وإلهي. قليل من الاعترافات بيسوع في العهد الجديد هي بهذه القوّة. أمّا قوله: «طوبى للذين لم يَرَوا وآمنوا» فلا يعني التصديق السهل لكل ما يُقال لنا. الإيمان شيء من داخل النفس قذفه الله الى داخلها. كثيرون في أيام السيد رأوا العجائب وسمعوا ما قاله يسوع ولم يؤمنوا. العين والأُذن لا يكفيان.

ولعلّ في توبيخ الرب يسوع لتوما معنى انه كان عليه أن يؤمن بما قاله الرسل. الكثيرون يشكّون وهؤلاء ليسوا أقلّ الناس فهمًا. يقولون: هذه القضية ليست قريبة من العقل. لا ريب أن الشك تجربة شيطانية، خلل في الإيمان الذي كان قائما عندنا. الفهم العقلي لا يأتيك دائما بالإيمان. الشك العقلي لا يأتيك دائمًا بنقصان في الإيمان. الإيمان هو ارتماؤك في حضن الآب وتسليم نفسك له. واذا وجدت نفسك في زيغان او ارتياب فاقبل بما تقوله الكنيسة اي المُعتقد المستقيم الرأي الذي أخذناه من قدماء الآباء جيلا بعد جيل. الاعتقاد بالسماء، بالحياة الأبدية، بالثالوث القدوس، بشفاعة القديسين، بالأيقونة، بغفران الخطايا وما الى ذلك، هذه أشياء يعبُر أحيانًا الشكّ بها الى عقولنا. أنت اطّلع على ما تقوله الكنيسة «ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا».

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الحشمة / السبت 21 نيسان 2012

في اللغة الحشمة هي الحياء او الاستحياء. اللفظة في ترجماتنا العربية تتعلق بالمرأة. والمعنى هو نفسه بالترجمات الفرنسية. وما يرفضه بولس في رسالته الأولى الى تيموثاوس هو التزين «بالذهب واللؤلؤ والثياب الفاخرة» (1تيموثاوس 2: 9). الفكرة نفسها نجدها في احدى مواعظ يوحنا الذهبي الفم في نبرة شديدة.

في هذا الفصل عند بولس يرافق الحشمة «الورع والتعقل وتقوى الله بأعمال صالحة» كأنه يقيم تناقضا بين العمل الصالح وغياب الحشمة او ضعف الحشمة. حسب التناص في رسالة بولس الاولى الى تيموثاوس يبدو ان ما يكرهه الرسول في الدرجة الاولى هو ترف الملبس والجواهر.

النص الأساسي في موضوع الحشمة هو ما ورد في سفر التكوين عن آدم وحواء لما قال: «وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان». بعد هذا بقليل يقول: «وصنع الرب الإله لآدم وامرأته اقمصة من جلد وألبسهما» (تكوين 3: 21). وبعد ان أخطأ آدم «أخرجه الرب من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها» (تكوين 3: 23).

يتبين من كل هذا ان الخجل رافق اللباس، رافق أقمصة الجلد والعري عودة الى الخجل.

هذه هي الصورة في بدء سفر التكوين. هذه الصورة تعطينا الجدلية بين اللباس والعري.  العري استبعده الله بعد اعطائه الجدين الاولين أقمصة الجلد. وبعض اللباس ممجوج بسبب من مرافقته للذهب واللؤلؤ وما اليهما. هنا القضية متكونة من محبة الله للفقراء. يبقى ان اللباس مرافق للوضع الخاطئ الذي وقع فيه الانسان ونحن في وضع الخطيئة هذا. لذلك عندنا مشكلة اللباس وعدم اللباس او مشكلة طريقة اللباس ومشكلة الأزياء ان أردنا ان نترجم الكلام الإلهي ترجمة اجتماعية.

#   #

#

في الكلام الحالي الحشمة تفيد التستر ولكن هذه اللفظة لا تحتويها كليا اذ الشخص المتستر يمكن ان يكون إباحيا.

المسألة كلها كامنة في حركة الجسم التي تنبثق عن النية فهل التحرك هو الاسترضاء او الجذب او الاخضاع او التسيير بحيث يأتي الجسد وما عليه قليلا كان ام كثيرا وسيلة لإثارة هذه المشاعر ام يأتي لغة للتواصل الوجداني. بكلام آخر هل الجسد وصل بينه وبين عيون ام هو خطاب قائم ليتلقى خطابا آخر بحيث يكون المتخاطبون اشخاصا يعطون حياة ويتفاهمون على مستوى الكيان الذي لا بيع فيه ولا شراء ولكن يبدو الكيان لكيان او كيانات اخرى حديثا انسانيا غير مقول بكلمات ولكنه تداخل افكار وتعبير عن مشاعر بلا رهن ولا ارتهان.

من الواضح ان الثياب لا تنحصر وظيفتها بارتداء ما يقينا البرد او الحر فالانسانية جعلتها جميلة في كل العصور للذكر وللأنثى وجعلتها للمقام (لباس عسكري او ديني او قضائي او أكاديمي او لعرس او لحداد وما الى ذلك). والتماس الجمال يفسح في المجال للحلال في ظرف تاريخي او يسيء او لما يعتبره الناس غلوا في الزينة وهتك العفة في جو حضاري محدد.

هنا نلحظ ان ما كان موفوضا في زمن يصبح مقبولا في زمن آخر وما كان مثيرا في زمن يرتضيه القوم في زمان لاحق. يزين لي ان الحجب الكامل للجسم من الرأس الى الأرض من مستلزمات الطهارة عند بعض ومن القوم من اعتبر ان معظم الرجال يبقى نصيبهم من النقاوة قائما دون هذا التشدد، الامر الذي يعني تبدل الأذواق بتبدل الأزمنة والأمكنة.

ما لا بد من تأكيده ان المرأة في عصرها تعرف على وجه الوضوح ما يتقبله القوم وما لا يتقبلونه تبعا للبلد الذي يعيشون فيه. لا يمكن لامرأة فائقة الجمال ان تخفيه مهما احتجبت ومهما قصدت عفة نظراتها. ولكن قصد النقاوة يساعد على حمل النقاوة كما ان سوء القصد ايا كانت صورة الاحتشام من شأنه ان يحدث خللا في العلاقات بين الجنسين.

#   #

#

على رغم كل النسبية في هذا الموضوع لكونه متحركا يبقى عندنا تساؤل اساسي ليس متعلقا بالمرأة وحدها وهو السؤال حول الإغراء. المغري هو ذلك الذي يريد إثبات انه مهم، جذاب في هذا الحقل او ذاك من الوجود ابتغاء استلذاذ الآخر بعقله او شكله وليس ابتغاء التواصل الانساني. الرجل يستخدم الكلمة والكرم حتى يطوع الآخر اليه. يكتب احيانا متوسلا الانشداد الى شخصه وليس من دفع قارئه الى الحقيقة او يستخدم احيانا الحقيقة لكي يعود اليه لا الى الحقيقة تقدير القارئ.

المرأة تسر بجمالها احيانا كثيرة، تعرفه، تعرّف به وتغالي احيانا في ابدائه لاعتقادها الصريح او الضمني انه اهم ما فيها وانه هو الذي يستحق الاهتمام. وهذا الوصف ليس تعديا مني على احد. ما قلته باسلوبي قاله الفلاسفة الابيقوريون بلغتهم قديما.

ليس لمؤمن عداوة مع الجسد ولا سيما ان بولس جعله هيكلا للروح القدس وكلنا جاء منه. ولكن ما كان مقدسا الى حد كلام بولس لماذا نجعله قبل الزواج او الى جانب الزواج متعة للعين بتحويلنا اياه الى شيء وهو في لاهوت كنيستي بعض من صورة الله التي خلق عليها. واذا حان ملء زمانه في الحياة الزوجية يصبح كلاما غير منفصل عن الحب الزوجي وعن كلمة الوعد ونحن نصر ان نقرأه بث منية للعين او تلقي منية للعين.

انعطفت اوربا على هذه الرؤية في عصر نهضتها في القرن الخامس عشر وبان عند ذاك الجسد العاري والذريعة دراسة الجسد بحد نفسه مفصولا عن قداسته وأهملت الحشمة بعد استبعاد الله عن الوجود حتى أعلن نيتشه موت الله وبعد هذا الكفر كان لا بد ان يجن نيتشه.

لا حاجة بعد هذا الى عرض ازياء. امست الدنيا كلها استعراضا كبيرا. هذه نتيجة محتومة لعبادة الانسان كلامه المنمق او زينة جسده. لم يبق لنا أفق بعد ان صرنا اشياء. للرب وحده ان يعلن إيقاظه للروح اذا شاء ان يقول للانسان انه ليس فقط من تراب الارض.

Continue reading