Category

مقالات

2013, جريدة النهار, مقالات

الموارنة والأرثوذكس في حضرة الرب / السبت 19 كانون الثاني 2013

مع جلوس صاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي على السدة البطريركية ومع تسلّم صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر للسدة أدركت الكنيسة المارونية والكنيسة الأرثوذكسية ان تبريكا كبيرا نزل عليهما وكان تعبيره إخاء وقوة في المحبة كانا ساطعين في التعامل بينهما على أعلى صعيد. الى هذا الأفق الروحي الواسع تنظر الكنيستان اليوم لا سيما انهما ادركتا ان شغلهما الشاغل مع بقية الكنائس تعزيز المعرفة الإنجيلية وفلاحة كرم السيد معا والكنائس في هذا المشرق تتطلع الى الشهادة الواحدة وقد أدركت ان الوقت وقت تفعيل العطاء الإلهي الذي ورثته معا من الحبيب الأوحد.

كل منا أمسى خادما، حيث أقام، لرعية المسيح الواحدة بحيث دفعه الراعي الواحد الى ان يرى المسيحيين جميعا رعية لربها الواحد. واية كانت صور الخدمة وآلياتها وقاموسها بتنا نفهم اكثر من الماضي اننا واحد في خدمة سر الخلاص فلم يبقَ عند اي فريق استكبار او تنافس لأن الأزمنة باتت سيئة «وقد أريق السكيب علينا» لنصبح تقدمه حية للرب.

هناك أهمية كبيرة – في كلام اللاهوتيين- لشعور المسيحيين انهم امة للرب واحدة تنزل عليها القداسة الواحدة في الكلمة وفي القرابين. وشعور الشعب المؤمن يشكل إجماعا يجعل الكنيستين في رؤية المسيح واحدة.

الانقسام ليس واقعا لاهوتيا. هو واقع الخطيئة في التاريخ ولا يعول عليه ولكنه يعول على الوحدة التي المسيح بانيها. القسمة من ثمار الخطيئة وليس لها عند المخلص وجود الا في الدمع الجاري من عينيه. ونحن نأتي من هذه الدموع ولا نأتي من القسمة الى ان يزيل الرب كل آثار التفسخ.

عندما يكون البطريرك لاهوتيا كما هي الحال في الكنيستين المارونية والأرثوذكسية تسمو نوعية العلاقة بينهما على رجاء ارتفاع مستوى المؤمنين جميعا الى الرؤية الإلهيّة العظيمة فلا نبقى في العلاقات الرعائية البسيطة بل نرقى الى تفاهم لاهوتي عظيم والى تثبيت العلاقات على عمق هذا التفاهم.

السؤال لم يبقَ، اذ ذاك، كيف نعيش معا في مجتمع كنسي واحد ولكن كيف نرقى في الإحساس اللاهوتي والتربية الإلهية الواحدة بحيث نسلك وكأننا أخذنا نبني الكنيسة الواحدة معا في قداسة البر.

#   #

#

كيف نخترق حواجز التاريخ والأنظومات القانونية في حين تكشف لنا الرؤية الوحدة لكنيسة الغد، هذه الرؤية التي تكشف لنا التدبير العملي لحياتنا المشتركة. ما المستوى الذي لا بد لنا ان ترتقي اليه؟ ماذا يجب ان نهدم لنرى وحدتنا المشتهاة؟

هناك خصوصية في العمل والتعامل بين الكنيسة الأرثوذكسة والكنيسة المارونية لا لحصر التلاقي بينهما ولكن لشعور في التقارب عميق، ربما كان مردّه الى ان هاتين الكنيستين لم تختبرا تباعدا في وجودهما على أرض واحدة قد يكون تفسيره ان اية منهما لم تنهشِ الأخرى ولم تطمع بأغنامها اذ كانت تحتسب ضمنا ان الرب في الكنيستين بالقوة الواحدة. المؤمنون في هذه الرعية وتلك منذ ظهور الحركة المسكونية والتقارب بين الرئاسات الروحية لم يعودوا يحسون بوجود انقسام بين الرعيتين واخذت كل رعية تشعر بصدق ان الرعية الأخرى واحدة معها في شركة الإيمان الأساسي ولم يبقَ أثر حقيقي لخطف الأغنام من الرعية الأخرى.

يعيش المسيحيون اليوم في هذا البلد بشعور وحدة قائمة وان لم يكن لها تعبير قانوني نظامي. انت تقبل ضمنا -بمفهوم عميق او غير عميق- ان المسيحي الآخر أخوك وانك لن تجرحه. وهذا آتٍ من كونك صرت تحبه منذ ثلاثين او أربعين سنة وأخذت تحس ان الله بهذا الموقف مباركك.

قد يكون مردّ هذا عند العامة ان فريقا ما لم يبقَ محبا للخلاف وقد يكون مردّ هذا الى ان مشقات الانقسام صارت جارحة لكلّ منّا ولسنا نريد ان ندفع ثمنها. الى هذا في جو التقارب الإنساني العام ازداد شعور المسيحيين بوحدتهم.

كيف نجسّم هذا من أبسط مستوى التعايش الرعائي بيننا الى أعلى مستوى لاهوتي؟ انا لا أقدر ان أحس بوحدتي مع الانسان الكاثوليكي ما لم أسائله في مسائل عديدة تتعلّق بممارساته الفكرية والعملية. انا لا أقدر ان أحب الكاثوليكي حبا صادقا وكبيرا ما لم أسائله في كتابات له وحياته الرعائية. علاقات الكنائس ليس فيها مجاملة. انها قائمة على اللاهوت اي على التلاقي العظيم في المسيح يسوع. أظن ان ضعف الكنائس او بعضها مرده عقلية اهل المشرق العائشين مع خصومهم الفكريين ومع اصدقائهم بالطريقة الواحدة التي هي طريقة المجاملة والتقارب السطحي في كل مجال من مجالات الحياة.

عندما يكون لنا بطريركان جديران بكل تقدير ومحبة يمكننا ان نرجو اليهما مباشرة المحادثات اللاهوتية. هذا يتطلّب طبعا تمهيدا للدراسة الجدية ولكن هذا اذا لم يبدأ نكون سجناء المجاملة الطائفية لا التلاقي الأخوي العظيم في وجدانيته والعظيم في المعرفة.

ربما كان ظرفنا ظرف التلاحم في المكاشفة الأخوية. من عرف عن كثب نيافة وغبطة البطريرك الماروني وغبطة البطريرك الأرثوذكسي، من قدرهما حق قدرهما لا بد له ان يقول بنفحتين نازلتين عليهما انه «وقت يُعمل فيه للرب».

الرؤية اللاهوتية متوفرة اليوم في الكنيستين وقد أخذتهما المحبة الإلهية وبعد المحبة يأتي الفكر وهذا ما يسميه الرسول «فكر المسيح». لأن هذا حي في الكنيستين وفي رأسيهما لا بد من ان ينادي احد أخاه مناداة الحب لكي يلتقيا في قلب الله. وعند انعطاف القلب الإلهي يتبارك كل لقاء.

لقاء الموارنة والأرثوذكس يتممه المسيح لا أهل الدنيا. ونحن، مشتركين، نجيء من مخلص القلوب وبانيها بحبه.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الموارنة والأرثوذكس في حضرة الرب / 19 كانون الثاني 2013

مع جلوس صاحب الغبطة والنيافة البطريرك بشارة الراعي على السدة البطريركية ومع تسلّم صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر للسدة أدركت الكنيسة المارونية والكنيسة الأرثوذكسية ان تبريكا كبيرًا نزل عليهما وكان تعبيره إخاء وقوة في المحبة كانا ساطعين في التعامل بينهما على أعلى صعيد. إلى هذا الأفق الروحي الواسع تنظر الكنيستان اليوم لا سيما انهما أدركتا ان شغلهما الشاغل مع بقية الكنائس تعزيز المعرفة الإنجيلية وفلاحة كرم السيد معًا والكنائس في هذا المشرق تتطلع إلى الشهادة الواحدة وقد أدركت ان الوقت وقت تفعيل العطاء الإلهي الذي ورثته معًا من الحبيب الأوحد.

كل منا أمسى خادما، حيث أقام، لرعية المسيح الواحدة بحيث دفعه الراعي الواحد إلى أن يرى المسيحيين جميعًا رعية لربها الواحد. وأية كانت صور الخدمة وآلياتها وقاموسها بتنا نفهم أكثر من الماضي اننا واحد في خدمة سرّ الخلاص فلم يبقَ عند أي فريق استكبار أو تنافس لأن الأزمنة باتت سيئة «وقد أريق السكيب علينا» لنصبح تقدمه حية للرب.

هناك أهمية كبيرة – في كلام اللاهوتيين- لشعور المسيحيين انهم أمة للرب واحدة تنزل عليها القداسة الواحدة في الكلمة وفي القرابين. وشعور الشعب المؤمن يشكل إجماعًا يجعل الكنيستين في رؤية المسيح واحدة.

الإنقسام ليس واقعًا لاهوتيًا. هو واقع الخطيئة في التاريخ ولا يعول عليه ولكنه يعول على الوحدة التي المسيح بانيها. القسمة من ثمار الخطيئة وليس لها عند المخلص وجود الا في الدمع الجاري من عينيه. ونحن نأتي من هذه الدموع ولا نأتي من القسمة إلى أن يزيل الرب كل آثار التفسخ.

عندما يكون البطريرك لاهوتيًّا كما هي الحال في الكنيستين المارونية والأرثوذكسية تسمو نوعية العلاقة بينهما على رجاء ارتفاع مستوى المؤمنين جميعا إلى الرؤية الإلهيّة العظيمة فلا نبقى في العلاقات الرعائية البسيطة بل نرقى إلى تفاهم لاهوتي عظيم وإلى تثبيت العلاقات على عمق هذا التفاهم.

السؤال لم يبقَ، إذ ذاك، كيف نعيش معًا في مجتمع كنسي واحد ولكن كيف نرقى في الإحساس اللاهوتي والتربية الإلهية الواحدة بحيث نسلك وكأننا أخذنا نبني الكنيسة الواحدة معًا في قداسة البر.

#   #

#

كيف نخترق حواجز التاريخ والأنظومات القانونية في حين تكشف لنا الرؤية الوحدة لكنيسة الغد، هذه الرؤية التي تكشف لنا التدبير العملي لحياتنا المشتركة. ما المستوى الذي لا بد لنا ان ترتقي اليه؟ ماذا يجب ان نهدم لنرى وحدتنا المشتهاة؟

هناك خصوصية في العمل والتعامل بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة المارونية لا لحصر التلاقي بينهما ولكن لشعور في التقارب عميق، ربما كان مردّه إلى ان هاتين الكنيستين لم تختبرًا تباعدًا في وجودهما على أرض واحدة قد يكون تفسيره ان أية منهما لم تنهشِ الأخرى ولم تطمع بأغنامها إذ كانت تحتسب ضمنًا ان الرب في الكنيستين بالقوة الواحدة. المؤمنون في هذه الرعية وتلك منذ ظهور الحركة المسكونية والتقارب بين الرئاسات الروحية لم يعودوا يحسون بوجود انقسام بين الرعيتين وأخذت كل رعية تشعر بصدق ان الرعية الأخرى واحدة معها في شركة الإيمان الأساسي ولم يبقَ أثر حقيقي لخطف الأغنام من الرعية الأخرى.

يعيش المسيحيون اليوم في هذا البلد بشعور وحدة قائمة وان لم يكن لها تعبير قانوني نظامي. أنت تقبل ضمنا -بمفهوم عميق أو غير عميق- ان المسيحي الآخر أخوك وانك لن تجرحه. وهذا آتٍ من كونك صرت تحبه منذ ثلاثين أو أربعين سنة وأخذت تحس ان الله بهذا الموقف مباركك.

قد يكون مردّ هذا عند العامة ان فريقًا ما لم يبقَ محبًا للخلاف وقد يكون مردّ هذا إلى ان مشقات الانقسام صارت جارحة لكلّ منّا ولسنا نريد ان ندفع ثمنها. إلى هذا في جو التقارب الإنساني العام ازداد شعور المسيحيين بوحدتهم.

كيف نجسّم هذا من أبسط مستوى التعايش الرعائي بيننا إلى أعلى مستوى لاهوتي؟ أنا لا أقدر ان أحس بوحدتي مع الإنسان الكاثوليكي ما لم أسائله في مسائل عديدة تتعلّق بممارساته الفكرية والعملية. أنا لا أقدر ان أحب الكاثوليكي حبًا صادقًا وكبيرًا ما لم أسائله في كتابات له وحياته الرعائية. علاقات الكنائس ليس فيها مجاملة. انها قائمة على اللاهوت أي على التلاقي العظيم في المسيح يسوع. أظن ان ضعف الكنائس أو بعضها مرده عقلية أهل المشرق العائشين مع خصومهم الفكريين ومع أصدقائهم بالطريقة الواحدة التي هي طريقة المجاملة والتقارب السطحي في كل مجال من مجالات الحياة.

عندما يكون لنا بطريركان جديران بكل تقدير ومحبة يمكننا ان نرجو اليهما مباشرة المحادثات اللاهوتية. هذا يتطلّب طبعا تمهيدا للدراسة الجدية ولكن هذا اذا لم يبدأ نكون سجناء المجاملة الطائفية لا التلاقي الأخوي العظيم في وجدانيته والعظيم في المعرفة.

ربما كان ظرفنا ظرف التلاحم في المكاشفة الأخوية. من عرف عن كثب نيافة وغبطة البطريرك الماروني وغبطة البطريرك الأرثوذكسي، من قدرهما حق قدرهما لا بد له ان يقول بنفحتين نازلتين عليهما انه «وقت يُعمل فيه للرب».

الرؤية اللاهوتية متوفرة اليوم في الكنيستين وقد أخذتهما المحبة الإلهية وبعد المحبة يأتي الفكر وهذا ما يسميه الرسول «فكر المسيح». لأن هذا حي في الكنيستين وفي رأسيهما لا بد من ان ينادي أحد أخاه مناداة الحب لكي يلتقيا في قلب الله. وعند انعطاف القلب الإلهي يتبارك كل لقاء.

لقاء الموارنة والأرثوذكس يتممه المسيح لا أهل الدنيا. ونحن، مشتركين، نجيء من مخلص القلوب وبانيها بحبه.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

ظهور الله فينا / الأحد 13 كانون الثاني 2013 / العدد 2

هل يقول الله لك في هذا الموسم: أنتَ ابني الحبيب؟ هو يعرف أنك كذلك، ولكن هل أنت تتقبل بنوّتك أي تريد أن تكون مثل المسيح أي لا مشيئة لك إلا أن تريد ما يريده يسوع ويسوع كانت له مشيئة أبيه في الجوهر. قال في البستان: لا تكن مشيئتي بل مشيئتُك أي إني أريد في ناسوتي(في بشريّتي) أن أُفكّر مثلك حتى أتمكّن من أن أكون في بشريّتي تابعا لمشيئتك.

والله الآب لن يسمّيك ابنه الا اذا أردتَ أن تكون كذلك اي خاضعا له في كل شيء بحيث لا تكون خاضعا لرغبات اللحم والدم فيك بل خاضع للآب في الكليّة كما كان الابن في بشريته خاضعا للآب في أُلوهيته.

عند ذاك تستحقّ أن تسمع ما سمعه يسوع في نهر الأردن: «انت ابني الوحيد»، ولك أن تصير ابنه بالتبنّي كما كان المسيح في بشريته. لا كلمة الله غير كلمة أبيه. لما خاطب الله المسيح بتسميته ابنًا يريد أن يسمّيك ابنه اذا أَتحت لك هذا المجال. هو لا «يخترعك» ابنًا، ولكن بالنعمة التي تنزل عليك وطاعتك للنعمة تصير ابنا له. الله عرفك ابنا منذ الأزل وأَشهرَ بُنوّتك له لما أَعلن مسيحه ابنا حبيبا على نهر الأردن.

الله لم يخاطب حبيبه الوحيد عند معموديته بهذه الكلمات إلا ليسمع كل منا أنه قادر أن يصير بدوره ابنا حبيبا. كل شيء لنا لأننا نحن للمسيح. وهو يعرف نفسه ابنًا منذ الأزل، ولكن أباه سمّاه ابنًا في معموديته لنسمع ذلك ونعرف أننا به وفيه بتنا أبناء الله.

لقد ظهر الله ثالوثًا على نهر الأردن ليقول لنا الله اننا نستطيع أن نعيش بسلام فقط إذا قبلنا أننا أولاد، وبهذا تتجدّد معموديّتنا فينا ونحيا بنوّتنا.

يريد الله منّا أن نقبل معموديتنا كانعطاف دائم من الله علينا فنعرف أننا متّكئون على صدر المخلّص أي عالمين أننا به وله وإليه.

وإذا فهمنا اليوم أننا آتون من معمودية المسيح التي أخذها عند صوت الآب وظهور الروح، فلنشكر له أنه عمدنا نحن ايضا بظهور الله في المعمودية التي تلقّيناها أطفالا لأن كل الحياة المسيحية هي أن نقبل بطاعتنا معموديتنا.

فإذا ظَهرَ اللهُ علينا بهذه الطاعة يكون الظهور الإلهي (الغطاس) ممدودا إلينا وممدودا منّا الى الآخرين. ان حياة الأطهار هي انعكاس معمودية المخلّص فيهم وظهورهم هم بالنعمة للإخوة وللناس. «معمودية واحدة لمغفرة الخطايا» لا تعني فقط معموديتنا كأطفال ولكن استمرارها فينا بالعمل الصالح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

التباهي / السبت 12 كانون الثاني 2013

لما قال الملاك لمريم: «افرحي يا ممتلئة نعمة» أراد ان النعمة وحدها ساكنتها او انها قائمة فقط في حضرة الله، ذلك ان ليس لأحد او شيء حضرة لا يمسها هو. ان لم يكن كل ما فيك ترجمة له فهو للعدم. فاذا قبلنا ان الرب في كل شيء نعني انه يجعل كل شيء تحت ربوبيته وخارج هذا أنت طريح العدم.

تطوعنا لله يلغي الذاتية المنكمشة فيأتي وجودنا، اذ ذاك، توجها اليه بعد ان كان توجّها منه الينا. اجل باتحادنا به لا يلغي ذاتنا اذ يبقى الناسوت فينا غير انه يصير ممتلئا لاهوتا. اجل تبقى الذات مألوهة كما يقول الإسلام او مؤلّهة كما تقول المسيحية ولا سيما الشرقية منها. لا تلغى بشرية الإنسان من حيث انه وجود مخلوق ولكنك ترث فيهامنذ هذا العالم المجد الإلهي غير المخلوق منذ هذا العالم.

ملء الوجود هو هذا التلاقي الحاصل في قلب الله بين الخالق والمخلوق فلا يستحيل الواحد الى الآخر ولكنه يساكنه. هذا ما يعنيه حلول الله في الانسان بلا حلولية. فاذا كنا ورثة الله في كل بهاء لا مجال للتباهي بل تأكيد للكلمة: «من افتخر فليفتخر بالرب» فإن عرفته هكذا يكون كل جمال فيك نازلا عليك وليس لك فيه اي فضل.

الإصرار على الأنا واستقلالها في تاريخ الحضارات عن طريق العلوم والفلسفة والفن أعطى الإشارة الى ظهور الإنسانوية في الغرب فكان مثلا الجسد العاري في الرسم فقتل رمزية التصوير وبطل الانسان يعي نفسه مخلوقا على صورة الله. اخذ الإنسان يعبد جسده ويسكر بجمال ولا يعرف نفسه وريث الرب ووصل في الفن الحديث الى الغاء الوجه في القامة البشرية والوجه كان من الايقونة إطلالة الله.

ضد نعمة هذه الاطلالة سقطة التباهي الذي يحصر الانسان في ترابيته وهي بطبيعتها غير ناهدة الى فوق. التباهي اعلان التفه البشري بدءا من ادعاء الجسد جماله. هذا ليس بشيء ان لم يكن إقرارا بجمال الله وإشعاعه علينا. هذا هو الفرق بين الايقونة واللوحة ان الايقونة تقول الرب واللوحة تقول الجسد البشري او الطبيعة بلا إشارة مقصودة الى ما فوقهما.

#   #

#

هذا هو عصر النهضة الغربية التي أصرت ان تقطع العلاقة بين الطبيعة وخالقها. في الحقيقة التاريخية ان الفن الاوربي منذ القرن السادس عشر هو الذي قال الالحاد. الانسان لم يعبر عنه، بدءا بفمه ولكن بصناعة الجمال وظهر الالحاد بالكلام فيما بعد.

غير ان الحياة ليست اولا فلسفة بل سلوك. ماذا يعني افتخار الحسناء بجمالها في عمق التحليل. في آخر مطاف الإغراء هو استدعاء الناس الى عبادتها وفي تحديد المعنى الى عبادة جسدها. لا يمكن ان يعني التباهي الا التماس العبادة التي هي شرك اذ يستحيل عليك كيانيا ان تجمع بين عبادتين.

المال أفتك من الجسد فقد قال عنه الرب انه «عبادة وثن» (كولوسي 3: 5). لقد جعلك الإله تلتقيه لتبدده حسبما نطقت به الكتب المقدسة: «بدد أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد» ( مزامير 112: 9). الجمال والمال مملوكان يصبحان ان قبلتهما مالكين في كيانك حتى تصير حريتك مسلوبة حقا. كل هوى من أهوائنا لهو عن «النعمة المخلصة لجميع الناس» (تيطس 2: 11).

المؤمن الجميل الطلعة لا يأبى لمديح فقد لا يعي عطية الخلق هذه او لا ينشغل بها ويقبل ذهابها اذا ما حلّ. هو لا يعرفها ملكا له ولا ملكا لأحد فأنه فقير فقط الى ما ينزل عليه من فوق.

لعلّ أقوى المواهب إغراء الذكاء لأنه الالتماع الأكبر لكونه مسنودا الى شيء عظيم ولكونه ينعكس فيه العقل الإلهي الذي حامله المسيح. كل فطن من الناس اية كانت ديانته قريب بكينونته من الله أكان عظيم الإيمان او ضعيفه. بصورة ساطعة يتجلّى الله فيه وقد لا يعلم. اذا قيس بالثراء المادي او الجمالي يكشف الله كما لا تكشفه عطايا أخرى. وبخلاف المال والجمال لا يبقى ملكا لصاحبه اذ من طبيعته ان ينتشر لأنه يؤخذ.

#   #

#

هل يعني كل هذا الا يعرف الإنسان ميزاته او حتى فضائله الروحية. الزاهد بماله يدرك هذا ولكن الزاهد ان كان مؤمنا حقا لا ينسب الى ذاته فضلا ويعترف فقط بالهبة الإلهية. كذلك يصعب على الحسناء ان تنسب جمالها الى الله ولكنه هو قادر ان يجعل في نفسها هذا الايمان وعند ذاك، تكون أدركت من القداسة مبلغًا.

الأعلى من ذلك ان يقول المثقف الكبير انا لست بشيء. كل ما يحتويه عقلي بعضه رياضة ولكن الاحساس مسكوب فيّ من فوق ولن أبدده لتقوم الحكمة وطوبى لذلك الذي يذهب مما عرفه فيّ الى ذلك الذي عنده كل علم.

«ويكون المنتهى حين يسلم المسيح الملك الى الله الآب الذي أخضع كل شيء للمسيح». بعد هذا يكون «الله كل شيء في كل شيء» (راجع 1كورنثوس 15: 24-28). كل ما أعطينا من مواهب كان من المسيح والمواهب بطبيعتها آتية منه. وان لم نعترف بذلك فلسنا على شيء. ولكن اذا آمنّا ان الله كل شيء في كل شيء ندرك ايضًا انه كان في حسننا من اية طبيعة كان واننا فتكنا الحجب المكونة من مال وجمال وعقل لنشاهد الكلمة الذي كان في البدء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

التباهي / 12 كانون الثاني 2013

لما قال الملاك لمريم: «افرحي يا ممتلئة نعمة» أراد ان النعمة وحدها ساكنتها أو انها قائمة فقط في حضرة الله، ذلك ان ليس لأحد أو شيء حضرة لا يمسها هو. ان لم يكن كل ما فيك ترجمة له فهو للعدم. فإذا قبلنا ان الرب في كل شيء نعني انه يجعل كل شيء تحت ربوبيته وخارج هذا أنت طريح العدم.

تطوعنا لله يلغي الذاتية المنكمشة فيأتي وجودنا، إذ ذاك، توجها اليه بعد ان كان توجّها منه الينا. أجل باتحادنا به لا يلغي ذاتنا إذ يبقى الناسوت فينا غير انه يصير ممتلئا لاهوتا. أجل تبقى الذات مألوهة كما يقول الإسلام أو مؤلّهة كما تقول المسيحية ولا سيما الشرقية منها. لا تلغى بشرية الإنسان من حيث انه وجود مخلوق ولكنك ترث فيهامنذ هذا العالم المجد الإلهي غير المخلوق منذ هذا العالم.

ملء الوجود هو هذا التلاقي الحاصل في قلب الله بين الخالق والمخلوق فلا يستحيل الواحد إلى الآخر ولكنه يساكنه. هذا ما يعنيه حلول الله في الإنسان بلا حلولية. فاذا كنا ورثة الله في كل بهاء لا مجال للتباهي بل تأكيد للكلمة: «من افتخر فليفتخر بالرب» فإن عرفته هكذا يكون كل جمال فيك نازلا عليك وليس لك فيه أي فضل.

الإصرار على الأنا واستقلالها في تاريخ الحضارات عن طريق العلوم والفلسفة والفن أعطى الإشارة إلى ظهور الإنسانوية في الغرب فكان مثلا الجسد العاري في الرسم فقتل رمزية التصوير وبطل الإنسان يعي نفسه مخلوقا على صورة الله. أخذ الإنسان يعبد جسده ويسكر بجمال ولا يعرف نفسه وريث الرب ووصل في الفن الحديث إلى الغاء الوجه في القامة البشرية والوجه كان من الايقونة إطلالة الله.

ضد نعمة هذه الاطلالة سقطة التباهي الذي يحصر الانسان في ترابيته وهي بطبيعتها غير ناهدة إلى فوق. التباهي اعلان التفه البشري بدءًا من ادعاء الجسد جماله. هذا ليس بشيء ان لم يكن إقرارا بجمال الله وإشعاعه علينا. هذا هو الفرق بين الايقونة واللوحة ان الايقونة تقول الرب واللوحة تقول الجسد البشري أو الطبيعة بلا إشارة مقصودة إلى ما فوقهما.

#   #

#

هذا هو عصر النهضة الغربية التي أصرت ان تقطع العلاقة بين الطبيعة وخالقها. في الحقيقة التاريخية ان الفن الأوربي منذ القرن السادس عشر هو الذي قال الالحاد. الإنسان لم يعبر عنه، بدءًا بفمه ولكن بصناعة الجمال وظهر الالحاد بالكلام فيما بعد.

غير ان الحياة ليست أولاً فلسفة بل سلوك. ماذا يعني افتخار الحسناء بجمالها في عمق التحليل. في آخر مطاف الإغراء هو استدعاء الناس إلى عبادتها وفي تحديد المعنى إلى عبادة جسدها. لا يمكن ان يعني التباهي الا التماس العبادة التي هي شرك إذ يستحيل عليك كيانيا ان تجمع بين عبادتين.

المال أفتك من الجسد فقد قال عنه الرب انه «عبادة وثن» (كولوسي 3: 5). لقد جعلك الإله تلتقيه لتبدده حسبما نطقت به الكتب المقدسة: «بدد أعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد» ( مزامير 112: 9). الجمال والمال مملوكان يصبحان ان قبلتهما مالكين في كيانك حتى تصير حريتك مسلوبة حقا. كل هوى من أهوائنا لهو عن «النعمة المخلصة لجميع الناس» (تيطس 2: 11).

المؤمن الجميل الطلعة لا يأبى لمديح فقد لا يعي عطية الخلق هذه أو لا ينشغل بها ويقبل ذهابها إذا ما حلّ. هو لا يعرفها ملكًا له ولا ملكًا لأحد فأنه فقير فقط إلى ما ينزل عليه من فوق.

لعلّ أقوى المواهب إغراء الذكاء لأنه الالتماع الأكبر لكونه مسنودًا إلى شيء عظيم ولكونه ينعكس فيه العقل الإلهي الذي حامله المسيح. كل فطن من الناس أية كانت ديانته قريب بكينونته من الله أكان عظيم الإيمان أو ضعيفه. بصورة ساطعة يتجلّى الله فيه وقد لا يعلم. إذا قيس بالثراء المادي أو الجمالي يكشف الله كما لا تكشفه عطايا أخرى. وبخلاف المال والجمال لا يبقى ملكًا لصاحبه إذ من طبيعته ان ينتشر لأنه يؤخذ.

#   #

#

هل يعني كل هذا الا يعرف الإنسان ميزاته أو حتى فضائله الروحية. الزاهد بماله يدرك هذا ولكن الزاهد ان كان مؤمنا حقا لا ينسب إلى ذاته فضلا ويعترف فقط بالهبة الإلهية. كذلك يصعب على الحسناء ان تنسب جمالها إلى الله ولكنه هو قادر ان يجعل في نفسها هذا الإيمان وعند ذاك، تكون أدركت من القداسة مبلغًا.

الأعلى من ذلك ان يقول المثقف الكبير أنا لست بشيء. كل ما يحتويه عقلي بعضه رياضة ولكن الإحساس مسكوب فيّ من فوق ولن أبدده لتقوم الحكمة وطوبى لذلك الذي يذهب مما عرفه فيّ إلى ذلك الذي عنده كل علم.

«ويكون المنتهى حين يسلم المسيح الملك إلى الله الآب الذي أخضع كل شيء للمسيح». بعد هذا يكون «الله كل شيء في كل شيء» (راجع 1كورنثوس 15: 24-28). كل ما أعطينا من مواهب كان من المسيح والمواهب بطبيعتها آتية منه. وان لم نعترف بذلك فلسنا على شيء. ولكن إذا آمنّا ان الله كل شيء في كل شيء ندرك أيضًا انه كان في حسننا من أية طبيعة كان واننا فتكنا الحجب المكونة من مال وجمال وعقل لنشاهد الكلمة الذي كان في البدء.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

نعمة الله / الأحد 6 كانون الثاني 2013 / العدد 1

«لقد ظهرَتْ نعمةُ الله المُخلّصة لجميع الناس». اقتبسنا هذه القولة من رسالة بولس الى تلميذه تيطس وهي لا تدلّ حصرا على نعمة الثالوث الذي ظهر على نهر الأردن وتجلّى الثالوث في هذا اليوم، يوم الغطاس (بالعامّيّة) كما تجلّى في الميلاد الذي كانت الكنيسة القديمة تُقيمه في يوم واحد مع الغطاس. والتذكاران، مجتمعين، كنّا نطلق عليهما اسم عيد الظهور حتى فصلنا الميلاد عن الغطاس وبقي ذكره تدلّ عليه معمودية السيد وإياه نقيم في هذا اليوم.

لقد ظهرَتْ نعمةُ الله اذ كشف الآب عن ذاته بالصوت لما دلّ على المسيح قائلا: «هذا هو ابني الحبيب»، وكشف يسوع نفسه بجسده في ماء النهر، والروح القدس بان كحمامة. ينتج من ظهور الله أننا مدعوون لنكون لله بالابتعاد عن الشهوات فنحيا في الدهر الحاضر «بالتعقل والعدل والتقوى» على رجاء ظهور المسيح في اليوم الآخِر.

هنا قَرّبت الرسالة بين ظهور الرب على نهر الأردن وظهوره في آخر الأزمنة. في ظهوره الأول الآن يُظهر المسيح لطف الله ومحبته للناس. هذا اللطف ليس نتيجة سلوكنا البشريّ ولكنه ثمرة الرحمة. كل صلاحٍ فينا عملُ الله وليس ثمرة أعمالنا.

هذا يأتي «بغَسْل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس». هذا يشير الى المعمودية التي هي ولادتنا بالروح القدس بعد أن ولدتنا أُمّهاتنا. بالمعمودية والميرون يجدّدنا الروح القدس اذ يجعلنا خلائق جديدة ويُفيض علينا طوال حياتنا نعمة الروح، وهذا الفيض هو استمرار المعمودية فينا.المعمودية لا تنتهي بغسلنا بالماء والروح عند طفولتنا. إنها تستمرّ بالنعمة التي يسكُبها الروح القدس في قلوبنا.

بها نصير «ورثةً على حسب رجاء الحياة الأبدية». الحياة الأبدية إرث ولا نأتي به من عندنا. نستثمر هذا الإرث باستلام الروح الإلهي كل يوم وبالطاعة لكلمة الإنجيل كل يوم. هذه الطاعة هي معموديتنا المستمرّة. تنزل علينا المعمودية بالرضاء الإلهي، وتبقى اذا حافظنا على النعمة واذا تجدّدت فينا بطاعة الإيمان.

كل صلاح فينا ليس صلاحا ابتكرناه نحن، فالروح القدس كنز الصالحات، فهذه تتدفّق منه، ونحن ورثة للخلاص الذي أتمّه السيد على الصليب وفي القيامة ووزّعه علينا بالعنصرة الشخصية.

ليس من خلاص إلا هذا الذي حصل. أعمال البرّ التي نقوم بها ليست خلاصا آخر. هي قبول الخلاص الذي صار والسلوك بقوته بمعنى أننا نتلقّى الخلاص ولا ننشئه.

وهذا ظهور إلهيّ لكل واحد منا في المسلك. هذا العيد الذي نُحييه اليوم ليس فقط ذكرى معمودية الرب. طبعا هو كذلك على أن نأخذ في نفوسنا تجلّي الله كل يوم في الأعمال الصالحة.

معموديتنا الدائمة في الطاعة بحيث نُتمّم العمل الصالح بالرضاء الإلهي الذي اسمه النعمة.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / السبت 5 كانون الثاني 2013

في انجيل متى ورد «طوبى للمساكين بالروح» ويعني، حسب آبائنا، المتواضعين ويجمع علماء التفسير على ان هذه الآية تخفيف للحدة الواردة عند لوقا: «طوباكم ايها المساكين» (لوقا 6: 2). ويقول المفسرون ان هذه الصياغة هي الاقدم بمعنى انها هي التي تفوه بها المعلم. مهما يكن من امر التفسير من الواضح ان للمحتاجين مكانة عند يسوع الناصري خاصة اذ يقول «المساكين يبشرون» (متى 11: 5).

وكأن واضع النص اراد ان الانجيل هو لهم أو انهم هم الذين يتقبلونه لانهم هم الذين يطلبون ملكوت السموات.وكانه يقول ايضًا ان للاغنياء ملكهم لانهم اتخذوا ارزاقهم مرتعًا لهم ومكان ارتياحهم وانبساطهم فان المال مركز عواطفهم وعليه يتوكلون. ففي مثل الغني ولعازر، الغنى مرادف التمتع والانبساط اي مدى الراحة وهو يحد صاحبه أو يحدده أو يحتويه.

ولكن ما الفقر؟ اليس هو الهبوط إلى وضع معاشي ضعيف في مجتمع معين. ولكن ما الضعيف؟ هناك مصطلح جديد نسبيًا وهو عتبة الفقر الذي تقل فيه موارد الانسان بحيث يكاد لا يموت جوعًا أو بحيث لا يستطيع ان يرتزق مما يكفيه لاعالة عائلته طعامًا وكساء ومأوى وتعليم أولاد.

هذا الوضع يجعل الواقع فيه ينتمي إلى فئة مجتمعية يعلوها المستكبرون ويجعلون منها مرتبة هامشية وليست شريكة في الانتاج والحياة السياسية الفاعلة. وتكون الدنيا في تصنيف الناس جميعًا مؤلفة من اغنياء وفقراء.

جاء كارل ماركس يسعى إلى ما اعتبره ميزان العدل وانصاف معقول ولهذا السبب دعا إلى الغاء الطبقات بعد ان كان المجتمع الأوروبي مجتع طبقات الفروق فيه صارخة. هو ما كان يحلم ان يكون للناس سوية اقتصادية ومجتمععية واحدة ولكنه رغب في تعايش معقول ليس فيه اذلال بسبب تباين مستويات العيش بصورة فاحشة.

لا يبدو أنّ الدعوة الماركسية نجحت في التحقيق اللينيني وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي واضح ان الرومنسية الشيوعية غابت عن ملايين الناس الذين غذتهم عمالاً كانوا ام مثقفين. غير ان الطموح إلى عدالة معقولة لا يزال نفحة عند الكثيرين.

#   #

#

واضح عند المتتبعين ان المسيحية لا تقوم على نظام اقتصادي ولا تدعو إلى نظام. فاذا كانت الاشتراكية تشجب الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتبادل وترفض عدم التساوي المجتمعي فيسوع الناصري لم يضع نفسه في هذا الاطار لانه اطار التنظيم الاجتماعي، والمسيحية دعوة في سبيل الفقراء أو فيها هذه الدعوة ولكنها ليست نظامًا يحقق في ثورة أو تنظيم اجتماعي بلا ثورة كما في بلاد السكندينافية.

الهاجس الثوري أو الانقلابي خارج عن المسيحية التي هي دعوة. هذا ما شاءه يسوع الناصري الذي ما اراد ان يستقوي على احد أو ان يفرض نظامًا بالقوة وحتى بالدعوة اليه. هذا مما يجعلنا نفهم ان المسيحية الرسولية ما التصقت بدولة ولا انفصلت عن دولة. عند ظهورها كان اتباعها من الامبراطورية الرومانية وما سعت هي إلى انشاء كيان دولتي خارج الامبراطورية لان الناصري اكتفى بتبيان ملكه على انه ملكوت الله في قلوب الناس.

ليس عنده فتح بلدان عنوة أو سلامًا. هذا ما في ايامه كان متروكًا للامبراطورية الرومانية. وبعد موته، في عهود الكنيسة، ما كان انتشار ملكوته في المبدأ متعلقًا بسياسة. هو اراد ان يعمل بروحه وانجيله ومملكات العالم متروكة لتقاربات الزمان ونحن أتباعه لسنا منها وإن كنا فيها وملكوت المسيح هو القلب.

#   #

#

لا يصور إنجيل يسوع المسيح الاغنياء على انهم بلا قلب ولكنه يعلم ان الغنى خطر على الانسان والفقر ان يصبح خطر على الانسان. الناصري يحذر من الاخطار الروحية اية كانت، من استعباد نفسك لاي مخلوق أو مصطنع ولهذا قال: «لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 24). هناك عبادة الله الواحد الاحد. والعبادة والعبودية واحد في اللغة. ليس لان الله ارادك عبدًا له، لانه قال انك ابني. ولكن حسب تفسير احد كبار الروحانيين عندنا انت تستعبد نفسك لله بالعشق.

فاذا صرت بالحب عبدًا لله يتعذر عليك ان تصنع لنفسك ربًا آخر.

ما من شك ان المال أو كل ما تقتنيه يأسرك أسرًا رهيبًا. اذ ذاك لا يبقـى لك حرية تعبد الله بها. انت تسلم نفسك له وحده. وهذا هو شرط العشق، فليس اذًا من محبوب آخر. من هنا انه لم يبق في القلب محل للمال وليس من عبودية لانسان. ان تحب البشر حسب قول الناصري: «أحبب قريبك كنفسك»، شيء آخر انه هو العطاء حتى النهاية أي حتى الموت. هذا يصطدم كليا بعشق الأرزاق وما اليها.

#   #

#

هل الأغنياء فئة شجبها المسيح؟ في الواقع الناصري تكلم عن فئة من الأغنياء كانت عاشقة لأموالها، غير مكترثة لوجود فقراء، غير متعاطفة وإياها، فاصلة نفسها عنها. هم يسوع الناصري ان نكون مجتمعا واحدا مع كل البشر لا يفرقنا مستوى اجتماعي بحيث نفهم اننا مؤتمنون على ملك الله.

أموالنا ليست لنا. نديرها فقط لمنفعتنا ومنفعة الناس. المسيحية لا تشرع لاقتناء المال ولا لتوزيعه. هي تقول لكل انسان: الانسان الآخر اخوك تعامله بما لك كأخ.

فاذا تصرفت هكذا لا يبقى شرخ بينك وبينه ولا تتصرف باذخا ومترفا ولكنك تتصرف حنونا ولا تجعل قريبك يقترب من الموت بالجوع أو ما يشبه الجوع لأنه بات من لحمك وعظامك. فما جاء اليك بالوراثة أو العمل ينفقه المحتاجون اليه وتسهر انت على حاجتهم وتخدمهم كما لو كانوا المسيح.

المسيحية تملي عليك ان تعطي من حولك نسبة من ثروتك. هي تجعل قلبك لا يحس ان له شيئا في هذه الأرض. اذ ذاك تصل إلى وقت لا تؤمن به بالمخاصصة ولكن بالمشاركة.

المشاركة تعني انك لا تقدر ان تقول انا وحدها ولكنك تقول: انا وانت اي تقول فعلا «نحن». ترجمة ذلك إلى واقعنا المعيش ان نحب الجماعة التي انت قائم بها وهي قائمة فيك.

ستبقى فروق. «الفقراء معكم في كل حين اما انا فلست معكم في كل حين». هذا لا يعني ان يسوع يقبل بوجود جائعين. هو يريدنا ان نتعامل والوضع الاجتماعي على ان نقيم العدل وان نقيم فوقه المحبة.

لم يكن يسوع ماورائيا اي مرجئا الخير. «اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم».

المحبة ملكوت الله.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الفقراء / 5 كانون الثاني 2013

في إنجيل متى ورد «طوبى للمساكين بالروح» ويعني، حسب آبائنا، المتواضعين ويجمع علماء التفسير على ان هذه الآية تخفيف للحدة الواردة عند لوقا: «طوباكم أيها المساكين» (لوقا 6: 2). ويقول المفسرون ان هذه الصياغة هي الأقدم بمعنى انها هي التي تفوه بها المعلم. مهما يكن من أمر التفسير من الواضح ان للمحتاجين مكانة عند يسوع الناصري خاصة إذ يقول «المساكين يبشرون» (متى 11: 5).

وكأن واضع النص أراد ان الإنجيل هو لهم أو انهم هم الذين يتقبلونه لأنهم هم الذين يطلبون ملكوت السموات.وكانه يقول أيضًا ان للأغنياء ملكهم لأنهم اتخذوا أرزاقهم مرتعًا لهم ومكان ارتياحهم وانبساطهم فإن المال مركز عواطفهم وعليه يتوكلون. ففي مثل الغني ولعازر، الغنى مرادف التمتع والانبساط أي مدى الراحة وهو يحد صاحبه أو يحدده أو يحتويه.

ولكن ما الفقر؟ أليس هو الهبوط إلى وضع معاشي ضعيف في مجتمع معين. ولكن ما الضعيف؟ هناك مصطلح جديد نسبيًا وهو عتبة الفقر الذي تقل فيه موارد الإنسان بحيث يكاد لا يموت جوعًا أو بحيث لا يستطيع ان يرتزق مما يكفيه لاعالة عائلته طعامًا وكساء ومأوى وتعليم أولاد.

هذا الوضع يجعل الواقع فيه ينتمي إلى فئة مجتمعية يعلوها المستكبرون ويجعلون منها مرتبة هامشية وليست شريكة في الانتاج والحياة السياسية الفاعلة. وتكون الدنيا في تصنيف الناس جميعًا مؤلفة من أغنياء وفقراء.

جاء كارل ماركس يسعى إلى ما اعتبره ميزان العدل وانصاف معقول ولهذا السبب دعا إلى الغاء الطبقات بعد ان كان المجتمع الأوروبي مجتع طبقات الفروق فيه صارخة. هو ما كان يحلم ان يكون للناس سوية اقتصادية ومجتمععية واحدة ولكنه رغب في تعايش معقول ليس فيه إذلال بسبب تباين مستويات العيش بصورة فاحشة.

لا يبدو أنّ الدعوة الماركسية نجحت في التحقيق اللينيني وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي واضح ان الرومنسية الشيوعية غابت عن ملايين الناس الذين غذتهم عمالاً كانوا أم مثقفين. غير ان الطموح إلى عدالة معقولة لا يزال نفحة عند الكثيرين.

#   #

#

واضح عند المتتبعين ان المسيحية لا تقوم على نظام اقتصادي ولا تدعو إلى نظام. فإذا كانت الاشتراكية تشجب الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتبادل وترفض عدم التساوي المجتمعي فيسوع الناصري لم يضع نفسه في هذا الاطار لأنه اطار التنظيم الاجتماعي، والمسيحية دعوة في سبيل الفقراء أو فيها هذه الدعوة ولكنها ليست نظامًا يحقق في ثورة أو تنظيم اجتماعي بلا ثورة كما في بلاد السكندينافية.

الهاجس الثوري أو الانقلابي خارج عن المسيحية التي هي دعوة. هذا ما شاءه يسوع الناصري الذي ما أراد ان يستقوي على أحد أو ان يفرض نظامًا بالقوة وحتى بالدعوة اليه. هذا مما يجعلنا نفهم ان المسيحية الرسولية ما التصقت بدولة ولا انفصلت عن دولة. عند ظهورها كان اتباعها من الامبراطورية الرومانية وما سعت هي إلى إنشاء كيان دولتي خارج الامبراطورية لأن الناصري اكتفى بتبيان ملكه على انه ملكوت الله في قلوب الناس.

ليس عنده فتح بلدان عنوة أو سلامًا. هذا ما في ايامه كان متروكًا للامبراطورية الرومانية. وبعد موته، في عهود الكنيسة، ما كان انتشار ملكوته في المبدأ متعلقًا بسياسة. هو أراد ان يعمل بروحه وانجيله ومملكات العالم متروكة لتقاربات الزمان ونحن أتباعه لسنا منها وإن كنا فيها وملكوت المسيح هو القلب.

#   #

#

لا يصور إنجيل يسوع المسيح الأغنياء على انهم بلا قلب ولكنه يعلم ان الغنى خطر على الإنسان والفقر ان يصبح خطر على الإنسان. الناصري يحذر من الاخطار الروحية أية كانت، من استعباد نفسك لأي مخلوق أو مصطنع ولهذا قال: «لا تقدرون ان تخدموا الله والمال» (متى 6: 24). هناك عبادة الله الواحد الأحد. والعبادة والعبودية واحد في اللغة. ليس لأن الله أرادك عبدًا له، لأنه قال انك ابني. ولكن حسب تفسير أحد كبار الروحانيين عندنا أنت تستعبد نفسك لله بالعشق.

فإذا صرت بالحب عبدًا لله يتعذر عليك ان تصنع لنفسك ربًا آخر.

ما من شك ان المال أو كل ما تقتنيه يأسرك أسرًا رهيبًا. اذ ذاك لا يبقـى لك حرية تعبد الله بها. انت تسلم نفسك له وحده. وهذا هو شرط العشق، فليس إذًا من محبوب آخر. من هنا انه لم يبق في القلب محل للمال وليس من عبودية لإنسان. ان تحب البشر حسب قول الناصري: «أحبب قريبك كنفسك»، شيء آخر انه هو العطاء حتى النهاية أي حتى الموت. هذا يصطدم كليًّا بعشق الأرزاق وما اليها.

#   #

#

هل الأغنياء فئة شجبها المسيح؟ في الواقع الناصري تكلم عن فئة من الأغنياء كانت عاشقة لأموالها، غير مكترثة لوجود فقراء، غير متعاطفة وإياها، فاصلة نفسها عنها. هم يسوع الناصري أن نكون مجتمعًا واحدًا مع كل البشر لا يفرقنا مستوى اجتماعي بحيث نفهم اننا مؤتمنون على ملك الله.

أموالنا ليست لنا. نديرها فقط لمنفعتنا ومنفعة الناس. المسيحية لا تشرع لاقتناء المال ولا لتوزيعه. هي تقول لكل إنسان: الإنسان الآخر أخوك تعامله بما لك كأخ.

فاذا تصرفت هكذا لا يبقى شرخ بينك وبينه ولا تتصرف باذخا ومترفا ولكنك تتصرف حنونًا ولا تجعل قريبك يقترب من الموت بالجوع أو ما يشبه الجوع لأنه بات من لحمك وعظامك. فما جاء اليك بالوراثة أو العمل ينفقه المحتاجون اليه وتسهر أنت على حاجتهم وتخدمهم كما لو كانوا المسيح.

المسيحية تملي عليك ان تعطي من حولك نسبة من ثروتك. هي تجعل قلبك لا يحس ان له شيئا في هذه الأرض. إذ ذاك تصل إلى وقت لا تؤمن به بالمخاصصة ولكن بالمشاركة.

المشاركة تعني انك لا تقدر ان تقول أنا وحدها ولكنك تقول: أنا وأنت أي تقول فعلاً «نحن». ترجمة ذلك إلى واقعنا المعيش ان نحب الجماعة التي أنت قائم بها وهي قائمة فيك.

ستبقى فروق. «الفقراء معكم في كل حين أما أنا فلست معكم في كل حين». هذا لا يعني ان يسوع يقبل بوجود جائعين. هو يريدنا ان نتعامل والوضع الاجتماعي على ان نقيم العدل وان نقيم فوقه المحبة.

لم يكن يسوع ماورائيا أي مرجئا الخير. «اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم».

المحبة ملكوت الله.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

انطلاقة بولس/ الأحد 30 كانون الأول 2012 / العدد 53

بولس الرسول في استخدامه كلمة «إنجيل» يعني البشارة بالمسيح كما يُقدّمها في رسائله، ولا يعني الأناجيل الأربعة، والمضمون التعليميّ واحد بين هذه الأناجيل وما علّمه بولس.

ثم يوضح أن ما يُعلّمه لم يتسلّمه من إنسان اي من الرسل الذين سبقوه، ولكنه أخذه من يسوع بكشفٍ له خاصّ.

وهنا يسرد ملخّصا عن سيرته ويذكُر أنه لما كان في ملّة اليهود كان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويُدمّرها، وهذا ذكره سِفرُ أعمال الرسل في مطلع الإصحاح التاسع.

هذا كان سلوك من كان يُسمّى شاول الطرسوسيّ قبل أن يظهر له السيد على طريق الشام التي كان ذاهبًا اليها ليضطهد المسيحيين مبعوثًا من رئيس الكهنة اليهوديّ في اورشليم. كان شاول مهيّأ لهذا البغض للمسيحيين بسببٍ من انتمائه الى مذهب الفرّيسيين المُعادي للمسيح وأتباعه.

على طريق دمشق، بعد ظهور السيد له وبعد كلامه له، انقلب شاول الى المسيح وخدمته العظيمة حتى موت الشهادة فقال: «فلما ارتضى الله الذي أَفرزني من جوفِ أُمّي ودعاني بنعمته الخ…».

بولس يعتقد أن الله جاء به الى مسيحه، وأنه قبْل أن يضطهد الكنيسة كان الله مهيّئًا إياه ليدخل كنيسة المسيح. هدايته هي في التصميم الإلهي فيما كان يضطهد المسيحيين، وكشف له دعوته بعد أن حاول تدمير الكنيسة.

ظهر له المسيح فيما كان ذاهبا الى دمشق ليقتل المسيحيين او يُلقي القبض عليهم. يقول ما معناه انه بسبب هذا الظهور كان المفروض فيه أن يصعد الى الرسل ليتعلّم منهم الإنجيل. غير أنه انطلق توّا الى «ديار العرب» أو المنطقة الرومانية المدعوّة «العربية» وهي تعني حوران وجبل العرب في سورية الحالية.

بعد ذلك رجع بولس الى دمشق. ثلاث سنين بعد مكوثه في دمشق او في حوران يقول: «صعدتُ الى اورشليم لأَزور بطرس». النص يعني انه كان يعرف ان بطرس هو المميّز او البارز بين الرسل، وبلغه أنه كان لا يزال في اورشليم، وربما كان بقيّة الرسل ايضا في اورشليم وما كانوا قد ذهبوا بعدُ خارج فلسطين للبشارة. لماذا أقام خمسة عشر يومًا عنده؟ ربما لأنه لم يكن عارفا بغيره، وربما قيل له ان بطرس هو المميّز بين الرسل. والدليل أنه كان قاصده قوله: «لم أرَ غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب».

في متى 13: 55، نعرف المُسَمّين «إخوة يسوع» اي أنسباء له في العُرف العبريّ أنهم يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا. ونفهم من تاريخ الكنيسة الأولى أن يعقوب صار أول أُسقف في اورشليم.

Continue reading
2012, جريدة النهار, مقالات

الأيام القادمة / السبت 29 كانون الأول 2012

تنصرم السنة بعد يومين ونرجو ان تزول بهذا الأزمنة الرديئة وان تطل علينا أوقات مباركة نرى فيها لكل الناس العدل والسلام تفتتحها النعمة حتى نضع جهدنا في إطار النعمة لتجيء قلوبنا من قلب الله وهذا حاصل في الكيانات القادرة على رؤية الكيان الإلهي.

لا تنفع الحسرة على ما فقدناه من خيرات في السنة التي فاتت. انّما تقدّسنا فيها كل منا بقدر إخلاصه. والقداسة هي الخير الوحيد الذي يبقى من الزمان الفائت لأنها هي نفحة الرجاء وبه نسير الى المحبة. الزمان يطوي السيئات اذا ما تبنا ويترك لنا الصالحات التي نزلت عليه. فاذا ما كرهنا السيئات تزول واذا تذكرنا الصالحات تبقى في الآتيات من الأيام والله يخزن في قلوبنا ما أحبت ويمحو منها ما آذت نفسها به.

ان ذاكرة الخيرات تهيئنا لحياة جديدة. اما الخطايا فلا يجوز ان نذكرها خوف عودتها فاذا ما سكن الروح الإلهي فينا يطرد المعاصي ويربينا على ذوق الجودة الإلهية. والذوق والجودة يتآلفان في نفوس تتجدد في اشتياق وجه الله. وليس من توليف في النفس بين الخطايا والإحسان الإلهي الى ان يهبنا الرب من بعد موت حياة جديدة.

في جو هذا التأمل توق الجديد النازل علينا من فوق وليس من جديد سواه وهذه هي الجدّة انك لا ترث العتيق الذي ليس من الله ولكن من العالم البالي. انت وريث الله والا كنت من الفانين والجديد لا يعني الحاضر ولكن المنسكب مما فاض عن الحياة الإلهية. القصة ليست قصة زمان انقضى او زمان جاء. انها قصة اللازمان فينا اي قصة انسياقنا الى الأبديات الحالة علينا في أزمنتنا ولكنها ليست من أزمنتنا.

على هذا المعيار تعيش ما جرى لك او معك من العام المنصرم. كان فيه الجديد الذي ألبسه الله إياك وفيه العتيق الذي حلّ فيه بالخطايا. الانسان تارة مرقع وطورا جديد. والتجديد الأخير يبدأ بالموت وتتم الجدّة اذا انقرض الموت عند انصباب الرضاء الإلهي اذ يساكننا الله فيه.

على هذا الضوء تحاكم نفسك على ما كانت عليه في العام الذي انصرم. هذا لا يعني انك تدينها. ربك وحده يدينك كل يوم واذا كنت من التائبين يكشف لك دينونته قبل ان تموت لأنه يريدك ان تموت حسنا.

#   #

#

لا بد ان تقع اذا واجهت كل ما يؤتيك زمانك اذ يعسر عليك ان تتحمّل كل ما يواجهك من صعاب النفس. ولكن اذا كنت انسان الله ينتشلك هو بسبب حنانه وقد جئت  من حنان لما ولدتك امك وذقت الكثير منه بعد سقطات وتجلى الله بين الرفعة والرفعة.

الرياضة التي يطلبها الآن ربك منك ان تفيد دائما من الحسنات التي ذقت فهذا الذوق يربيك. ومعنى هذا في العمق ان تبني على الحسنات هذه لتشكر الرب اولا وتعاهده ثانيا على الاستمرار بها من اجل صدقك في الاخلاص. هكذا فقط تعرف الجدة في الأزمنة الآتية اليك. ولكن لا تنسَ ان الزمان بحد نفسه لا يخلق الجدّة. ربك وحده ينعم عليك بها فتعرف انه هو وحده قوّة وجودك وارتقائك الى وجهه.

ولكن اذهب الى ربك مع الأحبة. خدمتك لهم في ان تحبهم حتى يشكروا الله اذا عرفوا انهم قائمون في محبته لهم ومحبتك لهم. لا تستطيع ان تصل الى الرحمان ما لم تكشف لأصدقائك رحمانيته فيصيرون له. انت لا تستطيع ان تسير اليه وحدك. فاذا اصطحبتهم واصطحبوك تعرفون معا انكم سائرون اليه. ان وجه الله لا يمكنك ان تراه ما لم ترَه على وجه الإخوة. ربما كان من قبلت ان تراه يكشف لك وجه الرب.

هذه مرافقة لك ولهم وليس فيها زمان ولو جرت في الأزمنة. انها الأبدية فيكم ضمن الزمان الرديء او الزمان الطيب. الله يبيّن لك انه هو وحده الجودة فيما يأتي إليك كل وقت من اوقاتك. ليس التاريخ هو المهم. انه لا شيء ان لم يحل الله فيه، ان لم يصر فيك زمان الله.

هذا يعني ان الأبدية ليست آتية عليك من المستقبل. ان هي نزلت على حاضرك والآتي يصيران كلاهما مقام الله فيك. الأبدية النازلة على الزمان تجعله زمان الله. لذلك كان الله هو الجدّة.

#   #

#

واذا كان الأمر فينا هكذا يتطلّب منك هذا ان تملأ، السنة القادمة، نفسك من الحضور الإلهي ليكون لها معنى. اما حشو الأيام والأسابيع والأشهر فيها بلا حضور إلهي فيجعلها بلا مضمون والمضمون هو الله نفسه.

اقول تملأ نفسك ونفوس من تحب. هلى هذا انت قادر والآخرون تدعوهم بحلاوة نفسك الى ان يطلّوا على الله فيطلّ عليهم. انت تشغل الأيام الآتية اليك. انك تجعلها اليك ان طلبت لها الرحمة العظمى.

ليس شغلك ان تهتم باليوم. كل يوم هو للرب اذا ظهر فيه للكنيسة او للإخوة الأبرار. شغلك ان تطلب اليه ان يحضر في كل ايامك وان تجعل كل وقت عندك افضل مما سبقه لأنك ان تجددت انت يمنحك ربك ان تجدد الآخرين. حياة الرب فقط تطهرك من وطأة الأزمنة السيئة عليك فتصبح خليقة جديدة فيمسح الله من عينيك كل دمعة.

Continue reading