Category

مقالات

2013, مقالات, نشرة رعيتي

حلول الروح القدس/ الأحد 23 حزيران 2013 / العدد 25

اليوم المذكور هنا هو يوم الخمسين بعد الفصح اليهودي. كان الرسل مجتمعين في عليّة صهيون غالبًا، تلك التي تناول فيها السيّد العشاء الأخير مع تلاميذه وأسس فيها سرّ الشكر (خذوا كلوا هذا هو جسدي). وغالبًا كان معهم المسيحيون الآخرون مع النساء حاملات الطيب.

العنصرة التي يصفها الكتاب كانت صورتها «ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرّت على كل واحد». كل من التلاميذ تقبّل الروح القدس. نزول الروح هو على كل الكنيسة ولكنّه أيضًا «على كل واحد» كما يقول سفر الأعمال. وهذه العنصرة ذاتها تكررت في ما بعد اذ يتلقى كل مسيحيّ بعد معموديته الروح القدس في سرّ الميرون المقدّس.

امتلأوا كلهم من الروح القدس بمعنى ان الروح نزل على الكنيسة كلها وعلى كل واحد. في القداس ينزل على الكنيسة كلها. في المعمودية مع سر الميرون يأخذه كل معمّد.

عند نزول الروح القدس أخذوا يتكلّمون بلغات أخرى ذكرها بعد أسطر قليلة سفر الأعمال. هل عنى سفر الأعمال أنهم نطقوا بألسنة غير الآرامية التي كان ينطق بها يهود فلسطين أَم أراد أن السامعين صاروا يفهمون هذا الكلام الغريب؟ التفسيران واردان. «كل واحد كان يسمعهم ينطقون بلغته» يمكن ان تعني انهم تطقوا بألسنة أخرى ويفهمها الجميع او أن كل واحد سمع لغته التي وُلد عليها.

سفْرُ الأعمال يُعدّد البلدان التي هاجر اليها اليهود الذين جاؤوا إلى أورشليم للعيد وتعلّموا لغة البلد الذي قطنوه. وهنا يذكُر فصل الأعمال بلدانا مختلفة من الشرق والغرب وشمالي افريقيا. العرب الذين يذكُرهم بين هؤلاء الأقوام كانوا عرب حوران، وليس ما يدلّ على أنّه في ذلك الزّمن الغابر كان اليهود يسكنون الحجاز على أيّة حال. غالبًا أتى اليهود الى الجزيرة العربية نتيجة دمار اورشليم السنة السبعين. هاجر قسم من اهل اورشليم الى الحجاز كما هاجر آخرون الى مناطق اخرى.

يذكر الكتاب شعوبا كثيرة كان منها مَن حَجّ الى فلسطين للفصح. هؤلاء نُسمّيهم أهل الشتات كانوا منتشرين في العالم المتمدّن آنذاك اي في الامبراطوريّة الرومانيّة. هؤلاء عرفهم بولس الرسول في جولاته الثلاث. يذكُرهم سفر الأعمال باسم البلدان التي هاجروا اليها. هؤلاء شهدوا على أنّ الرسل والمسيحيين الأوائل، بعد أن حلّ عليهم الروح القدس، أخذوا ينطقون بلغات اليهود الذين كانوا قد تجمّعوا للعيد في أورشليم.

هذه العنصرة إياها مستمرة في الكنيسة بما يسمّيهم العهد الجديد مواهب الروح القدس في الكنيسة الأولى. وتشترك فيها اليوم، الى هؤلاء، كل الجماعات التي تُقيم القداس الإلهي وينزل عليها الروح في الاستحالة. كما يشارك فيها من خصّه الروح بمواهب خاصة معطاة الى هذا او ذاك لمنفعة الكنيسة كلها.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الأنا والأنت / السبت 22 حزيران 2013

أنت تقول ذلك أو لا تكون قلت. ولا تستطيع أن تقولها ما لم تكن محاورا أي ملاقيًا آخر فالملاقاة بين وجهين والوجه ذات. هكذا يقولون باليونانية واللغات الأخرى تعابير عنها. الكلمات لا تفتت فكرًا. هي إياه. والفكر بعض من ذات ان لم يكن كلها. والذات حوار لأن الإنسان لا يكلم نفسه. انه يواجه ليكون. أنت أمام آخر لتكون نفسك. بلا هذه الرؤية أنت عاشق ذاتك. وإذا لم تقرأ إلا ذاتك أنت غريقها. أنت في مرآة أي أنك لم تخرج من الأنا والأنا والأنت معا هما لغة. الأنا وحدها صمت إذ لا تعرف ذاتها إلا بالمواجهة. والمواجهة لغةً أن يكون الوجه إلى الوجه فيعرف ليس فقط الآخر ولكن نفسه.

الأنا وحدها، منغلقةً، تكرر نفسها. لا إلهام فيها إذ لا إلهام بلا حب. والحب في أدنى تحديده هو الاعتراف بالآخر حتى التعاطف. عندما يشدد المربون على تقوية الشخصية أو الإرادة إذا نسوا أن كل هذا يتكون بالتحاب يكونون جاهلين أن لا امتداد للشخصية إلاّ بلقاء الآخر ولا تأكيد للذات بحد نفسها. هي تؤكد بانعطافها. الأنا ان لم تمتد في اللقاء تنتحر. يتكون الإنسان بما يأخذ من حب وإلا كان وجوده انتحارا دائما. أنا ممدودا إليك أحب أي أكون. أنا دونك لا تحديد لي إذ أكون بلا وجه أو بلا وجه مطل. أنا إن رأيت فقط إلى وجهي أكون في حالة نحر لي وللآخر. في حالة نحر لذاتي إذ لا أتكون إلا بالآخر. في حالة نحر للآخر إذ لا يستطيع أن يعرف نفسه ما لم يعرفها محبوبة.

أنت لا تقوي نفسك بالتشدد ولكن بالانفتاح أي بالعطاء والتقبل بآن. والانفتاح أن تعترف ان الآخر أساسي لك «حتى التنفس». والانفتاح ثالوثي إذ لا حياة في الثنائي المنغلق على نفسه. لا تستطيع أن تحيا عميقا إذا ركزت على آخر وحده. لك أن تركز عليه متصلا بالوجود الذي تقتبس منه ويعطيه بآن. أي لا تقدر أن تكون ذاتك ما لم تأت من الكون كله وما لم يكن الكون الذي يتصور فيك آتيا من الله. الله يأتي مباشرة إذا أحبك ويأتي إليك من الآخرين الذين يحب هو أو تحب أنت ويأتي إليك من الوجود الكوني الجميل الذي له كلماته إليك.

لقد بيّن مارتن بوبر ان ليس من أنا بلا أنت فعنون كتابه   Ich und du(أنا وأنت). أنت لا تكون ثم تحب. أنت تحب فتكون. الله نفسه ما عرفناه إلا بكلمته. «في البدء كان الكلمة» هذا أول الكلام في إنجيل يوحنا.

لا نعرف معنى خارج عن الكلمة. المعنى لباسه اللفظ حتى ندركه. انه حروف متناسقة ليصل إلينا. لا ينتقل المعنى إلى المعنى توًا. يستدعيه بحروفه. كل معنى يتجسد ثم يتروحن. ليس عندنا في الكتابة روح بلا كلام. في بدء الكلام الإنسان المتجسد. الكلام هو الصوت المعني. يجعل ما يسمعه كلاما أي بعضًا منه. هو، إذ ذاك، معقول أي داخل في الذات. بمعنى عميق الإنسان كلمته ان كان إنسانًا سليمًا لا تحريف في ذاته ولا زغل. وإذا اقتبل الله تقوى كلمته فيه لأن الإنسان قبل حلول الله فيه عي. الإنسان يجيء من قراءته لله لئلا يكون تكرارا لذاته. وإذا لم يقرأ الله فيه يسمع ذاته مكررا أي يسمع صدى. ولا يذهب الصدى إلا إذا نزل المعنى.

المعنى يشبه الله لأنه ليس لفظًا ولو لبسه. هو عمق الله من جهة وعمق الإنسان من جهة. وإذا أردت الفهم فالله وحده عمق العمق ولذلك ما كان منظورا. ولكونه هكذا فهو سائر إلى ما لا نهاية وأنت، مؤمنا، في لا نهائية سيره وإذا وقفت فلا تحديد انسانيا لك وليس لك مع الإله شبه والمكتوب أنك على صورته وحسب مثاله.

عندما قال: «في البدء كان الكلمة» ما أراد الكلمة بمعنى الإطلاق إذ قال بعد كليمات «وإلهًا كان الكلمة». الكلمة في هذا التناص اليوحنائي كيان وليست معنى للفظ. ولكون الكلمة هي الإله الأزلي أصر الناقل العربي لإنجيل يوحنا أن يوردها في صيغة المذكر كما هي في اليونانية. هي إذًا اسم للإله وليست صفة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

استمرار التراث الرسوليّ/ الأحد 16 حزيران 2013 / العدد 24

بولس في عودته الأخيرة من أوربا الى أورشليم ارتأى الا يمرّ بأفسس خشية أن يتأخر في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) اذ كان يرغب أن يصل إلى أورشليم يوم العنصرة (اليهوديّ). ففيما كان في ميليتس في البحر، استدعى قسوس أفسس. «فلما وصلوا اليه قال لهم: احذروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه». القسوس مُسَمّون هنا أساقفة.

من هذا النص لا نعرف إن كان القس في هذه الفترة دون الأسقف رتبة أَم أن هذا وحدة تسمية مع اختلاف الرتبتين. بعد العصر الرسولي بين اواخر القرن الأول وبدايات الثاني عند القديس إغناطيوس الأنطاكي لا نرى فرقا واضحا بين القس والأسقف مع أن مكانة الأسقف أخذت تبرز.

لاحظوا ان في عبارة «كنيسة الله» لفظة الله هي يهوه العبرية، والواضح في تعبير بولس أن يهوه اي الله هو الذي سكب دمه على الصليب. النص هنا يوحد بين الله والمسيح (الله هو الذي سكب دمه).

عندما يقول ان الله هو الذي سكب دمه يوضح بأعظم وضوح أُلوهية المسيح. هذا هو إيماننا الذي ينقله الينا الرسول بقوله ان الله نفسه هو الذي عُلّق على خشبة.

من هذه الرسالة نفهم بعد هذا أن الذين أُقيموا رؤساء على الرعية يُسمّيهم الرسول أساقفة وتعني المراقبين او الرقباء. والرقيب (المطران) في الكنيسة يراقب صحة التعليم أو أُرثوذكسيته. هذه هي وظيفته الأساسية، وأنت تنظر مبدئيا الى ما يقوله المطران لتعرف منه سلامة العقيدة. ومجموعة الأساقفة في الكنيسة المحلية (مثل الكرسي الأنطاكي)، المنعقد اجتماعهم في المجمع المقدس، هم بالتآزر فيما بينهم يُلقّنوننا الإيمان. فالإيمان يسهر على صحته وسلامته المطارنة مجتمعين في المجمع المقدس برئاسة البطريرك. هذا في الكنيسة المحلية، وفي الكنيسة العالمية مجموعة المجامع المقدسة الأرثوذكسية التعليم هي التي تراقب صحة التعليم في العالم كلّه.

الكنيسة فيها إشراف خلفاء الرسل وهم المطارنة المسؤولون عن حفظ الوديعة سالمة كما أتتنا من تلاميذ المسيح وخلفائهم جيلا بعد جيل.

أنت لا تؤسس كنيسة جديدة ولكنك تحيا من التراث الذي وصل سالمًا بالخلافة الرسولية، فإن من نرسمه مطرانا إنما نجعله حافظا للإيمان القويم، وإذا تثبّتنا أن عنده الإيمان القويم، نعلنه أسقفا على كنيسة الله. يجيئون واحدًا بعد واحد ولكن بالتعليم نفسه، فمن خالف هذا التعليم وشوّهه نعتبره مبتدعا اي آتيا بآرائه الخاصة وليس بالرأي الرسولي.

الإيمان واحد جيلا بعد جيل ولو اختلف أسلوب التعليم. «اومن بإله واحد آب…. ورب واحد يسوع المسيح… وبالروح القدس». وظيفة الكنيسة ان تحفظنا في هذا الإيمان. والأسقف هو الحامل الأساسي لهذا الإيمان.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الكتابة البهيّة / السبت في 15 حزيران 2013

الكتابة البهيّة أو القول المليح تبدو للشخصيّة الجميلة الطيبة في اقتبالها لآلامها أو في تأججها وهذا أبعد من مخاض. انه ولادة في الحق أو ولادة في البهاء. وهذا أو ذاك صدور من الله واذا خفتم العبارة فخلق من الله. ليس الإنسان خالقًا يؤتينا أشياء من لا شيء. المبدع يجهّز لك ما استلم من إلهامه من حيث ان ربّك وحده هو المبدع وانك تتلقى ما أوحى به لك ليظهرك جديدًا ويظنّ الناس انهم يعيشون منك والحق انهم يستلمون منك ما استلمت من ربك.

هل الإبداع مشاركة كما الجنين؟ هذا يأتي من ذكر وأنثى تلاقيا. من أين أو ممن يأتي جنين الفكر أو الفن؟ أنت تسمى مبدعا ان قلت الأشياء كما لم يقلها أحد ولكن الأشياء نسميها لك أو منك والحق انك مستودعها. لا يزيد الإنسان شيئا على الخلق الذي وُجد مرة واحدة. انه يرتّب الخلق الذي تلقّاه. ينسب له لأنه عرف ان يتقبّل وان يسلّم.

وتسلّم من تراث وليس الثرات تكرارا آليا. هو احتضان بحب أي انه ولادة جديدة. ولكنك تلد من بذرة زرعها الله فيك. الجديد في القول الحسن جميل فالكلمة كان في البدء وما جاء بعده صور عنه فالله وحده مبدع الكلمات. وقياسا على هذا الإبداع الذي لا يزيد على الله شيئا نقول عن أهل الفن والكلمة الكبار انهم مبدعون.

نحن هنا أمام سؤال صعب يتعلّق بطبيعة الكلمة. أنت تقولها جديدة في هذا الالتحام البديع بين معناها وصورتها اللفظية. هذه مشكلة لن نتعرّض لها لأننا في الأخير لا نعرف كيف تجيء الكلمات. ما صورتها فينا، كيف تصير على اللسان؟ أنت طبعا لا تستطيع ان تعقل المعنى ما لم يرتسم اللفظ على لسانك أو قلمك اذ ليس من فكر بلا لباس. ما من كلمة (معنى) بلا جسد لها. عن المسيح قال يوحنا: «الكلمة صار جسدا ونصب خيمته في حيّنا». هذا معنى الترجمة المألوفة: «وحلّ فينا» والمراد حلّ بيننا لأننا نتبدى على الأرض ونصير حضرا ان هو جاورنا فالتصقنا به ينصب خيمتنا إلى خيمته.

في مطلع الإنجيل الرابع نقرأ: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلهًا كان الكلمة». وردت لفظة الكلمة بصيغة المذكر وأردنا الترجمة هكذا لنطابق اليونانية ولنعني ان ما ورد هكذا هو كلمة الله أي كيان قائم بذاته، إلهيّ، لا مجرّد نطق إلهي عرضي.

الله يبدو فيك ثم منك لتكون كلمته. وتكون أنت كذاك بمقدار ما أنت مسيح، ذلك ان يسوع الناصري ينتج مسحاء. واذا قلنا ان المسيح حيّ إلى الأبد من بعد قيامته فلكي نعني انه والد الحياة فينا يوما بعد يوم ولحظة من بعد لحظة. فالمسيح يتوالد بمعنى انه يصدر عنه مسحاء أي ناس ممسوحون بنعمة روحه.

لا تصدر منك كلمة حياة ما لم تكن ثمرة العطاء الإلهي. ليس الإنسان بخالق يأتي بالأشياء من لا شيء. ليس للعدم وجود من بعد الخلق. انت يقويك الله ولذلك لك معنى. ولكونه حقا تصبح بقوله ناقل حق. لذلك لا معنى لهذا البحث المزعوم فلسفيا عن العلاقة بينك وبين الله. أفهم التمايز الفلسفي بين هذين الكائنين ولكن العاشقين طلقوا الفلسفة من بعد الاتحاد.

وما دمنا أسرى العقل المحض نبحث عما لنا وعما لله في ثنائية عقليّة ولكن العاشقين لا يناقشون العلاقة بين ما لهذا وما لذاك. اما في العشق فالبحث عما لي بخاصة وعما للآخر هو ثنائية الطلاق. العقل المستضاء بالنعمة لا تميّزه عن النعمة. واذا عشت فيها وبها لا تبحث عن مقولات. انا أفهم هذا الإصرار على العقل في اهتمام فلسفات القرون الوسطى التي كانت أسيرة اليونان. اما الذين عرفوا ضياء الله في الوحي فقد تحرروا من اليونان وباتوا من الكلمة الإلهية التي هي حياة الله.

لا يعني هذا اننا نبطل العقل ولكنا نضيئه بالعقل الإلهي الذي هو الوحي. واذا نزلت علينا كلمته نعيش من النور المسكوب علينا فيسكن في كلماتنا. وفي هذا نتكون أي تأتي كلماتنا صورة عن الكلمة الإلهية والكلمة الإلهية والفم الإلهي واحد في آذاننا وقلوبنا حتى لا نسمع ما وضعه ربك في هذه القلوب.

والنعمة كلمة الله أو هما واحد حتى تزول الكلمات المخلوقة التي على لساننا. ونصغي فقط إلى ما رسب فينا من العقل الإلهي.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

العطاء الإلهي/ الأحد 9 حزيران 2013/ العدد 23

ماذا أراد داود النبي بقوله: «كل إنسان كاذبٌ، بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني»؟ هل أراد ان الإنسان لا يستطيع ان يعطي الإنسان اذ ليس عنده شيء ومع ذلك يعطي إذا اخذ من الله ووزع فيكون الله هو المعطي وحده؟

هل يجب ان تلغي من ذهنك او من قلبك من أعطاك لتعترف ان الرب معطيك وحده، أَم لك أن ترى أن الإنسان فقير وأنه معطيك مما أَخذ من فوق. في احتسابي أن قمّة غناك أن ترى نفسك فقيرا الى كل إنسان حتى ترى نفسك فقيرا إلى الله.

الله جعلَنا موزّعيه اي موزّعي نعمته لأننا جميعا فقراء، وإن لم نتملكه لا نستطيع عطاء. لقد أراد الله نفسه مترجما بالحب. جعل ذاته وسط التعاطي البشري لنعرفه. «الله لم يره أحدٌ قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبّر». هذا في مطلق التاريخ، ولكن هذا في حقيقة كل زمن نحن فيه. في عطاء نفسك تعطي الله، فما هي نفسك سوى فتات يُترجمه؟ إن أدركت أنت أنك لست بشيء يكون الله فيك فتعطيه. الفقير وحده يأخذ.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني»؟ صعوبة السؤال في هذا أنك لا تستطيع أن تكافئ الرب الا بما أعطاك، اي أن تردّ له نفسَهُ. عندما يقول اللاهوتيون عندنا ان الخلاص مشاركة الله وإرادتنا، طبعا لا يريدون أن الله وإرادتنا على مستوى واحد من الوجود او من الفعالية. هناك بينهما التقاء لا نعرف كيف يحصل لأنك إن أَحببتَ الله فهذا منه. انا لست أُنكر الإرادة البشرية اي لا أُلغي الإنسان بمعنى أني أُثبت وجهه امام وجه الله لأعترف له بذات، ولكني أؤكد بالقوّة نفسها انه آخذ هذه الذات بالنعمة. في الشدة لا تستطيع أن تقول إلا هذا: كل شيء نعمة. ربما لا يحس كل إنسان أنه في الجُبّ وأن يدًا يجب أن تنزل لانتشاله. ربما الخاطئون وحدهم يفهمون ما يقولون إذا قالوا ان كل شيء نعمة. لا يستطيع الخاطئ أن يقول انه قام لأنه قرر القيامة. يجب ان يقيمك آخر، وعندنا انه هو الله. في البكاء تقول هذا، وبلا بكاء لا تستطيع ان تكتب لاهوتًا. العقل، معزولا عن الألم او التوبة، لا يأتي بما هو عميق.

عندما يقول اللاهوت التراثيّ ان الخلاص مشاركة بين الله والانسان، لا يجعل الانسان وربّه على مستوى واحد اذ الإنسان لا يُخلّص الإنسان، هو يقبل الخلاص. وسرّ القبول من سرّ النعمة. القبول عطاء إلهيّ، وإذا قلنا ان الخلاص إلهيّ وإنسانيّ معا لا نعني هنا مناصفة تكون فيها المشاركة الانسانية بشرية فقط لا نعمة فيها. المشاركة بين الله والانسان ليست مُحاصصة. ما من عمل انسانيّ خلاصيّ المضمون بلا انعطاف إلهي. فإذا كافأت الله عن كل ما أعطاك، فهذا عمل منه ايضا. أنت لا تعطي إلا ما أَخذته من الله.

أنا لا أُحب كثيرًا التأكيد التقليديّ أن الله والانسان مشتركان أوّلهما بالنعمة وثانيهما بالجهد لأن الجهد نفسه ثمرة النعمة. لا خطر على الانسان إذا حجب نفسه قليلا فانكشفت له النعمة. اللاهوت الشرقيّ ليس عنده مشكلة في هذا لأنه يجمع دائما بين عطاء الرب ومجاهدة الانسان. اللاهوت الشرقيّ لم يجابه قط مشكلة المشاركة بين الله والانسان. هذا هو سر الله الذي نعيشه بالطاعة وهو مؤكّد بالوحي.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني» لا تعني أن عندي شيئا ليس من الرب أُكافئه به. كل ما عندي هو منه. ولكنه هو ردّ الحب لي. إنك لا تعطي الله الا ما وهبك. «التي لك مما لك نُقدّمها لك». هل جئت من عندياتك بما رددت لله؟ ليس عندك الا ما وهبك ربك. وسرّ طاعتك داخل في سرّ حبّه.

في الحقيقة إنك لا تكافئ الرب. هو يستردّ لنفسه ما أعطاك فإنه «الألف والياء، البداية والنهاية». انت إذا أَعطيت تبقى عطية الله ولا تنفد ولكنك تُرجع الى الله ما حصلته انت بنعمته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

أنت والبلد / السبت 8 حزيران 2013

أنت من البلد قليلاً أو كثيرًا. حسب مزاجك أو وضعك الروحي أنت مستقل عنه أو تابع. فإذا كنت متقلّبا كثيرًا يصرعك واذا عشت بقوة مع الله فهو موطنك لا البلد. الإنسان تابع قليلاً أو كثيرًا لما أو لمن يحيط به. ما هو بذائب فيه بالضرورة ولا هو حائد. لا يحيا الإنسان بالضرورة من مكان مع انه دائمًا في مكان. المكان أحيانًا يحيا منه. هذا تابع لقوة إشعاعه. لا بدّ من حيّز تكون فيه ولكن لك الا تكون عبدًا للحيز.

أنت في زمان وتجيء من أزمنة ولكنك لست بالضرورة صريعها ولا لصيقها. ان كنت كبيرًا تصنعها وهذا لا يأتي منك. ينزل عليك من فوق. عندما نقول بأبدية الله نريد انك حر من أزمنة سبقك أو أزمنة تعيشها. أبدية الله اذا انسكبت فيك ترى ربك نازلاً إليك. أنت متصل بالزمان ولكنك قادر على الحرية ان تجاوزته إلى الأبدي المسكوب فيك.

ان أدركت هذه الرؤية تعرف ان ترتبط بالبلد ارتباطًا سويًا فلا يستعبدك ولا تتجاهله. ان عدنا إلى إنجيل يوحنا نقول انك في هذا العالم ولست منه أي انك تأخذ منه ما ينفعك ولا يحصرك. على هذا المثال أنت من البلد. ولست ذائبًا فيه بجنون قومي. ولكن ان حدت عنه حتى الابتعاد تصبح خائفًا له ومدمّرًا لنفسك.

أنت من تاريخ، من هذا الذي تحسه فيك وهذا لا يملى عليك كما يفعل متطرفو القومية. لا يستطيع أحد ان يسحبك من سلالة. أنت تقرأ ما فيك في الآباء الذين تريد وتقرأ ماضيك حسب الإحساس التاريخيّ والذوقي الذي كونك. والوحدة في قراءات عديدة ممكنة. البلد لا يقرأه أحد عنك. أنت تذوق وفق تكوينك الداخلي ويشع منك بالقوة التي فيك. ولكن يجب ان تضع نفسك في قراءة. عدا ذلك بلبلة.

وإحساسك بمن تجيء منهم لا يجعلك بالضرورة غريبًا عن شرائح لها قراءة أخرى لما فيها. وعليك ان تقبل بماضي الآخر كما يقرأه هو. يوافق تحليلك الواقعي التاريخي أو لا يوافقه. أنت عليك ان تحب الآخر الذي يستمدّ نفسه من نسب تاريخي غير نسبك. المهم ان يحبك اليوم على اختلاف القراءتين. لقد أتعبنا الخلاف على الماضي. في الواقع كان مواجهة بين عقائديات تاريخية مختلفة غالبًا ما كانت في هذه البلاد تخفي عقائديات دينيّة متواجهة. في الحقيقة ان الاختلاف على التاريخ يخفي إرادة خلاف في الزمن الذي نعيشه.

الإختلاف حول الهويات التاريخية في لبنان ليس إختلافًا في قراءة التاريخ. غالبًا ما كان إختلافًا في العقيدة الدينيّة أو استقلالا عن العقيدة الدينيّة.

أنت في البدء آتٍ من موقف ديني تلبسه في النقاش تعبيرًا تاريخيًا لتبين عقلك العصري. على سبيل المثال تخفي العروبة عندك اما موقفًا إسلاميًا أو موقفًا مناوئًا للكثلكة المارونية أو علمانيّة محايدة. لا شيء في بلدنا يعني فقط ما تعبّر عنه اللغة. أنت تقف موقفًا في العمق العقائدي ثم تستعير له اللباس التعبيري. ليس أحد منا غير متحيز أي غير قائم في حيز، في مكان عقائدي. الفلسفة عندنا تغطي الدين وأحيانًا اللغة تغطيه.

أنت تجيء من الموقع العقائدي الذي تقفه فتنحت له لباسًا فكريًا متمدنًا. ويتصادم الناس في ما يطرحونه من مواقف هي ألبسة لقناعات أعمق معظمها ديني. وإذا لم يكن عندك موقف روحي واضح لا تدخل في صدام. تبقى في المقولات الظاهرها تاريخي.

فتش عن كل المفردات التي تخفي تاريخًا سياسيًا (لبناني، سوري، عربي) تراها متصلة بمواقف دينيّة أو لا دينيّة (واللاديني إقرار بالديني حتى ينفيه) ليس في نطاق الفكر حياد عن الله لابسًا ثوبًا دينيًا أو لا دينيًا.

سمعت اندره جيد (Gide) في بيروت منذ ستين سنة يكلمنا عن الفكر الفرنسي ويقول انه مثل قارب يسلك بين ضفتين ضفة الإيمان وضفة الإلحاد. فهمت انه يريد ان أهل بلده في زمانهم يختارون بين الإيمان والإلحاد. ماذا يختار مفكرو بلدي؟

فكر بلدنا فسيفسائي ليس فقط بمعنى التعدد ولكن بمعنى التصادم وأنت حر أمام هذا التعدد ولكنك لا تستطيع ان تبقى ازاءه فاترًا إذ يقول الله في سفر الرؤيا: «كن ساخنًا أو باردًا، لا تكن فاترًا لئلا أتقيأك من فمي».

ليس البلد فقط مدى جغرافيًا. هو قبل كل شيء تاريخ أي مواقف عقائدية أو إعتقادية تقفها آتيًا من مواقع تخفيها أو لا تخفيها. من هنا ان البلد ليس في قناعاتنا واحدًا لكوننا لسنا مثقفين على فلسفة للوجود ولا على نظرة دينية توحي غالبًا بفلسفة تعايش واحد أو توحي بعكسه. التوتر قائم في خياراتنا الفكرية ولذلك لسنا شعبًا واحدًا. نحن شعوب ترتبط بعضها ببعض بمتحد إجتماعي اتفقت عليه أو اضطرت إليه. وبسبب تعدد المفاهيم في الفلسفة الإجتماعية التي نقيم عليها البلد نحن منقسمون ولو سعينا إلى الوحدة. ما يعزينا ان كل بلد في العالم منقسم ولو ظن الناس كلاميًا انهم هكذا أو هكذا.

وأنت عليك ان تتحد في هذه الفسيفساء لتحسب نفسك واحدًا مع مواطنيك والاتحاد ان تصبو إلى وحدة عليك ان تقويها كل يوم. وعلى قدر العزائم من جهة وعلى قدر الإيمان بالبلد الآتي تتضح صورة الحياة العظيمة.

والإيمان يعني الجهاد الموصول في الفكر والعمل على قدر طاقات كل منا إلى ان يعطينا الله بركاته للأزمنة الآتية.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

انتشار البشارة/ الأحد 2 حزيران 2013/ العدد 22

بعد استشهاد استفانوس، وهو أول الشهداء وأول الشمامسة السبعة، تبدد الرسل أي تركوا فلسطين واجتازوا إلى فينيقية وبعضها لبنان الحاليّ وإلى قبرس القريبة وأنطاكية وكانت عاصمة سوريا الرومانية، وكانت خطتهم الا يكلّموا الا اليهود، وتبشيرهم أسهل من تبشير الوثنيين، وكان اليهود منتشرين في كل مدن الامبراطورية الرومانية التي كانت منها سوريا.

من هؤلاء اليهود كان قبرسيون وقيروانيون، وهؤلاء جزء من ليبيا الحالية، وكنت تجد اليهود في كل أنحاء الامبراطورية الرومانية وخارج فلسطين، وكان لا بد ان تخاطب الناس باليونانية التي كانت لغة المثقفين في العالم المتمدن آنذاك، واليهود أنفسهم خارج فلسطين كانوا مضطرين ان يخاطبوا الناس باليونانية.

اللغة العبرية لم تبقَ لغةً حية، لغة مخاطبة منذ قرون. اليهود كانوا يقرأونها في مجامعهم فقط وتُنقل إلى السامعين باليونانية أو بالآرامية حسب المناطق. لذلك اضطر الرسل والمبشرون المسيحيون أن يخاطبوا الناس بلغة الثقافة آنذاك أي باليونانية. ولما دخلت المسيحية إلى أنطاكية أخذت تُكلم اليونانيين الذين كانوا من أصل وثنيّ أو يهوديّ، فآمن بالرب يسوع كثيرون. فإذا نظرنا إلى كثافة المسيحيين العددية، نرى أن اللغة اليونانية كانت مسيطرة عليهم كالفرنسية عندنا في عصر الاستعمار أو الانكليزية اليوم.

العبرية كان اليهود نسوا التكلم بها بعد جلائهم عن فلسطين إلى بابل. في فلسطين، لما كان السيد على الأرض، لم يكن أحد فيها يتكلم العبرية. كانت لغة قراءة النصوص المقدسة في مجامعهم. السيد نفسه لم يكن يتكلم العبرية ولكن لغة الشعب أي الآرامية المشتقّة منها السريانية. اليوم أهلُنا في معلولا (سوريا) يتكلمون لهجة السيد.

في تلك الأثناء أرسلت كنيسة أورشليم تلميذًا يدعى برنابا إلى أنطاكيا. منها ذهب إلى طرسوس (غير طرطوس) في آسيا الصغرى، وهي مسقط رأس بولس (شاول)، ليطلبه فوجده وذهب به إلى أنطاكية وبشّر معه هذه المدينة سنة كاملة.

في أنطاكية أولاً دُعي التلاميذ «مسيحيين». منذ ذلك الحين لازمتهم هذه التسمية وبطلت واقعيا التسميات القديمة (تلاميذ، إخوة).

عندما نقول نحن «مسيحيين أرثوذكسيين»، ومعناها المستقيمي الرأي، نصف أنفسنا بالمسيحيين أي أتباع يسوع. وبقية الناس أحرار بتسمية أنفسهم كما يشاؤون. نحن نسمّي «مسيحيّا» من آمن بأن يسوع ربّ ومخلّص ومسيح. ما علاقتنا به من حيث اشتراكه أو عدم اشتراكه بالأسرار المقدسة شيء آخر ويختلف حسب الفئة التي ينتمي إليها.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الرجاء / السبت أول حزيران 2013

عند بولس الرجاء فضيلة يرصفها بين الإيمان والمحبة وكأنه يوحي انك ان آمنت ترجو الله فتحب. في عمق الأعماق طبعا الفضائل لا ترصف واحدتها مع الأخرى. انها جميعا متداخلة ولكن يريك الوحي انك تبدأ بالإيمان لأنه هو انعطاف الله عليك. يبدأك كائنا روحيا ويرافقك في مسيرتك اليه. بتعبير جسور، الله يخلقك بالروح القدس بعد ان أنشأك جسديا. هذا كيانك الجديد وحياتك الحق. ومكوث الله فيك هو ما نسميه الإيمان اي قناعتك ان الرب مكونك بروحه. والإيمان من الأمانة لله والأمانة من المأمن. ولست أقول هذا لغويا ولكن روحيا. أنت في بشرتك لست في مأمن، في مقر. الله فيك هو مقرك.ان رأيت الله في ذاته ومعانيه وإشعاعاته فيك وفي الاخوة تكون قد أدركت مقره الذي بات مقرك.

ولكن بينك وبين الله بون تتجاوزه بالإيمان بحيث تبيت في ربك وانت في الجسد. ذلك ان الإيمان انتقال وعلى الأرض أنت في حال انتقال إلى ان يحفظك الرب اليه في الرؤية. الإيمان ليس كل الرؤية. يحتاج إلى حركة إلى الله بالرجاء. ذلك ان الرب آتيك اليوم وغدا. الإيمان في حاجة إلى المحبة ليصبح إقامة في الله. وهو يبدأ بتربيتك على المحبة اذا زرع فيك الرجاء اليه.

الحضور الإلهي فيك ينشأ بالإيمان وهو «قيام الأمور التي ترجى وبرهان الحقائق التي لا ترى» (عبرانيين 11: 1). الأمور التي ترجى اي المستقبلية قائمة الآن في إيمانك. ويمتد قلبك اليها بالرجاء باعتبارها حاضرة في كلمة الله. هنا يمكن ان نقول ان الرجاء امتداد الإيمان من حاضره فيك إلى ما سيكون بحيث تكون الآتيات كالحاضرات لأن كلمة الله تجمع هذه وتلك. ولأن كلمة الله لا يقيدها زمان.

في المواقف الإلهية فيك لا تفريق بين الآن وما بعد الآن لأن الرب يملأ الزمان بحضرته. من هذه الزاوية أمكن القول انك ترى ما ترجوه. انت متغلب على امتداد الزمان لأن الله الذي فيك يملأه. من هنا ان فضيلة الإيمان حبلى بفضيلة الرجاء الذي هو حركة الإيمان. انت لا ترجو الا لكونك آمنتَ اذ الرجاء ليس أملا عاطفيا. هو معطى مع الإيمان كثمرة له.

ينبغي ان نفهم ان الإيمان ليس فضلا انسانيا. انه انحدار إلهي إلى النفس البشرية، تلاقٍ بينها وبين الصميم الإلهي وذلك في عمق يعسر علينا ان نسبر غوره. الله متحرك فينا اي يحركنا اليه. وحركتنا اليه هي الرجاء اذ نعرفه جزئيا في الإيمان. الإيمان بدء استلذاذنا به ولكن ذوقنا اياه يعطيه هو.

اذا كان الإيمان استقرار الله في القلب فالرجاء تحرك الله والله يتحرك إلى ذاته وبذا يحركنا اليه.

واذا جازت اللغة في هذا النطاق يحق لنا ان نرى ان انطباع الرب في القلب هو وجوده وايماننا به هو حركته الينا ويتبعها اخذه ايانا لإزالة البعد بين الخالق والمخلوق أو المحب والمحبوب. وبعد حركته الينا تأتي حركتنا اليه وهذا هو الرجاء. في اعماق الألوهة لا ينفصل الرجاء عن الإيمان وتتبعهما المحبة التي هي إكليل كل وجود.

كلمة رجاء توحي بالمستقبلات. وهذا صحيح لأننا اليوم نؤمن بما هو آت غدا وفي كل الآتيات الصالحات.

الرجاء ينطلق من حقائق الإيمان إلى ما يعلنه الله فينا من محبته. ولكن منعا لالتباس الكلمة اللغوي نريد ان نؤكد ان الرجاء عطية الهية ولا يأتي من مشاعرنا البشرية. الرجاء ليس مجرد تحرك للنفس. انه عطف الهي يذهب بنا إلى الباقيات الصالحات. هو امتداد مما أنزله الله علينا من نعمته إلى ما نرجوه من نعمته الكاملة حتى الرمق الأخير. الايمان، لغة، يوحي بالشيء القائم فينا ويوحي الرجاء بما سيكون. انهما متلازمان في النعمة التي تنسكب علينا.

ولكون الرجاء هو إلى الله يكون امتداده فينا حتى نبلغ كمال الرؤية. ولكن في السعي الروحي يجب ان نرسخه في الإيمان حتى لايظن المؤمن انه يأتي به كما يأتي بآماله. هو فوق كل أمل بشري. انه نعمة فائقة، انسكاب الهي فينا نبتغي فيه الله نفسه. من هنا انه يلتقي بالإيمان ويصب في المحبة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد الفصح/ الأحد 26 أيار 2013 / العدد 21

ليس شيء ما بعد الفصح لأن القيامة حيّة فينا. انها قائمة في عذاب الصليب اذ به «أتى الفرح في كل العالم». نحن لا نلد الفرح. إننا نتقبّله من انتصار المسيح على الموت، كل موت في حياتنا اليومية وذاك الذي ننتظره في آخر عمرنا. اذا كانت كل نفس ذائقة الموت، فهي أيضًا ذائقة الحياة الجديدة التي تفجّرت من قبر الخلاص.

نذوق هذه الحياة العظمى لأن المسيح أحيانا بموته. في إنجيل يوحنا الذي هو إنجيل الحياة، قيل عن موت السيد: «أَمال رأسه، وأَسلم الروح»، والحال أنك تُسلم الروح ثم تُميل رأسك. أجل أَسلم روحه البشرية، ولكن يحق لك أن تفهم «أمال رأسه وأَسلم الروح» القدس لتكون لنا بذلك العنصرة الأولى. الروح الإلهي الكامل تؤتاه بموت المخلّص. إطلالة القيامة تمتمتُها كانت على الصليب. لا بد للكاتب الإنجيلي أن يُلازم واقعية المحسوس في ما حصل للسيد، ولكن في رؤية الآب اياه هذه كلها أشياء واحده. المصلوبية بقيت فيه، والقيامة بما فيها قيامتنا تأتينا من موته. لقد مات المسيح مرة واحدة، وبعد هذا الذكرى. والذكرى تنقلنا إلى قيامته. وعندنا نحن المؤمنين به ليست القيامة حدثًا يمضي بمضيّ الزمان. انها نعمة دائمة نازلة علينا من السماء. فاذا كان موت السيد حدثًا مضى، إلا أن فاعليته أي إحياءه إيانا لا تزول. وحتى يتم هذا، يجب أن ننسلخ عن الزائلات ليحيا الرب وحده فينا. وإيماننا أننا حيينا منذ أن كان على الصليب معلّقًا. هذه جدلية موت المخلّص وقيامته عندنا. إنه كان حيّا منذ أن عُلّق على الخشبة، فيما كان معلّقًا عليها. في موته وبموته حصلنا على الحياة الأبدية. وفي دقة التعبير بدأت هذه الحياة الأبدية تنزل علينا منه بالإيمان. معنى ذلك أنه ولو مات مرة واحدة تبقى حياته فينا مستمرّة يومًا فيومًا حتى اننا لا نبقى مُلكًا لأنفسنا لأننا بتنا ننظر إليه فقط ونستمدّ حياتنا من حياته حتى نصير واحدًا معه.

إن لم تكن كل حياتك فصحًا، أي عبورًا من الأرض إلى السماء، فلا تزال نائمًا في خطيئتك. نحن لسنا مسيحيين بالمولد. نحن مسيحيون إن كنا نُلازم المسيح يومًا فيومًا، من عمق فينا إلى عمقه هو. كل وجودنا يصبح إلهيًا إن كان سيرًا إلى المسيح أو سيرًا في المسيح. ما كان العيد إلا حثًا لك لتقتبل أن يملأك السيد من حضوره الفصحيّ. هذا الحضور يعطيك حركة فصحيّة أي انتقالاً من مجد إلى مجد «كما من الرب الروح». إن استطعت أن تدرك أنك في الفصح تصير روحًا يصير كل يوم لك عيدًا وتصبح إنسانًا قياميًا لأن القيامة ليست ذكرى وحسب ولكنها واقع يغيّرنا على قدر طاعتنا. أن تتحوّل حقًا إلى إنسان فصحيّ هو أن تقبل صيرورتك جديدًا في المسيح. وتبقى فصحيا إن شئتَ أن تحيا كل يوم في حضرة الرب الغالب لهذا العالم، شاعرًا أنك لست من هذا العالم لكونك تحمل الحياة النازلة عليك من فوق. وهي تُمكّنك من أن تغلب مرارة ما يحلّ فيك أو ما يحلّ عليك ناشرًا فاعلية القيامة التي صارت فيك إلى كل مكان.

هكذا ترى الفصح فيك وفي الإخوة ومن حولكم حتى لا ينغلق العيد على يوم واحد. أنت، بعد أن حلّت فيك بركات العيد، تنقلها إلى من حولك ليصبح كل من نال هذه البركات فصحيّا. وبعد هذا، لك أن تقول كل يوم: «المسيح قام!».

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

من فصح إلى فصح / السبت 25 أيار 2013

نحن نقول ان الانسان على فساده يحمل بذرة الخلاص. ما يسميه الغرب الخطيئة الأصليّة ويعني به الموروثة من آدم مع ذنب لا يقبلها الشرق الأرثوذكسي. ليس هناك من ورثة ذنب. الطبيعة البشرية كعهدنا بها تلطخت وفسدت ولكنها ما صارت عدما أخلاقيا. فيك تقبّل لإلهك أو أثر إلهي. فيك خير كامن يعايش الخطيئة، يرافقها. ليس في الكيان البشري فساد شامل ولا من برّ يغطيه تغطية كاملة. هذه أشياء تتخالط في النفس البشرية؛ أعرف نفوسا قريبة من الصفاء ولكني لا أعرف صفاء مبدِّدا فينا كلّ ظلمة. القداسة توق وقبل القيامة الأخيرة ليس من قداسة مكمّلة. والحديث عن الكمال ليس حديثًا عن واقع مكتمل ولكنه دعوة. ما عناه المخلص بقوله: «كونوا كاملين» لا يتجاوز قصده ان اسعوا الى الكمال لأنه بقوله: «كونوا كاملين كما ان اباكم السماوي كامل» ما قصد الا ان توقوا الى الكمال. في السماء نفسها وفي اليوم الأخير ليس من انسان كامل. نحن ما قلنا مرة اذا اعلنّا قداسة انسان انه خال من الخطيئة. نقول انه كان نموذجا في السعي الى القداسة وان هذه كانت همّه الكبير. عندما قال الله: «كونوا قديسين» كان يريد ان هذه دعوة، اشتياق وما عنى القداسة تنصبّ فيك كانصباب الصلب. لو الفضيلة تنصب كاملة لما احتجنا الى صلاة سؤال. «ملكوت الله في داخلكم» عبارة يسوع هذه تعني انكم سائرون الى هذا الملكوت ولا يتحقّق الملكوت في أحد منكم قبل اليوم الأخير.

انتم اجتهدوا ان يكون كلّ يوم من حياتكم كأنّه اليوم الذي تنالون فيه اكليل المجد ولكن هذا الاكليل يضعه المسيح على رؤوسكم من بعد موت ومن بعد قيامة حيث يسطع البرّ في الانسانيّة الممجّدة.

هذه تربية عظيمة على التواضع ان يفهم الانسان انه مكسور ولا يظهر الا مضمّدا امام السيّد. وفي دعائنا القديسين لا نعترف انهم نالوا البرّ كاملا ولكنّا نرجو ان يشاركونا في الصلاة حيث هم لتتألّف جماعة القديسين الذين اكتملوا والذين لم يكتملوا. الأبرار كلّهم في حالة التوق الى ما سوف يعطيهم المخلص ولكنهم في لاهوتنا لم يبلغوا الكمال.

سئلت مرة عمّا اذا كانت مريم في السماء بجسدها. أجبت مع اعتقادي الشخصي بهذا ومع كل الأناشيد التي تبدو فيها هذه القناعة في عباداتنا اننا لم نحدد الأمر عقائديا. أضفت امام انعدام التحديد انا شخصيا اؤمن ان مريم في المجد اي انّ جسدها لم يطرأ عليه فساد. طبعا أعرف ان هذا لا يمكن ان يقوله الا العاشقون.

أنت تخاطب القديسين في الكنيسة التراثيّة لأن «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». القديسون أصدقاؤنا ولهذا يؤمون صلاتنا ولو غائبين في الجسد. انا لا أفهم ان مريم ليست إماما لي عند انتصابي في حضرة الله. القديس يوحنا الذهبي الفم يقول في عظة الفصح انه لم يبقَ من ميت في القبور واذا أنشدنا في العيد : «المسيح قام من بين الأموات» ستين مرة ندلّ على ان انتقالا ما الى نور الثالوث يحصل في الإنشاد. انشادنا نور وهذا نحمله من أحد الى أحد اذ عندنا الى جانب العيد عيد في كل أحد وهذا العيد الأحدي طاغٍ على كلّ تعييد.

حياتنا فصح. نريدها كذلك. ونتوق ان نكون لأن في الفصح ومعناه العبور من تريد ان تصل اليه اي المخلص ويقول ارمياء النبي: «روح أفواهنا مسيح الرب». رجاؤنا الا نسقط في الحيرة التي وقع فيها التلاميذ قبل القيامة فالحيرة عدم مسيح.

المسيح يصبح بصليبه كل شيء فينا حتى يكشف لنا قوّة قيامته كل يوم بانتصارنا على الخطيئة.

Continue reading