Category

مقالات

2013, مقالات, نشرة رعيتي

مناداة الله/ الأحد 28 تموز 2013 / العدد 30

لكون الله حدّثنا بالكتاب نكلّمه نحن ايضًا بصلاتنا التي بها نحسّ بها او التي نؤلّفها. هو يريد جوابا من كل واحد لما قاله له. الجواب، إن أحببنا، يمكن أن نأخذه من كتب الصلاة او نضعه نحن. الرب يريدنا أن نسعى الى حوار معه. غالبا ما نستمدّه من الكتب الطقوسية، وهذا لا مفرّ منه اذا استعملنا هذه الكتب وتقيّدنا بها. ولكن صلاتنا الفردية لنا أن نؤلّفها. غير أننا كثيرا ما نؤْثر كلام الرُتب الطقوسية المستعملة في الكنيسة لشعورنا بأن الأقدمين الذين وضعوها أَلهمهم الله اياها. هذا حسن. ولكن لنا في صلاتنا الخاصة أن نضع الكلمات التي نشعر ان الحُب يُلهمنا اياها. الطريقتان ممكنتان والرب لا يفضّل طريقة على اخرى.

المألوف والمضمون أن ما وضعه أسلافُنا في كتب الصلاة نافع لنا. طبعا اذا تلوْنا من كتُب الصلاة ما هو موضوع للسحر او الغروب او سواهما فهذا حسن، ولكن لنا أن نستقي كليا او جزئيا عمّا موضوع وأن نُكلّم الله صباحا ومساء حسب شعورنا في الوقت الذي نصلّي فيه. خبرة العارفين تقول الأفضل أن تختار شيئا من النصوص الموضوعة وأن تضيف عليها ما تؤلفه حسب حاجتك الروحية في الوقت الذي تصلي فيه لأن كلامك الى الرب يتبع احيانا الشعور الذي تكون عليه. فالسؤال الذي تسأل ربك الليلة قد يختلف عن ذاك الذي سألته بالأمس بسبب تغيير حاجتك. اذا لم تتقيد بالصلوات الموضوعة كليا لهذا المساء او ذاك، تعبّر عن حاجتك بالكلام الذي يُلهمك الله به لأنه يريد هو هذا الكلام. اذا لم يُلهمك شيئا جديدا، تأتي بالكلام الذي يصعد من قلبك. المهم أن تفهم ما تقول وأن تحسّ بالكلام الذي تؤلّف لأن الصلاة حوار ويحب الرب كثيرا ما تقوله له حسب شعورك في هذا الوقت او ذاك.

أحيانا كثيرة تُضطرّ ان تقول كلمات لا تعيها كلها او لا تحسّ بها من كل قلبك. ليس هذا بالأمر المهم. انت تتكل على كتُب الصلاة التي عندنا. احيانا تحس بها كثيرًا وأحيانا قليلا. المهم أن تؤمن بما تتلوه، وقد لا يرافق هذا شعور مستفيض. المهم قبولك لهذا الكلام وطاعتك له.

التوازُن في أمر الصلاة الشخصيّة -خارج الطقوس-أن تفهم ما تقول وأن تنتبه الى ما تقول حتى لا يفوتك معنى أراده الله لخلاصك. والمهم مع التوازن تواصُل صلاتك صباح مساء وألا تُهمل أية صلاة اعتدتها انت في هذا الوقت او ذاك.

لا تنسَ انك تُناجي الله، أي كائنا عظيما لا يقبل المُزاح ولا الإهمال ولا تكرار الكلام بلا فهم ولا تمعّن. تابع دائما بالفهم لأنّ الله إله الحكمة اي الفهم. أحيانا تُدركُ أنك لم تُحسّ بالكلمات التي تلوتها. لا تعُد اليها. تابع لأن كل هذا كلام الله. المهم ألا تنسى انك وضعت نفسك في مهابة الله، واذًا لا تُثرثر ولا تهمل متابعة المعاني لأن الله إله المعنى لكونه أوحى للقدماء المعنى، اولئك الذين وضعوا صلواتنا.

آمن في العمق أن أعظم عمل تقوم به أن تُناجي الله. هذا يتطلّب رصانة عقل وانتباه قلب وان تستوعب كل حكمة تقولها. لذلك لا يمكن أن تكون رخيصا في صلاتك، مهملا لمعانيها. اجمع نفسك بكل قواها وشُدّها الى الله اذا كنت في حالة الصلاة.

هو لا يستجيب لك إن أَهملت الانتباه اليه. اربط نفسَك به بكل قواك ليربط نفسه بك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

إقرأ / السبت 27 تموز 2013

«إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم اذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لا يعلم. علم الإنسان بالقلم» سورة العلق (1 و2). قراءتك لهذا النص المعتبر منزلا واذا عرفنا ان الاسم في المعاني العبرية يعني القوة أو الحضور، قراءتك لاسم الرب أسلوب لتقول اقرأ الرب اذ يستدخلك كيانه لتعرفه بالحب. الاسم عند العبرانيين هو الذات فالمبتغى ان تقرأ الرب نفسه أي ان تعرفه بما يعطيك من ذاته والا تكون قد اسقطت عليه ما تقوله عنه والمبتغى ان يسقط عليك ذاته.

أنت في واقع ضعفك تقرأ عنه والمطلوب ان تقرأه بالحب وكل تفسير لا يكشف لك حبه جزئي أو ضعف. ان تقرأ هو ان تصير أنت ما تقرأ أو ان تلاصقه كأنك صرته.

إقرأ الماضي الذي تجلى الله فيه. لا تقرأ الخطيئة لأن فيها العتاقة. إقرأ الله في ما مضى وفي ما حلّ عليك اليوم وفي ما تتوقعه منه غدًا وفي كل زمان. إقرأ أي اسع إلى كل حق تجلى قديما ويتجلى عليك بالحب. لا تخف من الكتب. فيها الغث والثمين لأنه من الممكن ان يتجلى فيك الحق. المهم أبدية الحق لا زخرف ما مضى وما يصير. لا تقرأ فقط ما يرضيك ولكن ما ترضيه حتى تصبح من الحق الذي تجلى اذ تتجلى فيه الآن. أنت لا تأتي من الأقدمين من حيث مضوا ولكن من الحقيقة التي كشفوها لك. وهنا لا فرق بين ما غبر وما يأتيك اذ لا يسوغ ان تأخذ الحق مما مضى فالحق لا يمضي. انه يثبت ويجعلك خادمًا له في الأيام الآتيات. الذين سبقونا فيهم حق وفيهم باطل. تمسك بالحق واترك الباطل اذ تحيا انت من الحق الذي تتقبله بإيمان. لا تأتي أنت ممن مضوا ولكن من الحق الذي كانوا عليه اذ لا يمر عليه زمان.

لا تقدس الماضي الا من حيث حمل الحق. في الماضي جمالات كثيرة وباطل كثير. لا تجعل الباطل يغريك. أنت ثابت في ما ورثته من ربك. الأقدمون ليسوا بالضرورة مرجعًا. فيهم خطايا كما عليهم بهاء. اذ عرفت هذا من الله اقتبسه. بعد هذا نقرأه فيك. أنت لست وريث الماضي الا اذا شئته حالا فيك. أنت وريث الأبدي الذي لا يحول. إقرأ القداسة فقط. قيمها لا تتغيّر. قد يهزأ بك الساخرون ان فعلت لأنهم يكرهون الحقيقة التي تفضحهم. هم يبيدون كالهباء الذي تذريه الريح عن وجه الأرض والحقيقة التي أنت تحمل باقية وتبقيك. الحقيقة لا تخضع لأزياء الزمان العابرة. أنت تصير إلهيا ان تجاوزت الأزمنة إلى ما هو نازل عليك من فوق.

إقرأ الخيرين الذين مضوا ولكن خيرهم لم يمضِ. عاصر أهل الحقيقة الذين لا يمر عليهم زمان. اذ ذاك أنت برؤية الله أبدي مثل كلمته. هو يجعلك كلمته أي كائنا منه. الحقيقة التي فيك ترفعك فوق كلّ زمان.

نحن اذا تحدّثنا في الكنيسة عن التراث لا نكون مجرد مجترين للماضي. الماضي فقط قد استحليناه. ليس لما مضى قيمة الا اذا حمل حقيقة أبديّة. ليس للزمان مكانة في الحقيقة. هو يأخذ منها كلّ قيمته. الحقيقة ليست حقيقة لكونها من زمان سبقك. هي كذلك لأن الله قالها مباشرة أو بمن فوّضهم قولها.

الماضي يحمل جمالات القديسين أو أهل الفكر اذا جاء على الاستقامة. نحن لا نقدس التراث لمجرد انه عبر قبلنا. نحن نقدس الحق في التراث.

لا نقرأ الفكر الا لحفظ الخير منه. لأن الخير هو الحق. ولكنك مضطر إلى قراءة كل شيء لئلا يفوتك خير في ما حفظته الشعوب.

إقرأ مما تيسّر لك من التراث لأن الحقيقة في الكثير مما تركه لنا الأقدمون ولكن لا ينحصر التراث في ما ورثته من آبائك. كلّ عظام التاريخ آباؤك. والأقدسون منهم هم الأهم.

قوّم فكرك بما قاله الصالحون. هذا هو الميراث الحق. آباؤنا من كل مكان ان كانوا أهل الحق. الله ترك آثاره في عقول كل الشعوب. لا تتعصّب لقومك ولا لأهل الفكر في قومك. الحقيقة وحدها موطنك ومصدر فكرك وحياتك.

إلى جانب تراثنا الايماني خذ الحقيقة من حيث استطعت وتمسك بها كاملة ولو ذقت الأشياء الجميلة في كل تراث. يجب ان تحب الحقيقة حيثما وجدتها. اجعلها مالكة لك لأن الملك لله وللحقيقة المنبثقة عنه. في كل ما تقرأ فتش عن الحقيقةلا عن زخرف القول. كل قولة حق هي من الله. تمسك بها لئلا تموت روحيا. الحقيقة هي وجه الله. اسعَ إلى الله. فيه وجودك وبهاؤك. به تقرأ كل ما هو جميل وحق وخير وبدونه ليس من شيء.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

إقرأ / الأحد 21 تموز 2013/ العدد 29

يقول بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس: «اعكُفْ على القراءة والوعظ» (1تيموثاوس 45: 3). يحث الرسول تلميذه على قراءة شخصية للكتاب ولا يرتضي فقط أن يستمع الى ما يُتلى في الكنائس.

فالكتاب المقدس جاء عنده لنطالعه شخصيا ونستدخله كياننا بالفهم والحب. لا يكفي تاليًا أن نستمع الى كلمة الله في الكنائس. يريد أن يقرأها كل واحد لنفسه وأن يسعى الى تفهّمها بما تيسّر له أن يسمع في الكنيسة.

ويقول بولس هذا لتلميذه المدعوّ الى أن يُعلّم. انت قادر أن تُعلّم دائمًا لأنك تقرأ على الدوام اذ بالقراءة تُجدّد فهمك وتُعمّقه. ولا يرتضي بولس أن تقرأ قليلا او من وقت الى آخر ما شئت وما حلا لك اذ يقول: «اعكف على القراءة» ثم يقول «اعكف على الوعظ» فإنك قادر عليه فقط إن قرأت. فالواعظ الذي لا يقرأ يتذكر ما قاله سابقًا ويُردّده. اما إذا قرأ دائمًا، فيُصبح الكتاب الإلهي عنده ينبوع فكر وينبوع حياة. فالكتاب الإلهي ليس فقط كلمات نُكرّرها ونجترّ معانيها. المعاني تفيض دائمًا أي تأتيك من مصدرين: من النص الإلهي بمعناه اللغوي الظاهر، وبالمعنى الذي يُلهمك إياه الروح القدس. النص حيّ لأن الكلمات حيّة بالروح القدس الذي فيها.

«إقرأ»، ولم يقل «اكتف بما قرأت» لأن الروح الإلهي يُلهمك دائمًا إذا أَطعته، وإذا قرأت تتقدّس ويزداد فهمُك. الكلمات الإلهية ليست جامدة فإنها كلمات الروح، وتصبح لذلك مجدّدة نفسك. هناك قلة من الناس استظهرت كتاب الله. هذا لا يكفي لأن الكلمة جديدة بإلهام الروح، وهي تجددك إن أنت قبلتها. كلمة الله ليست رصفًا من الكلام. انها ينبوع. لذلك تجدُ دائمًا، إن أنت تتقدّس، الجديد في كلمة الله. دائما تكتشف معنى جديدا لما كنت تظنّ نفسك عارفه. النص الإلهي يحتوي حياة أبدية اذ به تعرف المسيح الذي يقول بولس انه حياتنا. الكتاب حياة مخزونة في الكلمات المقروءة. فكلما قرأتها يفيض منها ينبوع تحيا انت به، واذا حييت تُجدّد الآخرين.

إقرأ لأن ربك يقول لك دائما أشياء جديدة. تطلع كل كلمة او آية بمعان ماٍ كانت مكشوفة لك في الماضي. ما كتبه عظماء الكتّاب والشعراء لا يكون لك جديدا. ما قاله الله جديد لأن الله جديد ويريد أن يجدّدك بكلامه. لذلك كثيرا ما أتتك الكلمات نفسها بحياة ما كنت تحسب لها حسابًا. فلا تضجر من قراءة مجدّدة لنصوص تظنّ أنك تعرفها لأن الكتاب المقدس ليس كتابا جامدًا. يحرّكه الله لك كلما رأى أن نفسك تطلبه. هذا يعني انك لن تفهم شيئًا مما تقرأ ما لم تكن تائبًا اي راغبًا في محبة الله وطاعتك.

إقرأ ولا تملّ ظانًّا أنك حفظت، فالكلمات إن استعدتَها تتجدّد فيك حيويتها.

إقرأ كل يوم لأنك تجوع الى الله كل يوم، ولا تتّكل على قراءتك الماضية فكثيرا ما تلحظ ان قراءة جديدة تأتيك بحياة جديدة.

المهم أن تُعاشر الرب. وكتابه مَحَلّ لعشرته. انت طالب الله اي طالب لكلمته وليس فقط لمشاعر فيك. انت تزداد محبتك للرب إن عرفت كلماته لأن الله في كلماته.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

البلد / السبت 20 تموز 2013

أنت وليد البلد ولست فقط مولودًا فيه. أنت تجيء من تاريخ ومن حاضر. ان كنت من لبنان أو مشرقيًا أنت محمول في ثناياك ومشاعرك وتطلعاتك. أنت محدود بالبلد وحامله بآن. تأتي اليه وان كنت عظيما يأتي اليك. أنت من جسده وعلى قدر إحساسك به تأتي من تاريخه وتذهب إلى آتيه. تحيا به اذا أحسسته كثيرًا أو قليلا. لذلك ليس له من بديل فيك. إلى حد ما هو مكونك وان صرت عظيما تكونه. وكما تأتي من حشا امك ومن إرثك كله ولو كنت روحيا عظيم الاستقلال بما يحيط بك.

ما من انسان منعزل عمن جاء بهم وعما يحيط به. على صعيد النفس المتصلة بسائر النفوس ما من عزلة أو فردية. الإنسان جماعي التكوين أو شركوي. يعرّفه انتماؤه إلى جماعة وهي تعرف بانتمائها إلى عظمائها. كل منا يحافظ على شخصيّته الروحية في ملكوت السموات وفي مواهب الروح الإلهي. البلد، أولا، جماعة قائمة في تعدد المواهب والتقائها. والجماعات الصعيرة كذلك. أنت لست في كل ولست جزءًا من كل. كلّنا فريد وبعض من الجماعات الموهوبة فريدة في كليتها.

البلد هو كل الجماعات متعاونة، متحابة. هو ميراثنا أي ماضينا الحي فينا وتوقنا إلى المستقبلات الصالحات. ولعلّ ما يزيدنا فعاليّة وبهاء تلاقي كل الصالحين والفاهمين والمريدين بناء مجتمع واحد متلاقية فئاتها وحركاتها الصالحة ابناء وطن. البلد موروث تاريخا وتوق إلى مستقبل له فاضل. صح انه متعدد ولكنه كذلك على رجاء لقاء كل جماعاته بالسعي الكبير والانتاج الطيب. اذ لا يصح الكلام عن التعدد الا بالكلام عن المواهب المختلفة المتلاقية بالإبداع.

وقد يزيد لبنان جمالا اذا سعت هذه المواهب المختلفة إلى توحدها في العطاء وتكاملها في السعي. هذا هو الانصهار الحق أو الانصهار هو تلاقي الألوان في تعددها ووحدتها بآن.

ليس من بلد ينشئ تعدده. يرثه من مواهب الأجيال السابقة واختلافها في إرادة وحدتها. وعندنا ان ادياننا مصادر مواهب متنوعة. ان تقول جماعة دائما قولا واحدا نوع من أنواع الببغائية. الوحدة في التناغم أي في تعدد الألحان المتلاقية في أصوات مختلفة ولكنها كلها جميلة.

وان تعدد الأديان والمذاهب فيه غنى روحي وحضاري. والحضارة بنت الروح المتجلية الخلاقة. ومن قرأ الأديان عندنا في الحق يكشف فهما يغنينا جميعا. ان يقرأ المسيحي الخاشع الإسلام على حقيقته وفي سمو كباره لمن الاثراء العظيم لنا جميعا. وان يقرأ المسلم المسيحية في صفائها لإغناء لنا جميعا أيضا. أنت غني في ما تقول ولكنك تستغني أيضا بما يرثه عمقك من التراثات الروحية التي عليها نقوم. الينابيع تتلاقى في ما تصب أي في النفوس العطشى إلى الحق.

أنا لست بقائل بوحدة الرسالات في ما تقول اذ لا تقول هي الشيء الواحد. أنا أقول انك ان فتشت عن الحق تجده في ما أنت تفتش عنه. انت بهي بما تسعى اليه اي في حركة سعيك أو تحرك قلبك ليس كل ما كتب واحدا ولكن الحق الذي تتوق اليه القلوب واحد وهذا ما بعد الكلمات أو قبلها. لذلك نقول في اللاهوت المسيحي المعاصر ان من كان على غير ديانتك ان كان طاهرا لله يقرأ الله حيثما سعى اليه لأن الله في السعي أيضا.

البلد ليس حدوده. البلد أهله. فان كنت من أهله حقا يقرأ حبك لهم ما يقولون. وحبك لهم يكشف لك ما يعنون في ما يقولون.

والبلد ليس جغرافيته. هو ما يقوله أهله انهم ورثوه من أسلافهم الصالحين وما يقوله الصالحون فيهم اليوم. البلد ليس لقاء طوائف. هو لقاء الصالحين من كل الطوائف لأن كل هؤلاء هم بمعنى ما ملة ابراهيم. والتعريف عن ابراهيم في كتبنا انه آمن بالله وحسب له ايمانه برا. البلد، قلت، ليس مدى. انه اعتراف بالحق وقولة حق إلى ان نصبح فقط مدى الله في قلوبنا وفي ما نعلّمه. ما ليس قولة الله في أفواهنا ليس بشيء. الحق ما ينزل على شفاهنا من الرب. بعد هذا نصير بشرا سويًا.

واذا غدونا كذلك نصبح مدى الله ويصير الله معروفا بنا. الله ينكشف بعباده اذ يتكلّم على وجوههم وفيما ينطقون به من حق.

البلد من هذا الحق الهي أو ليس من مدى إلهي في هذا الكون. الله يمحو بلدا ليس فيه حقه حتى يصير الله «كل شيء في كل شيء».

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

كلمات الرب/ الأحد 14 تموز 2013 / العدد 28

يدعو الرب يسوع تلاميذه ليُظهروا أعمالهم الصالحة في سبيل الشهادة والبنيان الروحي لبعضنا البعض. السيد ليس مع إخفاء الصالحات، ولكنه طبعا ليس مع التظاهر. الصالح يبدو للعيان، ولكن لا نفتعل ظهوره. هو يظهر من نفسه.

فإذا رأى الآخرون أعمالنا الصالحة ينتقلون من هذه الرؤية الى أن النعمة أتت لنا بهذه الأفعال فلا يمجّدنا الناس ولكن يمجّدون الآب. وإذا افتخروا بعملنا الصالح وحسبوا انه من الله، لا نفتخر به ولكنا نشكر الله.

العمل الصالح يبدو من نفسه. لا يحتاج الى دعاية. المهم إذا شكرنا لأحد المؤمنين عملا خيرا ألاّ نستسلم لمديحه بل أن نرتفع توا الى أبي الصالحات الذي في السماوات ونشكره.

اما المقطع الذي يقول فيه السيد إني ما جئتُ لأَحُلّ الناموس والأنبياء فليس هو تأكيدا لدوام شريعة موسى المحتوية فرائض كحفظ السبت والإمساك عن بعض الأطعمة وما الى ذلك، إنما هي تأكيد على أن ناموس الفرائض هذا اذا زال إنما تبقى الشريعة الأخلاقية التي لا تزول بزوال مرحلة من الزمان ولكن طبعا تزول الفرائض (السبت، الختان مثلا) فلا يحفظ المسيحيّ وصية الامتناع عن العمل يوم السبت لأننا دخلنا في يوم القيامة، ولا يختن صبيانه لأنهم اتخذوا سر المعمودية.

ليس على المسيحيّ فريضة موروثة من العهد القديم كفريضة الذبائح او السبت او الختان. ليس عليه إلا وصية المحبة التي لا تفرض شكلا.

الايحاء الذي تعطيك المحبة يكشف لك كيف تسلك مع الله وكيف تسلك مع الإخوة. ليس هناك شكل. انت تقوم بالعمل الذي تفرضه عليك كلمة الله والضمير، وأشكال سلوكك تأتيك من هذا الإلهام الداخليّ الموافق لكلمة الله. تبقى في عقلك وقلبك الكلمة وتدلّك على تصرفاتك العملية في هذا الظرف او ذاك وفي يومياتك.

لا تأخذ امرا محددا في العهد القديم. لكن تستمد من المحبة ما يوحي لك ضميرك أن تقوم به. وهذا يتضمّن ألا تُهمل وصية تبدو لك صغيرة من أقوال الله. انت لا تفرّق بين كلمة الله وكلمة اخرى. انت تأخذ كل الكلام الإلهي وتتقبله على ضوء المحبة الإلهية التي نزلت عليك. انت لا تختار بين كلمة تُعجبك كثيرا وكلمة تُعجبك أقلّ. انت لا تحكُم بين كلمات الله. كلّها تُلزمك بكل ما تقول، وتعرف أن لك بكلمات إلهك خلاصا كاملا.

إذا آمنت بربك والتصقت به تؤمن بكل ما قال وتعرف أن لك بذلك بذلك خلاصا، وتعرف أنك تُغني حياتك بكلمات ربك.

تأخذ كل كلمة خرجت من فم الرب لأنه لم يتفوّه بها إلا لخلاصك. انت لا تُضيف كلمات من عندك. في موضوع خلاصك هو يتكلّم. والمشترك بينك وبين المؤمنين هو كلمة الله. كلمات البشر كلها إذا تراكمت لا تصير كلمة الله. فإذا سمعت الناس يتكلمون او يكتبون، عندك أصلا موهبة التمييز التي تجعلك تعرف في ما تسمع من كلمات او تقرأ ما هي كلمات الرب وما ليست كلمات الرب.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الله حبيبًا / السبت 13 تموز 2013

كيف تكتب عن الحبيب؟ تقول: «أنا عبدك يا رب، عبدك أنا وابن أمتك» (مزمور 115: 7). ما كانوا مفتونين بالشعر الذين قالوا ان هذا عبودية. قولهم هذا لغتهم. عرفوا العشق الذي يفوق كلّ عشق عنيته الافتتان بالله. هذا لا يعطى الا للذين كُتب لهم.

كان مؤرخو الفلسفة قاتلي اللغة عندما سلخوها عن قول الحب. العقل وحده ليس اللغة. هو أداة اللغة، التي هي قول المعنى والمعنى من التاريخ فاللغة، ما من شك في هذا، هي تعريب كلمة اللوغوس الأفلاطوني او اليوحنائي ودليلي على ذلك عدم الاشتقاق للفظة اللغة من فعل ثلاثي.

والعربية قابلة لهذا التأويل وانعدام القول هذا عند علماء اللغة الأقدمين في انهم كانوا يجهلون اليونانية والسريانية ويكتفون بإسناد كل فكرة او لقظة الى الجاهليّة ظنا منهم ان الخلق كله يأتي من جزيرة العرب ولكن بعد ان خرج العرب الى الشام. لم تبقَ العربيّة لغة الجزيرة وحدها. تمدينت وتقرأها الآن استنادا الى ما طرأ عليها في بلاد الشام فأضحت تكوينا جديدا. الجزيرة رحم فقط والولادة الحضارية تأتي من بعد ذلك. العربيّة ليست موحاة وما قال الإسلام بذلك. قال ان كتابا نزل بالعربيّة استخدمها الله لأداء وحيه. لم يجعل الاسلام العربيّة صنما اذ لم يعبد غير الله. مهما قدست العربية لا يقبل المؤمنون موقفا منها ينزل عليهم تهمة الشرك. آن الأوان لنرى الى العربيّة على انها لسان وان أحببنا البقاء في التاريخ فهي سابقة للإسلام وجاء بها وما جاءت به. ولم ينسب الإسلام اليها قدسية ولذلك انفتح المسلمون الأوائل على لغات عصرهم السريانية اليونانية والفارسية ولم يرتبكوا بكون العربية لفظة الوحي. يصنع التأريخ قدسيات لا يعرفها الأوائل القريبون من المصادر.

نحن الذين تمسكنا بالعربية التي كتبها امرؤ القيس والأخطل وسواهما من نصارى العرب وتجلّى فيها تلامذة الفارابي المسيحيون نبقى عليها وطوعناها في ترجمة الإنجيل. عرفنا ان نحافظ عليها في القرون الغابرة وجددناها بروحنا منذ عصر النهضة فصارت لغة جديدة لكل الناس. في الحقيقة العلميّة ليس من لغة دين ولذلك لا يفتخر عقلاء الغة العربيّة على انهم يتقنون العربية من اسلامهم فقد غدا الإسلام حضارة لغوية لنا جميعا.

نحن نصارى العرب نستلذ اللغة كما يستلذها علماء المسلمين بصرف النظر عن حديث الهويات. كلنا عرب حضاريا ايا كان ادعاؤنا القومي. لست اعرف لغة علمانية مثل العربية. آن ان تبطل الاندماجات الوهمية القائمة على السياسة. والدليل في حياة المسيحيين البارعين في اللغة انهم يعرفون القرآن بقدر ما يعرفه مثقفو الاسلام وما تخيل يوما احد ان الكتاب المسلمين أبلغ منا في معرفة لغتنا المشتركة ولا سيما ان ظاهرة بلادنا ان اللغويين المسيحيين ليسوا دون الآخرين درجة. فإن قرأت حافظ ابراهيم ولم تعرف أصله كيف تعرفه مسلما. وان قرأت ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم كيف تعرف انهما مسيحيان جاءا الى كفرشيما من مرمريتا الأرثوذكسية ولم يفوقهما احد في عصرنا قي قدرته على العربية. كفى ان تعيش في هذه البلاد على اسطورة التمايز الطائفي في هذا الباب.

هذا لا علاقة له بما يسمى اليوم القومية وهي مفهوم افرنجي استوردناه . امي التي كانت تقول لي: «نحن أولاد عرب» ما قرأت شيئا في القوميات وما كانت قادرة. قبل الثورة الفرنسية في اوربا المتمدنة كنت تقول انا فرنسي وتتميز عن جارك الألماني بلا بغض. عند الانسان المتحضر التمايز ثقافي ولا يحمل الحقد. ولما دعا ابراهيم اليازجي العرب الى ان يستفيقوا كان يعي انه مسيحي من كفرشيما وأصله من وادي النصارى وان كفرشيما ووادي النصارى واحد عند المسيحيين المستقيمي الرأي.

كل هذا الاختلاط بين القومية والدين الى مشارف القرن العشرين لم تعرفه الأذهان. عندما كانت امي الأرثوذكسية تقول انها «ابنة عرب» كانت تعني انها ليست من الفرنجة وكانت تعني ان العروبة انتساب الى هذه الأرض وان ايمانها انتساب الى المسيح وما كانت تضع في عروبتها عنصرا ايديولوجيا. هذا كان يجيء عندها من أعماق تاريخية متصلة بالأصول المسيحية لهذه البلاد دون أدلجة أتتنا صيغها من الغرب.

ليس عندي شيء على الغرب. عشت فيه سنوات طويلة وذقته منذ طفولتي ولكني أعشق الكثير منه وأهذبه بما ورثت من هذا المشرق العظيم بكل ألوانه او أنغامه. كنت احس نفسي مشرقيا في سنوات اقامتي في الغرب على تذوقي الكبير لأوربا وهي ممتدة في شروشها التي أستطيب.

أنا مسيحي أرثوذكسي لغة صلاتي العربية الفصحى ليس فقط في الكنيسة ولكن اذا اختليت الى الله. في بعض حقباتي كنت في الفرنسية أقوى ولكني في انفرادي ما كانت لغة صلاتي. لكون قلبي كان عربيا كنت أصلي بالعربية وما زلت ولا استعمل لغة اخرى الا اذا أقمت القداس الإلهي لأجانب. والصلوات التي كان يحق لي الا أتلوها جهارا فيما اقيمها في رعية اجنبية في اوربا استظهرها صامتا في لغتي وليس في الكتاب الذي بين يدي.

هل هذا من إصراري على اني من حارة النصارى ام هذا مشاركة للمسلمين «لست أعلم الله يعلم». اظن ان هذا الإلحاح مني مصدره ان كنيستي من هذه الأرض وانها غير مرتبطة بأرض غربة. انا لا أخلط القومية بصلاتي ولكني من هذه الأرض بلا عصبية ولا عنت. من ايماني انا سليل يوحنا الذهبي الفم والدمشقي وغيرهما حتى مجيء ربنا يسوع المسيح. هذه قوة المسيحية التراثية المحفوظة على نقاوتها انها تجعلك وريث العظام تقلدهم كما يقلد الجمال وتحفظهم بفهم وليس بمجرد استظهار.

ما لا يفهمه الذين غادروا الكنائس القديمة اننا على جدة ايماننا وحيويته نحس ان الكلمات القديمة تحفظنا لأنها أتتنا من الأقدمين الذين هبط الإلهام في ايامهم. نحن نحاول تجديد قلوبنا بالنعمة لا بكلمات من هذا العالم. قد نستحدث الألفاظ او نتبنى صيغة التعابير الحديثة لنقل الرسالة ولكنا اشداء الحرص على التراث اي على ما قاله الأقدمون الملهمون لأن هذا من الإخلاص. السؤال هو هل انت مع العمق او مع الظاهر الحديث الذي يبدو جديدا ولكنه خيانة.

ما فهمته حركة شباب تجديديّة ان الجدّة ليست باللفظ الجديد ولكن بالنعمة الإهية التي تنزل عليك. فالله جديد كما هو قديم والله لا يتحجر في قدم كما لا يتغير في جدة مخلصة. انه هو الجدة.

وهكذا نمضي الى ان يغير الله الوجود ويغيرنا بنعمته. كل شيء فانٍ الا وجهه. كلماتك ان كانت منه غير فانية. ان صار هو فيك وفي كل تحركك ما أنت بجامد. وان تبعته وكنت فيه فأنت متحرك به او فيه. بصورة من الصور انت تصيره واذا رأى الناس إلى وجهك يرون مجد الله.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة التلاميذ الأوائل/ الأحد 7 تموز 2013/ العدد 27

بحر الجليل او بحيرة طبرية التي يؤلفها نهر الأردن هو في وسط منطقة الجليل التي عاش فيها السيّد وفيها الناصرة التي دُعي بها يسوع. في المدن الصغيرة التي كانت تحيط بالبحيرة ظهرت بشارة الإنجيل.

التلاميذ الذين دعاهم الرب اليه كانوا من هناك. والبحيرة كانت رزقهم. فيما كان السيد متجولا هناك وهذا كان كثيرا في حياته رأى أخوين هما سمعان الذي سمّاه السيد بطرس فيما بعد واندراوس أخوه يلقيان شبكة في البحر اي في البحيرة. كل التلاميذ ما عدا متّى كانوا صيادين. فقد اختار المعلّم رسله من البيئة التي كان هو منها.

بعد هذا السرد يقول النص الإنجيلي ان الرب توجه الى بطرس وأخيه قائلا: تعاليا اليّ فأجعلكما صيّادي الناس. كيف دخل يسوع هكذا، توًا الى حياتهما وأخرجهما من بيئة الصيد ليجعلهما مبشرين؟ هذا سر شخصيته وجاذبيته. كان معروفا ان بعضا من الروحانيين كانوا يؤلفون جماعات صغيرة تطلب حكمة الله مع بقاء الانسان في مهنته. هنا يكشف يسوع انه صاحب مجموعة تتبع تعليمه اي نهجا روحيا له ضمن شريعة موسى. مثل هذه الجماعات كان معروفا عند يهود ذلك العصر. يبقى اليهودي في الأمة ولكنه يتحرك روحيا مع فئة صغيرة. ينصرف الى حياة تقوى مكثفة.

في كل الأديان ناس تشتد حياتهم الروحية ويتآلفون دون ان ينشقوا عن الجماعة. الذين صاروا تلاميذ ليسوع لم ينفصلوا عن أمة اليهود ولم يتركوا الاجتماعات في السبوت، في تلك القاعات المسماة مجامع. والرب نفسه كان يحضر اجتماع السبت والناس يلتفون بعضهم الى بعض في المجامع بصورة حرة اي بلا انتظام قانوني. يعجبهم هذا المعلّم او ذاك ويلتحقون به او ينضمون الى مجمع يستخدم اللغة اليونانية او اللغة الوطنية الآرامية حسب استعداده العلمي. الى بطرس وأخيه اللذين تركا شباكهما في ذلك الحين ثم عادا في الواقع الى البحر كان يوحنا ويعقوب ابنا زبدى، ويوحنا هو الذي صار يوحنا الحبيب، مع أبيهما في البحر. دعاهما السيد فتركا أشياءهما المادية وأباهما معًا.

ما سرّ يسوع في التأثير على هؤلاء القوم؟ هذه دعوة الى ان نتبعه كلما دعانا، الا نتردد بينه وبين أشياء هذا العالم.

اثنان تركا شباكهما واثنان الى هذا تركا أباهما. أنت اذا أعطيت يسوع قلبك وما فيه تنسى كل شيء آخر فإذا لازمته أخلص له حتى النهاية لأنه يشبعك من ذاته ولا تحتاج الى شيء آخر. أشياء هذه الدنيا تضاف اليك. كل شيء تراه ثانويا اذا ملأ يسوع قلبك. لا بدّ من الأشياء الثانوية ولكن الخطيئة ان تجعلها مكان الشيء الحيوي الأساسي الوحيد وهو ان تلازم يسوع في كل شؤون حياتك.

هذه الدنيا تأخذك الى آفاق كثيرة والى نشاطات كثيرة. هذا لا مفر منه ولكن حيثما ذهبت وحيثما انشغلت اعلم ان مرجعك يسوع وانه هو الذي يملأ قلبك وينعشه. اذا شعرت ان شيئًا صار يأخذ مكان يسوع في قلبك اعلم انك ضللت. عد الى وجهه. أن تلازمه في كل أمورك هذا ما يحييك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

السن / السبت 6 تموز 2013

هذه الكتابة لا علاقة لها بسني ولا سيما ان معظم القراء لا يعرف عني شيئا. لهذا يزين لي أني قادر أن أكتب حرا من اعوامي المنصرمة والآتي الممكن لا يعرفه الا ربّك. نحن نجيء من ماضينا ولا نعرف ان كان لنا آتٍ. لا يقاس الانسان بعدد ما مر عليه من أعوام. قد تكون فارغة او الكثير منها كذلك. الإنسان ما استلم او ما ارتضاه مما استلم وهو من حاضره المقبول او المرفوض او ما كان منه تحت السؤال. نحن حركة بحيث اننا لسنا مجرد ثمرة لما مضى علينا لكوننا ارتقاء او أقلّه تغير.

لذلك لا يعني تقدم العمر شيئا. لا هو نضج بالضرورة ولا هو اهتداء. ليس العمر بشيء. ما تملأه فيه من حضرة انسانية هو كل الوجود لأن الزمن لا يأتيك، ضرورة، بمضمون. كان لك وعاء والوعاء يحمل كل شيء. انت لست نتيجة مرور السنين عليك فقط. انت حضور الحضرة الالهية ان نزلت. وانت بذا متطلّع الى الآتيات او الى الباقيات الأبقى من الآتيات. انت ما كنت وما تصير وتريد في الآن ان تصير.مرة أراد كبير في كنيستي منذ خمسين سنة ان يرد حجتي عليه بقوله لي خبرة سنوات عديدة. أجبته ليست الخبرة بشيء اذ قد تكون خبرة خير او خبرة شر. وكل واحدة منها تعلّمك شيئا. لذلك لا تستطيع ان تفرض عليّ ما تعتبره علما جاءك من الخبرة. ربما كان الرجل على حق ان يعتبر جوابي له تحديا. ولكن من قال ان التحدي لا يحمل الحق او من قال ان خبرة الشيوخ تحمل معها الحقيقة. ربما حملت معها المرارة. فالانسان لا ينمو دائما رفيق الله اي عارفه. غالبا ما يكبر ذواقا لخطاياه ومستخلصا فكره من تراكمها فيه. غير صحيح ان الكهولة او الشيخوخة تأتينا دائما بالفضيلة. فكثيرا ما حملت أتعابنا والفكر الآتي من الأتعاب اي من المرارة.

كثيرا ما أتاك العمر بالكآبة ولكن لك ان تقاوم لأن مسؤوليتك العطاء الذي يستحيل اقترانه بالحزن الشديد. المسؤول من عرف ان له غدًا يملأه بالحب لأنه وحده الخلاق في الزمان.

ليس في اية مرحلة من العمر مضمون روحي واحد. الطهارة والدنس ممكنان في اية حقبة من وجودنا الأرضي الى أن يتبرأ الإنسان بالموت كما يقول الرسول. لذلك يصرّ آباؤنا على القول ان من أهم ما يعطاك في جهادك ان تذكر الموت كل يوم. أرادوا انك ان فعلت هذا لا تقوم على الخطيئة لأن الموت الذي تنتجه رهيب لديك.

تعلّم السن او تفسد المعرفة التي تنسب الى الشيوخ فيها سلام او فيها اضطراب. كمّ الأعوام يعطي هذا او ذاك. لا يأتيك النضج دائما من تقادم الزمان عليك. انه في أعماقه هبة إلهيّة، فوق استواء العقل وأعلى ذرى السلام وهذا ينزل عليك من الرب. ومن هذه المقاربة قد يأتيك فتى أعلى قدرا في العقل من طاعن في السنّ. العقل العظيم ما ينزل عليك من ربّك المنشئ للعقول ومربيها.

غير ان أهمية السن عند الصالحين ما كانت في توبتهم وهذه غالبا ما تتطلب مراس زمان لأن التوبة جرح بالغ ولا يستقر الإنسان فيها الا اذا انتظر الموت او ترجاه. ما منع الله هذا الترجي. انه منع الحزن امام ما نتوقعه اذ فتح لنا باب الرجاء الذي هو انفتاح على القيامة.

أنت تلميذ كل حقبات العمر والا كنت غبيا. لك خبرتان: خبرة خطاياك وخبرة فضيلتك. واذا وهبك الله نعمة من عنده تضرب خطيئتك بما اكتسبت من فضيلة اي اذا رأيت وجه الله أبهى شيء في الوجود، غير ان هذا تتعلّمه بالمراس، بالصبر على خطيئتك ورجاء خلاص منها. والصبر لا يعني الاستكانة او الانهزام. انه يعني شكرك لما استلمت من تعزيات الرب والبقاء عليها. ليس الصبر الدوام على كل حال. انه فقط الديمومة مع النعمة لأن شريكك فيه هو الله ذاته.

من هذه الزاوية لا تعني السن شيئا. قد تأتي بارتقاء روحي وقد تأتي بهبوط او تخلّف او فساد. تقادم الزمان لا يعطيك شيئا بالضرورة ولا يحرمك شيئا ان شئت المثابرة. الله وحده معطيك في كل ظرف من ظروف حياتك. وحياتك العميقة هي النعمة فيك. انت تحيا ان كنت تستلم النعمة بشكر وتفهمها وتصر على البقاء فيها.

فاذا تجلّت الرؤى الإلهيّة فيك يسجّل الله لك عمرًا روحيا لا علاقة له بالسنين. فالله حضور وليس تعاقب أعوام الى ان يزول تحكّم الزمان فيك وحكمتك النعمة. عندئذ، تسكن الأبديّة وانت في حدود الزمان.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/الأحد 30 حزيران 2013/ العدد 26

في كل يوم من السنة عيد لقديس أو أكثر، ولكن هذا التعييد اليوميّ لا يشمل كل القديسين الذين مجّدهم الله وجعلهم إليه في السماء. لذلك تذكُر الكنيسة اليوم الذين طوّبتهم بأسمائهم كلّ يوم والذين لم تُطوّبهم والله يعرفهم.

رأت الكنيسة أن يُخطف فكرنا إلى القديسين الذين جعلهم الله له وهم كثيرون ولا تكفي أيام السنة لتعدادهم بأسمائهم. فأقامت هذا الأحد بعد العنصرة تُقيم فيه ذكراهم. وجاء تعيين هذا الأحد في محلّه لأنّ حلول الروح القدس يقودنا إلى ذكْر القديسين. الروح الإلهي هو مُنشئ القداسة وموطّدها. فكان من الطبيعي بعد أن أقمنا ذكرى للروح القدس أن نقيم ذكرى لمن يُظهرهم ويُظهر أعمالهم في الكنيسة عنيتُ القديسين.

ليس لكلّ قديس نعرفه عيد لأن القديسين يتجاوزون عدد أيام السنة، فاضطررنا أن نقيم ذكرى القديسين مجتمعين، أولئك الذين نعرف سيرتهم والذين لا نعرف سيرتهم. فعدد الـ365 يومًا في السنة لا يكفي لنعيّد فيه لكلّ القديسين الذين طوّبناهم ونعرفهم بأسمائهم. إلى هذا الذين لا نعرفهم بأسمائهم ومجّدهم الله. فتمجيدًا لغير المذكورين في كل أيام السنة وتمجيدًا للذين يعرفهم الله وحده ولم يدخلوا في التقويم أَوجدْنا هذه الذكرى لتشمل كل الذين أَحبّهم الله ونقلهم إليه. انه موقف محبة أن نُخصّص لكل قديس نعرفه ذكرى، وقضية محبة أيضًا أن نُخصّص لمن لا نعرفهم بأسمائهم ذكرى. هذا عندنا شوق إلى القداسة وأن نملأ بذكرى كبارها كل أيام السنة.

يوم بلا وجه قديس نذكره ليس يومًا من الكنيسة. الشغور من استحضار عظمائنا يجعل قلوبنا بلا مرجع. القلب إن لم يجذبه عظماء التقوى ماذا يجذبه؟ السنة سنة الله المقبولة أو هي مجموعة أيام فارغة من ذكر القداسة. إن لم تذكُر عظماء التقوى والبر، من هم الذين تذكُر؟ هناك كبار في هذه الدنيا وحسب مقاييسها. ولكن الأحبّ إلينا في دنيانا من كان يشاركنا تقوانا، من كان من جنسنا في التقوى. هؤلاء المتجانسون في التقوى يؤلّفون الكنيسة. وغير المتجانسين في معرفة المسيح ليسوا له أو ليسوا منه.

نحن الذين استبْقاهم ربّهم في هذه الدنيا ليس بيننا رباط الا الرب نفسه. هذا الرباط يجعلنا كنيسة أي مجتمعا للدهر الآتي، يتخذ هويته من كونه للرب.

نحن لسنا من هذا العالم وإن كنا في العالم. نحن من الدنيا التي ألّفها الرب بمحبّته وهي كنيسته. إليها نحن مشدودون ولو كانت أجسادنا تمشي على الأرض. نحن نتحرّك في الحقيقة مع أهل السماء ونتّجه جميعًا إلى العرش الإلهي لنُشاهد الله ومسيحه ونحيا بهذه المشاهدة.

عندما نعيّد لجميع القديسين ولكل قديس في كل يوم نشهد أن إرادتنا هي القداسة. نعمل في هذه الدنيا كل في مهنته أو وظيفته، ولكن غاية كل أعمالنا أن نبلغ القداسة وأن نسكب فيها القداسة. الطعام والشراب والمسكن والمهنة ليست كل شيء أو ليست الغاية. غاية الوجود فيما نأكل ونشرب ونقوم بأعمالنا اليومية هي ابتغاء الوصول إلى الله. كل نشاط في هذه الدنيا إن لم نطلب فيه الله ورضاه وبركاته هو من هذه الدنيا ويفنى فيها. أما غايتنا الحقيقية فهو أن نلتمس وجه الله ليرضى عنا فنحيا برضاه.

عندما نقيم في يوم واحد ذكرى لجميع القديسين، نشهد أننا نحبهم جميعًا وأننا فوق ذلك طلاب قداسة. لك أن ترغب أن تكون عظيمًا في مهنتك ووافر الصحة أو كاتبًا عظيمًا. هذه كلها جيدة، وإن كنت متواضعًا يباركك الله. ولكن أعظم الأشياء في دنياك ليست بشيء إن لم تكن طريقَك إلى القداسة، إلى كراهية الشر وحب الخير، إلى اللصوق بالله.

لك أن تسعى إلى أن تكون خادمًا لوطنك عظيمًا وطبيبًا حاذقًا أو محاميًا ماهرًا أو كاتبًا جذابًا. هذا كله طيّب، ولكنه محدود، ولكن ما هو غير محدود أن تطلب كمال أخلاقك حسب وصية الرب: «كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو».

كل شيء عظيم يأتي من الذي طلب كماله من الله. خارجًا عن ربك يمكن أن تكتمل في أية مهنة على صعيد الاحتراف، وان كنت لا تكتمل بلا أخلاق عظيمة. لا يمكن أن تكون انسانًا كاملاً الا إذا ابتغيت كمالك من الله. قبل ذلك، لك أن تُتقن مهنتك، ولكن هذا ليس الكمال. أنت لا تكتمل الا بالكامل أي إذا تشبّهت بالمسيح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

المجمع المقدس / السبت 29 حزيران 2013

هو لقاء كل مطارنة الكنيسة الأنطاكية مع البطريرك. مجموعتهم هي المجمع المقدس. هو الهيئة التي تشرّع للكنيسة الأنطاكية. هذه خاضعة لنوعين من المجامع: المجامع التي تعترف بها كل الكنائس الأرثوذكسية في العالم والمجامع المحلية او الاقليمية التي تخضع لها فقط الكنيسة الأنطاكية.

المجامع العالمية يلتقي فيها مندوبون من البطريركيات وهي حسب الترتيب القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية، أورشليم. هذه هي البطيركيات الكبرى ومندوبون من الكنائس غير البطريركية مثل أثينا التي يرئسها رؤساء أساقفة. وليس من فرق بين الكنائس الملقبة بطريركية كالتي ذكرنا والكنائس التي يرئسها رئيس أساقفة ككنيسة اليونان وكنيسة قبرص وسواهما.

الكنيسة الأرثوذكسية في العالم مؤلفة من كنائس مستقلة لكل واحدة منها حق التعليم والتشريع وسن قوانين محلية. ولكل واحدة لها نظامها ومجمع مقدس مؤلف من مطارنتها. وهذا المجمع يرئس الأبرشيات المنضمة اليها. فالمجمع الانطاكي المقدس يرئس الكنائس المسماة أبرشيات ومجموعتها تؤلف الكنيسة الانطاكية. هذه المجموعة يديرها مجمع مقدس هو في منطقتنا المجمع الانطاكي. القرارات التي يتخذها تلتزم بها كل الأبرشيات التي يوقع رئيسها على قرارات المجمع.

الفكرة ان الارثوذكسيين في هذه المنطقة يوحدهم رأيهم الذي يُعبّر عنه المطارنة في المجمع المقدس. هذه فكرة المجمعية او الجماعية. فاذا كان الأسقف رئيس الجماعة المحلية (الأبرشية) يشترك في المجمع المقدس وينقل اليه فكر الكنيسة التي يرئسها. وشهادة الكنائس مجتمعة هي في المبدأ فكرة الكنيسة الواحدة. هذا يفترض ان لنا فكرًا واحدًا هو فكر المسيح. المطارنة ليس لهم رأي خاص بكل واحد منهم. هم يقيدوننا اذا كان لهم فكر المسيح. هذا ليس امرا قانونيا، تنظيميا. نحن نخضع للمطارنة اذا قالوا فكر المسيح. اذا جاؤوا بغير فكر المسيح فليس لنا علاقة بهم.

هذا الفكر في المبدأ يظهر في اجتماع المطارنة في المجمع. المجمع المقدس ليس هيكلية قانونية. هو المكان الذي يظهر فيه فكر المسيح. نطلب هذا الفكر فقط. نحن نرجو ان يلهم الروح القدس الأساقفة اذا اجتمعوا. نحن لا نطيع بشرًا. نحن نطيع فكر المسيح ونرجو ان يُعبّر المطارنة عن فكر المسيح. عندئذ يكونون فمه. بهذا المعنى هو وحده المطاع.

فإذا اجتمع المطارنة بعد استلهامهم الروح القدس استمدوا قداسة الحق. فإذا ألهمهم نطيعه في طاعتنا لمن حملوه. واذا خالف المطارنة الروح الإلهي فلا طاعة لهم. وكل من نزل عليه الروح يعرف بأي فم يتكلم.

المجمع ليس مقدسا بصورة آلية. اذا قال الحقيقة فهو مقدس. الشكل القانوني وحده لا يقيّد عندنا. المهم المضمون اي خضوع هذه القيادة لله. ليس أحد ينوب عن الله. ليس لأحد بحد ذاته مقام. المقام تأخذه انت من الحقيقة، من استمدادك التراث.

المجمع ليس مقدسا لمجرد التقاء الأبرشيات فيه ممثلة برؤسائها. هو يبقى او يصير مجمعا بسبب الحقيقة والحكمة اللتين يحمل. القوانين لا تكون أرثوذكسية بسبب قانونية الاجتماع ولكن بسبب الحقيقة في ما تقول وتشهد له. الحقيقة المضمونة في قرار كنسي وليس مجرد صدوره عن مجمع مطارنة تثبت صحة هذا القرار. القانونية لا تنشئ الحقيقة. الحقيقة تنشئ القانونية.

تمتاز الكنيسة الأرثوذكسية في ما تقول عن نفسها ان لا شئ فيها قائم على مجرد قانونية القوانين ولكن لكونها تحمل الحقيقة الروحية. القانون عندنا لا يحمل قدسية لمجرد صدوره عن مقام شرعي. قدسيته في ذاته اي في ما يحمل من الله. الأساقفة ليسوا مرجعا بمجرد اجتماعهم ولكن في ما قالوا. ولكون المجامع تثبت تلك التي سبقتها نعتقد ان المجامع قائمة فقط بما قالت لا بمن انعقدت بحضورهم.

ليس كل مجمع مقدسا بمجرد شرعية الذين عقدوه. انه مقدس في ما قال. ليس الأسقف عندنا مقدس المقام ولكن المقام يتقدس في ما يقوله الأسقف. ينشأ المقام من كلام الأساقفة. ليس الأسقف حجرا موضوعا في محل. الأسقف عندنا ينشأ من كلامه بمعى انه اذا انحرف عن استقامة الرأي يصير لا شيء. صنمية الأسقف انحراف معروف كثيرًا. ليس أحد قائما في ذاته. أنت تبقى وتصير فقط في استقامة الرأي.

المجمع مقدس بمعنى انه يسعى الى قداسة التعليم وعمقه وحكمة الرعاية والإدارة. ليست القداسة مصبوبة فيه. انه يسعى اليها. انه تيار حق او مصير الى الله. خارجا عن ألوهية مواقفه وكلامه هو بشر يفنى.

لكوننا ننتظر منه قداسة الحق نسميه مقدسا.

Continue reading