Category

مقالات

2001, مقالات, نشرة رعيتي

زيارة البابا لنا/ الأحد 20 أيار 2001/ العدد 20

ايجابي ان الرجل شوهد في شجاعته على اقتحام السفر، وهو على شيخوخة متعبة، وجميل انه شوهد على كثير من طراوته لمن كان قادرا على المشاهدة. في اللقاء الشخصي يسقط شيء من البناية المتكونة فينا عن الآخر. يوحنا بولس الثاني حلم في انسانية افضل وفي كنيسة متلاقية، حلم قلب اية كانت الآراء اللاهوتية. ليس اننا «شعراء» نظن ان جودة الرجل وتواضعه يطبعان كنيسته بصورة آلية. ولكن شخص الأسقف الاول في الكنيسة اللاتينية، بسبب تركيبها وقناعاتها، له اهمية كبرى.

    من ناحية اخرى ما من شك ان ما شاهده يوحنا بولس عندنا يختلف عما كان يعرفه عنا. فهو يعرف عنا الانقسامات، ولكنه رأى ان المسيحيين على أرض أنطاكية واحد على الرجاء وإن كانوا على هذه الواقعية التي تقول انهم لن يصيروا كنيسة واحدة في المستقبل المنظور. أن يتابعوا مسيرتهم الى الوحدة بلا تسرع غير مسؤول، بعمق فهم، هذا ما ندعو الله ان يمنّ عليهم به.

    في الكلام الكنسي للبابا دعوته ان تتقارب الكنائس في هذه المنطقة من العالم في اتجاه التقارب الحادث في العالم. كيف يُترجم هذا التقارب المناطقي؟ هل يُترجم؟ هذا ما ستكشفه الأيام. ولكن الحدث الأبرز لاهوتيا كان في دمشق خطاب بطريركنا في الكنيسة المريمية. وهذا يتجاوز المناسبة ليقول شيئا أعمّ وأعمق على أمل ان نعود الى هذا الخطاب-الوثيقة.

    ما يميز الوثيقة انها جاءت منفتحة ورقيقة من جهة، وواضحة في ارثوذكسيتها في آن. أُسقف انطاكية من موقعه التاريخي والعقائدي والراجي الوحدة معا خاطب اسقف روما. وكان يجمع هذين الكرسيين لما كانت روما تعيش معنا الوحدة أنّ الجالسين عليهما كانا متحدّرين من بطرس وبولس.

    يجب ان نتأمل في النص البطريركي بكل دقائقه لكونه يرسم سياسة الكرسي وربما الارثوذكسية جمعاء. ولكني اود في هذه العجالة ان ألفت الى المقطع التالي (الذي أنقله عن الفرنسية): «ليس لكرسيّ رسولي ان يعتبر نفسه الضامن الوحيد لاستقامة الرأي. الكنيسة وحدها هي المؤهلة ان تكون ضامنة لكرازتها وان تؤصّلنا في الروح… هذا الإيمان يبقى المعيار للحكم في كل تطور (عقائدي) لاحق. وعلى رغم كون الارثوذكسيين غير مستحقين، فالكنائس الارثوذكسية تعرف ان تعليمها موافق لتراث الآباء وايمان المجامع المسكونية. نؤمن اذًا بكل تواضع ان الكنيسة التي اسسها المسيح ما تزال باقية بكل ملئها في الكنيسة الارثوذكسية».

    هذا هو المقطع العقائدي الكبير في خطاب صاحب الغبطة الذي لا تحجبه عبارات المودّة عند غبطته ولا تحجبها الرؤى الكبيرة على مستوى العالم والوطن والتاريخ. بكلام بسيط، ليست روما كل الكنيسة، ولا تستوعب وحدها الكنيسة الاولى التي أسسها السيد. هذه قائمة في ملئها في الكنيسة الارثوذكسية الحالية.

    خطاب بطريرك انطاكية وسائر المشرق الجالس على كرسي بطرس وبولس أتى آية في الوحدة بين العقيدة الواضحة والصامدة، والأخوّة الكاملة. فالقطيعة والتنابذ أمسيا من الماضي، ونغفر ونحب الذين في الغرب يحبون ربنا يسوع المسيح، ونسير واياهم في خدمة الفقير والغريب والمقهور في كل بلدان العالم، فنتقدم على طرق القربى ونحن امناء لما استلمنا حتى يهبنا يسوع بفضلٍ منه وحدة أن نبدو جسدا واحدا له.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

البابا في دمشق/ الأحد 6 أيار 2001 / العدد 18

هذه كلمة وُضعت قبل وصول بابا رومية الى دمشق، ورجائي انه بلغها امس وزارنا في البطريركية عند بلوغه العاصمة السورية، والمتوقع ان يقيم اليوم (الأحد) الذبيحة الإلهية امام الألوف من المسيحيين ولا سيما من ابناء كنيسته.

    في صلاة الشكر التي تكون قد تمت امس، رحّب به صاحب الغبطة البطريرك اغناطيوس الرابع، وأرجو ان ننشر الخطاب للقراء في حينه. في البدايات لا بد ان نعجب للشجاعة التي يتحلى بها البابا بولس الثاني في قيامه بعشرات الرحلات في العالم كله وكان مريضا وتعبا في السنوات الأخيرة. وكل ذلك اعتقادا منه انه يقوّي الكاثوليك في ايمانهم وانه يوحي للحكومات ما يريد ان يوحيه بدءا من حق الإنجيل عليه.

    وما من شك ان الزيارة تبعث الفرح وتنشط الصلاة عند من سيشاركه الصلاة. ورجاؤنا ان يقوّي حضوره الروابط الأخوية بين محبي المسيح في هذه الديار لأن المهم ان يحيا كل منا روحيا في كنيسته حتى يهيئ الرب القلوب والعقول الى الاتحاد الكامل في أوان رضاه.

    نحن من جهتنا نقول السلام لكل انسان، ومن شروط سلامنا نحن أن نحيي الايمان الارثوذكسي الحي في نفوسنا وأن ندعم الوحدة القائمة بين ابرشياتنا الأنطاكية بحيث نسعى الى حرارة الصلاة وعمق المعرفة وتثقيف شعبنا وتحسين اوضاع الرعاية عندنا. واذا وصلنا الى هذه النوعية العالية من الوجود الكنسي، نصبح «رائحة المسيح الزكية» كما يقول الكتاب، ويتعزى بنا المؤمنون من صفوفنا والمؤمنون في الكنائس الاخرى.

    نحن نصلّي ليبارك الرب إقامة الأسقف الروماني في ربوعنا الأنطاكية، وندعو الله ان يمد المسيحيين الكاثوليك على اختلاف طوائفهم بمحبته ونعمته.

    رجاؤنا ان نسهم في جعل المقام البابوي اعمق فهما للكنيسة الارثوذكسية في العالم، وألاّ يبقى نتؤ في العلاقات، فتبقى الارثوذكسية في ديارها ترعى هي ابناءها ولا يرعاهم سواها. هكذا تقوى الثقة بيننا وبين الكنيسة الكاثوليكية حتى لا يشوب التعاون تحفظات في فكرنا او في فكر كنيسة رومية.

    سيلقي البابا سلاما على المسلمين، وهذا من صميم الفكر الكاثوليكي منذ مجمع الفاتيكان الثاني. نحن، طبعا، في ذلك سبّاقون لأننا نحيا مع المسلمين حياة وطنية واحدة ونتكلم لغة واحدة. لقد وضع هذا المجمع نصا في الإسلام وتوحيده واعتبره المفكرون المسلمون جميلا.

    هناك لا يزال الملف العقائدي قائما بيننا وبين الكنيسة الكاثوليكية. هناك ما يخلفنا. وقد دخلنا في الحوار منذ سنوات عديدة، ويبدو الحوار متعثرا الآن. غير اننا نرجو متابعته في تجاوز الصعاب. ومهما يكن أمر الخلاف، فلا شيء يمنع المحبة والصبر والتعاون على سبل الخيرات في هذه الدنيا. وما من شك ان المحبة اذا تأصلت ستكشف لنا طرق التلاقي.

Continue reading
2001, جريدة النهار, مقالات

تقاسيم قيامية / السبت 27 نيسان 2001

لماذا إذا تكلم الإنجيليون على يسوع في القبر أو عليه منزلًا عن الصليب لا يسمي أحدهم هذا “الشيء” جثة أو جثمانًا؟ دائمًا سألت نفسي هذا فأدركت أن السبب الوحيد هو أنهم اقتنعوا أن هذا الموت ليس نهائيًّا وانه ما اعترى يسوع نتن. ما صلبوه للموت. صلبوه للحياة. بهذا المعنى شبه لليهود أنهم قتلوه. في الحقيقة القتيل هنا أباد القاتل أعني اسرائيل. وحده في تاريخ الناس قتل الناصري أعداءه بلا سيف على هذه المفارقة أنه يحيي قتلاه.

قد لا يحتمل القارئ كل اختطافي إلى القيامة. انك ان خرجت إليه لا تعود إلى هذه الجثة القابعة فيك. يسوع يتراءى وأنت جسداني. أنّى لك أن تعرف المجد. صمنا لنمتلئ قليلًا من مجده قبل أن يسطع في الفصح، لنقرأه مجيدًا، لنمزج الجثة التي فينا بشيء من النور، الذي فيه.

في معراجي إليه استوقفتني ثلاثة ظهورات فإن عيني قلبي لا تستطيعان أن تظلا مفتحتين على ضياء كثيف. عند اشتداد الضياء لا ينفع القلم. مع ذلك دفعت عيني إلى الرؤية وريشتي إلى الهذيذ والوتر ليس لي.

اتخذ لوقا بادئًا لأني في ما اتخذه آراه يوحنائي النكهة ويوحنا يطيب كثيرًا. تلميذا عمواس سمعا من الجماعة انه قد قام وكانا يتحاوران في هذا وهما سائران إلى قريتهما. “اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما”. هو يقترب ولا يقتحم ثم يرافق ولا يلغي. “ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته”. هكذا كانت دائمًا حالة صحبه بعد انبعاثه إلا مرة واحدة سأذكرها. أمست عنهما المعرفة فانه هو معطيها وما كانا بعد مهيأين لها إذ تتطلب أن يكونا فصحيين في كيانهما وما بلغا هذا بعد.

حدثاه عما جرى بتفصيل حتى قال لهما: “أما كان ينبغي أن المسيح يتألم ويدخل إلى مجده”. ودعم قوله بحجج من كتب العهد القديم بقي هذا في العقل حتى “إتكأ معهما وأخذ خبزًا وبارك وكسر وناولهما”. هذا ما جرى قبلًا بينه وبين تلاميذه في العشاء السري. وينتهي الفصل بقوله انهما عرفاه عند كسر الخبز. ما أوحى به لوقا هنا انك في القداس تنزل عليك القيامة كل قوتها. ولكن المهم هو القداس الممدود في حياتك اليومية. ان أنت غدوت جليس يسوع وأعطاك في هذه المعاشرة ذاته تدرك أنه قام من بين الأموات لأنك تكون قد ذقت قيامة نفسك من مواتيتها. تقرأ قلبك الحي وتعرف أنه نشأ عند فجر الفصح.

في ذلك اليوم “جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق”. جاءت وحدها ولا يذكر يوحنا أنها رافقت بقية النساء. كانت علمت من بطرس والتلميذ الآخر أن القبر أمسى فارغًا. ولكن لم يدر في خلد المرأة أن السيد قد قام. كل شيء يدل على أن الاتباع بمن فيهم النساء لم يكونوا سريعي التصديق بالقيامة. لم يكن عند أحد استعداد عاطفي لتقبلها. ورد عندها هي افتراض عبرت عنه: “أنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه”.

“ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفًا ولم تعلم أنه يسوع”. ليس أحد مهيأ ليبصر نورًا إلهيًّا يلتحف بإنسان. إذذاك، قال لها يسوع: مريم. دخلها صوته مع اسمها. اسمها كان فيه. هي الآن وحدها المسمّاة. ولكون نوره تدفق عليها فعرفته أي صارت هي أيضًا من نور. غريغوريوس بالاماس يقول في عظة له على التجلي ان من تجلى على ثابور لم يكن هو الرب. التلاميذ، عند ذاك، تجلوا فرأوه كما كان. ولما استنارت مريم قالت له بالآرامية: ربوني الذي يعني يا معلّم. في هذا لم تكن تعترف بشيء جديد ودنت منه لتتبارك بتقبيل قدميه. القبلة تعني انه لم يزل من هذا العالم. أنت لا تستطيع تقبيل الله. لأنك دنس الشفتين. ولذلك لمس الرب شفتي إشعياء بجمرة وقال له: “ان هذه مست شفتيك فانتزع اثمك” (6: 7).

قبل أن يصل فم مريم إلى قدمي المخلص شاءت أن تمسك بهما فقال لها: “لا تمسكيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن اذهبي إلى إخوتي أني صاعد إلى أبي”. يا مريم لا تستطيعين أن تستنيري كليًّا الآن. أنت استضأت بقدر لأنك لا تزالين من لحم ودم. أنت لا تزالين ذات أشواق ولم تدخلي بعد إلى آخر أعماق السرّ. المحبّة التي ليس فيها لحم ودم لم تنزل بعد لأن الروح القدس الذي يعلمكم كل شيء لما يأت. انه هو الذي يزيل منكم ما كان فيكم ترابًا. هذا ضياع وقت ان تفكري كيف كنت معكم أنت والتلاميذ وحاملات الطيب وأمي. هذا كان مجرد إعداد لهبوب الروح الذي سيعمدكم بعد قليل بالنار فلا يبقى فيكم غير النور. النار ستجعل كلا منكم صافيًّا فصفيا. وسيظهر منكم قوم يعرفون الحب كاملًا ويشهدون لي بالدم فان كنيستي لا تحفظ الا بالدم. أنت الآن اذهبي إلى تلاميذي وقولي لهم اني ذاهب لأعد لهم وللأحبة من بعدهم مكانًا. المهم الآن قبل أن يتمجدوا أن يقولوا للناس أني قمت وذاهب إلى الآب.

الآب هو كل شيء يا مريم. سيفهم واحد منكم، وهذا سألقاه على طريق دمشق، سيفهم هذا أن النهاية ستكون إذا سلمتُ الملك لله الآب لأن غايتي في أبطال الموت هي أن يملك وأنا نفسي سأخضع له في هذا الناسوت الذي أحببته أنت لما أنقذتك من موت الخطيئة. يا مريم أنا صاعد بعد قليل وهذا فوضت إليك أن تقوليه للتلاميذ. لكن هذا لا يكفي. يجب أن آخذ كل ناسوت في جسدي ولا أستطيع أن آخذكم إلا إذا زالت الترابية كلّها فيكم. ما جئت له، يا بنيّتي، هو ليس لآخذ فقط هذا الجسد الذي رأيته أنت ينكسر من أجلكم ومن أجل كثيرين. هذا لا يرضيني يجب أن أتخذ كل جسد في ناسوتي ليتمكن بولس هذا حبيبي بعد سنوات من أن يكتب “أن الله سيكون الكل في الكل”. أنّى لأية حبة تراب، إذذاك، أن تبقى؟ يا مريم يجب أن نشتاق الآب.

***

الظهور الأخير في الإنجيل الرابع على بحيرة طبرية كان لسمعان بطرس ولتوما وابني زبدي واثنين آخرين من تلاميذه. ثم بعد هذا يذكر النص التلميذ الذي كان يسوع يحبه. على ما جاء في التقليد هو يوحنا الحبيب أي واحد من ابني زبدى. غير أن النص لا يقول ذلك. لم يعرفوا أنه السيد حسب القاعدة التي استخرجناها انك بالنور تعاين النور.

من كل الذين تراءى لهم القائم في البشائر الأربع لم يعرفه أحد إلا هذا. لماذا؟ في العشاء الأخير هذا كان متكئًا في حضن يسوع. في الفلسفة المشرقية هذا يعني أنه كان يستمد من المعلم الحياة. وما قال الكتاب مرة أنه أحب يسوع ولكنه قال إن يسوع كان يحبه. ولما أومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون هذا الذي سيسلم الرب إذذاك اتكأ على صدره وقال له يا سيّد من هو.

ما يأتي إلى الذهن هو أن التلميذ كان في حاجة إلى سؤال المعلّم. ولا يقول الكتاب أن يسوع قال بصوت عالٍ هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة فأعطيه. التلميذ الحبيب أخذ همسة. وإذا تذكرنا أن إنجيل يوحنا فيه دائمًا طبقات من المعاني وأن الحسيّ دائمًا صورة عن غير الحسيّ لأدركنا أن اتكاء التلميذ الحبيب على صدر المعلّم من بعد اتخاذه الحياة من حضنه انما يعني انه اتخذ الفهم من المعلم لأن القلب عند القدماء مصدر الفهم. هذا الذي كان في قلب المخلص لما كان مع الآخرين على بحيرة طبرية كان المسيح نوره في قلبه قبل أن يقوم فاستطاعت عيناه أن تتحولا وتشاهدا. أن تعرف نفسك في المحبوبية هذا وحده يجعلك إنسانًا فصيحًا.

كتبت هذه السطور في القاهرة بعدما شاركت بطريركها الأرثوذكسي بطرس في الذبيحة الإلهية في كنيسة مار جرجس في مصر القديمة. هناك، في هذا المكان عاشت أول جماعة مسيحية في هذا البلد. مئتا يوناني وبعض عرب أو أكثر من هذا قليلًا كانوا يقيمون العبادة للناهض من بين الأموات. تذكرت قوله: “لا تخف أيّها القطيع الصغير”. انك قد أعطيت القيامة. ولا تخش خطاياك. ستمحى بنفخة من فمه ولا يبقى فيك إلا نشيد الفصح. نحن دائمًا قلّة. نحن دائمًا نشيد.

Continue reading
2001, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت 14 نيسان 2001

العيد خروج من رتيب الأيام لإعلان مجد يخترق الزمان ليسكنه. لكن صدمة العيد انه يقول انه جديد ثم في ما يليه من أيام ننسى ان الله توسل إلينا أن نكون خلائق جديدة ونحن اكتفينا أن نكون فقط لاعبين في الموسم. هل الديانة حلم بجمال لا يأتي؟ أَمردّ هذا أننا لا نريد أن ندفع الثمن، ثمن أن نصير بلورًا أو مرآة للرب ليرى فيها وجهه ويفرح بنا. ما لي أحزن في كل عيد؟ هل لأني أقرأ ان بعض المؤمنين لم يدركوا الرؤية ولم يصيروا بلورا فأرى نفسي مرميًا في وحدتي، منفيا إلى صحرائي وانهم اصطنعوا لأنفسهم واحات كاذبة.

مع ذلك لا بد من المتابعة، من الكد ليصبح القلب هو العيد اي هو الماحي بشاعات العالم. ربما كانت الحقيقة في ان هذا التاريخ لا يتغير وانه لن يتغير الا في النفوس التي تقرأه. انها اذن هي التي تغيرت وانها قلة ونحن تاليا في الفاجعة. هل نعيد الفصح فقط في اليوم الأخير وان ما في الكنيسة فقط صور لما سوف يكون، حلم بانتصار الله على الشر. اليوم ما عندنا الا استباق الخيرات رجاء وذوقا.

شيء يطل عليك من ماضٍ حقيقي، من مرور المسيح هنا. الذكرى تفعيل هذه الحفنة القليلة، القليلة المباركة. هذه الحفنة هي التي يلدها الله من جوفه بالبركات والرضاء. هل الرب يمج التافهين، الذين لم يلتهبوا؟ أهم قيء الله الذين لا يستحقون سماء ولا جحيمًا؟ ومع ذلك هو قال إنهم أبناؤه. كيف تنفتح لهم الأبواب ليدخلوا وما فيها نار تحركهم؟ لماذا لم يقرأوا ان لهم ان يضرموا النار؟ إذا لم يشعلهم الحب ماذا يفهمون عن الله؟ كيف يبقى الرب هادئًا، غير موجع ولم يدخل كل ابنائه في لهيبه؟

كيف تنفتح لي أبواب السماء وهؤلاء متسكعون أمام الأبواب؟ كيف استلذ فراديس الرب وحدي؟ هل نحن قادرون على ان نسكن الملكوت وليس الله ملكا في الابد على كل الذين قال لهم انه ينتظر ان يدخلوا في ربوبيته. ربما لا يوجعني الاشرار كما يوجعني الفاترون.

***

ولكن من أكون أنا لأحكم؟ ربما كان لكل امرئ طريقته في الارتكاض. ربما ما كانوا بطيئين أو كسالى كما لاح لي. هل للرب عيد وعلى الأكثر عشرون في المئة من أعضاء كنيستي يؤمون المعابد غدًا في لبنان. البقية تأكل بيضًا وطعامًا أبيض كما تقضي بذلك التقاليد. والجدة في ثياب الأولاد الذين استطاع ذووهم شراءها هذه السنة. لعل العيد ظرف لتبيان الفروق الطبقية في هذا الزمن الكئيب.

غير ان ملاحظاتي كئيبة هي أيضًا. سأحاول ان أحيي نفسي وان ارنو إلى الرب الآتي إلي وإلى إخوتي في الإيمان علّنا نحترق معًا في الزمان الرديء ونرى في تهشيم عظامنا السيد القادر على أحياء الموتى. ان هذا الأحياء هو الذي جاء الناصري من أجله وهو يقوم به في سره وفي سر الناس وأنا لا أعلم. وأتمنى ألا أكون بصيرًا لئلا أشاهد أحدًا في العذاب الأبدي. اني لا أطيق العذاب لغيري. احتمل تصور الجحيم لنفسي. لا احتملها لنفس أخرى.

لنخرج إذًا اليوم إلى القيامة عل المسيح يحيى من اصطفى، لعل هؤلاء ينادون بالفصح، لعل النداء يحدث عند الكسالى رغبة في العدْو إلى الرجاءات لئلا أموت بردًا من كونهم قد تخلفوا. سأقص لهم إذًا قصة القيامة. سآخذ هذا الإنجيل إليهم. وإذا فتحوه وقرأوا ما تفوه به السيد أو ما قاله عنه تلاميذه يفرحون. وهذا سيكون لهم فصحًا صغيرًا كل يوم. فليأخذوا من فصحهم ما شاؤوا.

المسيح قام من بين الأموات. سيشاهدون هذا من نفوسهم ان تراءى لهذه القلوب حبًّا أي إذا أحياها. هذه هي المفارقة انه هو الذي يحيي المائتين بشقاء هذا العالم وانك مع ذلك في سعي لتراه يحييك. ما من شك في انك ان التقيت إنسانًا يعيش عيسويته على شيء من الأشراق ثم تكثف النور فيه لا بد ان يتساقط عليك بعض من ضياء. وكأن عملية الاستنارة فيها مقابسة فالقبس ينتقل من يد إلى يد والنور من وجه إلى وجه كأننا لا نستطيع أن نكون فصحيين الا جماعة. أي عذر عند هذا الذي لا ينتصب معنا ساعتين أو ثلاثًا غدًا ويريد أن يعيد. أريد أن اعتقد أن النور الذي فاض من القبر في فجر أحد أيام التاريخ سوف ينسكب عليه. ولكنها مجازفة كبرى وقد قيل “الا تجرب الرب إلهك”.

***

أنت ان ذقت ما ذاقه القديسون تعرف ان سيدهم قد وطئ الموت بالموت وان لك أنت إذًا سبيلًا إلى عدم الموت. قد يغيب عنك بهاء كثير كما غاب عن وجهه لما علقوه على الخشبة. ولكن إذا قدرت على أن تراه قد حيا فوق التراب تفهم ان هذا كتب من أجلك وانه حي فوق ترابيتك أنت وفوق تصوراتك وهذا التسكع الذي تتسكعه ويجعل ربك يتقيأ.

الله لا يهمه أن يبقى فوق العالم. هذا كلام الفلاسفة لينقذوا سموه. هو ترك العلاء ليجعل هذه الأرض مسكنه ويهمه من هذه الأرض قلبك. هو لا يهمه الشجر ولا الأنهار والبحار ولا أي كائن غير عاقل. هذه كلها جعلها من أجل الشعر فيك. هو اختار قلبك لتراه فيه. هو يسمو إذا تربع فيك. وهو لا يدعك تنتظر القيامة في اليوم الأخير لترى وجهه. وإذا قام من بين الاموات ووطئ الموت بالموت فلكي يهبك الحياة اليوم أي حياته تلك التي تنثني فيك لتصير إياك.

قد تكون مغلقًا كقبر وضع عليه حجر. يأتي السيد ويقول ارفعوا الحجر. هذا هو الموت الروحي الذي هو وحده الموت. وتأتي أي مرتا لتقول ليسوع يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي. إذ ذاك يقول المعلم: “أنا هو القيامة والحياة”. أنت كنت تظن أن مواعد الحياة ستتحقق في اليوم الأخير. هذا طبعًا مكتوب في الكتاب. لكن الذي اتكأ على صدر المعلم في عشاء الحب الذي سميناه العشاء السري فهم ما هو أعمق. فهم ان شخص يسوع هو لك اليوم قيامة وانه لك اليوم حياة. فإن أنت آمنت به لن تموت إلى الأبد.

يقع التعييد غدًا. هذا حلو ولكن الأحلى هو الأعمق. والأعمق أن الفصح مقيم فيك إذا أدركت انك عابر من رمادية وجودك أو تفهه إلى جمال الناصري وتشهيه. بعد هذا لا تجوع إلى أي ما كنت تظنه طعامًا لك ومشروبًا. وبعد هذا لا تتوق الدنيا ولا صورة فيها. لن تكون بعد هذا جسدًا ولا فكرًا. تكون قد أضحيت جسده وفكره ودنياه. وإذا اشتياقك يكون قد اشتاق نفسه. وعندئذ لا تميز بين الضام والمضموم. ويكون الفصح قد أتى.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

وحدة الرعية/ أوّل نيسان 2001/ العدد 13

لعل الصعوبة الكبرى التي تعثرنا في الطريق إلى المسيح هي انقساماتنا الداخلية في كثير من القرى اعني بها انقسامات العائلات في ما بينها. ولست أريد الآن ان احلل العصبيات التي تحول دون ان نصير، حقيقةً، رعية واحدة ليسوع في القرية. فلقد قررنا إنشاء مجلس للرعية فأصبح هو المكان الذي يظهر فيه هذا التفسخ فنبطئ المسيرة أو نؤجل الأعمال ونتحاسد ونتباغض ونرتكب النميمة، ننتقد بعضنا بعضا، وذلك ليس للبنيان.

          ويعرقل هذا -حيثما وجد- عمل الكاهن. فإذا لم يكن كثير الحكمة، عظيم النضج فلا يقدر ان يعبر هذه الزواريب ويضطر ان يكتفي بإقامة الصلاة إذ يحس بأنه لا يستطيع ان يجمع الناس في هدوء.

    هل أتوقع الأعجوبة في هذا الصوم حتى نعود إلى الله ونترك كل توتر بيننا لنجعل حياتنا في الرعايا تقوم في جو إنساني طيب وهذا على الأقل وتكون في مناخ من التفاهم والإخاء؟ وليست الغاية فقط ان تتم المشاريع في وئام، وليس هذا الأهم بل الأهم ان تكون القلوب متلاحمة والنيات صافية عارفين ان كنيسة المسيح ملتقانا. وإذا عدت إلى ما نرتله اليوم في الكنيسة: «ليس ملكوت الله طعاما وشرابا، بل بِرّا ونسكا مع قداسة»، فهذا يفرض علينا ان نغير كل مسالكنا وان ننتهج نهج التواضع والوداعة لنصبح مرضيين عند الله. فما نفع الإعمار وإدارة الأموال إذا كانت القرارات لا تُتخذ باحترام الآخر واللطف به بحيث تأتي حجارة الكنائس في ترابطها صورة عن ترابط النفوس بعضها ببعض. ماذا تنفع كنيسة الحجر ان لم يكن عندنا كنيسة بشر؟

    الكنيسة هي انتم وكل منكم فردا فردا. وهي تريد كلا من أبنائها ان يساهم في تكوينها في رأيه ووجوده ومساهمته. وهي لا تستغني عن واحد.

    من أهمل أخا من الإخوة أو جافاه أو قاساه أو استكبر في تعامله وإياه فهذا لا يكون قد دخل إلى هذا الصوم ولا ينتظر العيد. كيف يقال عن أية رعية انها مسيحية ان لم تصغ إلى قول الرب: «بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كنتم تحبون بعضكم بعضًا»؟ كل رعية مدعوة إلى ان تكون قطعة من السماء وتسلك هنا كما يسلك أهل السماء.

    نحن لا نسكن القرية، نحن نسكن الفردوس. بلا هذه الروح ليس عندنا فصح. بلا فصح في القلوب لسنا شيئا. ان نصنع البِرّ كما تدعونا صلاة السَحَر اليوم هو ان نكون في الضيعة كما نكون في القداس «فيمنحنا الرب عوض الأرضيات السماويات». والمقصود بهذا الكلام انه يجعلنا سماويين هنا أي كأننا عائشون في السماء.

    يا أحبائي هل تريدون ان نجعل كنيسة الجبل عروسا للمسيح لا عيب فيها، بهية، نضرة تتلألأ في كل واحد منكم؟ حاولوا جدّيين ان تصالحوا بعضكم بعضا، ان تغفروا وتستغفروا، ان تستمعوا إلى الآخرين بدون محاكمة مسبقة لنياتهم، مستعدين ان تتركوا آراءكم إذا اقتنعتم بصواب فكر آخر. من الغفران ان تنسوا، ان تسعوا إلى الأمام، إلى الأفضل والأفضل هو المسيح.

Continue reading