لماذا إذا تكلم الإنجيليون على يسوع في القبر أو عليه منزلًا عن الصليب لا يسمي أحدهم هذا “الشيء” جثة أو جثمانًا؟ دائمًا سألت نفسي هذا فأدركت أن السبب الوحيد هو أنهم اقتنعوا أن هذا الموت ليس نهائيًّا وانه ما اعترى يسوع نتن. ما صلبوه للموت. صلبوه للحياة. بهذا المعنى شبه لليهود أنهم قتلوه. في الحقيقة القتيل هنا أباد القاتل أعني اسرائيل. وحده في تاريخ الناس قتل الناصري أعداءه بلا سيف على هذه المفارقة أنه يحيي قتلاه.
قد لا يحتمل القارئ كل اختطافي إلى القيامة. انك ان خرجت إليه لا تعود إلى هذه الجثة القابعة فيك. يسوع يتراءى وأنت جسداني. أنّى لك أن تعرف المجد. صمنا لنمتلئ قليلًا من مجده قبل أن يسطع في الفصح، لنقرأه مجيدًا، لنمزج الجثة التي فينا بشيء من النور، الذي فيه.
في معراجي إليه استوقفتني ثلاثة ظهورات فإن عيني قلبي لا تستطيعان أن تظلا مفتحتين على ضياء كثيف. عند اشتداد الضياء لا ينفع القلم. مع ذلك دفعت عيني إلى الرؤية وريشتي إلى الهذيذ والوتر ليس لي.
اتخذ لوقا بادئًا لأني في ما اتخذه آراه يوحنائي النكهة ويوحنا يطيب كثيرًا. تلميذا عمواس سمعا من الجماعة انه قد قام وكانا يتحاوران في هذا وهما سائران إلى قريتهما. “اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما”. هو يقترب ولا يقتحم ثم يرافق ولا يلغي. “ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته”. هكذا كانت دائمًا حالة صحبه بعد انبعاثه إلا مرة واحدة سأذكرها. أمست عنهما المعرفة فانه هو معطيها وما كانا بعد مهيأين لها إذ تتطلب أن يكونا فصحيين في كيانهما وما بلغا هذا بعد.
حدثاه عما جرى بتفصيل حتى قال لهما: “أما كان ينبغي أن المسيح يتألم ويدخل إلى مجده”. ودعم قوله بحجج من كتب العهد القديم بقي هذا في العقل حتى “إتكأ معهما وأخذ خبزًا وبارك وكسر وناولهما”. هذا ما جرى قبلًا بينه وبين تلاميذه في العشاء السري. وينتهي الفصل بقوله انهما عرفاه عند كسر الخبز. ما أوحى به لوقا هنا انك في القداس تنزل عليك القيامة كل قوتها. ولكن المهم هو القداس الممدود في حياتك اليومية. ان أنت غدوت جليس يسوع وأعطاك في هذه المعاشرة ذاته تدرك أنه قام من بين الأموات لأنك تكون قد ذقت قيامة نفسك من مواتيتها. تقرأ قلبك الحي وتعرف أنه نشأ عند فجر الفصح.
في ذلك اليوم “جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق”. جاءت وحدها ولا يذكر يوحنا أنها رافقت بقية النساء. كانت علمت من بطرس والتلميذ الآخر أن القبر أمسى فارغًا. ولكن لم يدر في خلد المرأة أن السيد قد قام. كل شيء يدل على أن الاتباع بمن فيهم النساء لم يكونوا سريعي التصديق بالقيامة. لم يكن عند أحد استعداد عاطفي لتقبلها. ورد عندها هي افتراض عبرت عنه: “أنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه”.
“ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفًا ولم تعلم أنه يسوع”. ليس أحد مهيأ ليبصر نورًا إلهيًّا يلتحف بإنسان. إذذاك، قال لها يسوع: مريم. دخلها صوته مع اسمها. اسمها كان فيه. هي الآن وحدها المسمّاة. ولكون نوره تدفق عليها فعرفته أي صارت هي أيضًا من نور. غريغوريوس بالاماس يقول في عظة له على التجلي ان من تجلى على ثابور لم يكن هو الرب. التلاميذ، عند ذاك، تجلوا فرأوه كما كان. ولما استنارت مريم قالت له بالآرامية: ربوني الذي يعني يا معلّم. في هذا لم تكن تعترف بشيء جديد ودنت منه لتتبارك بتقبيل قدميه. القبلة تعني انه لم يزل من هذا العالم. أنت لا تستطيع تقبيل الله. لأنك دنس الشفتين. ولذلك لمس الرب شفتي إشعياء بجمرة وقال له: “ان هذه مست شفتيك فانتزع اثمك” (6: 7).
قبل أن يصل فم مريم إلى قدمي المخلص شاءت أن تمسك بهما فقال لها: “لا تمسكيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي ولكن اذهبي إلى إخوتي أني صاعد إلى أبي”. يا مريم لا تستطيعين أن تستنيري كليًّا الآن. أنت استضأت بقدر لأنك لا تزالين من لحم ودم. أنت لا تزالين ذات أشواق ولم تدخلي بعد إلى آخر أعماق السرّ. المحبّة التي ليس فيها لحم ودم لم تنزل بعد لأن الروح القدس الذي يعلمكم كل شيء لما يأت. انه هو الذي يزيل منكم ما كان فيكم ترابًا. هذا ضياع وقت ان تفكري كيف كنت معكم أنت والتلاميذ وحاملات الطيب وأمي. هذا كان مجرد إعداد لهبوب الروح الذي سيعمدكم بعد قليل بالنار فلا يبقى فيكم غير النور. النار ستجعل كلا منكم صافيًّا فصفيا. وسيظهر منكم قوم يعرفون الحب كاملًا ويشهدون لي بالدم فان كنيستي لا تحفظ الا بالدم. أنت الآن اذهبي إلى تلاميذي وقولي لهم اني ذاهب لأعد لهم وللأحبة من بعدهم مكانًا. المهم الآن قبل أن يتمجدوا أن يقولوا للناس أني قمت وذاهب إلى الآب.
الآب هو كل شيء يا مريم. سيفهم واحد منكم، وهذا سألقاه على طريق دمشق، سيفهم هذا أن النهاية ستكون إذا سلمتُ الملك لله الآب لأن غايتي في أبطال الموت هي أن يملك وأنا نفسي سأخضع له في هذا الناسوت الذي أحببته أنت لما أنقذتك من موت الخطيئة. يا مريم أنا صاعد بعد قليل وهذا فوضت إليك أن تقوليه للتلاميذ. لكن هذا لا يكفي. يجب أن آخذ كل ناسوت في جسدي ولا أستطيع أن آخذكم إلا إذا زالت الترابية كلّها فيكم. ما جئت له، يا بنيّتي، هو ليس لآخذ فقط هذا الجسد الذي رأيته أنت ينكسر من أجلكم ومن أجل كثيرين. هذا لا يرضيني يجب أن أتخذ كل جسد في ناسوتي ليتمكن بولس هذا حبيبي بعد سنوات من أن يكتب “أن الله سيكون الكل في الكل”. أنّى لأية حبة تراب، إذذاك، أن تبقى؟ يا مريم يجب أن نشتاق الآب.
***
الظهور الأخير في الإنجيل الرابع على بحيرة طبرية كان لسمعان بطرس ولتوما وابني زبدي واثنين آخرين من تلاميذه. ثم بعد هذا يذكر النص التلميذ الذي كان يسوع يحبه. على ما جاء في التقليد هو يوحنا الحبيب أي واحد من ابني زبدى. غير أن النص لا يقول ذلك. لم يعرفوا أنه السيد حسب القاعدة التي استخرجناها انك بالنور تعاين النور.
من كل الذين تراءى لهم القائم في البشائر الأربع لم يعرفه أحد إلا هذا. لماذا؟ في العشاء الأخير هذا كان متكئًا في حضن يسوع. في الفلسفة المشرقية هذا يعني أنه كان يستمد من المعلم الحياة. وما قال الكتاب مرة أنه أحب يسوع ولكنه قال إن يسوع كان يحبه. ولما أومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون هذا الذي سيسلم الرب إذذاك اتكأ على صدره وقال له يا سيّد من هو.
ما يأتي إلى الذهن هو أن التلميذ كان في حاجة إلى سؤال المعلّم. ولا يقول الكتاب أن يسوع قال بصوت عالٍ هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة فأعطيه. التلميذ الحبيب أخذ همسة. وإذا تذكرنا أن إنجيل يوحنا فيه دائمًا طبقات من المعاني وأن الحسيّ دائمًا صورة عن غير الحسيّ لأدركنا أن اتكاء التلميذ الحبيب على صدر المعلّم من بعد اتخاذه الحياة من حضنه انما يعني انه اتخذ الفهم من المعلم لأن القلب عند القدماء مصدر الفهم. هذا الذي كان في قلب المخلص لما كان مع الآخرين على بحيرة طبرية كان المسيح نوره في قلبه قبل أن يقوم فاستطاعت عيناه أن تتحولا وتشاهدا. أن تعرف نفسك في المحبوبية هذا وحده يجعلك إنسانًا فصيحًا.
كتبت هذه السطور في القاهرة بعدما شاركت بطريركها الأرثوذكسي بطرس في الذبيحة الإلهية في كنيسة مار جرجس في مصر القديمة. هناك، في هذا المكان عاشت أول جماعة مسيحية في هذا البلد. مئتا يوناني وبعض عرب أو أكثر من هذا قليلًا كانوا يقيمون العبادة للناهض من بين الأموات. تذكرت قوله: “لا تخف أيّها القطيع الصغير”. انك قد أعطيت القيامة. ولا تخش خطاياك. ستمحى بنفخة من فمه ولا يبقى فيك إلا نشيد الفصح. نحن دائمًا قلّة. نحن دائمًا نشيد.
Continue reading