Category

مقالات

2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد التواضع/ الأحد 21 نيسان 2002 / العدد 16

في هذا الإنجيل ينبئ يسوع مرة ثالثة بموته. نحن صاعدون معه الى اورشليم. يقوى شعورنا باقتراب الآلام. ما سيذوقه من اوجاع محكيّ عنه هنا. القيامة التي ينالها من الآب معلنة هنا ايضا.

         امام هذا الإعلان عن المحنة الرهيبة التي سيمرّ بها، ينبري ابنا زبدى ليطلبا اليه ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن يساره في مجده بمعنى المجد السياسي الذي كانا هما يحلمان فيه. اذ ان المسيح في المفهوم اليهودي زعيم قومي يحرر – في ذلك الوقت – شعبه من الرومان.

         أَسكتهما يسوع بقوله: “انكما لا تعلمان ما تطلبان”. انا لست منقذا وطنيا. انا منجّي النفوس من الخطيئة ومحررها من الموت الأبدي. ثم يسألهما ان كانا مستعدين ليتألما معه (الكأس التي أَشربها، الصبغة التي أَصطبغ بها). لا شيء يدل انهما فهما هذا الكلام حق الفهم. اجابا نحن مستعدان. ولكن كان للسيد لغة ولهما لغة اخرى. بقي الالتباس.

         عند ذاك غضب عليهما التلاميذ. ربما كان هذا حسدا. ربما اشتهى الكل المشاركة في مُلكٍ ارضي. عند ذاك سفّه يسوع كل الرسل بقولـه: “إن رؤساء الأمم يسودونهم (ويريد بذلك الأمم الوثنية) وعظماءهم يتسلطون عليهم”. يسوع كـان واضحا عنده ان سياسة الشعوب كلها تسلُّط من الحكام، وان سعي التلاميذ الى سلطة في هذا العالم لا تخـرج عن شهـوة الملك. ولهذا تـابع: “من اراد ان يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما”. الانسان التابع لي يتكون من خدمته ولا يتكون من سلطانـه. خذوني اذًا قـدوة “فإن ابن البشر لم يأت ليُخدم بل ليخدُم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين”.

         انا جئت خادما للكل. انا سأظهر لكم عند العشاء السري اني غاسل أرجل. انا، ابن الله، تبدو ألوهيتي للإنسانية بأني اجعل نفسي متألما عنها. ستنظرون اليّ معلقا على الخشبة اي ملعونا حسب الناموس وحقيـرا. المؤمنون الذين عرفوا اني مخلّصهم وذاقوا حلاوة الخلاص سيفهمون ان مجدي كان على الصليب. انا قلبت كل الموازين التي اصطلـح عليها البشر. فقد باتت العظمة بالتواضع، وجاءت الحياة، حياتكم من موتي. الذين يعرفـونني لا يستـولون على شيء ولا يستعبدون احدا ولا يهزأون بأحد ولا يحقرون احدا ولا يستعلون. احبائي سيصيرون غاسلي ارجل. يتحملون بصبر ووداعة كل شيء حتى يعلو الآخر. المؤمن بي سيفتش دائما كيف يكسر كبرياءه، كيف يبذل نفسه عن الآخرين.

         بعد ايام قليلة سنرافق يسوع في دخوله اورشليم لنحصل على الحب الذي جاء ليعطيه. وبعد هذا ايضا نرى القيامة. ولكن هذا لن يكون الا اذا اكتسبنا التواضع الحقيقي ليس فقط امام السيد ولكن امام الإخوة. “لقد تناهى الليل واقترب النهار”. فلندخل النهار الذي لا يعتريه مساء.

         المؤمن بيسوع يتبع يسوع حتى النهاية، حتى الموت ويقدم نفسه عن كل انسان حتى الموت اذا اقتضى الأمر ذلك. وكما قام السيد من بين الأموات نقوم نحن في حياة جديدة ممتلئة من النور. ليس بعد هذا الا فرح الفصح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

فلسطين/ الأحد 14 نيسان 2002 / العدد 15

فلسطين كانت دائما عزيزة لكونها الأرض التي عاش عليها السيد فكانت مكان الخلاص والنور الذي جئنا منه. واليوم يزداد تعلقنا بها لكونها تتألم. وكل من ذاق الألم يصبح شريك المسيح في آلامه. ونحن اليوم نصوم. غير ان الشعب الفلسطيني يجوع ويقتلونه ظلما. دمار لا مثيل له وتشريد واحتلال وإبادة. ونحن في كنيسة المسيح قائمون ضد إهدار الدماء وتعريض الناس للجوع والعطش ايا كان المرتكب. نحن مع كل شعب يذوق الذبح. والشعب الفلسطيني كله ذبيح اليوم.

         إلى جانب هذا انتهكت حرمة الكنائس وقُتل أبرياء في الكنائس مما يدل على ان الذين ارتكبوا هذه المجازر لا يفرقون بين اهل هذا الدين واهل ذاك. غير ان ما يوجعنا هو هذا الاقتحام الشامل الذي يبتغي إفناء أمّة بكاملها بما فيها الآمنون من النساء والشيوخ والأطفال. وهؤلاء اعزاء عند الرب واقرباء له. وما يؤسف له ان البشرية عاجزة حتى الآن عن نصرة هؤلاء او انها لا تريد ان تستعمل وسائل الضغط حتى يرفع الحيف عن كاهل المعذبين في الأرض المقدسة مع ان المجتمع الدولي اعترف لهم بدولة. والدولة حقهم لأنها تستشعرهم بوجودهم الحر وتقدم لهم سبيل الازدهار. انهم يريدون ان ينتهي الاحتلال عنهم. وكما فرحنا نحن بزوال الاحتلال عن جنوبنا ينبغي ان نشتهي لهم الحرية والكرامة فإن الإذلال مصدر لليأس والحزن الشديد. ان الاستقلال طريق كل شعب الى قيامته. وكما تمنينا لأنفسنا السلام ندعو لإحلال السلام في فلسطين لأن السلام لا يتجزأ، لأن الحرب الدائرة هناك تنذر ايضا بالخطر علينا وعلى كل منطقة الشرق الحبيبة الى المسيح.

         ما يجري اليوم في فلسطين فوق طاقة الاحتمال. ان الله يريد الحياة لخلائقه واوجدها للحياة ولم يخلقها لتعيش خائفة من الموت. انه اوجدنا للفرح به وبإخوتنا البشر حولنا وما اوجدنا للتشنج والقنوط. فقد قال المخلص: “جئت لتكون لكم الحياة” والكتاب يسمي الموت عدوا، ذلك ان الرب أعدّنا للخلود. الوصية هي “لا تقتل” أكان القاتل فردا ام كان دولة تأمر عسكرها بذبح الأطفال والبالغين.

         موقفنا اننا نرسل سلاما من كل قلوبنا الى اهل فلسطين لأننا نحن المؤمنين بيسوع مع المقهورين ولسنا مع القاهر. ونصلي من اجل ان يلهم الرب القاتلين التوبة. نحن نريد اليهود ان يعيشوا ولا نريد لهم ذلا ولا نرضى بأن يقتلهم احد. غير اننا نريد ان يُحلّ الله في قلوبهم ميلا الى السلام وان يساووا الفلسطينيين بأنفسهم، وكما لليهود ارض يعيشون عليها نرجو ان يدركوا ان يعملوا ليكون للعرب في الأرض المقدسة ارض يعيشون عليها على ما قال كتابنا: “لا تفعل بالآخرين ما لا تريد ان يفعلوا بك”.

         نحن قد ذقنا مرارة التهجير. لا نرضاه اذًا لأحد. فلسطين ارض الفلسطينيين ونرجو ان يعودوا اليها. وكما لا نريد ان يطردنا احد من لبنان لا نريد ان يطردهم احد من بلادهم. ان التشتت في الأرض حزن كبير وسبب للإجرام. ليس لأحد بديل عن بلاده. ونحن في لبنان رفضنا التوطين لأننا، اساسا، نريد للفلسطيني الأرض التي يحبها ويحب التمتع بها.

         لهذا اطلب اليكم – وهم في هذه المحنة – ان تصلوا من اجلهم كل بمفرده واتمنى على الكهنة ان يذكروهم في الذبيحة الإلهية سواء بطلبة تضاف الى الطلبات او في الدورة الكبرى عسى الله يستجيب صلواتنا قبل ان نتبين وسيلة محسوسة مع سائر مواطنينا لرلرفع الظلم عنهم ولدعمهم في ما هو حق له وانتعاش.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

عيد السجود للصليب/ الأحد 7 نيسان 2002 / العدد 14

في هذا الأسبوع نبلغ منتصف الصيام وقد دلت خبرة الكنيسة ان بعضا من المؤمنين – بعد جهاد طويل – يملّون الجهاد. فلئلا تخور قوانا الروحية رتب آباؤنا ان نقيم في هذا اليوم عيدا يشبه يوم الجمعة العظيم فنسجد لآلام السيد ونتخذ منها نفحة قيامية. فنطوف بالصليب حتى وسط الكنيسة ليأتي المؤمن ويعانقه ويأخذ من الرياحين المحيطة به ليفهم ان هذا العناق يعطيه فرحا.

         وفي خدمتي الغروب والسحر نقول للصليب انه “المشوق اليه من العالم” وانه “الحامل الحياة” ونقول ان العالم امتلأ به فرحا لكوننا واثقين اننا نلنا به الخلاص، هذا الذي كشفته لنا القيامة. وفي الرسالة الى العبرانيين التي نقرأ منها نذكر ان المسيح كاهن الى الأبد وقد أظهر كهنوته العظيم اذ صار بموته قربانا للآب. ونتمم خدمة الطواف بما يشبه خدمة رفع الصليب في 41 ايلول. والمبتغى من كل ذلك ان نكون متحدين بيسوع. كيف يكون هذا الاتحاد؟

         عن هذا السؤال يجيب إنجيل اليوم: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. نحن مدعوون ان نتبعه. هو جاء من اجل ذلك. شرط ذلك ان نكفر بذاتنا المنغلقة على نفسها، الواقعة في شهواتها. الإنجيل يدعونا ان نزيل العراقيل التي تمنعنا عن رؤية يسوع حياة كاملة لنا. الخطيئة تعني، بالعربية، اننا نخطئ الهدف او اننا، في طريقنا الى السيد، نلتهي بأشياء اخرى فنحيد عن الطريق لكوننا نسينا قوله: “انا الطريق”.

         كل منا يغريه هذا الضعف او ذاك. لم يذكر يسوع الضعفات باسمها: الكذب، الاحتيال، الحقد، الغضب الخ… ذكرها كلها بقوله: فليكفر بنفسه اي بهذه الأنا الحاملة كل هذه الضعفات. لماذا يجب ان نبتعد عن كل شر؟ يقول يسوع: “من اجلي ومن اجل الإنجيل” اي محبة بي وارادتنا على إعطاء التعليم الإنجيلي وتطبيقه. ذلك لأن الذي يحب ذاته أنانيا ليس عنده محل ليحب يسوع او ليحدث الناس عنه.

         وحتى يكشف السيد الخطأ مـن شهوتنا لما هو غيره قال: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. كل غنى العالم وكل نفـوذه وكل ملـذاته ماذا تنفعنا ان خسرنا “الذات” اي هـذه الشخصية الطيبة، المحبة، الطاهرة التي أسلمت ليسوع. وفي خبرة التأئبين ان كل مسرات الدنيا لا تقاس بالفرح الروحي الـذي ينزل علينا اذا احببنا السيد. لا يمكن تشبيه اي شيء نكتسبه مـن ملذاتنا بالنعمـة التي تنزل علينا من الله.

         كان هذا الأحد لنفهم هذه الحقيقة. ننضم الى الصليب اي الى ما يبدو لنا ألما ونقبل صعوبة الإمساك والتقشف والمثابرة على الصلاة لكي نصل الى القيامة. ونفهم في مسيرتنا اليها ان نورها يتخلل هذا الصيام.

         ما ينبغي التروض عليه ان المسيحية تكلف جهدا كبيرا. ولكن اذا بذلنا هذا الجهد نصير محبين له لعلمنا انه تعب من اجل المسيح. يبدأ هذا تعبا. وبعد ذلك يصير سرورا. هذا هو سر الصليب والقيامة ان ما حدث للسيد اي موت وانتصار ينعكس فينا. نميت نحن الخطيئة، نصلبها فنقوم في الفرح حسب قوله المبارك: “انا القيامة والحياة”. لا ننتظر فقط القيامة الأخيرة ولكن نذوقها مسبقا اذ نحيا مع المسيح. وهذا ما سنجده في النفس بين الجمعة العظيم وصباح الفصح.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

يا أبا عمَّار / السبت 6 نيسان 2002

سلام عليك. سلام على جسدك السجين وروحك الحرة. أرجو أن يقرأ عليك هذه الكلمات محمود درويش إذا بَلَغَتهُ وإن بقي على مكتبك هاتف يلتقط. هل تذكر لما التقينا للمرة الأولى في بيت كمال ناصر لنشيعه؟ كنت أنت أول مناضل فلسطيني التقيه أي إني حملتُ القضيَّة قبل أن أرى وجوهكم. وبعد أن بحت لي بتقديرك العظيم لمن ذهبنا لجنازته – ولن أبوح بها هنا لئلا تهتك المرؤة – وفُوِّض إلي أمر التأبين في الكنيسة، بعد ذلك تذكرت أن صلاح الدين دخل القُدس برفقة البطريرك الأرثوذكسيّ الذي كان الفرنجة قد طردوه. فأحببتُ أن أتندَّر على رغم المأساة التي كنا فيها. قلت لك: أبا عمَّار ستدخل القدس على فرس بيضاء رئيسًا لفلسطين المستعادة وأنا على فرس بيضاء بطريركًا على القدس. الشق الأول من جملتي المتعلِّق بك كان أملاً مني ودعاء. الشق المتعلق بي كان مجرد تكبير للشعب الفلسطيني إذ ليس واردًا أن أصبح بطريقًا على المدينة العظيمة التي إليها قلوبنا اليوم كما هي إليك. في ما أراك في هذا الحبس عطشان جائعًا وبلا ضؤ ذهب فكري إلى بعض قومك الذين أخذوا عليك ما أخذوا. لا أعاتب أحدًا منهم اليوم ولكنك طهَّرت الجميع بطهارة الذي “يبذلُ نفسهُ عن أحبائه”. اتَّفق مرة إني التقيت أحد أعوانك الكبار في طائرة كانت تقلني إلى موسكو. وسألته رأيه فيك. قال لي: “أبو عمَّار عنده حبيبة واحدة هي فلسطين”.

سمعتك الأسبوع الماضي تلتمس الشهادة. تعرف إننا، نحن المسيحيين، لا نسمِّي شهيدًا إلاَّ ذاك الذي يموت في سبيل الإيمان وللمسلمين تفسير أوسع إذ يحسبون أنَّ الجهاد – بمعناه العسكري – هو أيضًا في سبيل الله. سألتني الأسبوع الماضي نفسه سيدة أرثوذكسية من وطنك التقيتها على العشاء بعد أن أدَّينا صلاة الغروب في إحدى عواصم العالم. هل تعتبر الذين يموتون في القتال شهداء؟ أعطيتُها الجواب الكنسيّ التقليديّ الذي ينفي عنهم هذه الصفة. غير أني سألت نفسي: “أليس هؤلاء الذين ذهبوا للمحافظة على الأرض يموتون حبًا؟ وما الفرق بين أن تموت حبًا لأجل الناس وان تموت من اجل المسيح؟ أليس المسيح هو الحبّ؟

***

سمعت الإذاعة تقول إنهم أحاطوا مقرَّك بأسلاك شائكة والهدف كما أفهمك ألاَّ يأتيك احد برغيف أو جرعة ماء فيغسلوا أيديهم هكذا كما فعل بيلاطس. يلعبون لعبة الموت ولن يقول عنهم المؤرخون أنهم أطلقوا عليك رصاصة إذ أمرهم أصحابهم ألاَّ يقتلوك. يكونون فقط قد جعلوا الماء والخبز لا يصلان.

فيما أنا اكتبُ هذه السطور تكون أنت في يد الربّ وفي حراسة قلوبنا وأدعية الطاهرين من العرب ومن محبيّ السلام في دنيا الله الواسعة. بما بقي عندك من قوة جسديَّة أنت اليوم شهيد الحق. والحقُّ اليوم هو فلسطين. منذ سنوات كثيرة وقبل حرب لبنان كنتُ قد كتبتُ: “المسيح اليوم لاجىء فلسطيني”. أخذ علي ذلك لاهوتي أجنبي كنتُ أحبّهُ وكأنَّه لم يقرأ كلام المسيح: “كنت جائعا فأطعمتوني”. إنَّ السيد تماهى ومستضعفي الأرض. اليوم أذهب إلى ابعد من ذلك لأقول: إن المسيح هو الولد الذي حمل الحجر في الانتفاضتين وألقاه. كنَّا نسمي هذه الحركة ثورة الحجارة. كانت هذه رمزًا للحياة الجديدة الطالعة من طلب الكرامة ليس لفلسطين فقط ولكن لكل المعذبين في الأرض. نحن نعرف أنَّ هذا الحجر لم يقتل جنديًا واحدًا من الأعداء. ولكنه كان رفضًا للغطرسة وكان تأكيدًا للحياة الجديدة الآتية لأهلنا أكانوا في الأراضي عندك أم في الناصرة أو القدس أو بيت لحم أو بيت جالا وما إليها جميعًا.

أبا عمَّار، ليسمح لنا عشَّاق إسرائيل أن نغضب. وهذا فيه إبداع وفيه قدسيَّة وقد غضب المسيح مرَّة في الأقل. أمام الظلم الصارخ لا يستطيع الوديع أن يبقى على هدوئه لأن هذا الهدوء الكاذب يكون عدم إحساس وعدم الإحساس في التراث الأرثوذكسيّ هو الخطيئة. أنا لا أناشد أحدًا من الجالسين على الأرائك لأنهم لو أحسُّوا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. المهم ألاَّ نخسر معركة الكرامة. بورك الذين يتظاهرون اليوم لأنهم بالأقل يؤدُّون شهادةً وقامعوهم يؤدُّون جحودًا. وما يُعزِّيني – وأنا لا أتعزى اليوم – أنَّ جماهير عدة في العالم الحرّ صارت معنا وكأنَّ أحرار العالم باتوا فلسطينيين اليوم.

أبا عمَّار غدوت في سجنك محكَّ الصدق للبشرية جمعاء. قد لا نستطيع شيئًا إلاَّ البكاء. الطهارة اليوم في أنَّ نحب اهلك وأرضهم. كلامي هذا ليس فقط شهادة عربي. إنها شهادة من آمن بالمصلوب وتاليًا أحب كل مصلوب. العيسويون تعلموا أنَّ المصلوبيَّة مطرح الحقيقة. لذلك سنأخذك ونأخذ رفاقك في الدعاء بالضبط بسبب ولائنا ليسوع المصلوب. ونحمل قضيتك اليوم لكوننا نؤمن أن المصلوبيَّة امتدت إليك ولكونك تحملها بفرح الراجين.

***

قلتُ لبعض من أبنائك أنَّ هذا النزف الرهيب الحاصل عندك وحولك إنما يبشِّر بالسلام. لست اعلم متى سيحل لأن الظلام يغطي العالم اليوم كما غطاه لما رُفع المسيح على الخشبة. بعض من الذين اعرفهم يعيشون هذه الأيام أنها منذرة بانتهاء العالم. أنا أؤمن بأننا نحيا بداءةً لعالم يسوده العدل.

متى تمتطي يا أخي الفرس البيضاء لتسكن إلى القدس! قلت لبعضٍ من أحبائي من وطنك إننا سنلتقي في القدس. حزني أنَّ آخر زيارة قمت بها لها كانت في السنة الـ 1966 ولكني اشتهي أن التقيك فيها ليس بعد هذه الأيام بكثير ورجائي أن تصبح المدينة المقدَّسة مُلتقىً للأحرار بما فيهم من تاب من اليهود. سنحجُّ إليها. سيُسري الله بنا إلى المسجد الأقصى. والكل يعلم أنَّ المسجد الأقصى لم يكن قائمًا لما نزلت سورة الإسراء. ولكن الوحي أراد أنَّ كل ارض أورشليم كانت هي المسجد الأقصى. وأنت كنت دائما تذكره مع ذكرك لكنيسة القيامة. لعل الكثيرين لا يعلمون أنَّ العرب هم الذين سموا هذه المدينة القدس ليس فقط لاعتقادهم بأن الإسراء تم إليها وأنَّ المعراج تم منها إلى السماء. هي قدس الإنسانية كلها. ونحن نقول عن كنيستها أنها أم الكنائس لأن الإنجيل انتشر منها إلى العالم. نحن والمسلمين إذًا نقصد أنها هي التي تقدِّس الإنسانية كلها وليس ذلك فقط بسبب من المقادس التي فيها لنا ولكم ولكن لأنها محراب القداسة في العالم. والقداسة أن يتنزَّه الإنسان عن الفساد كله وان يعانق الحقيقة كلها بما تحتويه من محبة.

وإذا أدركتها أنت ورافقتُكَ أنا العيسويّ على فرسي البيضاء بالروح يتوحَّد المسلمون والمسيحيون وكل الطاهرين في الدنيا بإسلامهم الواحد لحقيقة الله والإنسان. بعد ذلك لا يبقى لنا إلاَّ معراجنا الواحد إلى السماء.

أبا عمَّار سلامٌ عليك متى وُلِدتَ ويومَ تموت في اليوم الذي يعيِّنه الله بحكمته ورأفته بك ويوم تُبعثُ حيًا. “وإذا حييت فللربِّ تحيا وإذا مُتَّ فللربِّ تموت. وإذا حييتَ أو مت فللربِّ أنت”.

طوبى لك يا أخي لأنك كنت صادقًا. وطوبى لك وطوبى لنا بسببك وبسبب الرضاء الإلهي علينا. وبسبب ما أنت عليه من صدق سوف نحيا لفلسطين حتى إذا استُعيدت بأمثولة الكرامة التي تُلقنها إياها تُعطى الإنسانية هذا الدرس أنَّ الصمود في الحقّ هو البراءة عينها.

ابق معنا على شجاعتك المذهلة نصبح أصفياء. هل تذكر كلام الحلاَّج بعد أن قطعوا يديه وأدركته الصلاة: “ركعتان في العشق لا يسوغ فيهما الوضؤ إلاَّ بالدَّم”؟. يُهراق دمُ شعبك اليوم مدرارًا. لا يبقى لنا إلاَّ أن نُغبِّطَ شَعبكَ الطيِّب. مهما أصابك من محن اُسلِّمُ عليك تسليمًا كبيرًا. اهنأ أيُها السيِّد الرئيس.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

خواطر في الزواج المسيحي/ الأحد 31 آذار 2002 / العدد 13

الزواج مشروع حياة طاهرة، ملتزمة، محبة، ومشروع تربية مسيحية للاولاد اذا جاؤوا. ولذلك أصر بولس على ان من تزوج فليتزوج بالرب اي بحضور يسوع في البيت الناشئ. العائلة هي حضور الله الجامع شخصين اساسا والجامعهما الى بنيهما وبناتهما. هي مكان إشعاع للإيمان. العائلة تسمى عندنا كنيسة صغيرة بناء على قول الكتاب: «انا وبيتي نعبد الرب».

لذلك لا يخطر على بال مسيحي ملتزم ان يقترن بامرأة غير معمّدة، ولاسيما ان الترتيب الكنسي الحالي يمنع هذا بسبب ما فيه من خطر ولاسيما على الاولاد. ويقول القانون الكنسي انه اذا خرج احد الزوجين عن المسيحية يصح فسخ هذا الزواج. والمحزن منذ بضع من السنين ان بعضا من المسمّين ارثوذكسيين المتزوجين يتركون الإيمان للتزوج بامرأة ثانية، واذا انكروا الإيمان يتبعهم اولادهم القصَّر. وهذا الترك يحصل احيانا عند الخيانة الزوجية وولادة طفل يضطر معها الزوج الارثوذكسي ان يتركنا ليُشرعِنَه.

هذا أمر يحصل في خفة كبيرة وعن طيش كبير. احيانا كثيرة يعودون الى احضان الكنيسة بعد ان يكون حصل طلاق مع المرأة الثانية ويكون الخلل دخل الى العائلة.

اما زواج الشاب او الشابة بفريق غير ارثوذكسي فمن نتائجه الواقعية ان الفتاة في الواقع تنضم الى كنيسة اخرى. بعض الفتيات متمسكات بايمانهن الارثوذكسي ولكنهن مضطرات احيانا او دائما الى الممارسة في كنيسة اخرى بسبب العقلية الشرقية التي تقول ان المرأة تتبع زوجها. والمشاهدة تدل على ان هذه الزوجة في كثرة الأحيان تصل الى الاعتقاد ان الارثوذكسية والمعتقد المسيحي الآخر واحد. وهذا غير صحيح.

اما اذا كان الرجل ارثوذكسيا والمرأة ليست كذلك، ففي بعض الأحوال تنضم الى كنيستنا بقناعة او غير قناعة، وذلك لشعورها بأنها دخلت عائلة ارثوذكسية. في اكثر الأحوال هي لا تعرف شيئا عن عقيدتنا. واحيانا تميل الى الذهاب مع اولادها الى كنيستها. وهذا أفهمه لكونها نشأت على ما نشأت عليه. في هذه الحالة الوحدة العائلية فيها خلل. نحن لسنا وحدنا على هذا الفكر. الكنائس الأخرى ايضا لا تحبذ هذه الزيجات المختلطة.

طبعا المجتمع مختلط والشاب يحب من يحب. كيف نعالج وضعا كهذا بلا تعصب ولا تشنج؟ في الغرب يتعاون الكاهن الارثوذكسي والكاهن غير الارثوذكسي على تدبير الأمور، وفي الغرب لا يعتقدون ان احدا يجب ان يتبع الآخر بلا قناعة ولاسيما ان النظام العلماني عندهم يترك الناس على حريتهم.

يبدو ان الزيجة المختلطة باقية والناس معا في الجامعة وفي العمل والحياة الاجتماعية. ما لا نستطيع ان نتنازل عنه هو ان يبقى الفريق الارثوذكسي على مذهبه رجلا كان ام امرأة. والاولاد يتبعون والدهم حتى سن الرشد ويعمَّدون في كنيسة أبيهم. وهذا ما اتفق عليه البطاركة الشرقيون كلهم. ومن باب حسن المعشر ووحدة العائلة ان يكون الأمر هكذا.

يبقى ان نشدد الإيمان الارثوذكسي في الإنسان حتى يفضّل قرينا له من كنيسته. يبقى ايضا ان نشجع الاختلاط بين عناصرنا في الكنيسة وحركات الشباب فيها وأنديتها. ولذلك نصرّ على ان تكون لنا في كل كنيسة قاعة يتعرف فيها المؤمنون والمؤمنات بعضهم على بعض.

اذا خسرنا العدد قد تضعف الشهادة وتخور قوى الأرثوذكسيين امام تقلص العدد.

السلوك الذي أتبعه في هذه الأبرشية هو اني أُعلّم الفتاة غير المسيحية. بلا تعليم لا أعمّد واحدة. هذا احتقار للسر. فلا يأتني اذًا احد ويقول انا «خطفت» فلانة، تعال وعمدها. هذا لن يكون. يجب ان يفهم شبابنا ان التنصُّر امر صعب ويتطلب وقتا، والإيمان المسيحي لا يأتي به التعليم آليا.

الفتاة المسيحية غير الارثوذكسية لا نمارس عليها اي ضغط. فنحن في حالة حوار وصداقة مع الكنائس الأخرى. ولكن اذا كشفت ايمانها الارثوذكسي من بعد الزواج وأصرت على اعتناق الارثوذكسية فكيف نردها؟

هذه امور دقيقة يجب ان نعالجها برصانة وتفهم، وقصدنا الا تضعف كنيستنا بزيجات ما كان القانون الكنسي يقبلها ولا هو يقبلها صراحة اليوم. ما يحصل الآن ليس قانونيا ولكن نواجه الأمور الواقعية بشيء من التدبير رحمة بالناس وإنقاذا لما يمكن إنقاذه.

ما تمناه آباؤنا هو ألاّ يختلط احد بعنصر آخر في ميدان الزواج. وهذا يبقى الهدف في رعايتنا. ولا أحد يستطيع ان يوآخذنا على حفاظنا على الرعية الموكلة الينا.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

العرب / السبت 30 آذار 2002

أرسلت هذه السطور إلى الطباعة قبل صدور بيان القمّة. لذلك ليست المقالة كتابة في السياسة. هي كتابة في الرجاء. وإذا كانت كرامة العرب يصنعها الشباب الفلسطينيّ بدمه فكلّ شيء آخر يأتي شهادة لهذا الدم أو لا قيمة له. ما من ضحيّة أهرقت إلاَّ واقتبلها الله خطابًا بينه وبين أحبّته في الأرض. ليس السؤال استمرار الانتفاضة أو التوقّف عنها. المسألة هي أنّنا نحتاج في فلسطين إلى لغة وقد تكون الذبيحة اللغة الوحيدة المؤدّية إلى السلام.

يجب أن يعرف العرب ماذا يريدون من السلام. ليست إسرائيل جمعيّة خيريّة. تريد ثمنًا للسلام. نعرف ما لا تريده في ظلّ الفلسفة الصهيونيّة والممارسة الصهيونيّة. بالتأكيد لا تريد شعبًا فلسطينيًّا عظيم التطلّعات، كامل الحرّيّة، كامل النماء. تريده معنويًّا في قفص شبيه بالقفص المادّيّ المرموز إليه بتطويق مقرّ الرئيس عرفات. وتريده شعبًا بلا هذا الرمز الأساسي الذي هو جيشه. ولم يظهر حتّى الآن كيف أنّ رقعة الأراضي المقطّعة الأوصال يمكن أن تلتحم أوصالها وألاَّ تكون رهينة لمستوطنات يهوديّة كثيرة كبيرة. صورة فلسطين المرجوّة لم تظهر بعد. ثمّ أيّ سلام يرجى بلا تعديل الدستور الإسرائيليّ الذي يقضي بأن تكون الدولة العبريّة غير محدّدة حدودها. إذا هذا لم يحسم في المفاوضات فمعنى ذلك أنّ هذه الدولة مرشّحة للامتداد إذا حان ظرفه.

لماذا باتت قضيّة فلسطين أساس كلّ بحث عربيّ وطموح عربيّ؟ ليس لأنّ القدس وما حولها هي جرحنا فحسب، ولكن كون الحلّ الكريم العادل امتحانًا لصدق العرب. هذا يقودنا إلى السؤال: ماذا يمكن أن نعطي ليس على سبيل مفاوضات يبدو أنّه لا مفرّ منها ولكن على صعيد القناعات؟ الموضوع الفلسطينيّ عندي موضوع خلقيّ أساسًا. من بعد هذا يغدو مسألة سياسيّة. «أخلاقيًّا» قلتها منذ سنوات في المحافل المسيحيّة في الغرب. قلت: «إسرائيل حبل بها بالإثم وولدت بالخطيئة». هناك، إذًا، رفض في العمق روحيّ لهذا الكيان، رفض للظلم ولا مصالحة والظلم. هناك أمل في إنهائه وليس، ضرورة، بالسلاح. ما يسوغ للعرب إعطاؤه هو حالة وضع حدّ للحرب أي عهد عدم قتال.

عندما كان المغفور له الرئيس حافظ الأسد يقول بعلاقات عاديّة لم يوضح مرّة أنّه كان يرغب في تبادل ديبلوماسيّ. السؤال يبقى ما هو العاديّ وما هو غير العاديّ؟ أنا أريد حياة للشعب اليهوديّ وامتلاءً حضاريًّا وازدهارًا. ولكنّ هذا لا يفرض تعاملاً يوميًّا، اقتصاديًّا وثقافيًّا بيننا. فالشعب اليهوديّ يمكن أن يعيش دون أن يتعامل وإيّانا. له مخرج إلى البحر وإلى الجوّ وإلى إقامة علاقات مع شعوب غير شعوبنا إلاَّ إذا كان يحلم بثرواتنا نفطيّة كانت أم غير نفطيّة.

#   #   #

هو يتكلّم على التطبيع أي على التداخل في ما بيننا. غير أنّ فلسفته كلّها هي ألاّ يعيش بالمساواة في الكرامة بيننا وبينه. ولذلك كان مضمون التطبيع عنده أن يبقى مسيطرًا، أي إِنّ رغبته الحقيقيّة الظاهرة في كلّ النصوص الصهيونيّة أن يسخّرنا لمجده، لتفوّقه، لاستغلاله إيّانا، ويستعمل كلمة حضاريّة «التطبيع» وهي كلمة حقّ عنده يُراد بها باطل.

هناك حالة يمكن التطبيع معها هي حالة سقوط الفلسفة الصهيونيّة. ولا شيء حتّى الآن – ما خلا ما تكتبه قلّة عزيزة عندهم – يدلّ على أنّ سقوط الصهيونيّة قريب. فإذا تهاوت هذه الفلسفة نكون أمام مشكلة تعايش شعوب تدين بالديموقراطيّة وترغب صادقة في أن تعيش متساوية في الكرامة. عند ذلك فقط تكون الدولة العبريّة قد تابت عن الإثم الذي حبلت به والخطيئة التي وُلدت فيها. فإن لم تسقط الصهيونيّة تكون الدولة العبريّة على موقفها الإقصائيّ الصميميّ للعرب، وتكون العلاقات بيننا وبينها حلولاً ترقيعيّة هي نهايتنا نحن على المستوى الحضاريّ والإنسانيّ ولو بقيت على الخريطة رقعة تسمّى فلسطين. والهزالة التي تكون عليها فلسطين هذه ستنتشر سرطانًا في كل الجسم العربيّ. اليوم هو امتحان العرب.

#   #   #

يبقى السؤال: في أيّة روحيّة وعلى أيّة همّة سيكون العرب بعدما انصرفوا عن قمّة بيروت؟ لست أعلم، فيما أكتب، إذا كانوا سيغادروننا موحّدي الكلمة أو غير موحّدين. المهمّ أن تكون شعوبنا مصمّمة على أن تحيا معًا وأن تصعد معًا، لأنّ هذا الصعود المشترك هو الذي يبني فلسطين في الآتي ويبنينا كلّنا. لقد أراد الشيخ إبراهيم اليازجي أن يستنهض العرب في قصيدته الشهيرة، وأرجو أن يكونوا قد فهموا أنّ أوان النهضة الحقيقيّة قد حان وأنّ بلدًا واحدًا لا يقدر منذ اليوم على أن يعظّم إلاَّ إذا رام أن يعظّم العرب جميعًا ومعًا بحيث يفهمون أنّ نموّ كلّ بلد من بلدانهم في استقلاله وخصائصه شرط للانبعاث الشامل.

يزيّن لي أنّه علينا أن نسعى إلى وسائل تقارب حقيقيّ نتجاوز فيه مشروع وحدة مذيبة للكيانات. ما كنا نسمّيه، احتقارًا، وضعًا كيانيًّا لكلّ بلد بات أمرًا تسلّم به الشعوب. الإيديولوجيّا الانصهاريّة لم تنجح ولن تنجح ولا نفع فيها في زمن التبادل التجاريّ الكبير والتناضح الفكريّ والتعاون الوثيق. يكون من الحماقة أن نهدر وقتًا في حلم الاندماج الكيانيّ. نحن نريد ازدهارًا لا سقف فوقه لكلّ عربيّ وتطبّعه بالحرّيّة وانصبابه على المعرفة واكتسابه العقل العلميّ واحترام تعدّد الأديان والتمايز الإثنيّ حتّى نشعر بأنّ العروبة بيتنا جميعًا ليس مؤلّفًا من غرف واسعة وغرف ضيّقة أي عائلة لا استعلاء فيها لبعض من أعضائها على البعض الآخر ولا منافسة فيها بل تكون عائلة تتكامل فيها المواهب وتتضافر الجهود لعزّة الجميع.

وقد يكون لبنان على صغر حجمه، وإذا أملنا ان يحيا حرًّا كما كان، صورة للعيش العربيّ الواحد. لأوّل وهلة أقول إنّ لا غنى عن الليبيراليّة الاقتصاديّة ولا غنى عن التلاقح الفكريّ في كلّ بلد وبين البلدان. وحتّى إدراكنا هذه الحال هناك علامات إبداع في الفنّ والفكر في معظم بلداننا حتّى في تلك التي لم تتفتّح كلّيًّا على الديموقراطيّة. إنّ النعمة الإلهيّة تحلّ حيث تشاء وتنبت رجالاً ونساءً عظيمة قلوبهم ورهيفًا إحساسهم بحيث ترى أنّ ثمة أساسًا للرجاء العربيّ. أصبو إلى يوم تزول فيه مناطق من ديار العرب متخلّفة بحيث نلتحق بركب الحضارة العالميّة ونستمدّ منها ونعطيها. أرجو يومًا أن تنفتح عيوننا على كلّ الآفاق حتّى نقهر المقهوريّة ونقول الكلام الجذّاب على أعلى ما يكون الكلام في العالم.

هذا كلّه يتطلّب عقلاً نقديًّا. والعقل النقديّ الكبير لا يخشى فيه على المقدّسات ولو خشي منه على المتحجّر في ما نسمّيه تراثًا ولكنّه ليس بتراث. وهذا لن نحقّقه إلاَّ إذا تآخى الرجال والنساء في الكرامة والفكر. إنّ ما أقرأه الآن من أدب النساء يدلّ على أنّ المرأة العربيّة تكتب الآن كما ترسم وتعزف على مستوى الرجل تمامًا. إنّ رهافة الثقافة عند النساء تدلّ على أنّنا يجب أن نعترف بالمرأة إنسانًا كاملاً لا يُضاف إلى الرجل إضافة. للمرأة ذاتيّة وفرادة وذوق يخشى العربيّ الاعتراف بها إنقاذًا لذكوريّة يظنّها في نفسه امتيازًا.

إلى هذا، الإنسان العربيّ خائف من كلّ شيء، من «مادّيّة» الحضارة الأوروبيّة، وهو مادّيّ بامتياز لأنّه استلذاذيّ بامتياز. يخاف تحدّيات الحاضر لأنّه حفيظ للماضي لظنّه أنّه يجد فيه الدفء الذي يقيه أعاصير العقل وخطر العقل. يخشى أن يعيش الكون المتطوّر ابدًا الذي يقتضي منه مشاركة في هذا التطوّر تنفي التواكل وتراكميّة التراث واجتراره. إله العربيّ لا يتحرك.

إذا ظهر الإنسان العربيّ الجديد لا تبقى فلسطين ضعيفة. قدس غير حرّ داخليًّا إنسانها من هواجسه ليست عاصمة مقدّسة. هي حجارة. الإنسان العربيّ الجديد لن يبقى حجرًا.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 24 آذار 2002 / العدد 12

يسمّى الأحد الأول من الصوم أحد الأرثوذكسية وهي استقامة الرأي اذ أعلن في مثل هذا الأحد السنة الـ 843 انتصار الأيقونة بعد ان شنّت عليها الامبراطورية البيزنطية حربا طاحنة دامت حوالى 120 سنة واستشهد فيها ألوف مؤلفة من الرهبان.

         كان المجمع السابع (787) اعلن عقيدة تكريم الأيقونة. وحدثت انتكاسة فيما بعد حتى ثبت إكرام الأيقونة في الاستعمال. وجاء انتصارها نصرا للعقيدة كلها. لذلك سمّي هذا الأحد أحد الأرثوذكسية.

         نحن نكرّم الأيقونة ولا نعبدها. إكرامنا يذهب الى الشخص الممثل عليها (السيد، والدة الإله، القديسون). وهي تحمل الينا حضرتهم في أعماق النفس المصلية. ما تمتاز كنائسنا وبيوتنا أنها مجمّلة بالأيقونات التي هي تعليم مصوّر الى جانب التعليم المكتوب وفي تصويرها خشوع كبير. ويساعد على هذا انها ليست نافرة وانها “مكتوبة” لكي توحي تعليما. ولذلك نستند كثيرا الى التراث الأيقوني لتفسير أعيادنا. وما من شك انها ساعدت على نقل إيماننا الى الأجيال الى جانب الصلوات. بها نرى ان السماء مفتوحة كما يقول انجيل اليوم.

         عندما ينتقدنا آخرون قائلين كيف تصورون وقد حرّم الله ذلك في العهد القديم، في الوصية الثانية، جوابنا ان التحريم آنذاك كان يخشى منه جعل صورة أو تمثال للإله. نحن لا نصنع هذا. لا نمثّل جوهر الله. فبعد ان اتخذ ابن الله جسدا صار بإمكاننا ان نظهره بإنسانيته المنظورة. فلا خوف من الوقوع بالوثنية بعد ان ألححنا في المجمع السابع ان ليس عندنا للأيقونة عبادة ولكن عندنا تكريم.

         هذا التكريم جزء من الأرثوذكسية الكاملة. ولهذا نكرر اليوم تمسكنا بكل العقيدة التي يختصرها دستور الإيمان في المجمعين الأول والثاني. ثم جاءت العقائد الأخرى مثل طبيعتي المسيح في المجمع الرابع توضح دستور الإيمان. وأخيرا جاءت العبادات والممارسات تترجم العقيدة.

         ولكون العقيدة الأرثوذكسية سليمة لا شائكة فيها فلا نساويها بالعقائد الأخرى ولا نحضر اجتماعات البدع الجديدة المنحرفة التي تدعي ان لها معرفة صحيحة للإنجيل. نحن حفظنا الإنجيل بهذه العقيدة ولا يستطيع غريب ان يعلمنا إياه.

         ومن باب الإخلاص لإيماننا الكامل نذهب يوم الأحد الى كنيسة ارثوذكسية ولا نتصرف كالكسالى الذين “يستقربون” كنيسة اخرى في حيّهم. كل الطقوس وراءها لاهوت معين واعتقادات معينة. فلا نستطيع ان نؤمن بالاثوذكسية ونستمع باستمرار الى أقوال كنيسة اخرى اذ لا يجوز ان يتضارب إيمانك الذي في قلبك مع كلمات تختلف كثيرا او قليلا عمّا تؤمن انت به.

         لنا محبة كاملة لغير الأرثوذكسيين. العقيدة شيء ورثناه ونتمنى ان يأخذه الآخرون. ان تحب الآخرين لا يعني ان تقيم شعائرهم وطقوسهم. الأرثوذكسية التي في الذاكرة وحدها ولا تعاش في طقوسها لا بد لها ان تذبل.

         إيمانك تعلنه باصطفافك مع اخوتك الأرثوذكسيين في كنيسة واحدة صباح كل أحد.

Continue reading