Category

لسان الحال

مقالات «لسان الحال»، هي مقالات نشرها الأرشمندريت جورج (خضر) في جريدة لسان الحال اللبنانية تحت زاوية حديث الأحد. وقد صدرت هذه المقالات ابتداءً من الأحد 11 آذار 1962 ولغاية الأحد 25 كانون الثاني 1970. وقد نشرت هذه المقالات في كتاب من أربعة أجزاء بعنوان «حديث الأحد» صدر عن منشورات النور في العام 1985.

1966, لسان الحال, مقالات

دينٌ في دنيا / الأحد 28 آب 1966

انقضى، أمس، لقاءُ خمسين فتًى منَ الحركة الأرثوذكسيَّة في دير بكفتين في الكورة. ثانويُّون وجامعيُّون أتَوا، ليتدارسوا قضيَّةَ التزامِهم في كنيستِهم وهذه الديار. صلَّوا معًا. قرأوا الإنجيلَ، محَّصوه، هذا أمرٌ عاديٌّ عند شبيبةٍ مؤمنة. المهمُّ أنَّهم تطارحوا الأسئلة، البلدُ كلُّه يفيدُ من بحثها. أرادوا أنْ يفهموا متطلِّباتِ إيمانِهم، أن يلقوها في المجتمع بذرة خصب، أنْ يعبِّروا عنها، ليلاقوا غيرهم إلى أيَّةِ مذهبيَّة انتسب، على صعيد الإنسان وفي سبيل الإنسان. قبل ذلك، كان المسيحيُّ إمَّا طقوسيًّا منكفئًا مُعرضًا عن الدنيا، أو متعصِّبًا مناضلاً في السياسة وفق مفاهيم انغلاق، هي، في صميمها، اللاَّدين. وكان الذين يلتزمون النشاطَ الاجتماعيّ والسياسيّ يفعلون ذلك توقًا من نفوسٍ محبَّةٍ للخير، مأخوذةٍ بمثاليَّةٍ إنسانيَّة. فئة لم تكن لتروي ظمأها منَ الكنيسة، تلك التي لم يكن معلِّموها يشيرون إلى تطلُّعات. فكان التزامُها السياسيّ دينها.

جاءَ هؤلاء الشبَّان يواجهون، بصراحةٍ كلّيَّة، قضاياهم في الجامعة ومعضلات الإنسان الحديث. أخذوا، مثلاً، يتساءلون، بصدق، عن نوعيَّة البيئة المسيحيَّة التي ترعرع فيها ماركس. شجبوها كما شجبها، وتوصَّلوا، بعد ساعات منَ البحث، إلى أنَّ اللهَ لم يمتْ. لاحظوا، مع مالرو، بالحريّ أنَّ الإنسانَ يموت بموت الله، واستنتجوا أنَّ بعضَ الإنسان إنَّما يقتضي إيقاظ الله فيه. يتبنَّون النقد الماركسيّ لله والدين. يرفضون إلهَه الممسوخَ، ليعبدوا إلهًا حيًّا، هو غير الصنم الذي وصفَه ماركس. يومان قضاهما هؤلاء الشبَّان منصرفِين لا إلى جدلٍ رخيص، بل إلى دراسة ولا أعمق منْ أجل تفهُّم عقيدة ما تزال منْ أصلب العقائد التي أنتجَها دماغُ الإنسان. ولكنَّهم قالوا نحن مع ماركس في رفضِهِ استثمار الإنسان للإنسان، نحن نرفضُ الرياء البورجوازيّ، نشجبُ لا أخلاقيَّةَ الرأسماليَّة المفضوحة. قالوا: رفضُنا الإلحادَ الماركسيّ لا يسوغ أن يقودَنا، بشكلٍ ما، إلى أيِّ تحالف يمينيّ على مستوى الحياة الطلاَّبيَّة. يجب أن نعبِّرَ اجتماعيًّا، وليس فقط بالكلام، عن وحدتِنا مع معذَّبي الأرض. ولذلك سوف نلتزمُ الدنيا. لن يكونَ لحركتِنا، وهي مؤسَّسة دينيَّة، أيُّ رأيٍ في السياسة والاقتصاد. ولكنْ، كلٌّ منَّا بمفردِه، وفي وطنِهِ، ينبغي له أن يتَّخذَ موقفًا سياسيًّا. يجب أن يكونَ، في الواقع لا في الوعظ، مع المظلومِين والمناضلِين في سبيل الحرّيَّة. وقد يكون موقفُ كلٍّ منَّا ممزَّقًا، لأنَّه قد يكون وحيدًا في بيئةٍ تؤمنُ بأنَّ المحافظةَ مرادفةٌ للدين. وبالضبط، ولاؤنا للمسيح يقضي برفع الدنيا إليه، بمدِّهِ فيها بالمؤسَّسات والنظم، بترجمةِ الله فعلاً خلاَّقًا في التاريخ.

وجدَ الشبابُ  النبراتِ النَّبويَّةَ الأولى. وفي مواجهتِهم كنيستهم الجريح، لم يتسمَّروا على وضع فيها رهيب. ولكنَّهم تأمَّلوا في ما ينبغي لهم أنْ يلتزموه حياةً روحيَّةً وعمقًا ثقافيًّا ووثبةً اجتماعيَّة، صراعًا ملموسًا في حيِّزِ هذا العالم الذي فيه يتجلَّى ربُّهُم. هكذا يؤمنون. بواكير للفكر، تحفّزات للعمل نهدت في جوٍّ مفعم بالإخلاص، معبأ بالمحبة. هذه كلُّها دعتْنا إلى رؤيةِ البهاء في آفاقِ بلادِنا.

Continue reading
1966, لسان الحال, مقالات

خواطرُ في الكنيسةِ والسياسة / الأحد 21 آب 1966

منْ طبيعةِ الإيمان أنْ يشدَّ صاحبَه إلى غير هذا العالم، إلى غيرِ منطقِ العالم، أنْ يتجاوزَه إلى ما يفوقُه. والدولةُ تسودُ العالمَ، وهي نزاعة إلى الشموليَّة، إلى استقطاب القوى، ولا سيّما إذا فلسفَتْ ذاتها، أو تمذهبَتْ كأنَّها حاملةَ الخلاص. وإذا كانتْ كذلك، فإنَّها تستعظمُ شأنَها، تنتفخُ فكأنَّها الصنمُ الذي يدنّس. أمّا الذي يمتدُّ إلى الآفاق الكبرى، فيرى الدولةَ مشمولةً لا شاملة، في ظلِّ جناحَي الله، وخادمةً كرامةَ الإنسان، كيانًا لا غنى عنه إلى أمدٍ بعيد، ولكنَّه مأخوذ في حكمِ الربّ، مالكِ السماواتِ والأرض وكلِّ سلطان فيها.

هذا التوتُّرُ بين شموليَّةِ الدولة وشموليَّةِ الله يجعلنا مدركِين قولَ المسيح: «في العالمِ، سيكون لكم ضيقٌ». وأمّا قوله: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، فيدعونا إلى ذلك الخضوعِ الذي لا خيانةَ فيه لحقوق الله على الدولة، يلقينا في خضوعَين لا تناقضَ بينهما إذا عرفَتِ الدولةُ ذاتها خادمةً مقاصدَ الله في الكون وأهدافَهُ فيها. ولذلك كان المؤمنُ خاضعًا للسلاطِين ومنذرهم بشرعة الربّ، مسالمًا لا مستسلمًا، وديعًا وصارمًا بآنٍ، لطيفًا وناطحًا برأسه السماء، حتّى تصغيَ السماءُ إليه، وترتعدَ الأرض.

بسببِ القلق الذي تثيرُهُ كلمةُ الله عند المستريحِين في العالم، المنبطحِين فيه، يقول السيّد عن أحبَّائِه: «العالمُ أبغضَهم، لأنَّهم ليسوا منَ العالم». الذين يَرضى عنهم المتسلِّطون وذوو النفوذ هم منْ صميمِ العالم، منْ نسيجِه، منْ لحمِهِ ودمِه، لا يزعجون أحدًا. إنّهم قد لفّتهم شموليَّة الأنظمة القائمة في الدنيا، صاروا منسجمِين مع كلِّ شيء فيها (الجاه والمال والقوَّة)، بعضًا من برنامجِ الشهوة المتحكِّمة في الناس. أمّا القطيعُ الصَّغير الذي يرعى على هضاب الدهر الآتي، فقال عنه ربُّهُ «ليسوا منَ العالمِ، كما أنِّي أنا لستُ منَ العالم». سيظلُّون على عنادِ الإنجيل، حتّى نهاية العمر. ستبقى منهم قبضة طاهرة، حتّى انقضاء الأزمنة، تتقدَّس في الحقّ.

المشرف على العالمِ منْ هذا المنظار، الناسُ عنده عبيدٌ أو أحرار. لكلِّ نظامٍ عبيدُه وأحرارُه. أو قُلْ إنَّ النفسَ تعرفُ ربَّها أو تعرفُ الأصنام، تنطلقُ أو تستزلم. ولا فرقَ بين مَنِ استزلمَ لنظامٍ رجعيّ أو نظام ثوريّ. المهمُّ أنَّ نفسَه مطيّة. أمّا ابنُ الحرّيّة، فيحيا في ظلِّ كلِّ نظامٍ في الولاء لأولي الأمر، لكي يبنيَ بلدَه بالمعطيات التي بين يدَيه. ولكنَّه يتجاوزُ كلَّ وضعٍ إلى المتطلّعات. الكبرى التي فيها خيرُ الإنسان وكرامته وفرادته وأصالته. المؤمنُ لا شيءَ في محدوديَّةِ النظام وعسفهِ يحدُّه، ولا شيءَ في كليشهاته يستويه. الحقَّانيّات، فقط، تغريه. ولكنَّه يجاور الزائل، يعامله، يسندُه، كي يكونَ أنفعَ للإنسان، أضمنَ للسلام، أدنى للازدهار. وبكلمة، يلازمُ كلَّ نظامٍ ويتعدَّاه، في روح لا تستكين، نحو الأفضل. يقبحُ الظلمَ، ويباركُ العدلَ، ويسعى إلى أن يتكلَّل العدل بالرحمة. لا ينحرفُ بالحقد، كما لا يذعن للجمود. ولكنَّه، دائمًا، إلى هذا التخطِّي الذي يجعلهُ رافضًا لفكرٍ سياسيّ لا توثّب فيه أو ثورة تتبرجز. المؤمن هو هذه الثورة التي تجعل الثورات لا تضيع روحها.

المؤمنون يعاهدون على الإخلاص، ولا يحالفون شكل حكم حلفًا أبديًّا. إنَّهم، دائمًا، أعمقُ ممّا يجري حولهم. ولذلك يمدّونه إلى الأمام. شهادتُهُم أنَّ الإنسانيَّةَ لا ترضى صورةَ حكم نهائيّ. ولذلك عندهم أنَّ مَنْ لا يعيدُ النظرَ، باستمرارٍ، في الأنظمة، ولو سمِّيتْ ثورة، فهو رجعيُّ الثورة. الأنظمةُ ينخرُها أولئكَ المتزلّفون لها الذين تستعمل. ولا يفيدها إلاَّ من ينقدُها، لتتجاوزَ ذاتها في سبيلِ حياة لا تنقطع.

Continue reading
1966, لسان الحال, مقالات

وحدانية الروح والأزمة الأرثوذكسيّة / الأحد 12 حزيران 1966

آلمت الأزمة الأرثوذكسية القائمة قلوب الكثيرين لأنّها، بنظر المواطن، تَصدّع في جماعة كريمة، وفي رؤية المؤمن تمزيق لثوب المسيح غير المخيط. غير أنّ الألم لن يكون خلاّقًا ما لم يثر فينا هاجسين متلازمين: الحقيقة والوحدة.

الحقيقة تفرض ألاّ يتّبع المرء سياسة النعامة ويضطرب لكون الصحف قد أشاعت الخبر. فبوسائل الإعلام لم يبقَ من الممكن ألاّ يُذاع سرّ. يُغضِب الناس، على ما يبدو، إعلان الشر ولا يقلقهم وجوده. في قضية كهذه حيويّة يتعلق بها مصير طائفة، لا يمكن التغاضي عن الفساد. بعض الصمت إثم وإفساح مجال للمفسدين. أما كشف النقاب عن القبائح التي تلوث الأمّة فتطهير للأمّة. بثّ النور فضح ظلام. هذه دومًا كانت خطة الأنبياء ونهج يسوع. هذه صارت طريق الآباء الذين عرفوا الضيق والنفي والعبوديّة المُرَّة، وكتبوا دفاعًا عن الحق. والرسائل اللاهوتيّة والجدليّة كانت صحفهم آنذاك. «ما جئتُ لألقي على الأرض سلامًا بل سيفًا، جئت لأفرّق». وهذا الصراع المستمرّ الذي عاشوا فيه، كان سبيلهم إلى الله وإلى وجهه. كانوا يأبون الإستكانة الكذوب التي تتوخّى وحدة الناس على أساس التحذلق والمساومة. وحدة البشر، فيما بينهم، تَلاقي أهواء ومصالح. يتساندون لبقاء كلّ منهم. ولكنّ الوحدة الحقّ هي التي تقوم بينك وبين ربّك ثم تنعكس على الجماعة، فإذا بها تتآلف حول كلمة الله ولها.

وحدة الكنيسة ليست وحدة قبليّة، تجمّع عدد. فالكثرة الساحقة كثيرًا ما تُجمع على خطأ. فالجماعة مدعوّة لحمل الحقيقة، وهذه وحدها تبرّر كيانها. الطائفة الدينيّة إن لم يستقطبها الله فلا نفع منها. فالرابطة عقيدة وأخلاق وشريعة. وقد يكون الإنسان، ظاهرًا، على العقيدة ولكنّه منكرها في كلّ تصرّفاتها. قد لا يكون منحرفًا عن دستور الإيمان، ولكنه بعيد عن الإيمان الحيّ وكرامة الخلق وروح الشريعة.

الوحدة وحدة مع الله ومواكب القديسين والتطلّع إلى آفاق الخليقة الجديدة. وبها نتجاوز أنانيّتنا ومهارتنا، لنلقى الآخرين ببساطة المسيح ولطفه وتواضعه. وهذا يعني أنّ من اتحد بالكنيسة له، في كلّ ظرف، موقف تمليه الحقيقة وحدها. من وراء النصوص حقيقة هي حيث خلوص النيّة وبنيان جسد المسيح. الحقيقة تتجلّى في الآن، في لحظة إنقاذ، في خطّ التجدّد والتاريخ المستنير. الحقيقة لها وجه واحد في الأزمات.

في الشدَّة يفحص الله القلوب والناس بعدله العظيم. فيها يمتحن إخلاصنا فنتزكّى أو ننحدر. فيها تنفصم الصداقات، لأنّ بعضًا أحبّوا الله على حياتهم وبعضًا آثروا هذه الحياة.

أجل الحقيقة، في المسيحيّة، ليست مجرّد شريعة ولكنّها، بآن، ليست تجاوز شريعة. لا ندفعها ثمنًا لوحدة مزعومة تكون رَصْفَ بشر، تراكُم أجساد. الوحدة، لتصبح وحدة حقّ، تفرض التأديب. «من يحبّه الربّ يؤدّبه». ومن أحبّ الربّ يطلب لنفسه تأديبًا. بذلك يشهد الإنسان بأنّ للجماعة المؤمنة حقّ الإشراف عليه وحقّ النصح. وحتى يكون لقاء البشر لقاء في الربّ، كانت الكنيسة تَبتر قومًا من عضويتها، تقصيهم علّهم يرتدعون. وما قبلت في صفوفها إلاّ من تعاهد على الإخلاص ولم يسلمها إلى أعدائها. وهي تدين عمله وفق تعليمها ودستورها وقوانينها الرئيسة، ليقينها بأنّ الإنسان في وحدة مع ربّه إذا انسجم بهذا الدستور وهذه الروحيّة. تقطع بشرًا عن جسمها سعيًا منها إلى التصاق هذا الجسم بالرب. أليست الصلاة، بحدّ نفسها، توبيخًا مستمرًّا لمعصيتنا؟ الكنيسة تنشئ أولادها بالتوبيخ. أن نسعى لشقّ جسد المسيح ونلازمه دون أن ينفعل هذا الجسد ويطرد عنه المرض، لأوضح مظهر للتعفن. «ولكم في القصاص حياة»، هذا سرّ من أسرار الكنيسة اليقظة، التي تدفع عن نفسها من ظلمها بالتمرّد لتبقى في طاعة ربّها ووحدته وحقيقته.

Continue reading
1966, لسان الحال, مقالات

ضلّوا كلّهم / الأحد 22 أيار 1966

«ليس بارّ ولا واحد وليس من يفقه ولا من يبتغي الله. ضلّوا كلّهم فرُذلوا جميعًا وليس من يعمل الصلاح ولا واحد… لم يعرفوا سبيل السلام وليست مخافة الله أمام أعينهم» (بولس الرسول). يتعثّر الإنسان في سعيه إلى الله إذا ما عمّ الفساد وشمل الراعي والرعيّة، وإذا صار اللسان الذي يعلّم الشريعة لا شريعة له، وغدا رئيسُ القوم يحمل الحقد. إن ضلّ المسؤول في متاهات شهوته «ففمه مملوء لعنة ومرارة». ولكونه أُوتي سلطانًا ونفوذًا، تزداد قدرته على الإفساد ويزجّ العباد في يأس سحيق، فيفقدون إيمانهم بالصلاح والطّهر وظفر الخير، ويترنّحون بالمطربات لأنّ الصاحي – أو من افترض كذلك – «تاه من المسكر وضلّ في الرؤيا وقلق في القضاء» (أشعياء).

وإذا كان حُماة القيم يدوسونها بأرجلهم فمن يصدّق البشرى؟ وإذا أمسى النور الذي فيهم ظلامًا فالظلام كم يكون؟ في لهجة ليس أقربها الى الحزن، قال السيد عمّن فسدت سيرته: «إنّه لا يصلح لشيء إلاّ لأن يُطرح خارجًا وتدوسه الناس». قال ذلك وهو اللطيف بالناس. وما ذلك إلاّ لأنّ الغصن اليابس يجب أن يُقطع ويلقى بالنار ليحترق. في منتهى الألم يبتر البستانيّ ذلك الغصن عن جذع الشجرة، فقد كان يرعاه فيما مضى. الإنسان يحبّ ما يرعى ولكنّ الشجرة أفضل من أغصانها.

إنها حقًّا مأساة الله أن يكفّ الراعي عن الرعاية أو أن يصبح عدوّ الرعية، فتضحى «مشتتة من غير راعٍ ومأكلاً لكلّ وحش الصحراء» (حزقيال). ولكون الرعاية وكالة – وقد يُفسد الوكيل الوكالة – يقول الله عن الرعاة: «أطلب غنمي من أيديهم وأكفّهم عن رعي الغنم… وأنقذ غنمي من أفواههم… أخلّص غنمي ولا تكون من بعد نهبًا». في أوان الضيق والالتطاخ، الله وحده مرجع الرعية ليكون لها مأمنًا ممن وُلي عليها، «فصدّوا عن سبيل الله أنهم ساء ما كانوا يعملون» (سورة المنافقون).

والله أوصى بجهاد المنافقين عن طريق التمسك بالشريعة والحق ونبذ ما يخالفها، والرحمة بأولي الأمر إذا عادوا عن غيّهم. والتكاتف والتراصّ في سبيل الله لصدّ العدوان عن الرعيّة، تكليف إلهي لا مفرّ منه «فلا محاباة للوجوه لأنّ الحكم لله» (موسى). وقد يضطرّ المرء أن ينفصل عن أعزَّائه في سبيل الحق، لأنّ لله وحده السيادة والعزة. والويل لمن يؤثر انفعالات اللحم والدم على صوت الرب فيه.

وإذا استمرّ الراعي في الغي فلا رعاية له ولا واجب تجاهه، بل الطاعة للخالق أولى في كلّ حال. وقد يتنبّه لفساده بموقف لشعبه حازم. والصلابة هنا تفرض نفسها علينا. ولكن كلّ مقاومة يجب أن تكون شرعيّة وأن تستنفذ كلّ المحاولات لإعادة الضال عن ضلاله.

ولا يسوغ، بحال، أن نسير مع أهل الزيغان شبرًا واحدًا بحيث نقبل بذرة واحدة مما أتوا به، لأنّ كلّ شبه مساومة مع الباطل باطل.

عند تفشّي الإثم ينبغي أن يمتحن كلّ منا قلبه ليعرف مقدار تساهله في الماضي مع المنافقين، ومدى تغاضيه عمّا ارتكبوا. إنّ تناسي الكبائر باسم السلام إشعال لنار الضلالة. فكلّ معصية عند الراعي تؤذي الرعية وتمسّ المبادئ التي تقوم عليها يجب أن تفضح، لأن الراعي لا يملك حياته بل يبذلها عن الخراف. والمعصية تحول دون هذا البذل. لا حقّ لأحد في منصب على حساب الحقيقة والعدل، لأنّ المناصب قائمة فقط لإحقاقهما.

Continue reading
1965, لسان الحال, مقالات

جلجلة أثيناغوراس[1] / الأحد 25 نيسان 1965


[1] لمناسبة التضييق على البطريرك أثيناغوراس.

«وكان قومٌ في اليونانيِّين منَ الذين صعدوا ليسجدوا في يومِ العيد، فأقبلَ هؤلاء إلى فيلبسَ الذي من بيت صيدا الجليل، وسألوه: يا سيدُ، نريدُ أن نرى يسوعَ. فجاء فيلبّس، وقال لأندراوسَ، وأندراوسُ وفيلبس قالا ليسوع. فأجابهما يسوع، وقال: قد أتَتِ الساعةُ التي يُمجَّدُ فيها ابنُ البشر» (إنجيل يوحنّا). ومنْ سياقِ الكتاب كلِّه يتَّضحُ أنَّ مجدَ المسيح كان في آلامِهِ. وإذا عَيَّدَ المسيحيُّون للقيامة، فإنّهم غيرُ ناسِين أنَّ يسوعَ القائمَ منْ بين الأموات كان موسومًا، في جسدِهِ المجيد، بطعنةِ الحربة وآثارِ المسامير. ذلك لأنَّه الشهيدُ إلى الأبد. وله ذريَّةٌ منَ الشهداء، على كلٍّ منهم ينطبق ما قِيل عنه: «كشاةٍ سِيقَ إلى الذبحِ، وكحمَلٍ صامتٍ أمامَ الذين يجزُّونَه ولم يفتحْ فاه» (أشعياء).

بمثل هذا الصفاء، استقبلَ أثيناغوراس العظيمُ الفصحَ العام الفائت. وكانت حكومةُ بلادِه أخذتْ بالتضييقِ عليه. أجل، أسقفُ القسطنطينيَّة يحملُ الجنسيَّةَ التركيَّة، وكذلك الإكليروسُ الذي يعاونُه. لقد أرادَ أنْ يمحوَ الأحقادَ بين المنحدرِين من أصلٍ يونانيٍّ والأتراك محوًا نهائيًّا لـمَّا دان بالوفاء الكاملِ لدولةِ بلادِهِ، وذهبَ به الوفاءُ أنَّه أمرَ بتزيين المؤسَّساتِ «اليونانيَّة» في استانبول السنة الـ1953 لـمَّا عيَّدتْ تركيا لمرورِ خمسةِ قرونٍ على فتحِ القسطنطينيَّة. شاءَ الحبرُ الكبيرُ بذلك الانقطاعِ الكلّيِّ عنْ كلِّ ذكرى لدولة الروم. وقد كافأهُ، بعد هذا بسنتَين، مندريس بإحراقِ الكنائسِ، وقد ثبتَ ذلك من محاكمتِهِ.

يريدونَه، إذًا، كبشَ محرقةٍ للوصول إلى مكسبٍ سياسيٍّ أو لإرضاءِ الجماهير الساخطة على حكمٍ متهرِّل. «اصلبوه اصلبوه». دائمًا، يستطيعُ أيُّ مفتِّشٍ ماليّ أنْ يجدَ خطأً في الحسابات. دومًا، يقدرُ شرطيٌّ بليدُ الذهن أنْ يفسِّرَ عظةً أو مقالاً لاهوتيًّا بصورةٍ تستوجب مذكَّرةَ جلبٍ أو حكمَ إبعاد. وبالطبعِ، لا خطرَ على الأمَّة التركيَّة إلاَّ هذا الشَّيخ الفائض وجهه بغمراتِ الفرح، والذي يجسِّم الجلال على أبهى طلعة. مَن عرفَ براءةَ الأطفالِ عند البطريركِ المسكونيّ ومهابةَ البساطة، فكيف يفهم أقوال إحدى صحفِهم أنَّه «يشكِّلُ خطرًا على تركيا أكثر من قبرص».

تهمة الخطر على أُمَّةِ اليهود أرسَلَها محفلُهم العاتي على المسيح. ومات السيّد، في الأساس، لذريعةٍ سياسيَّة. ألعلَّ تركيا، العضو في هيئةِ الأمم، تقول بالعنصريَّة كما تقولُ بها إسرائيلُ وحكومة أفريقيا الجنوبيَّة؟ مملكة اليونان ترفضُ العنصريَّةَ، لأنَّ المنحدرِين فيها منْ أصلٍ تركيّ يتمتَّعون بحرّيَّتِهم الدينيَّة والثقافيَّة كاملة. وبلاد اليونان لم تعترفْ بإسرائيل.

جريمةُ أثيناغوراس أنَّه وجهٌ مطِلٌّ على العالم، غدا اسمُهُ قرينَ السلام. فهل هو مسؤولٌ إذا كان سليلَ هوميروس وسقراط وأفلاطون ووريثَ شعبٍ أَعطى الدنيا العقل والجمال. ذوو أثيناغوراس عاشوا، في الأناضول، قبل الميلاد وقبل غزو القبائل المغوليَّة لآسيا الصغرى. هل خطيئةُ هذا الإنسان، الذي جعلَ اللهَ في قلبِهِ «رأفة ورحمة ورهبانيَّة»، أنّه وريثُ بيزنطية التي أضاءتِ العالمَ ألف عام؟ وهل يسوءُ الترك أنَّ هذا الضياءَ قد تجمَّعَ، بعد سقوط القسطنطينيَّة، في حيٍّ شاءَتِ الأقدارُ أنْ يُسَمَّى حيّ الفنار! إنْ كان للترك شيءٌ منَ الكيان على مستوى التنظيم والإدارة قبل أتاتورك وبعده، فكلُّه وليد هذا الشرق وأوربا. وكلاهما، على صعيدِ الفكر الإنسانيّ، نابعٌ منَ الإغريق.

بعد ساعاتٍ، سيُنشِدُ المرنِّمون في كنائسِ استانبول: «المسيح قام»، وسيقيمُ أثيناغوراس الذبيحةَ الإلهيَّةَ وقلبُهُ مفعمٌ بالمحبَّةِ الكاملة لحكومةِ بلادِه. سيكونُ جليلاً كالأنبياءِ والتاجُ كإكليلِ شوك. سيأخذُ شمعةً مضاءةً ويهتف: «هلمُّوا خذوا نورًا منَ النور الذي لا يعتريهِ مساء». قد يكونُ هذا فصحه الأخير على ضفاف البوسفور. ولكنَّنا ما نزال نرجو، ونحن في غمرةِ العيد، ألاَّ يقضي الأتراكُ على آخرِ أملٍ لهم في أنْ يُعَدُّوا مواكبِين للحضارة.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

محبّة النفس / الأحّد 22 تشرين الثاني 1964

عندما نبغض الأنانيّة ماذا نحن مبغضون؟ دائرة الأنا هذه الصغيرة التي يعطيها صاحبها كلّ قيمة الوجود ونحن نحسب أنّ أناه زائلة وفي كلّ حال ليست هي إلاّ القليل القليل. وفي تركيز كلّ شيئ عليها تبدو لنا هزيلة، كالفراغ. ومع ذلك قيل لنا «أحبب قريبك كنفسك» وكأنّ النفس ليست فقط ما يجب أن نحبّ ولكنّ محبّتنا لها هي قاعدة المحبّة وانطلاقها ومحكها. وكأنّ محبّة النفس هي بالكلّية غير ما نقصده بعبادة «محبّة الذات» السائرة.

أن أُحبّ نفسي هذا الحبّ الممدوح ليس أن أحب فرديّتي بأخطائها وغرورها بل أن أحب هذا الكيان العميق في ذاتي  كما خرج من يد الله وكما سيكون إذا افتداني الله برحمته. هذه الشخصيّة النورانيّة التي فيَّ، وقد غتّطها نواقصي وأسرتها أوهامي، بذور القداسة كامنة فيها. هذا الأبديّ فيَّ، اسمي الإلهيّ، كما يقول ابن عربي، هذا هو مطلقي. هذا التضارب بين الأنا المقيت، هذا الذي يسبيني إلى الغرور وبين نفسي المطمئنّة إلى نورها وصفائها أقدِرَت أن تعاين الله من خلال نورها أم لم تقدر.

كلّ نفس، ما لم تمرض بتعذيب ذاتها، متحابّة. الإنسان يحنّ إلى الهناء والإستقرار والفرح، إلى وجود لا يشمبه الإنحدار. فالمؤمن يعرف أنّه الآن يصلّي أة يتمتم كلمات. يعرف أن فعله صادر عن ذاته أو عن هذه القشرة التي تغلّفه. وكذلك الشاعر يحسّ أنّه كان نفسه أو لم يكنها.

هذه الشخصيّة التي ندركها فينا يقول المسيح أننّا محبّوها بالطبع. يطلب إلينا أن نحبّ الغير كما نحبّها. أن نحبّ هذا الخير الذي هو في سوانا. ألمسْناه أم لم نلمسه. أن نؤمن بحقيقة الآخر وأن نجعله ساعيًا إليها لأنّها بالنهاية صورة الله. المهم ألاّ يحوّل شرّ الغير دون رؤيتنا الزرع الذي حرثه الله فيه ويمكن الإنسان أن يستنبه في كلّ حين.

إذا أدركنا أن اللقاء بين البشر هو بين الألوهة التي فيّ والألوهة التي في غيري فلا يبقى من أثر للسؤال: كيف أحبّ قريبي كنفسي؟ أنا وقريبي كلانا مقرٌ للإله. وفي الرؤية الصافية أنا محبّ فقط لهذا الإله الموزَّع في النفوس بدون انقسام. كلّ نفس عرشه. أحبّها لكي تدرك ذلك، لكي ترفع عنها الغشاوة التي كانت تحول دون معرفتها هذا الأمر الذي يستحقّ كلّ اهتمامها.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

موت وحياة / الأحد 1 تشرين الثاني 1964

«طريق الموت وطريق الحياة طريق واحدة إذ خطوناها بمحبّة» (ريسه ماريتان). إمرأة في ذرى الأوجاع كتبت هذا وقد أدركت أنّ «كلّ خليقة تنتقل من موت عبر موت إلى الحياة الأبديّة».

الألم، إذا ارتضيناه، طاعةً واسلامًا، هو رياضتنا على الصبر والتواضع وهما مرقاتنا إلى الحق. ذلك أن الحقّ هو في المواجهة. وغير الحقّ هو هروب أو نزهة كما يقول يوسف حبشي الأشقر في روايته الأخيرة «أربعة أفراس حمر». أما قال أرباب الحياة الروحيّة قديمًا أنّ الخطيئة هي في الوهم، في ذلك السراب الذي نعدو وراءه فلا نرتوي. تلهينا الظلال ونستبدل ظلاً بظلّ إذا مللنا. هل العبث هو في الحياة نفسها أم في هذه الشباح التي تتراقص أمامنا؟ ألسنا كافرين بالأمور اليقينيّة لكوننا ساعين فقط إلى تلك الأشباح وهي في دوام الفرار؟ وإذا كان ما نسعى إليه صائرًا إلى العدم فنحن أنفسنا في دوران وإمّحاء، من تثائب إلى تثائب في نزهة الهروب.

هذا لا يعني أن أهل الحقّ مغمورون بنور وهّاج. ذلك لأنّ «النور في الظلمة يضيء». «كنجم يرسل أشعّته من مسافة تفوق التصوّر». تقول أيضًا ريسه ماريتان، «ذلك لأنّه يجب أن نتسلّق، بخطى موت، سلم الحياة». لا يعرف الصابرون هذه الواحة الكسول. هم ليسوا معمّدين بفيض نور لا ينقطع. المحنة تلدهم يومًا بعد يوم، في أنّات مخاض مرير. وفي قلب المحنة، لا خارجها، يطلّون على هذا السلام الذي لا يضع حدًّا للْمُلمِّات ولا يخفف وطأة اليأس ولكنّه يعايشها جميعًا حتّى تتجرّد الطمأنينة من مرافقة الشدّة يوم تطلّ علينا رحمة الموت.

والألم منهل، رائده المؤمن ليس لأنّه يستلذّ الألم استلذاذًا مرضيًّا بل لأنّ الألم، في واقعنا، يغلّف الحقيقة، تلك التي ليست علمًا وحفظًا بل التصاقًا بالوجود، بهذا الوجود الذي ليس من طبيعته أن يتلاشى كالفيئ المائل.

الصبر، عند المؤمن، مفتاح المعرفة إذًا، هذه الصامدة. التطهّر الداخلّي سبيل لاكتناه الحق، إعراض عن الوهم، هروب من الهروب. أمام تأليق الخيال وجموحه وجذبه تجربةُ المؤمن أن يلهو هو أيضًا بالسراب. خلاصه في أن يستمدّ حكمه ومواقفه لا من عتمة الأشباح في تراكمها بل من هذا القبس الذي ينير سبيله من عل. الظلام المحيط بالمؤمن كثيرًا ما يكون كثيفًا. ولكن في قلبه هذا اليقين الذي لا ينزع منه الفجر بازغ من العتمة نفسها وأنّ كلّ ألوان الموت ودرجاته تؤدّي، عاجلاً أم آجلاً، إلى الحياة.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

الخطيئة / الأحّد 25 تشرين الأوّل 1964

مشكلة الخطيئة، هي في آخر المطاف، المشكلة الوحيدة فأنّها تلازمنا طيلة العمر. تطرح الإنسان في صراع مستميت إن كان من الساعين إلى رؤية الله الطهور. والمشكلة قائمة لأنّ المؤمن يلمس تسرّب الضعفات إلى نفسه مهما تقدّم في معارج البرّ أو على قدر تقدّمه. الاثم هو العذاب الوحيد الذي نعاني لأنّه وحده في أعماق الكيان. المرض يؤثّر فيك فقط إذا افتقدك الصبر، ولكنّه، بالنهاية، مستقرّ في الجسد الذي يمكنك أن تتأمّل أحواله وكأنّك متفرّج. ولكن إذا استعبدك الشرّ الداخليّ وطغت عليك الظلمات فأنت واحد مع هذا التخبّط وكانت نهاية أمرك الموت.

أيّ موت؟ هذا الشلل الذي يصيب النفس إذا استرخت وارتكبت يجعلك غير قادر على محبّة الخير، غير منجذب إليه. الحياة التي كانت كامنة في كلمات الله تصير إلى جماد. لا يأتيك منها انعاش وتقلّب الصلاة في فكرك- إن كنت لا تزال من أهل الصلاة- وكأنّك تتعاطى الفراغ. الله وشؤونه في غياب. قد يُترك لك بعضٌ من حنين ولكنّه لا ينشئ فيك الرجوع. تعرف من الذكرى جمال ما فات ولكنّ الخطيئة عاشت ونمت فلم تتحوّل الذكرى إلى نداء.

تتنقّل النفس، وهي في هذه الحال، بين التساؤل عن مصيرها العظيم وبين اللافكر، بين بعض من حضور وبعض من التلاشي. العجز عن الوثبة المنقذة هو عينه ما جعل أحدهم يقول :”إنّ أجرة الخطيئة هي موت”

وإذا كان الجحيم هو ذلك العجز عن إدراك الله، إذا كان استحالة محبّتنا له فخبرة الخطيئة في عمقها هي ذلك الجحيم الموصول. لا يستلم الإنسان قصاصه من حكم ولكنّ كلّ عمل شرّ يحمل إلى النفس قصاصها.

عقابنا الكبير أن ما نبغضه إيّاه نفعل، إنّ الشرّ حاضر عندنا يسبينا إلى ناموس الخطيئة الكائن فينا. شقاؤنا في هذا الذي نقترف والعقل عارف أن في الإعتراف تجزئة الكيان واضمحلاله.

ولكنّ الله جعل من الخطيئة نفسها عبرة إن هي صارت بالإنسان، على هذه الأرض، إلى ذلك الجحيم أو إلى مقدّمة الجحيم. ذلك لأنّ الله جعل من الموت قيامة. هناك مخرج لا نعرفه بالعقل ولا تحلّله أساليب الإستقصاء عندنا ولم ينطق به علمٌ. هناك خلاص من المأساة. الإنسان الذي كان في قسوة يلامسه لطفٌ إلهيّ غريب ويؤتى رحمة. والرحمة يغرق فيها الخاطئ مثلما كان غريق خطيئته. هذا الإنسان المشتت تلملمه إلتفاتةٌ واحدةٌ من عند ربّه. لا يدري كيف أنقذ كما أنّه لا يدري كيف عصا. الأثم والبرّ كلاهما سرٌ. وكما أنّ الموت الروحيّ، مهما طال، لا يحول دون انبعاثنا من جحيمه في هذه الدنيا كذلك الحياة الروحيّة الكبرى، مهما امتدّت، لا تحول دون سقوط الجبابرة. الإنسان هو إمكان لا حدّ له يتحوّل إلى ظلمات كثيفة إذا انتهك سرّ الأثم أو ينقلب إلى نور عظيم إذا جاور سرّ القداسة. هذان السرّان يحملان كلّ معاني الحياة.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

خطايا الراشدين / الأحد 13 أيلول 1964

كنت مرّة أكلّم فئة من الأحداث في فضيلة التواضع. بعد ربع ساعة شعرت بأنّهم لم يفهموا من الحديث شيئًا فأدركت أنّهم لم يعرفوا الكبرياء ولعلّها لم تمسّهم وكأنّ نوعًا من الزلاّت يظهر في سنّ معيّنة. بل هناك أكثر من ذلك. بدون الحياة الإجتماعيّة ومسؤوليّاتها لا ينكشف للإنسان شقاؤه. ليس أن الجماعة سبب المعاصي ولكن هذا السيل من الآثام منسكب من داخلنا عندما تمتحن الحياة اخلاصنا. مسكين هذا الإنسان الذي يعف بسبب قصر الطفولة وعجز الشيخوخة. ومن هذا القبيل كانت الشيخوخة رحمة لأنّها تفضح ثقل الماضي وتفاهته. هي تضجك في حكمتها من جهل غرقت فيه ولعلّ الحكمة، على العموم، نضوج ناتج من تراكم الأخطاء.

ومع هذا كلّه ليس الشيوخ كلّهم من أهل الفطنة. ليس كذلك بالضرورة لأنّ شرّ الإنسان راسخ فيه حتى الموت. فالنفس كثيرًا ما تبقى على ضلالها حتّى النهاية ولا ترتوي حتى إذا دنا اللامق الأخير. لا يرتدع الإنسان بقوّة الموت إذا اقترب بشيئ أقوى من الموت نفسه هو العاصم. قل هو الإيمان أو هو المحبّة. إنّه أمر ربك تطلّ عليه الطفولة ويعرفه الشباب بنوع خاص كلّما ساقته خطيئة إلى اليأس. اليأس من الإنسان الذي لا خير فيه ولا متوكّل عليه.

اليأس مرحلة أساسيّة من مراحل الرجاء. ذلك لأنّ الرجاء رجاء بالله. الثقة ليست بالنفس بل برب النفس. يبتدئ اليأس عندما ندرك ضعفنا اللامحدود. إنّه شرط الإنطلاقات الروحيّة لأنّه الوضوح. يأس من الشباب ويأس من الشيخوخة قال لي أحدهم وأنا أتكلّم مثل هذا الكلام. إنّك تثبط العزيمة. ولكن إذا كانت العزيمة دائمًا تنتهي بالإخفاق. إن كان الإنسان يتبيّن فشل مساعيه باستمرار، كيف يجوز أن نتحدّث عن مكاسب الإنسان، اليوم أو غدًا، في المجال الروحيّ؟ أليست الفائدة من بلوغ الشيخوخة أن نتبيّن فساد الحياة كلّها، أن نعتبر الإنسان، طيلة حياته، بطلانًا ومدعاة إلى رجاء ينبع فقط من دفقات السماء.

قيمة الحياة كلّها في هذا: أن تكشف عراءنا الكامل أمام الله إذ انتهينا إلى عتبة ملكوته. العمر، ولا سيّما إذا كان، فرصة لهذا الإكتشاف. مدرسة يمكن أن نتعلّم فيها فقرنا. خطيئات الراشدين فائدتها- إذا صحّ التعبير- تبيان هذا الفقر كاملاً. أجل، الخطيئة جزء من ترويض الله لنا على محبّته فحيث كثرت تغمرها النعمة وفي مقابلتها تتجلّى الرحمة الواسعة. تراكم الحطايا، استفحال يأس نت الإنسان، ازدياد في الرجاء إلى أن تصفو النفس به فتطمئنّ إلى ما يأتيها من فوق اطمئنانًا هو السعادة عينها.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

روحية السفر / الأحد 26 تموز 1964

كان السفرُ سعيًّا إلى المعاش أو المعرفة أو حريّة الروح، إنطلاقًا من ضيق. الإغتراب حدث في الوجود الذاتي مهما كان قصير الأمد لأننا ملاصقون الأرض التي نشأنا عليها، لأن المدى الذي نسرح فيه جزء من كياننا والإنسلاخ عن مدانا معاناة. الأبعاد من أعمق ما فينا وليس لنا عنها استقلال. نحن نتبنّاها أو نرفضها وفي كل حال نعايشها. صبغتها لا تزول.

على هذا الصعيد الوجداني جاز القول أن الإنسان يستطيع أن يحوّل السفر إلى إكتشاف للذات. أنه إغتراب عن النفس أو إليها. نتلهى فيه عن النفس أو نكتنهها. ننساها أو نغوص فيها. نهرب من العزلة أو نواجهها وكأن المرء يدرك، في الغربة، ذاته عائمًا على سطح الأمور أو يغمره سرّ نفسه والكون.

سرّ نفسه والكون. لأن النفس لا نلقاها بالضرورة إذا انعزلنا وأردنا تأملها ولكن إذا ابتعدنا عن ديارنا فانطرحت تلقائيًّا أمام الفحص. السفر مدرسة ليس لأنه يُدربنا على معرفة الشعوب وطرقها وأخلاقها وحسب بل لأنه يروّضنا، بهذا الإحتكاك، على استدرار كنوز روحية كانت فينا دفينة.

بعضٌ من السفر إذن حج. هذا التّعري الداخلي الحاصل لنا من امتحان القلب يمكن أن يجعلنا أمام اليأس أو أمام الهداية. ولذلك كان السفر، في أكثر الأحيان، من أخطر الأمور التي لها مساس بالإيمان: تقضي عليه أو تقوّيه. يضمحل ما كان في الأساس هزيلاً. ما كان قائمًا بسبب مراقبة البيئة بسبب إتصاله بالقوى الإيمانية الحيّة الموجودة في العالم.

الحيّ لا يفنى. ولذلك لا خوف على فضيلة الشبّان أن هم سافروا. ليست الفضيلة ما يفقدون بل هذه الصورة المشوّهة عنها التي هي العادة. كل ما يزول لم يكن أصيلاً قبل الإغتراب. فمن حجّ إلى الله في بلده يظلّ الله محجته في كلّ أرض. في الخارج يتأصّل إله المرء فيه وكأن كل دار غربة بالنسبة إلى من يؤمّها مكان مقدس. شيئ من الأبد لا نلتقطه إلاّ بالإبتعاد وكأنّ امتدادنا إلى البعيد مقلبنا إلى الأدنى، كأننا أقرب إلى الأعماق عندما نسعى على سطح الدنيا. مَن يدري لعلّنا نجد هناك الذين تركنا هنا أو نلقاهم كما يريد الله أن نلقاهم في حقيقة الصلاة وصفاء التجرّد.

Continue reading