منْ طبيعةِ الإيمان أنْ يشدَّ صاحبَه إلى غير هذا العالم، إلى غيرِ منطقِ العالم، أنْ يتجاوزَه إلى ما يفوقُه. والدولةُ تسودُ العالمَ، وهي نزاعة إلى الشموليَّة، إلى استقطاب القوى، ولا سيّما إذا فلسفَتْ ذاتها، أو تمذهبَتْ كأنَّها حاملةَ الخلاص. وإذا كانتْ كذلك، فإنَّها تستعظمُ شأنَها، تنتفخُ فكأنَّها الصنمُ الذي يدنّس. أمّا الذي يمتدُّ إلى الآفاق الكبرى، فيرى الدولةَ مشمولةً لا شاملة، في ظلِّ جناحَي الله، وخادمةً كرامةَ الإنسان، كيانًا لا غنى عنه إلى أمدٍ بعيد، ولكنَّه مأخوذ في حكمِ الربّ، مالكِ السماواتِ والأرض وكلِّ سلطان فيها.
هذا التوتُّرُ بين شموليَّةِ الدولة وشموليَّةِ الله يجعلنا مدركِين قولَ المسيح: «في العالمِ، سيكون لكم ضيقٌ». وأمّا قوله: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، فيدعونا إلى ذلك الخضوعِ الذي لا خيانةَ فيه لحقوق الله على الدولة، يلقينا في خضوعَين لا تناقضَ بينهما إذا عرفَتِ الدولةُ ذاتها خادمةً مقاصدَ الله في الكون وأهدافَهُ فيها. ولذلك كان المؤمنُ خاضعًا للسلاطِين ومنذرهم بشرعة الربّ، مسالمًا لا مستسلمًا، وديعًا وصارمًا بآنٍ، لطيفًا وناطحًا برأسه السماء، حتّى تصغيَ السماءُ إليه، وترتعدَ الأرض.
بسببِ القلق الذي تثيرُهُ كلمةُ الله عند المستريحِين في العالم، المنبطحِين فيه، يقول السيّد عن أحبَّائِه: «العالمُ أبغضَهم، لأنَّهم ليسوا منَ العالم». الذين يَرضى عنهم المتسلِّطون وذوو النفوذ هم منْ صميمِ العالم، منْ نسيجِه، منْ لحمِهِ ودمِه، لا يزعجون أحدًا. إنّهم قد لفّتهم شموليَّة الأنظمة القائمة في الدنيا، صاروا منسجمِين مع كلِّ شيء فيها (الجاه والمال والقوَّة)، بعضًا من برنامجِ الشهوة المتحكِّمة في الناس. أمّا القطيعُ الصَّغير الذي يرعى على هضاب الدهر الآتي، فقال عنه ربُّهُ «ليسوا منَ العالمِ، كما أنِّي أنا لستُ منَ العالم». سيظلُّون على عنادِ الإنجيل، حتّى نهاية العمر. ستبقى منهم قبضة طاهرة، حتّى انقضاء الأزمنة، تتقدَّس في الحقّ.
المشرف على العالمِ منْ هذا المنظار، الناسُ عنده عبيدٌ أو أحرار. لكلِّ نظامٍ عبيدُه وأحرارُه. أو قُلْ إنَّ النفسَ تعرفُ ربَّها أو تعرفُ الأصنام، تنطلقُ أو تستزلم. ولا فرقَ بين مَنِ استزلمَ لنظامٍ رجعيّ أو نظام ثوريّ. المهمُّ أنَّ نفسَه مطيّة. أمّا ابنُ الحرّيّة، فيحيا في ظلِّ كلِّ نظامٍ في الولاء لأولي الأمر، لكي يبنيَ بلدَه بالمعطيات التي بين يدَيه. ولكنَّه يتجاوزُ كلَّ وضعٍ إلى المتطلّعات. الكبرى التي فيها خيرُ الإنسان وكرامته وفرادته وأصالته. المؤمنُ لا شيءَ في محدوديَّةِ النظام وعسفهِ يحدُّه، ولا شيءَ في كليشهاته يستويه. الحقَّانيّات، فقط، تغريه. ولكنَّه يجاور الزائل، يعامله، يسندُه، كي يكونَ أنفعَ للإنسان، أضمنَ للسلام، أدنى للازدهار. وبكلمة، يلازمُ كلَّ نظامٍ ويتعدَّاه، في روح لا تستكين، نحو الأفضل. يقبحُ الظلمَ، ويباركُ العدلَ، ويسعى إلى أن يتكلَّل العدل بالرحمة. لا ينحرفُ بالحقد، كما لا يذعن للجمود. ولكنَّه، دائمًا، إلى هذا التخطِّي الذي يجعلهُ رافضًا لفكرٍ سياسيّ لا توثّب فيه أو ثورة تتبرجز. المؤمن هو هذه الثورة التي تجعل الثورات لا تضيع روحها.
المؤمنون يعاهدون على الإخلاص، ولا يحالفون شكل حكم حلفًا أبديًّا. إنَّهم، دائمًا، أعمقُ ممّا يجري حولهم. ولذلك يمدّونه إلى الأمام. شهادتُهُم أنَّ الإنسانيَّةَ لا ترضى صورةَ حكم نهائيّ. ولذلك عندهم أنَّ مَنْ لا يعيدُ النظرَ، باستمرارٍ، في الأنظمة، ولو سمِّيتْ ثورة، فهو رجعيُّ الثورة. الأنظمةُ ينخرُها أولئكَ المتزلّفون لها الذين تستعمل. ولا يفيدها إلاَّ من ينقدُها، لتتجاوزَ ذاتها في سبيلِ حياة لا تنقطع.
