Category

لسان الحال

مقالات «لسان الحال»، هي مقالات نشرها الأرشمندريت جورج (خضر) في جريدة لسان الحال اللبنانية تحت زاوية حديث الأحد. وقد صدرت هذه المقالات ابتداءً من الأحد 11 آذار 1962 ولغاية الأحد 25 كانون الثاني 1970. وقد نشرت هذه المقالات في كتاب من أربعة أجزاء بعنوان «حديث الأحد» صدر عن منشورات النور في العام 1985.

1964, لسان الحال, مقالات

حقيقة ومحبّة / الأحد 19 تموز 1964

حقائق العلم المنثورة في الكون يستنبطها العقل مستقلاً عن كلّ قوة أخرى. ولكن، على معنى آخر كلّيًا، هي الحقيقة الوجدانيّة العميقة التي تحرر. هذه يرثها الإنسان من السماء. إنّها بنت الكشف، يقذفها الله في القلب ومنها نثب من جديد إليه ومنه إلى الإنسان والكون جميعًا. إنّها ذلك الواقع الداخليّ الذي يمسّ الكيان كلّه ويتقبّله الكيان بما فيه من تأمّل فكريّ وإرادة وشعور. الإنسان كلّه أمام الحقيقة أو هو أمام الباطل وهو بدوره إنسان حقّ أو إنسان باطل. الحقيقة هي ذاك ما ينقدح فينا نورًا. هي تتولّد في الوجود لا في الدماغ وحده، في الوجود المتسائل المتألّم والمتخطيّ نفسه.

من هذا القبيل، الحقيقة في انبعاث وتمخّض. لا شكّ أنّها مسجّلة في ضمير الله ولا شكّ عند المؤمن أن الله سلّمها في الخلاص الذي صنعه. ولكننا نحياها في كلّ يوم لا حرفًا نردّده بل مواجهة جديدة لله والأحياء الذين حولنا. ليست هي قصّة تُروى ولا مبادئ عامّة ولا آياتٍ كريمة أو أقوالاً مأئورة ولكنّها قصّة كلّ واحد منّا مع ذلك الإله الذي يدخل كلّ يوم معنا في حوار حبّ.

ولكنّ الحقيقة ليست فقط هذا الحديث الذي بين النفس ربّها ولكنّها نابعة أيضًا من حديث الإنسان وأخيه. أنا في الحقّ إن أحبّني بشر. أعماق الله تُكشَف لي عندئذ. أنا لا أستطيع أن أصل إلى الإنسان وما لم يصا الإنسان إليّ. في هذه الشركة الطيّبة تتحوّل قصة الله القديمة إلى صلة جديدة. ولماذا لا يلعب الله لعبتي كما لعب لعبة الأنبياء. وإذا كانت رسالة الله متوقّفة على شخصي وشخص من يتّصل بي فنقل الرسالة يستحيل على من لم يحبّ. وهذا يعني كلّ ما يهدم غيري لا يمكن أن يكون حقيقة ولو كان من الناحية العقليّة صحيحًا. المحبّة مركبة الحق وروحه.

وإذا كان وصول الحقّ ليس عمليّة لقاء أو سماع وحسب بل هو كشف في جو محبّة، فهذا يعني أن رعاية الصفاء والثقة بين الناس هي الشرط الأساسيّ لشيوع الحقيقة حتّى جاز القول أن المناظرة ليست على الإطلاق وسيلة لتبليغ الحقّ. لم يكن الإنسان يومًا محض عقل، إنّه وجود يوقظه وجود وينقذه وجود.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

ذكرى كرنفال / الأحد 11 آذار 1964 – من مونيخ

في الإخوة كرمازوف، يقول المفتّش الأكبر للمسيح: «ما لك وللجموع؟ أنت وعدتها بالحرّيّة. دعني أنا أعطيها خبزًا». كان هذا تحدّيًا لقول الناصريّ: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان». خبزًا وألعابًا بالعكس، كان الرومان يتطلّبون. الخبز لأنّهم وقعوا في الحياة، واللعب للخروج منها. وكأنّ الذي لم يطلّ على ما فاق رتابة العيش يظلّ سجين العيش. العبث جزءٌ من دنيا أُلقينا فيها. نداوي ما يتكرّر كلّ يوم بما يعود عند الموسم. ولكنّ اللذّات كلّها نقاط على دولاب الوجود. لا ترتطم واحدة بالأرض، حتّى تستتبع الأخرى، فتُداس اللذّة تلو اللذّة حسب قول الأسطورة القديمة: عندما يبلغ أبولون ديانا، تتحوّل إلى شجرة. فالحياة ليست في التقاط الحياة، بل ما في دوام التجاوز إلى اليقين.

وجوه متنكّرة تطوف شوارع مونيخ الرئيسة. لا يحول تساقط الثلج دون مرحها. ألمانيا كلّها في رقص، وما القناع سوى اتّخاذ دور، كما كان في المسرح الرومانيّ. أليس التشخيص، كما تسمّيه العامّة عندنا، أن نتلبّس شخصًا آخر، كأنّنا صائرون إلى تقمّص مؤقّت. هروب، وكأنّ الإنسان الغربيّ، ليلة ولوجه الصيام، يخجل من العبث، فيستر وجهه بالمستعار. لعلّه لم يقتنع، حتّى النهاية، بأنّ الرزانة يجب أن تتلاشى، فيخلع القناع عند بدء الصوم.

لكنّ الذين يحاولون أن يواجهوا أنفسهم في كلّ حين (والمواجهة من الوجه بالعربيّة) يعبرون الطريق، وكأنّ لا مكانة لهم في الجنون العامّ. ترى بعضًا منهم في خلوة، في الكنيسة الكبرى، وقد نهضت من خراب. لأنّها لم تفن بعد أن أماتها الحلفاء. لم تتنكّر للحياة، فاتّخذت منها خير حديثها. الأسلوب الجديد، في الرسم والنحت والنقش، حيٌّ في تكعيب، بسيط مع الجلال، ليس ممشوقه إلى تأنّث.

تساءلت بسذاجة: «أحكم على البشر أبدًا أن يستوحوا كلام المفتّش الأكبر، ألاّ يقاموا تجربة الخبز واللهو؟ هل يأتي يوم يصير فيه طواف المساخر إلى اضمحلال؟». ما كان يمثل، في ذهني، الدنيا الكرنفاليّة هذه، صورة شهيرة لبروغل في متحف مونيخ القديم: ثلاثة رجال قتلى نوم بعد مدام وطعام، لعلّ العالم سيبقى كذا منشطرًا إلى ذوي شهوة وسبات وأهل إمساكٍ ويقظة إلى يوم يُحلُّ الله الملكوت. في مجال الفنّ، يمثّل رمبرانت ذلك خير تمثيل. في هذا المتحف العظيم ذاته في زاوية ضائعة، له أربع لوحاتٍ: رفع المسيح على الصليب ثمّ إنزاله عنه فقيامته فصعوده. في الأوّليّين والرابعة، المسيح وحده في نور، واللوحة ما عداه مظلمة. فقط، في رسم الانبعاث، يشعّ النور من الملاك من فوق على السيّد الدفين. والنور كلّه كان في يقظته.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

«مين خلّف ما مات» / الأحد 8 آذار 1964

قول يتسرّب إلى اللسان من وثنيّة قابعة في نفوسنا إن نحن قمنا بواجب العزاء، تأصّل في الأرض، في تتالي الزمان ديانة الكثر، وكأنّه غاب عن فكرنا أنّ جيلاً أو بعضًا من جيل ينقضي وتمحق الذكرى. وحتّى النصب، الذي نقيم لكبير في قومه، كيف يترجم حياة هي توثّب فرادة؟ هذا الكائن الأحد الذي كنتُه أنّى لأولادي أن يحفظوا منه غير الصور الباهتة. هم أيضًا مخلوقات فريدة. الذكرى لا نحملها إلاّ لندلّ بها على الاندثار. هي إنعكاس الموت في من بقي.

لا معنى للكلام على الخلود إلاّ إذا كانت في الدنيا طاقة حياة أقوى من الموت، تبتلعه فور حدوثه، وكأنّه هو، بالحريّ، صورة عن استمرارها. البعث، الذي تكلّمت عليه ديانات الساميّين، ليس انقلابًا من المادّة إلى اللامنظور، لكنّه الإقرار بأنّ كيان الإله الحيّ يستقطب الإنسان، فيتجاوز هذا، بنعمة من عند ربّه، ما كان حدًّا لعيشه إلى حيث البقاء. هو إيمان بالإنسان على قدر ما هو إيمان بالله. بإله نواجه لا بإله فكرة. ليس هو الاعتقاد بتلك الإنسانيّة التي تتعاقب بسبب موت كلّ أفرادها، بل إيمان بكلّ إنسان أتى إلى العالم، بأصالته، بأنّه دنيا قائمة بذاتها لا تُردّ إلى شيء آخر، وليس مثلها شيء. الحديث عن القيامة ويوم الدين وما إليهما صورة عن الكيف للتعبير عن هذا أنّ الله أعدّنا للخلود وأنّ لهذه المقاصد محقّقًا. في هذا المذهب، تنقذنا كلمة من فم الله، وفي ذاك انحدار الألوهة نفسها إلى القبر، لتفجّر فيه قوّة الحياة وغلبتها.

هذه النظرة وتلك، الرحمة تجمعها ما أعمقهما إذا قيستا بما نطق به أخيرًا جان بول سارتر في كتاب «الكلمات». يقول إنّه لم يخش الموت لأنّه كان دائمًا رفيقه، وإنّه لا يعقل نفسه محقّقًا إلاّ ما وراء موته. لا يخفي سارتر جحود مع أنّه، في الأخير، لا يبدو جازمًا. سيوجد إذًا، وهذا قوله، في حافظة الناس. ولذلك عرف، وهو في التاسعة، أنّه سيصبح كاتبًا. ولكن، إذا اندثر ذكره من أرض الأحياء، فمن أين له الوجود الذي يرتقب؟ ولذلك يرتعب لفكرة كارثة قد تودي بالكرة كلّها.

ليس سارتر أعمق من العامّة عندنا إذ قالت: «مين خلّف ما مات». يجترّ هذه الوثنيّة العتيقة. أهمّيّة الإله الحيّ أنّه يقيم وجودي، يعترف بحرّيتي كاملة ولو استعملتها ضدّه، وكأنّه يرضخ لذلك لأنّي بها أثبت نفسي. وما انحنى هو عليّ بكلمة توحي أو رقّة تغفر إلاّ لأنال منهما ما يؤهّلني، إذا أغمضت عينيّ، إلى ولوج ملكوت الحياة.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

وجه / الأحد 23 شباط 1964

في يوم قريب من هذا، نطلق إنسان صديق إلى ما وراء حجب الدنيا للقاء الأكبر، كأنّه إلى موعد حبّ. ذهب في خفّة الحرّيّة ومهابة المواجهة كمن يلبيّ نداء، يدفعه توق غريب، وفي أعماقه كينونته أنّ مغامرة الأرض لا نشوة فيها ما لم تكن تذوّقًا لجمالات الخلود.

استهان الألم لا ترفّعًا، بل يقينًا منه ملازمه حتّى آخر شوط. لم يتساءل عن سبب تكثّفه فيه، ولعلّ ذلك كان خيرَ وجه من وجوه إيمانه. ما احتسب يومًا أنّ صبره قدرة، لكنه رأى، في انسياق العبر، أنّ الصمت من مقتضيات الكرامة وأنّه مطلّنا على الآفاق التي تتكلّم. فضيلة كهذه في ذروة مدارج صعاب. غير أنّ الصمت تفضحه البسمة. قد تحمل هذه السخر الشفوق أو رقّة في خفر. وفي كلّ حال، هي العالم الداخليّ منقوشًا على وجه لحوار.

حضرة كهذه لا تغيب أن كان من يستطيع أن يتقبل الصلة. هذه ما كان الجسد إلاّ ركيزتها. ما لنا وللمتوكّأ إذا سقط. هذا الحضور الآتي من بعيد ما زالت منه غير الترجمة. وعندما نلحُّ على شدّ المحسوس إلينا فنستميت لتحلّ المعجزة ولا يتفلّت الراحلون من نطاقنا، أفلسنا نريد لهم أحيانًا مصيرًا لم يرتضوه؟ أليست المحبّة أن نفسح لهم مجال ميعاد تمنّوه؟ وإذا كانت «المحبّة أقوى من الموت»، فنحن معهم على حقيقة الشركة.

الذين اتّخذوا الأبد محجّة لا يفرّق بينهم زمان الارتحال. يجمعهم المبتغى وفيه فقط يبلغون التلاقي الحقّ. فالنفس، إذا صفت بالفراق، زالت بينها وبين من استبقي الحواجز، وكأنّنا نحن أيضًا، على نحوٍ ما، ورثة لبلّوريتها. ندرك، إذا عرفنا ذلك، أنّ التركة التي لنا أغنى ممّا كنّا نظنّ وأنّ ما حسبناه انسلاخًا ما كان سوى وضع آخر من أوضاع الوجود.

الجوهريّ تنقله العبادة أكلمةً كانت أم لحنًا أم مخطوطًا. ولكنّا، في الأساس، نشتاق ما كان التجسيد محاولة للتعريف عنه. من عاش العلاقة البشريّة هكذا، كان يقول بالخلود عنده من مستلزمات هذا العيش. من خبرة الموت نشرف على الوجه الأرضيّ من كياننا وعلى الوجه ذاك. منها نعرف الذي كان في من تولّى فريدًا، ذاك الذي يعلو العابرات والتقطنا عنه صورًا لا تُستعاد. نفهم، عند ذلك، أنّ هذه الشعلة ليست إلى انطفاء، وما كان الغلاف الجسديّ سوى زجاجة المصباح. المذهب، الذي يحتاج إلى الحجّة، ليس القول بالبقاء.

Continue reading
1964, لسان الحال, مقالات

اليوم / الأحد 16 شباط 1964

الزمن، الذي يعنيني روحيًّا، هو اليوم.«اليوم إن سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم». الآن، أنا في مواجهة الله والمقابلة الوجدانيّة مع الخليقة.«لا نعلم بعد ماذا سنكون». ولا مسؤوليّة لي عن آتٍ ليس بعد. ما أحقّقه اللحظة، يميّز حاضري. في الآن، أحبل بالمستقبل. لا شكّ في أنّ ارتقاب الآخرة بعض من إيماننا، والتطلعَ إلى خلاصٍ حصل أو وحيٍ بعضُهُ الآخر. ولكن، أليس الإيمان كلّه «قيام المرجوّات فينا وبرهان غير المنظورات»؟ فكأنّ بالإنسان في حقيقة الخبرة الروحيّة يشدُّ إلى نفسه فعل إنقاذٍ قديم يذهب به إلى ما سيكون، فيذوق، الهنيهة، ما انكشف وما سوف ينجلي. هذا الإيمان فيه الرؤية الآنيّة للحقيقة المنسكبة على الناس في كلِّ أبعاد الزمان. هذه الرؤية هي مصدر الشهادة، إن لم تكنها.

وهذا يقود، من الناحية الأدبيّة، إلى أمرين. فبالنسبة إلى الآتي، ألاّ أرجى التوبة، فربّما لا يكون زمان، أو ربّما لا أوهَبُها فيه. والحقّ أنّي، إن لم أردها الساعة، فلست بعدُ من أهلها. ومن ناحية أخرى، أن أهمل إصلاح الدنيا رغبةً منّي في الآخرة وإيثارًا لها، فهذا يدلُّ على أنّي لم أفهم السماء منطلِقة من الأرض الوهّابة ومستقَرٌ للبشر الذين يحوطون بي، وهم بي يطهرون وبسببي ينساقون إلى الأرجاس. من هنا نبدأ الآخرة. الدنيا عتبة الجنّة أو مستهلُّها. حضورنا في الدنيا سبيلنا إلى حضرة المجد واليقين في النعيم.

وإذا كان الشطح نحو الآتي هروبًا، فالإنخطاف إلى الماضي ليس دونه هروبًا. في النطاق الأدبّي، هذا يعني أن أنسى معاصي الماضي لئلاّ تجذبني الذكرى. شيء من الذكريات حيلة من حيل الشيطان. ما انقضى من الأثم عبء ثقيل، خلْعُه أساس للوثبات واكتساب الحرّيّة الداخليّة. «أنسى ما هو وراء وامتدّ إلى قدّام ساعيًا نحو الغرض». سيمون ده بوفوار، في كتابها الأخير، تحزن على الذكريات: «فإنّي أحسُّها محكومًا عليها بالإعدام». اشتياق المؤمن، بعكس ذلك، أن ينعتق من الليل الجاثم على صدره إلى نور الولادة الجديدة. وتتساءل الأديبة الكبيرة: «أعلامة الشيخوخة قلق كلّ رحيل، كلّ انفصال!». المؤمن فتوّة دائمة، لأنّه لا يرحل إلى فراغ، ويعرف، وهو في شركة الكون، أن لا انفصال. تاريخه تاريخ الكلمات التي يقولها الله فيه. بسبب هذه الكلمات، كلّ حياتنا منفسح الله، مفتوحة في ما مضى منها على الغفران، وفي مصيرها على الرجاء، ومحورها إيمان اللحظة وفرحه.

Continue reading
1963, لسان الحال, مقالات

خواطر خريف / الأحد 8 كانون الأوّل 1963 – من جنيف

هذا الامتداد الآخر يمنةً ويسرةً، والقطار يشقّ الهواء، ترتاح العين إليه كأنّ الخضراء وحدها أليف. كلّ شيء في هذا البلد لون، وجنّاتهم لم تتحوّل صحارى. بعض من الشجر الباسق تكسوه أوراقه حتّى المنتهى في إخلاصها إلى جذع يرتوي. وبعض من الجذوع حيرى بين اكتساء وتعرّ. ولكنّ أغصانها تجرّدت، لينطلق البصر من خلال تجرُّدها إلى ملءٍ أمدى. مع ذلك، لا يكتمل العراء، لأنّ ما يلوح كذلك بعد رؤية خاطفة إنْ هو إلاّ شيء أدنى إلى الفسيفساء، وكأنّ الطبيعة تماثل الفنّ ولا تتكسّر إلاّ ابتغاء الفداء. وينساق اللون تلو اللون بغير نفور، لعلّ يدًا ساحرة أحبّت أن تطمئنّ العين إلى هذا التنوّع العجيب الذي يُنقل إليك في سرّ وحدته. وإذا أنت سرت على دروب البلاد – وكلّ بقعة فيها مغناج – تطأها عسجديّةً، لأنّ الخريف أهمل الورق تحت قدميك، لتطأه، بدون رفق، في تناهيه.

وإذا فاتتك هنا فرصة الشمس، تنال نعمة فوق النعمة من كلّ ما هو طريح الأرض. هذا إلاّ طراح فيه بعض من مبتغانا. إنّ المتعبّدين أنفسهم يسعون إلى الواحات. الإنسان دائمًا بين صحراء وجنان في التمزيق. ولكن، قيل مرّةً إنّ البادية تنقلب فردوسًا. وجنّات الأرض، إن أبعدت بعضًا عن الباقيات، ليست بالضرورة ملهاة. أليست سماء الله كلّها لونًا ونغمًا؟ لن تكون ملكوت الضجر. وإذا كانت البادية مهبطًا للوحي، فالمنشود انطلاق الوحي إلى آفاق لا تحدّ. الفراديس مصاحف كالبوادي. المتاهات تهجئة، والناس كلّهم يعبرون الهجاء إلى اللفظة فالكلمة. والمعاني دقيقة، ولذلك تعود إلى المصدر، حينًا بعد حين، لنلتمسها فيه. كذا، بعد الجهاد، تغمر الروح أنوار التأمّل، ثمَّ نرجع إلى رياضات قد تبدو جافّة بعد المشاهدة، ولكنّ القحط طريقنا الطويلة إلى محجّة الأبد.

وفي أعماق التبصّر، الغبطةُ جنين الكفاح الداخليّ. الفرح لا يتلو الجهاد كما تتتابع صفحات الكتابة، لكنّه السطور المكتوبة في سفر الجهاد. لا بدّ للمعاني من كتاب يحويها، ليحفظها. هي فيه للأمّيّ دفين، حيّة للعارفين. إنّ من طلب ربيع الفرح لن يدركه إلاّ إذا قبل شيئًا من خريف، رغائب تضمحل كالورق، مطامح يدوسها الناس، أن يحتجب العنف كما تنكفئ الشمس فوق غيوم هذا الفصل العظيم.

Continue reading
1963, لسان الحال, مقالات

1964 / الأحد 29 كانون الأوّل 1963

أليست تمنّيات العيد نابعة من ملل الماضي؟ والسعادة التي ننشد نراها في الوقت الذي أمامنا، لأنّ ما انقضى من الوقت لم يؤتنا ما كنّا نبتغي، فنمتدّ شوقًا إلى الآتي علّنا نستردّ ما فات من فرص انطوت في زمان ميت. هذا يطرح مشكلة السعادة من أساسها. والفرق بين السائلين عنها ليس فرقًا جذريًّا. إذا كان الأنا هو ما يبحثون عنه، فتكون أسباب سعيهم قد اختلفت، لتتلاشى جميعًا في مقبرة واحدة. فما الفرق بين متع الهنيّهة ألهوًا كانت المتعة أم ارتزاقًا؟ إنّ اتخّام هذه «الذات» العابرة عابر أيضًا. إنّه ظلّ الظّل، وهم لا يكاد يرنو إلى الوجود حتّى يغيب. ولذلك السؤال عن مكمن السعادة سؤال باطل إذا كان المقصود منه الاختيار بين الشهوات. فكلّها تنصبّ أخيرًا في الأنانيّة مهما تباينت ألوانها. والذين يفاضلون بين لذّة ولذّة، بين مجد ومجد، بين وجه ووجه، ويجدون كلّ الحياة في ما يفضّلون، صائرون جميعًا إلى التعب. وما التنقّل بين اللذّات أو الأمجاد سوى تأكيد لهذا السأم البشريّ الذي يتخبّط فيه كلّ من ابتغى لنفسه، في حدود المنظور، مقرًّا ومن جعل الأنا فيه ملتقى الكائنات.

إذا كان ماضينا فيئًا يميل، فالمستقبل كذلك في حال اعتقادنا أنّ السعادة هي في ما يأتي إلينا، في ما نجنيه. ولكن، إن آمنّا بأنّ السعادة هي في ما نُعطي، في الشهوات التي ننحر لنصبح قادرين على النموّ، عندئذٍ لن تكون السنة الـ1964، بحدّ ذاتها، شيئًا. سيكون جمالها ليس في ما تقدّم، بل في ما نقدّم نحن فيها للناس الذين جعلهم الله في نطاقها. هذه الأزمنة المتقادمة ليست سوى فرصة لنا نمارس فيها حرّيّة انطلاق، نحيا فيها ارتقاب النعمة، يتكثّف النور فينا في مدارها، لنذيعه على العالمين خلاصًا من دوران الوقت ومن التقيّؤ. وبكلمة، لا نسأل عن أنفسنا ولا عن امتدادها، بل عن الآخرين، وإذا بالنفس تكتسب وجودًا وتمتلئ فاعليّة.

تبتدئ السعادة، بالضبط، عندما أنسى أن أسعى إليها، لمّا أخضعها، هي أيضًا، للمشكلة الكبرى: كيف يتمّ حقيقةً خلاص الناس؟ إذا صرت هذا الإنسان المغترب من فلسفة التمتّع، فالمستمعون يطرحون، عندئذٍ، على أنفسهم مشكلة معناهم في الوجود. وقد يدركون أنّ سبب الخيبة كان في طبيعة سعيهم وأنّ الانتقال منه إلى سعي مثيل فريد في الخيبة. ولذلك كان لهم في من استنار فرصة الخروج من الامتداد إلى الصعود. «وكلّ ما يصعد فيهم يتّجه إلى لقاء»، لقاء الله مصدر فرحنا ولقاء الآخرين في محبّة معطاء.

Continue reading
1963, لسان الحال, مقالات

شباب أم شيخوخة / الأحد 3 تشرين الثاني 1963

لفتني، في عدد الجمعة 25 من الشهر المنصرم، «حديث لكوكتو» فيه كلمة لبيكاسو يقول فيها: «عندما يبلغ المرء الستّين، يبدأ أن يصبح شابًّا… في هذه السنّ، يبتدئ الإنسان يشعر بأنّه حرّ، يتعلّم أن يتخلّص من كلّ شيء إلاّ من بساطته الخلاّقة الضروريّة». لا شكّ في أنّ البساطة ذروة من ذرى الوجود أكان ذلك في الفنّ أم في الحياة الروحيّة، ولا يبلغها الإنسان عادةً إلاّ بعد اجتيازه مضايق التعقيد العقليّ والارتباك الضبابيّ الذي قد تتّسم به الفتوّة. وإذا أوتينا نعمة البساطة بتقادم العمر، لا نفقدن بالضرورة، «فرصة التمرّد» الذي يتكلّم عليها كوكتو. والتمرّد أدنى إلى الحقيقة من الثورة وإن لم يكن الوجودَ عينه، بل إمكان إطلالة على محتوى الوجود. المتمرّد لا يتربّع في الحقيقة كالمتذهّب الخامل. وقفزته فوق الهاوية أقرب إلى اليقين الدينيّ الخلاّق من جحود الرابضين في قفص المحافظة. أنا لا أخشى على المتمرّدين الخطر، لكنّي أحسّ بأنّ عصيانهم مرحلة دون البساطة وتاليًا تخلّف عن الحرّيّة التي يدعونا بيكاسو إليها.

وبالضبط، السؤال الشرعيّ، الذي يُطرح على هذا الرسّام الكبير، هو ما هي الأمور التي يجب أن يتخلّى الإنسان عنها، ليكون حرًّا. هل إذا أزيلت صورة الإنسان من الفنّ، كما فعل هو بعد مرحلته الزرقاء، يبقى للفنّ وجود بالمعنى الإنسانيّ المتكامل؟ لا شكّ في أنّ الفنّ التجريديّ صورة عن الإنسان الذي أضاع نفسه. قد يكون هذا الإنسان المجزّأ المشتّت في غيابه، موضوعًا فنّيًّا، وعند ذلك يشهد التجريد لحقيقة الله وراء هذا التبدّد. ولكن، في الحياة الروحيّة، ماذا يقابل التجريد؟ أنتجرّد عمّا فينا دون الوقوع في الفراغ؟ ومع ذلك، يجب أن يتخلّى الإنسان عمّا يبيد الإنسان فيه، إذًا عن كلّ شيء تقريبًا ما عدا هذا الذي يجعله إنسانًا، كائنًا قائمًا بين السماء والهاوية، معلّقًا بين الوجود الأعلى واللاوجود، في كيان البساطة التي تدرك ارتباك المخلوق ولم ترَ بعدُ البهاء اللامتناهي الذي ينتظرنا. في بركات البساطة، لا يبقى هاجس المرء الظهور، لأنّه أدرك أنّ «الأنا مقيت». وإذا باللمعان فيه يعطيه عمقًا مشعًّا، وتصبح كلّ حقيقة لديه تلك التي بالحبّ تشفي.

عند ذاك، الحديثُ عن التمرّد لغوٌ، والمفاضلة بين سنّ وسنّ فيها من القصر الروحيّ الشيء الكثير. كلٌّ يكشف فضائل عمره، أو يتغنّى بما فات، أو يستهين بالحداثة. والحقّ أنّ القضيّة لا تكمن في نضارة قد تكون عن الشباب العابث ولَّت، ولا النضوج عند الشيوخ ثمرة تراكم السنين وحسب، لأنّ تراكم الفراغ فراغ. القضيّة ليست هنا، لكنّها في تلك البساطة التي تعطيها الشفافيّة عندما تتجرّد النفس عمّا يطويها. فإذا نظر المرتبك إليها أو اللاهي، يحيد عنه الضباب.

Continue reading
1963, لسان الحال, مقالات

تجربة الهروب / الأحد 4 آب 1963

الذين أحبّوا الحقيقة فوق كلّ شيء يُعانون الوجود معاناة قاسية، لأنّهم يريدون الناس مسلمين إليها، وأكثر الناس منافقون. ثمّ الذين لا يحقّقون، في الواقع، رغباتهم، وهم غرقى الرغبات، يتلقّون أيضًا من هذا الواقع الصدمات. أهلُ البِرّ وذوو الشهوات جميعًا أمام تجربة الهرب من الواقع في تحدّيه الأليم. ولذا نخشى المواجهة فتتضخّم أمامنا بشاعة الحياة.

في سعير هذا التصادم المستمرّ بيننا وبين البيئة، عند أهل البرّ وأهل الإثم، عبّر الهرب عن ذاته بما يمكن أن يُسمّى التسلية كائنةً ما كانت مراتبها وأنواعها. فالتكالب على الدنيا وعلى الجسد تسلية. والاستغراق في التأمّل النظريّ، الذي لا يُنتج فعلاً روحيًّا، تسلية. فلأنّي لا أريد أن أجعل بيني وبين الآخر علاقة إنسانيّة تقوم على الحوار والتعاطف، لأنّي لا أقتبله كما هو ولا أمارس المحبّة فينغلق عليّ الوجود، فأنا في اضطراب دائم أحيد عنه بالتسلية. وبالنهاية، مَن حلّ كلّ مشاكله الإنسانيّة العميقة، لا يحتاج إلى تسلية.

ومن أعرض عن ملذّات الدنيا، بسبب من عقيدة، وخشي المواجهة الإنسانيّة، أو كان صريع الأشرار فلم يصمد أمام مقاومتهم، مَن اضطرب من كلّ شرّ ولم ينل نعمة الصبر، هذا أيضًا في هروب. والغضب وجهٌ من وجوه هذا الهرب. إنّنا به نغطّي عجزنا عن حلّ مشكلة أو مقابلة ذهن آخر. ولذلك يهرب الصراعيّون، إذا تلقّوا الإخفاق، إلى مختلف ألوان الفنّ أو إلى طريقة أخرى في النضال ليس فيها مواجهة للحقائق، وهي، تاليًا، طريقة نضاليّة كاذبة. وهذا، أيضًا، في النهاية تسلية.

العزلة في هذا المعنى هروب، إنّ كلّ إنسان ضروريّ في هذه المحادثة العامّة الجارية بين الناس والتي نسمّيها الحياة الاجتماعيّة أو الحضارة أو التاريخ. وليست المشكلة في شكل الحياة التي نتّخذ. فالثرثارون المنطرحون في كلّ الحفلات أقلُّ الناس نفعًا في الحوار البشريّ، لأنّهم في فراغ. والراهب الصامت، الذي ينحت حياته قداسة وفعلاً، لأكثرهم حضورًا في المحادثة الإنسانيّة الكبرى.

أن أبقى خيرًا دون أن يتغيّر الواقع، أن أتوقّع السيّئة من كلّ إنسان ولا أحجب عنه محبّتي، أن «أسكب حولي العطور والأغاني» وأنا أعاني في هذا الوجود مريره، ألاّ أتخلّى عن أحد لحظة، ولو اكفهرّت الدنيا في عينيّ وخنقني دخان ظلامها، أن أحيا صادقًا وسط الدجل العميم، هذا عطائي للوجود. في هذا كلّه، قد أتوكّأ على قلّة كريمة، ولكنّي، بالنهاية، وحدي في أداء الشهادة. ومع ذلك، وعلى الرغم من وحدتي، أنا مقرُّ الألوهة.

Continue reading
1963, لسان الحال, مقالات

أربعون / الأحد 7 تمّوز 1963

اليوم، يبلغ أعزّ شخص لديَّ الأربعين، وكان، قبل ذلك، ينظر الى هذه السنّ وكأنّها المنحدر. إنّها لأعجوبة لو صارت بالنسبة اليه عكس ذلك. ربّما لا تكون سبيلاً إلى الشيخوخة إلاَّ جسديًّا. ولكن، أنىّ للتعبير عن الصبا الروحيّ أن يتوفّر والخلايا هرمة والشيء الكثير من الحسّ تضاءل. قد تبقى اليقظة، واليقظة من نعمة ربّك، وهي وحدها، بالنهاية، دليل الوجود الإنسانيّ الفريد.

قيمة الكهولة في أنَّها تكشف الإنسان لنفسه، تكشفه مراهقًا يستمرّ أو بالغًا تجاوز الزمن إلى التطلّعات الباقية. هذه الحسرة المتواصلة على فقدان الشباب مزاولة للرهق الذهنيّ الذي يرافق الأكثرين، وكأنّهم لا يرون وجودًا إلاّ في المتعة البكر أو، إذا علت رتبة تفكيرهم، في هذا الحماس الدفوق الذي يتّسم به اليافعون. هم على شيء من الحقّ إذا أحسّوا الحياة فورة من القفزات نخلع عند كلّ واحد منها ماضيًا عتق، لندرك سرّ اللحظة في طفرتها. أليست الحياة في الآن الأحد، في اللاعودة؟ ومن هذا القبيل، أليست الكهولة، على قدر ما هي حسّ التكرار، صدمة للحياة أو مذاقة موت؟

كانت هذي خواطر رفيقي لمّا أحسّ دنوّ الأربعين. من جهة، هو راضٍ عن تخطّي الصبا. ومن جهة أخرى، بقي في نفسه شيء من الحنين إلى ذلك السيل المنهمر من الحيويّة التي كان يعرفها في نفسه قبل سنوات، وكأنّ السنّ، التي أدرك الآن، انتزعت منه هذه الحيويّة دون رجعة. فحاولت أن أقول لصديقي أمرين هما غاية في البساطة. أوّلهما أنّ الحياة في صورتيها، مسيرة وبقاء، وأنّ الذي يسلك كلّ سبل العمر، وليس فقط أولاها، يمثّل لنا الإنطلاق والدوام. ويكون عندئذٍ، عمره صورة عن وجهين يظهر الله لنا بهما: الحركة والثبوت. وكانت كلّ قيمة الشباب، في غليانه، أنّه يرمز إلى دفق النعمة في تجديدها لنا وصقلنا.

ثمّ هذا النضوج، الذي أظنّ أن صاحبي بلغه، ليس، بالضرورة، قطعًا للابتكار وتردادًا لاكتشافات النضارة، وهي قادرة، في كلّ حين على أن تسلّم ذاتها للأجيال كلّها، إن حفظت هذه الأجيال الفتوّة الجديرة، وحدها، بهذا الاسم، أي فتوّة اليقظة. بوركت كهولة كهذه تحتوي على كلّ روعة الشباب. ففيها، وحدها، تجد الحداثة مصبًّا لرغباتها ومطهرًا.

وثاني ما قلت لصديقي إنّ ما بلغه من السنّ يمكن أن يكون مرتفعًا يثب منه إلى السماء إذا عرف أن يتتلمذ على الموت. في هذه السنّ، تكمن حكمة صاحبي أن يتدرّب على النهاية بمحبّة تصبح كمال الرضا وقوّة الصفاء. لأنّ الباب، الذي سيفتحه له الموت، يدشّن له ذلك الصبا الأبديّ الذي تبحث عنه الإنسانيّة منذ أن طُردت من الفردوس، وأُودعت شعلة لا تنطفئ.

Continue reading