Category
مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.
كل الشهوات متماسة، متداخلة لأن النفس بناية واحدة في الرذائل والفضائل. فحب التملك يخامره اعتداد او استكبار او استعلاء. غير اني سأعزل اشتهاء الغني حرصاً على دراسته وهو على تلك الجسامة التي تستدعي مني ومن القارئ انتباهاً كبيراً.
ما لفتني في لغتنا انها تتفرد بالمقابلة مع لغات الغرب بأن المفردة الاكثر استعمالاً عندنا اي الغني تعني من استغنى عن سواه. تدل على موقف وليس فقط على كثرة المال. الثري عندنا تقابل بالفرنسية Riche او مثيلتها بالانكليزية. والمفردة الجديدة في عالم المصارف هي المليء. الكلمة عندنا اعمق دلالة واعظم فتكاً. تدل على اعتزالنا الناس بسبب من ركوننا الى ما جنيناه او بسبب من طمعنا به. والغنى فيه طبعاً حركية الطمع.
ما من مجال هنا لنتدارس روحية الفقر في الحضارات القديمة، في الهند مثلاً حيث تنكر ملوك لما يملكون واعتنقوا التسول منهجاً يتروضون به. الاقرب الينا والامضى في الدعوة يسوع الناصري معلم العراء الكبير. هنا اسارع الى القول ان الكثرة لم تفهم تعليمه في هذا الباب فهو ليس داعية الفقر ولكنه داعية لتحرر القلب من شهوة التملك. هو معلم الحرية من وطأة الملك ابتغاء الحرية الداخلية بالله. هو ليس ضد الاشياء الكائنة بما فيها المال ولكنه ضد ان يستعبدك المال وان تدع نفسك عبداً له. فالتضاد عنده ليس بين الاغنياء والفقراء ولكنه بين الاحرار والعبيد. فقد تكون حراً مما تملك وقد تكون عبداً لما لا تملك. واذا كان الغني من استغنى عن الناس واستتباعاً عن الله فالفقير هو الفقير الى الله واستتباعاً الفقير الى محبة الناس له. في الرذيلة او الفضيلة القضية كلها قضية علاقة. وبسبب من العلاقة نتحرك بالموجودات.
ما اراد الكتاب تأكيده ان “ما حياة الانسان بكثرة امواله”. في لوقا يلام الغني الغبي ليس لانه هدم الاهراء ليبني اكبر منها ولكنه ليم لكونه صار مستريحا في هذا ومتنعماً بطعامه والشراب. يشبع فتفرح نفسه من ثرائها. نفسه تستلذ ذاتها ولا تغنى بالله. المال يعفيك من السعي الى طمأنينات غير طمأنينته. والطمأنينة هي في التحديد اللغوي الايمان. خطر الغنى ان يستبدل صاحبه ايماناً بإيمان.
وان يستبدل حباً بحب. فهذا مثل الغني ولعازر في انجيل لوقا. رجل غني يلبس الحرير والارجوان ويقيم الولائم كل يوم (كأنه كان من البورجوازية اللبنانية) ورجل فقير اسمه لعازر (ومعناها “الرب عوني” ما يؤكد ان تعريف الفقر هو الفقر الى الله)، تغطي جسمه القروح. وكان ينطرح عند باب الغني وهذا لا يراه. اظن ان هذا هو عمق المأساة ان الاغنياء الذين تحدث عنهم الكتاب هم الذين لا يحسون بألم المحتاجين. والآباء في ذروة تعليمهم عن الخطيئة قالوا انها عدم الحس.
لست ارى حتى عند لوقا تعظيماً للفقر كحالة اجتماعية. لا يهتم الناصري لاي وضع مجتمعي غير مقرون بموقف روحي. فحتى في قوله: “طوبى لكم ايها المساكين، لأن لكم ملكوت الله” يرى الكتاب ان وضعهم ممزوج بحاجتهم الى الله وتقربهم منه. ودليل ذلك ما جاء عنده بالمقابل: “ويل لكم ايها الاغنياء، لانكم نلتم عزاءكم” اي لانكم لاكتفائكم بأموالكم ما التمستم تعزية الله.
السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه اللمحة الانجيلية الخاطفة هو ما الشر الذي يراه الروحانيون في هذه الشهوة. هذه الشهوة هي استلذاذ الملك. التلذذ بالبقاء عليه والحزن لحرمانه وخسارته والتوجع لعطائه. قضيتنا ليست وحده. انه الكم بقدر ما يوسوس فينا التعلق به والانهزام امامه وتصاعد تشهيه اي الطمع به الى ما لا نهاية. وقد تكون الرغبة في الازدياد اسوأ ما في هذه الرذيلة كما ان قانص الطير يهمه القنص لا الطير والمقامر همه المقامرة لا الكسب. سوء الطمع او البخل انه “حب ظافر بكل حب آخر يطرد من النفس كل رغبة اخرى”. كذا يقول يوحنا الذهبي الفم. اذى هذه الشهوة ككل شهوة اخرى انها تستغرق طاقة فينا عظيمة. انها عبادة لسيد آخر اي انها تدخلنا في مقدسات اخرى. المال هو ما نبذل له كل النفس فلا مكان فيها لآخر. لا، يبقى فيها شيء آخر ولكنه يداخلها وهو المجد الباطل.
الرؤية الانجيلية للاغنياء والفقراء اخذت حدة كبيرة في تعليم الآباء في القرن الرابع الميلادي حيث اشتدت الضائقة الاقتصادية وكثر المحتاجون وكان على الاساقفة ان يتدبروا امر الرعية بما يجمع المؤمنين بعضهم الى بعض فظهر تعليم عن المال على انه وكالة الهية وليس حقاً فردياً مقدساً. فعظمت الدعوة الى التعاضد. الدعوة قائمة في العهد الجديد واضحة. الا انها ترسخت واقيم التنظير لها حتى ذهب باسيليوس الكبير المتوفى السنة ال379 الى ان الناس جميعاً متساوون لكونهم على طبيعة واحدة ومخلوقون على صورة الله ولهم مخلص واحد. فالملك اذاً مشترك بين الناس جميعاً بلا استثناء حتى يتمتعوا به جميعاً بالتساوي. فإذا اختل هذا التوازن بالتوزيع فهذا مخالف للطبيعة والوضع البشري الاساسي. وبقى الخلل ونما بسبب شهوة المال وشهوة الطمع. فبوضوح كامل عند باسيليوس متعة المال للجميع اصلاً وليس المال ملكاً. هذا ما اباح للقديس باسيليوس ان يقرر ان الانسان يستعمل المال “كوكيل لا كمستمتع”.
يلاحظ آباؤنا ان الاغنياء من حيث الواقع لا يحبون الآخرين. مع ذلك يبقى سؤال رجائنا. كيف يدخل الجمل من ثقب الابرة، كيف له ان يطلب الملكوت. كيف يصبح المستحيل عند الناس غير مستحيل عند الله؟ فالأثرياء هاجسنا لانهم اخوة. لقد قال الله لهم كيف يكسرون اصنامهم. لقد قال لكل منا كيف يخرج من وثنيته.
من يعطي الاغنياء ان يفهموا ان ما يملكون ليس بشيء وانهم هم شيء لكون الله أباً لهم وان عليهم شيئاً واحداً ان يفهموا محبوبيتهم هذه ثم ان يدركوا انهم اخوة للمحتاجين. كيف يعبرون عن هذه الاخوة هذا شأنهم. وقد يصل بهم الحب الى التحرر من كل ما يملكون وفق كلمة الكتاب: “بدد، اعطى المساكين فيدوم بره الى الابد”. متى ادركوا ان الحرية في العطاء، ان الحياة كلها كلها في القلب المنكسر في ان يصيروا “مساكين بالروح”. عند ذاك يفهمون ان ربهم لم ينعم عليهم لما كثر مالهم ولكنه انعم لما بددوه فوجدوا انفسهم من ضياع.
اذ ذاك الله يشتهيهم احباء له.
Continue readingفلسطين الدعوة أكبر من الأرض. يذهلني فيها أنّها لا تسكن دار الخوف، أنّ رجاءها أعظم من واقعها. أفهم أن تكون مشدودة بين مرارة الوعود وضياء التطلّعات حتّى يعمّ الفهم الدنيا وتنصف فتصبح القدس محكّ الصدق. وقد تعظم صحوتها ببركات الدم المراق وكيف يهدي العالمين. إن لم ننظر إلى فلسطين حدثًا روحيًّا كبيرًا نبقى أسرى مشاعر من هذه الدنيا. أنا هذا لا يكفيني ولا أتجنّد له. أنا مع هؤلاء القوم في مظلوميّتهم ومع القدس في نورها. دم الظالم ليس فيه شهادة. أنا مع فلسطين حتّى تسمو وأرتفع بها. وما التفاف أبنائها إلاَّ نداء إذا سمعت إليه يزكّيني في إنسانيّتي ويجعلني أكثر نباهة وأشدّ إحساسًا في كلّ مساعيَّ. وإذا تبرّر إنساني الداخليّ بالقدس أنظر إلى لبنان مقدسيّ الدعوة أي مطرحًا سماويًّا استلهامًا ففعلاً إنسانيًّا يتفجّر ضياء.
فلسطين ترعى عهد الحبّ بعذابها وتحيا حرّة به وحرّة منه، مرشّحة للقيامة في هذا الدهر، مختارة بالحبّ الذي ينزل عليها. ولذا، بمعنى، كانت فوق السياسة. لذلك لست أنت مختارًا بين حبّك إيّاها وعدمه. أنت مبارك بها. هذا حوار المرئيّ وغير المرئيّ الذي تكون فيه المحسوسيّة مرآة اللامحسوسيّة واللحظة طفرة إلى الأبد. هذا وحده يعيدك من الهروب. لذلك كانت المقادس الفلسطينيّة رياضة قلوبنا.
الذين يموتون معًا هم دائمًا واحد. وما أعرفه من متابعتي التحرّك الفلسطينيّ منذ 1936 هو أنّ الذين ناضلوا معًا صاروا معًا في حلم الأجيال اللاحقة. هذا أنشأ وطنيّة واحدة عندهم، ولم ينكشف فيها انغلاق طائفيّ، وقدروا على خطاب عربيّ حضاريّ أرادوه بمشاركة اليهود لمّا عاد النضال مع الثورة في أواسط الستّينات. ثمّ خاب الأمل من كيان واحد. ولعلّ اللغة القوميّة هناك تتجاوز ثنائيّة المسيحيّين والمسلمين التي نحكيها في لبنان. لغة نكهتها علمانيّة بمعنى أنّ التوق باقٍ إلى وجود وطنيّ جامع. وعند حلول السلام لا بدّ من أن يواجه الفكر الفلسطينيّ إشكاليّة العلاقة بين الوعي القوميّ والصحوة الإسلاميّة، وهي إشكاليّة مطروحة منذ بضع سنوات على مطارح البحث في محافل بيروت.
# # #
هذا التلاقي المسيحيّ – الإسلاميّ مرموز إليه في القدس لكونها كانت قبل احتلالها موطن الجماعتين الكبيرتين. ولا تزال من زاوية الأماكن المقدّسة كذلك. ليس في المدينة العظيمة أيّ أثر يهوديّ يذكر ما عدا بعض الحجارة التي تسمّى حائط المبكى. وحتّى اليوم لم ينبش أثر من هيكل أورشليم، لأنّ الهيكل الثاني أحرقته كلّيًّا الجيوش الرومانيّة السنة الـ70 ولم يبقَ منه حجر على حجر كما تنبّأ له المسيح.
أقول هذا ليس من أجل الحديث التاريخيّ ولكن لأوضح أنّ هذه الثلاثيّة اليهوديّة – المسيحيّة – الإسلاميّة ليس لها تجسيد يذكر حتّى اليوم إذا اعتبرنا المدينة داخل السور. وهي الوجود التاريخيّ الذي ألصقت به، بالإسمنت المسلّح، هذه الأبنية اليهوديّة البشعة جدًّا لتعلو التاريخ وتدفع إلى الكلام العالميّ على وجود ثلاثيّ الجماعات. فإنّ القول المصطنع في الديبلوماسيّة العالميّة كان القصد منه في مرحلة أولى أن يساوي مجتمعيًّا بين هذه الطوائف وفي مرحلة ثانية أن يؤسّس لها حقوقًا متعادلة في المدينة.
تأتي عندئذٍ المرحلة الثالثة من التأمّل لنقول إذا كانت الجماعات الثلاث واقفة معًا في القدس فليتولّ اليهود أو يتولّ المسلمون (وللمناسبة العرب يصبحون المسلمين فقط وهذا يروق الأميركان طبعًا لأن المسيحيين في فلسطين محسوبون على العروبة ولا يطلبون شيئًا لأنفسهم). وإذا كانوا لا يتكلّمون – وأكثرهم غير كاثوليكيّ – يبقى الفاتيكان لسان حالهم لكونه طرفًا قادرًا على المخاطبة الواحدة، ولأنّ المسلمين يريدون دولة مسيحيّة لا يمكن أن تكون إلاَّ الفاتيكان إزاء الدول الإسلاميّة. إنّ منطق الأماكن المقدّسة الذي أتت به الروح الصليبيّة والردّ على هذه الروح هو الذي قادنا إلى الثلاثيّة المذهبيّة. تُكرَّسُ الثلاثيّة في الحضور البشريّ والآثار، ونحن اثنان في الحضور البشريّ قبل التجمّع الصهيونيّ الذي شوّه القدس، واثنان في المجال الأثريّ. فالكلام على الجماعات الثلاث معًا هو من باب الواقع السكّانيّ الحاليّ فقط ومن باب استعمال حقوق الإنسان ولكن ليس له علاقة بالعمق.
# # #
على مستوى المعاني يختلف المسيحيّون والمسلمون في تقدير اليهوديّة. المسلمون يعتبرونها دينًا سماويًّا. في السياق القرآنيّ وعلم الكلام هذا الكلام مفهوم لأنّ اليهوديّة في الفهم القرآني هي التوراة وهي عند المسلمين كلام منزل. ولكن إذا رأى المسلمون إلى الكتب الأخرى اللاحقة للتوراة كالتلمود وغيره قد لا يصرّون على قولهم إنّ اليهوديّة دين سماويّ.
قلت هذا لأنّ الموقف «الترحيبيّ» باليهود ومسالمتهم مهيّأ له في اللاهوت الإسلاميّ. أن يقبل المسلمون اليهود على أساس حقوق الإنسان هذا ما أقوله أنا أيضًا. ولكن أن يرحّبوا بهم على أساس الوحدة الإبراهيميّة أي كونهم ينتمون إلى جذع روحيّ واحد فهذا عندي لا أساس له لأنّ لكلّ منا قراءته لإبراهيم. فليس له وجه واحد أو موقع واحد أو معنى واحد في الديانات الثلاث.
المشكلة عويصة ودقيقة بين الفكر المسيحيّ التراثيّ والموقف المسيحيّ الغربيّ طوال القرن العشرين ولا سيّما بعد «المحرقة» واستضافة أميركا اليهود المطرودين من ألمانيا النازيّة. ليس المجال هنا لأناقش الفكر الغربيّ حول أفهوم شعب الله. هل اليهود لا يزالون شعب الله أم إِنّ هذا هو إسرائيل الجديد أعني الكنيسة.
هل هناك اختيار للعبرانيّين أم إِنّ المختار الوحيد هو يسوع المسيح ومن صاروا إليه. هل اليهود «شعب الوعود والبركات» وعلى المسيحيّين أن يتقبّلوهم بهذه الصفة؟ هذه تأمّلات دخلت فعليًّا في سياسة الولايات المتّحدة وجاءت من القراءة الظاهريّة والحرفيّة للعهد القديم.
ربّما اضطرّ الفكر الغربيّ اليوم إلى أن يوفّق بين هذا اللاهوت السيّئ وواقع الظلم الحالِّ في الشعب الفلسطينيّ. أنا لا أدعو إلى أن نجتمع مسيحيّين ومسلمين على عداء لليهود. هذه عندي عنصريّة توقعنا في هذا الذي وقع فيه هتلر وجعلنا نرث نتائجه. لولا هتلر لما دعمت أميركا والاتّحاد السوفياتيّ الكيان الصهيونيّ هذا الدعم الكبير السنة الـ1948. أيّ استدعاء لشعور عدائيّ للشعب اليهوديّ يحلّ بنا أذى كبيرًا. كما أنّ أيّ التماس قربى روحيّة على أساس دين سماويّ (الإسلام) أو قربى روحيّة في وحدة الشعب المختار (المسيحيّة الغربيّة) يشوّه المسيرة.
ما من خطاب يحيي فلسطين في أذهان العالم المتحضّر إلاَّ كونها مقهورة وكونها في مقهوريّتها معطّلة للسلام آجلاً أم عاجلاً. كنت دائمًا أتمنّى أن يخرج اليهود من غباوتهم ليفهموا أنّ محاصرة الحاضر الفلسطينيّ خير خدمة لتفجّر المستقبل الفلسطينيّ.
هل يزيد العرب شيئًا على الخطاب الحضاريّ الفلسطينيّ في العالم ما عدا الحماسة ومشاركة الاخوة في المجال العمليّ. قلنا إنّه أوّلاً في نطاق النفط ولو افتقر العرب؟ أعتقد أنّ الخطاب الفلسطينيّ لن ينجح ما لم يكن وطنيًّا أي قائمًا على وحدة فلسطين بالتساوي الحقّ بين أبنائها، الأمر الذي يجعله قوميًّا بصورة سليمة أي بصورة لا تجرح وحدة الداخل.
لا مانع من استنفار العالم الإسلاميّ (لكن كلّ شيء متوقّف على اللهجة وفحوى الخطاب). ولكن بالقوّة ذاتها ينبغي استنفار العالم المسيحيّ المتحسّس للعدالة. لقد لمست تعاطفًا عظيمًا وفلسطين في مجالات غربيّة ما كانت كبيرة التحسّس لقضايانا سابقًا. ولكن ضمن مخاطبتنا للغربيّين بمن فيهم العلمانيّون اختبرنا نحن أنّ تحويل الأنظار إلى وجود مسيحيّين في فلسطين أتى عنصرًا مفيدًا للقضيّة. وهذا أمر ليس فيه إثارة لأحد. المهمّ أن يبقى العدل محور التخاطب. بعد ذلك، وفي صبر كبير، أترجّى حلول البهاء.
Continue readingمن كلّ المشاهد الفلسطينيّة لا شيء حرّكني مثل انتفاضة الحجارة منذ تفجّرها حتى عودتها اليوم. يدهشني أنّ فتيانًا عزَّلًا (ما فعل هذه الحصى؟) يقولون لا لعسكر. هذا الرفض كان عندي قّمة في بلاغة الصدّ، قمّة في الشهادة كما نفهمها إنجيليًّا. في خطّها وأفصح كان عندي موت هذا الطفل الربيعيّ محمّد الدرّة الذي قلت عنه في موعظتي الأحد الفائت: «نحن مع محمّد الدرّة حبًّا واسترحامًا». في الليلة التي تلت القدّاس تابعت ياسر عبد ربّه في برنامج «حوار العمر». خلال ثلاث ساعات استطاع أن يتكلّم على آلام شعبه بلا حقد. المقاومة الفلسطينيّة صارت عند بعض أو عند كثيرين تراث حبّ.
يجرحك الظلم، وهل من حاجة إلى تبيانه بعد هذا القهر الممارس على شعب كامل على مدى الأراضي المقدّسة؟ والظلم الأكبر في رعاية القهر ورعاية استمراره على رغم صرخات الأنبياء. كانوا دائمًا يتساءلون كيف تصبح أورشليم قاتلة. كيف لا يقرأ يهود اليوم التنديد المستمرّ في تراثهم بالقتل. «ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًّا، الجاعلين الظلمة نورًا والنور ظلمة» (إشعياء 5: 20). هذه فاجعة في شعب موحِّد مثلنا دعي إلى العدل والدينيّون فيه قتلة. يستنفرون البشر جميعًا إذا حلّت فيهم الفواجع ولا يقلقون إذا هم أحلّوا الفاجعة في الآخرين. هذه مأساة في العالم الدينيّ الذي إليه ينتمون، ولا يقرأ أحد المأساة في هذا النطاق. حقّ لإرمياء أن يقول: «من يشفق عليك يا أورشليم ومن يرثي لك ومن يميل ليسأل عن سلامتك. إنّك رفضتني فمددت يدي عليك وأتلفتك» (15: 5-6). هذا التوبيخ القديم لماذا لا يستعمله أحد في الغرب المسيحيّ بوجه إسرائيل الحاضر الذي يبقى الولد المدلّل. قلناها في هذا المنطق منذ 52 سنة وكرّرناها مع الأجيال علّهم يسمعون، ولكنّهم صمّوا آذانهم وانحازوا وكأنّهم يضطرّونك إلى الدم.
# # #
وأريق الدم في مقام السجود والأرواح التي زهقت هناك صارت هي المسجد إذ قامت للأجساد «بركعتين في العشق لا يصحّ فيهما الوضوء إلاّ بالدم». ونزل المجد على الأقصى. وأسرى الله بنا إليه روحيًّا ومن الشهادة تعرج أنت إلى السماء. بأيّ معنى تكون القدس طريقًا إلى السماء؟ كلام غاية في التعقيد. في بعض الأدب الدينيّ إنّ القدس وسط العالم. هذا طبعًا صورة يراد بها أنّ القدس في الجسد الكونيّ بمثابة القلب وأنّك أنت إذًا معها بتّ في الرؤيا، في عالم المعاني، وكأنّ الإنسان في حاجة إلى مرئيّ ليدرك غير المرئيّ. من هذا القبيل هي مصبّ الأشواق (الإسراء في قراءتنا) ومنطلق الأشواق (المعراج في قراءتنا). الذي كتب في سبي بابل: «إنْ أَنْسَكِ يا أورشليم فلتنسني يميني» لم يكن طالبًا وطنه فحسب، ولكنّه كان يطلب الحضرة الإلهيّة في الهيكل. ثمّ صارت المدينة المقدّسة صورة عن أورشليم السماويّة الهابطة من فوق كمدينة الله.
بهذه الروحيّة ذاتها كانت السيّدة رابعة العدويّة لا تبغي الحجّ إلى البيت بل إلى ربّ البيت. لا يطلب أحد الحجارة في الأماكن المقدّسة ولكنّه يطلب إيقونة. والتماسًا لما هو فوق لم يهتمّ المسيحيون الأوائل بأورشليم وكانوا قد غادروها قبل سقوطها بأيدي الرومان السنة السبعين. مخلّصهم بات في السماء. وهنا قبره فارغ. وتمثّل بطريركيّة أورشليم منذ القرن الخامس المركز الخامس في ترتيب الكراسي. أن يكون المسيح قَدَّسَ الأرض شيء لا يعني الكثير للمسيحيّين فإنّ كتابه والقرابين التي هي حضوره أهمّ من تراب القدس.
في العمق وعلى رغم الجانب التاريخيّ الذي ترتبط به القدس في كلّ ديانة، إلاّ أنّ الجامع الحقيقيّ بين أهل التوحيد جميعًا أنّ المدينة تتخطّى ذاتها إلى الله. ولكن قبل إدراك وجهه أنت مع الرموز، والخلاف على هذا المستوى أو ما هو دونه أي السياسة. فإذا سيّست الرموز تقول الدولة العبريّة هناك حضور فلسطينيّ فوق الأرض (الحرم القدسيّ) وسيادة إسرائيليّة تحت الأرض (الهيكل الثاني، مع أنّ هذا ليس مؤكّدًا أثريًّا). باصطناع الانتقال من الرمز الدينيّ إلى المطامع كلّ شيء مباح حتّى السخرية.
هناك، إذًا، تلاقٍ بين الأديان حول القدس إذا ابتغينا المعنى، وتنافر إن ابتغينا الرموز.
غير أنّ الخطوة الفكريّة التي قام بها بعض اللاهوتيّين المسيحيّين العرب منذ الستّينات أنّنا انتقلنا من رؤية الحجر إلى رؤية البشر. هذا التضادّ عبّر عنه بهذا اللفظ للمرّة الأولى البطريرك الياس الرابع في مؤتمر القمّة الإسلاميّ في لاهور وكان على رأس وفد جمع الأرثوذكسيّين والموارنة. في إحساس أوّل تنتقل من الأماكن المقدّسة إلى اللامكان، إلى وجه ربّك، وفي حركة ثانية من الإحساس والفكر تهبط من وجه الله الكريم إلى الوجوه المتعايشة في المدينة التي تمسي في حقيقتها مقدّسة بالعدل الذي يحقّ لهم على الشعوب.
# # #
وحدة فلسطين، بصرف النظر عن السجالات التاريخيّة حول الأحقّيّة في الوجود لهذا أو ذاك على هذه البقعة أو تلك، كانت هي صميم العدالة لليهود والعرب لو تخلّى اليهود عن الفكرة الصهيونيّة. ولكنّا ذهبنا إلى مدريد، إلى أوسلو، ووحدة فلسطين أرجأها الدم.
السياسة كلّها تسوية، ولكن ثمّة تسويات غير معقولة ليس فقط لكونها مذلّة ولكن لكونها غير قابلة الحياة. ما هو ضمن السياسيّ المعقول اليوم بانتظار المرتجى، هو أوّلاً – فلسطين مصغّرة في الضفّة والقطاع وقدس شرقيّة كاملة السيادة ومترابطة أجزاؤها، ثانيًا – أرض بلا مستوطنات، ثالثًا – عودة اللاجئين إلى بلداتهم وقراهم. والبقيّة تفصيل.
هذا يضطرّ الطرفين إلى العودة إلى طاولة التفاوض إن لم تتجاوز الأزمة الحاضرة كلّ هذا التأمّل، إذا لم تجنّ الدولة العبريّة إلى منتهى جنونها وإذا لم يذهب أحبّاؤنا في فلسطين إلى كامل بطولاتهم.
بانتظار ذلك ينتظر العرب مؤتمر القمّة. أنا لم أفهم لماذا تأخّر تاريخه. كيف يتفرّجون على المذابح وتبقى لهم أعصاب؟ قدرنا أنّ شهرزاد تنتظر الحكي دائمًا، والعروبة تحبّ الإنشاء وتعتقد أنّ كلامها فعل. أقلّ ما يمكن العرب الذين تبادلوا السفارات وإسرائيل أن يجمّدوا الفعل الديبلوماسيّ.
هذا بدء لفعل عربيّ غايته القصوى أن تتوسّط أميركا بإنصاف بين إسرائيل والعرب. والمؤسف أنّ اللاعب العربيّ لا يمكن أن يبقى إلى الأبد ألعبانًا ليظنّ أنّه يستطيع أن يقاوم إسرائيل من غير أن يوجع أميركا. هذا السيرك العربيّ لا يمكن أن ينقذ فلسطين. هناك أمر يوجع الولايات المتحدة وهو النفط. أن تبقى مستغلّة النفط العربيّ بلا حدود ولا حساب، أن تبقى مرتاحة إلى الواقع العربيّ والإنشاء العربيّ ضدّها، يعني أنّها في صميم الحياة العربيّة وأنّها لم تقطع حبل السرّة بينها وبين إسرائيل. صمود الأمّة العربيّة مجتمعة أمام الطغيان الأميركيّ لا حقيقة له إن لم نسخّر النفط للقضيّة الفلسطينيّة. على العرب أن يبحثوا هم في آليّة تحدّ من مطامع الأميركيّين في الثروة العربيّة. أمّا الكلام على إرسال جيوش أو متطوّعين لمناصرة الفلسطينيّين (من أين؟) فهو مجرّد أغنية تغنّى.
الفلسطينيّون لا يموت عربيّ من أجلهم. اليوم شرف العرب لا ينقذه إلاَّ الشابّ الفلسطينيّ في القدس والناصرة وغزّة وما إليها. لا أعرف آليّة هذا الخلاص، ولكن ما أعرفه أنّه يفيض من القلوب الفلسطينيّة الباسلة التي حالفت الحياة.
Continue reading