Category
مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.
في أواسط الستينات كنت قد دعوت لاهوتيا يونانيا للعشاء في احد مطاعم الروشة وقدموا لنا 26 طبقًا من المازة. وبعد نصف ساعة مر الخادم بنا وسألنا ماذا نريد ان نأكل. ترجمت هذا الى رفيقي فأجابني متعجبا: “ماذا كنا فاعلين؟”. هذا الشعب اللبناني يحب المطعم والمشرب. وأتأكد ذلك ما عبرت الليل ضيعتي برمانا ورأيت الناس مستلقين على الموائد الوفا. مقابل ذلك أقرأ في كتب النسك عندنا ان في هذا ضررا. هنا يبدو لي الصوم احتجاجا على هذا الإفراط. لماذا كانت الانسانية هكذا؟ بولس في مكافحته الأمر يقول ان لسان حال الشعوب هو “لنأكل ونشرب لأننا غدا نموت”. خشية الموت هي اذًا مفتاح الشهوة. والموت هو المشكلة الوحيدة في الحياة. ووهم البقاء ان نحشو البطن في ما ينفع وفي ما يزيد على النفع. أجل هناك تغذية من أجل الطبيعة وهناك ما تطلبه الطبيعة المنفسدة وهو الاستلذاذ وهذا افتك روحيا اذ الانكباب على اللذات يظنه صاحبه دفعا للألم. ويبدو ان حياتنا على هذه الأرض متأرجحة بين اللذة والألم الى ان نقبل هذا الأخير طوعًا لنتقبل تلك المصلوبية التي هي وعد بالقيامة. ليس عندي مشكلة مع الجسد في ما تطلبه الطبيعة السليمة منه. مشكلتنا مع النفس الطامعة التي تسخر الجسد في انتفاخها. انها هي التي تستعبد ذاتها للزائل لعدم قناعتها بالباقيات. انها تقاوم -على ما تحسب- الموت الآتي باللذة الآنية ولا تريد ان تواجه معضلاتها بصدق وشجاعة باستنزال روح الرب. ان ضعفنا يصوّر لنا ان الجمالات الروحية بعيدة لأننا نحن بعيدون عن اعماقنا، لأننا لم نستدخل الله هذه الأعماق فلا بد من “تسليات” واللفظة بمعناها العامي تعني الشرود عن الأصلي اي عن المواجهة. الطعام في كمه وفي نوعيته يجعلنا في هذا التيه عن هدف كياننا. والتيه يصير هو الطريق والوسيلة للعيش تصبح غاية العيش. ولعل الأخطر من الطعام هو الخمر التي تبلغ فيها لذة اللسان شأوا كبيرا. والرسول ينبه الا “تشربوا الخمر التي فيها الدعارة” ولو سمح الكتاب بالاعتدال فيها باعتبارها جزءا من الطعام مألوفا. غير ان الكلمة صريحة: “السكيرون لا يرثون ملكوت الله”. الإفراط في الشرب يقود طبيعيا الى احتجاب العقل والى خسارة لإنسانية الانسان واضحة. ü ü ü الفساد اعمق مما يزين لنا. فالاستخفاف بفداحة هذه الشراهة ناتج من تصورنا اياها مجرد غلو. في الحقيقة ان لذة اللسان مرتبطة ارتباطا وثيقًا بلذة الجنس كما أبان ذلك فرويد. والسكارى اشد التصاقا بالجنس. الفداحة في ان ليس من رذيلة لا تخفي وراءها فلسفتها. عندما تستعبدنا المعدة نصبح لها عبيدا وعابدين. هناك مركزية للبطن في الوجود. وكل مركزية في وضعنا البيولوجي او النفساني تأليه. القضية ليست في التفه الذي يُرى عليها الشرهون. ولعل ما يزيد الخطر شدة ان البطن إله محسوس والرب غير محسوس. كل خطيئة ابدال الله بصنم. ويتعاظم الصنم اذا اهمل الشرِه كل اهتمام آخر. وهذا هو ميكانزم الخطيئة عادة. انها استقطاب وفي هذا تحولنا عن كونها قائمة لشكر الله. كم منا يشكر له الطعام؟ كم من عائلة مسيحية تقف لدعاء قبل تناول الطعام وبعده؟ الراهب في كنيستي يصلّب وجهه قبل ان يشرب كوبا من الماء واذا كان الأسقف حاضرا يقول له بارك فيستعمل عبارات البركة فيشرب المرء. هذا كله رياضة غايتها ان نعرف انفسنا بالطعام وغير الطعام متجهين الى الرب. ولهذا قال الرسول: “فإذا أكلتم او شربتم او مهما فعلتم، فافعلوا كل شيء لمجد الله” (1 كورنثوس 01:13). معنى الكلام ان بولس ينقل المؤمنين من الاهتمام بالطعام -ولو اكلوا- الى الاهتمام بالمجد الالهي. انه يزعزع المركز الذي كانوا جعلوه لأنفسهم لكي يركزهم في الله. بولس يدعو مؤمني كورنثوس هكذا الى زهد يمارسونه بسبب اتحادهم بالله واستقلالهم عن المخلوق بما فيه المطعم والمشرب. فاذا رفعوا مادة هذا الكون الى الرب يكونون شبيهين بمن يقرب القربان. كل وجبة -ان كنا في الشكر- تكون مثل سر الشكر الذي نرفع فيه الخبز والخمر الى الله الآب. يتقدس الانسان بالشكر. وفيما يحسب انه يستهلك الطعام يكون مغتذيا بالله ايضا. واذا تقدست هذه المواد بالدعاء الذي يسبق كل وجبة يتقدس الكون بها. نقول عند الظهر: “اعين الكل اياك تترجى وانت تعطيهم طعامهم في حينه…”. هذا اعتراف بأن إلهنا يعطينا كل شيء. وعند المساء نقول: “يأكل البائسون ويشبعون ويسبحون الرب…”. الجو خلال النهار كله تمجيد وتسبيح. لا ننسين ان احدى التجارب التي واجه فيها السيد إبليس في البرية تجربة الطعام وردها المعلم بقوله: “ليس بالخبز وحده يحيا الانسان”. هو لم يقل ان الإنسان لا يحيا بالخبز ولكنه قال لا يحيا فقط من الخبز. فالمهم في هذا الصراع ان نتربى على ان الكلمة الإلهية فينا اهم من المادة التي نستهلكها. ü ü ü هنا تحضرني قضية الحمية régime التي صارت شائعة خوفا من الأذى. كيف لا يعرف الانسان انه، كل يوم، يجب عليه ان يتقشف ليحمي صحته ويحمي عقله من الطيش والخيالات الضارة. لقد أدرك آباؤنا القديسون هذا الضرر لما تكلموا على جنونين: “جنون الفم” بالتلذذ “وجنون البطن” بالشره. اجل قال احدهم وهو يوحنا السلمي ما مفاده ان احدا “لا يتحرر من نير معدته قبل ان يسكن القبر”. لقد رأى الآباء -قبل فرويد- ان الشره والسكر منه يقود طبيعيا الى الزنا. ولهذا ربطوا العفة بالصوم. كان النساك الأوائل يأكلون طعاما بسيطا ليس فيه دسم ولا تعدد أطباق. ولاحظوا ان حجم المعدة والأمعاء يتقلص ان لم نشره وهذه احدى قواعد الحمية الحديثة. ان اضطراب الأفكار وتراقص الخيالات الدنسة نتيجة لهذا الإقبال المفرط على الطعام. هذا اذا لم نذكر الميل الى النوم الكثير الذي هو مضيعة للوقت. غير ان هذا الانبطاح على الموائد كان دائما متصلا بحبنا للولائم. كان آباؤنا يستقبلون ضيوفا ويوآكلونهم ببساطة ولا ينفقون كثيرا. الاوربيون يستضيفون على هذه الطريقة ولا تزيد أطباقهم ان اكل افراد العائلة معا او دعوا الآخرين الى موائدهم. عدد ألوان الطعام محدود. اما نحن فالضيافة عندنا مدعاة الى حب الظهور والتخمة. وانت بذلك تؤذي من تدعوه. واذا اخرت العشاء على الطريقة المستحدثة في لبنان يكون ضيفك قد جاع وأكثر ويكون منزعجا في ليله. وانت تظهر الكرم ولكنك في الواقع تسقط في حب الظهور وفي ان يمدحك الاصحاب الذين وفدوا اليك. ويتبارى القوم في هذا الموضوع ويتسابقون في الكمية والنوع. وكل هذا باطل الأباطيل. ان يسود الانسان جسده على هذا الصعيد يساعده على سيادته على كل صعيد. لقد جاء يسوع ليحررنا من كل عبودية. فلنبدأ بضرب العبودية الاولى التي هي النهم. ان الفساد الاساسي في جنون البطن واللسان هو اننا نريد ان نعب الكون رمزيا في أجسامنا كأننا نجهل ان تراب الكون سوف يتأكل اجسامنا. فكرة الموت ينبغي الا تغادرنا لأن ذكراه بدء الحرية الداخلية. انت يمكنك ان تمارس الصداقة بما فيها الضيافة بالبساطة. احيانا يبدو لي ان الولائم الفخمة انما يرافقها هربنا من المنادمة، من تبادل الفكر. ان الحياة التي لا فكر فيها لا مضمون لها. والهرب من التأمل تصحبه موسيقى صاخبة احيانا اذا استضفت صديقك في مطعم. هروب من الحديث تحقيقا للهروب من المواجهة الوجدانية. هذا اذا لم نذكر الفقراء الذين يجب ان نتقشف لإطعامهم. الكثير من الموائد يرمى ما تبقى فيها من اللحوم والناس جياع. انت لا تستطيع ان تسلك طريق العفة في هذا المجال الا اذا أحببت الآخرين وتغذوا من قلبك المحب. هكذا نرى ان الامساك شرط من شروط امتدادك الى الآخرين بالعطاء. لعلك بذاك تحس ان الله ابونا جميعا وانه يريدنا في سر المشاركة.
Continue readingر
في النسك عندنا هذا فصل من فصول المجد الباطل الذي نصفه بأنه هوى من أهواء النفس. غير اني سأحاول التأمل معكم في هذا الصنف الرهيب الذي هو حب الظهور الكاشف فراغ النفس. فالناس يعيشون متبرجين. والتبرج غايته الإغراء. والإغراء غايته التسلط. اتخذ هنا زينة النساء رمزا. حافز التزيين ان تبدو المرأة أجمل مما هي عليه. هذا شأن لا دخل لي فيه اليوم. ولكن التبرج يأخذ مئة صورة ليبدو الإنسان. ان يبدو هذا هو الهاجس اذ لا صورة له في حسبانه الا في أعين الناس. في حسّه انه ليس قائما في نفسه. وهذا محتوم عليه ان لم يرَ ان الله يسكنه يتسطح. انه لا يعلو في عيني الحق. لذلك هو مضطر ان يستعلي. في المجال الأدنى يفتخر بماله. والمال شيء لك وليس هو أنت. المفتخر بما يملك يحس بأنه قائم بما يملك. لذلك كنت أسمع في طفولتي: “هذا يساوي كذا من المال”. ولست أظن ان هذا الكلام كان من باب الغباء. انهم كانوا يعنون ما كانوا يقولون. هذا يذكرني بحديث تفوه به رجل ثري في حضوري وحضور ثالث وذلك قبل 45 سنة. قال: درست مع الأب جورج وتخرجت من الصف الثانوي الثاني وهو تخرج من جامعة وانا أملك مليون ليرة وهو لا يملك شيئا. أشياء كهذه هي في فكر الكثيرين اذ يقارنون ملكا بملك. ويستغربون ان طائفة قليلة من الناس لا تعير أهمية لذلك. فيسعون الى سماع مدح لهم وتعظيم. كنت اعرف رجلا ذا مقام يقول “امدحوني ولو كذبتم”. وهذا الرجل لم يكن عنده الكثير يلفتك به اليه.
غير ان بعضا يملك ما كان أعظم من المال وهو الجمال على أصنافه المختلفة. اظن ان اكثر الحسناوات لا يرتبكن او يخجلن ان انت مدحتهن. يعتبرن هذا ملكا وان من واجبك ان تدهش امامه وان تقول انك في حالة الدهش. تزداد هذه السيدات وجودا باطرائك. لا يكفيهن وعيهن للحسن ولكن يهمهن الاعتراف. خفرك ازاء السحر غباء او انعدام ذوق. ويدخل في هذا الثياب والحلى وما الى ذلك الذي لا أسوغ لنفسي ذكره. ذلك ان ما ترتديه المرأة امتداد لشخصيتها كما ان الطعام الذي تقدمه لك تعبير عن شخصها. ويبدو ان اللياقات تقضي بأن تقول في دعوة الى عشاء ان الأطباق تلذ لك لئلا تكون قد تجاهلت ربة المنزل التي شاءت ان تكرمك وعليك ان تشكر.
***
الى ذلك اصحاب الأصوات الجميلة. ينتظرون منك مديحا بعد أغنية غنوها. انهم يشعرون ان صوتهم منهم في حين انه مجرد وضع فيزيولوجي للأوتار الصوتية وأوتارهم ورثوها وما فضلهم الا بالدراسة. انهم يختنقون قبل سماعهم مديحك.
ثم تأتيك طبقة المثقفين او الذين يظنون أنفسهم كذلك. المتعلمون الكبار على شيء من العمق وما يعرفونه ثمرة جهاد طويل. صح ان الذكاء مسجل في المورثات ولكنا نصقله كثيرا ونربيه. غير ان قلة تعرف انه مشاركة في العقل الإلهي وان الفضل فيه هو للرب الذي يمنحنا كل عطاء كامل. المثقف يتدغدغ ان قلت له ان ما قاله او كتبه أحسن فيه. هو ايضا يفتش عن اعتراف. اجل هو نظم قصيدة او وضع كتابا ليقرأه الناس لأنه هكذا يشارك وهكذا يؤدي رسالة. ولكنه لا يكتفي بأن تبلغ رسالته العقل والقلب. يريد منك بالأقل تشجيعا. انه غير مهيأ للعزلة، غير مستعد لخدمة الحقيقة وحدها. تطرب أذنه للثناء. المجد الباطل عند المثقف كثيرا ما دفعه الى ان يعرف ما لا تعرف لا ليتغذى بالعلم داخليا ولكن لكي يذهلك. لذلك يسعى الى تحصيل معارف نادرة او جديدة لم تسمع بها الا القلة فيسكر اذا قلت له ان علمه غزير وان تحصيله ليس له شبيه. ولعل الأمر ليس فيه سوى تقانة لا يعسر عليه بلوغها بعد ان يكون ادرك مستوى من المعرفة عاليا.
ان المجد الباطل قد يكون حافزا الى عشق المال وهو عند الإشراقيين هوى قتّال كما ان الانكباب على الثروة حافز الى المجد الباطل. وفي هذا قال المعلم الكبير مكسيموس المعترف: “المجد الباطل وعشق الفضة يتوالدان أحدهما من الآخر. من أحبّ المجد الباطل يسعى الى المال والغني يتوق الى المجد الباطل”. ان اشتهاء البذخ والأبهة مرتبط بهذا الهوى وذاك.
وتحقيقا لحب الظهور يشتهي المرء ان يبلغ مكانة في المجتمع مرموقة. فهذا يحس انه يصير شيئا اذا انتخبوه نائبا او عينوه وزيرا او عضوا في المجلس البلدي او مختارا او ما الى ذلك. واذا لم يصل الى ذلك يحس انه محجوب او انه في انزواء. وأدنى ما يرقى اليه ان يعاشر الأغنياء او يختلط بعلية القوم. يجب ان يتحرك في دائرة منظورة ولا يكفيه ان يتحرك في نفسه او مع المتواضعين.
ان حب الظهور يقود الى حب السلطة. عند بعض ان الذي لا سلطة له لا وجود له. فالسلطة حكم وقد تكون تحكما ولا يكفي هذا الانسان الحوار لأنه قائم على النديّة. من اشتهى الظهور همّه الأساسي ان يكون فريدا وان يشار الى فرادته، ولذلك يتمنى الاعجاب دائما والإعجاب يوطده في المكانة التي بلغ.
*** غير ان حب الظهور أخطر ما فيه انه قد يصيب الذين يريدون التقوى. كم من مرة تسمع تباهي الذين يتمجدون بأنهم ليسوا زناة ولا سراقين وغير طامعين بالمال ولا يأكلون أموال الأرامل والأيتام. هم تجاوزوا اشتهاء الثروة والجمال والفطنة ولكنهم يصرّون على ان تعترف بفضائلهم اي انهم يريدون مدحا من البشر وليس فقط من الله في داخل قلوبهم. فاذا ما انتصر المجاهد على الرذائل يبدو لنفسه متألقا بالجمالات الروحية ويريدك ان تعترف بها. مرة قالت لي امرأة تدّعي التقوى: نص واحد في الإنجيل لا أقبله. هو ذلك المثل الذي يساوي فيه المسيح عملة الكرم الذين عمل بعضهم منذ الساعة الأولى وبعضهم عند الساعة التاسعة وآخرون نحو الظهر وغيرهم نحو الثالثة بعد الظهر وسواهم نحو الخامسة بعد الظهر فساواهم رب العمل في الاجرة. فقالت لي “التقية”: انا التي لا شك في عفتي أيعاملني ربي كما يعامل تلك؟ أجبتها: قد تكونين أعف في الظاهر وتلك التي ترينها غير طاهرة قد تكون أقرب الى الله. ولكن التقوى قد تكون مدعاة للافتخار. ولذلك قال القديس كاسيانوس: “ان شيطان المجد الباطل يحس بفرح خاص اذا رأى الفضائل تتكاثر … لأنه كما ان النحلة تنتظر مجيء الحصاد وان ينضج القمح كذلك ينتظر المجد الباطل ان نكون قد جمعنا كل الخيرات الروحية”. وفي هذا يقول ايضا مكسيموس المعترف: “انك ان قضيت على الأهواء المشينة تنقض عليك افكار المجد الباطل”. الذي يمجد نفسه
يكون قد بلغ الهذيان. اجل أعطى الله الانسان “في الطبيعة” (هذا تعبير مسيحي شرقي يعني الطبيعة الصالحة كما خرجت من يد الله) اعطاه ان يتوق ليس الى المجد الزائل ولكن الى تمجيد الله. وفي هذا قال بولس: “اما انا فمعاذ الله ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح” (غلاطية 6 :14). وفي المعنى نفسه قال: “من افتخر فليفتخر بالرب” (1 كورنثوس 1: 31).
واذا تعب الانسان من التماس المجد الالهي يسعى الى الزيف. وعندنا هنا تحويل مرضي للمجد الالهي واساءة الى الطبيعة البشرية السليمة. واذ ذاك نفسد انفسنا وما حولنا ونقع في الوهم. والوهم ان تحس ان لله فيك او عندك بديلا. وفي هذا يقول السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبونه؟” (يوحنا 5 :44). ان الساعي الى مجد العالم ليس فقط ينتظر التملق ولكنه يثيره.
المشكلة في هذا ان المجد الفارغ هو ذلك العدم تحوله الى وجود. كل هذا هش، تفه، سطحي ولكن يبدو ان الناس يستلذون الزائل والسطحي. وقد بلغ القديس يوحنا الذهبي الفم رؤية حادة بقوله: “المجد اسم وليس الا اسما … من هو الانسان الجاهل الذي يتمسك بأسماء لا حقيقة لها او أشباح يجب الهرب منها؟ “والوهم الا يرى الانسان عيوبه وان ينسب الى نفسه خصالا أتته من الله القائل: “الويل لكم اذا مدحكم جميع الناس” (لوقا 6 :26).
لا يعني هذا كله انه يجب عليك ان تتوارى. فالحسناء لا تقدر ان تحجب جمالها ولا الذكي ذكاءه والموهوب طلب اليه الرب الا يخفي نوره. ويعرف العالم انه عالم. ولكن المهم ان تؤمن انك مجرد جسر يعبر الله منه الى الناس لكي ينتبهوا اليه لا الى الجسر الذي عليه عبر. كل ما عندنا، كل ما فينا آت من الله. ونحن مهما سما بهاؤنا لسنا سوى مطل للبهاء الإلهي. من أجل هذا البهاء وحده نحيا. عنذ ذاك يسقط منا التراب ويبقى الضياء.
Continue readingهب أن سوريا خرجت فورا بسحر ساحر أو قدرة قادر -والقادر نعرفه- هل يتوب أولئك الحكام الذين عندهم مرتزقة لا يعرفون الدوائر التي عينهم فيها أربابهم؟ من أغرى من؟ نحن أم السوريون؟ طبعا لا إغراء بلا شهوة كائنا ما كان مجالها. ولكن لا بد من القول ان التقرب يحمل خطر المصانعة والمداهنة وان المداهنة كذب وإذا كان الكبير في دنياه يشدك إليه فلكونك راغبا في الانشداد ويجعلك في حالة الدلع والدلع كسب أو انتظار كسب.
وصداقة السوريين نافعة للكثيرين إذ التزلف يقتضي الاشتكاء محمولا دائما على شيء من نفاق فالزعيم اللبناني لا يقوى إلا بإلغاء سواه ولا إلغاء بلا نميمة وكثيرا ما قادت النميمة إلى الافتراء. والمقربون يتزاحمون استرضاء وهو إياه الفساد أو وجه من وجوهه. ولماذا تنتظر من السوري العفة إذا تملقته أو الحياد إذا دعوته أن ينصرك؟ ويبدو من جراء الأحداث أن الكثيرين من أهل المناصب لم يكتب لهم أن يكونوا فيها لو لم يستنصروا السوريين. ومن الواضح أن هؤلاء المدعومين يكونون بلا شيء لو لم يلتمسوا الدعم. يقول السوريون من وقت إلى آخر أنهم على مسافة واحدة من الزعماء اللبنانيين المتنافسين. غير أن الحاصلين على البركات يسعون إلى شد الأشقاء من الوسط إلى مواقعهم هم. وكل شيء يدل على أن القلة من النافذين في شعبنا لا تستعطف الأشقاء وان بعض الرافضين كلاميا للحضور السوري إنما هم “فاتحون” على السوريين. ولكنهم يحتاجون إلى تمثيل موقف الرفض ليجدوا لأنفسهم مكانا في الوسط اللبناني الرافض بحيث يرحب بهم سوريًا بلا تبريك فصيح ويرحب بهم عند ناخبيهم بآن معا.
في تصوري أن الحضور العسكري لا علاقة له بالاستراتيجية العامة في المنطقة. فلا نحن ولا السوريون القائمون على أرضنا قادرون على رد هجوم إسرائيلي حقيقي. فالسؤال الذي يبقى هو هل إن وظيفة العسكر السوري أن يكون قوى أمن داخلية عندنا شبحها (ولو لم تتدخل) داعم لجيشنا الذي لا يكون جيشا إلا إذا كان أداة لشعب موحد. لقد عشنا قرارا لعدم إنزال الجيش في الحرب. هل “تعلمن” جيشنا حقا بحيث ينفذ أوامر يحس أنها صادرة عن دولة لا تتصرف طائفيا؟ إذا كان الحكم عندنا ضامنا “علمانية” العسكر، هناك أسباب أخرى لا تخفى على أحد تشير إلى أن جيشنا ليس أداة كافية لبسط سلطان الدولة على المخيمات أو على قطاعات حزبية معسكرة ولعل هناك ما يشير إلى أن الدولة لا ترى ثنائية بينها وبين بعض الميليشيات المسلحة. ملف التعسكر اللبناني ملف متكامل على ضوئه يبحث في الحضور العسكري السوري.
ثم هب أن السوريين أعادوا انتشارهم وقد جاء منهم وفد ليتباحث وضباطنا في طريقة التنفيذ. هب أن هذا حصل فعلا وتقيد الجميع بمنطوق الطائف ماذا يتغير في الحياة السياسية عندنا؟ ليس السوريون في حاجة إلى جيشهم عندنا ليبقوا على النفوذ الذي اكتسبوه. عندما سأل بعض قادة الرأي العربي في الولايات المتحدة الرئيس فورد أن يتدخل في شأن لبنان لإنقاذه في بدايات الحرب رفض تدخل بلده بجيش وقال انه يرغب في “تدخل محدود للسوريين في لبنان”. ويشاع أن مثل هذا الالتماس عبّر عنه رجالات كبار من عندنا عُرفوا بتمسكهم بالكيان اللبناني. هل بقي هذا التدخل العسكري محدودا أم اتسع ليصبح تدخلا في القرار السياسي؟ سوريا لبت طلبا أوحي به إليها من اجل السلام في لبنان. ثم ظهرت مسألة القرار الداخلي عندنا.
***
ليس لنا حرية القرار، يقولون. الرد على هذا من قبل أصدقاء سوريا أو الملتزمين بتوجيهاتها لا يكون بالقول أن لها فضلا علينا بإيقاف الحرب أو بمنع الفلسطينيين من إكمال مسيرتهم في حرب الجبل. فمن ينكر فضل الإخوة في ذلك ولكن الإنسان لا يعيش في التسبيح للماضي ورفض التأمل الموضوعي في حاضره. ولكن خطأ التابعين في تغنيهم بحسنات التدخل في الماضي أن يرغبوا اليوم في استمرار تدخل لم يبق له معنى ولم يبق له مبرر. هذا الإصرار على مدح الحكم السوري في الماضي القريب سبب مباشر للفتنة الطائفية لأنه يتضمن اتهاما للفريق الآخر على انه ناكر جميل أو انه مبغض لسوريا.
الحل ليس باستجداء حرية القرار ولكن بفرض حرية القرار. وإذا همسوا في الأوساط أن الضغط شديد جدا فلا يمكن رفضه ماذا يمنع قابليه أن يستقيلوا؟ لماذا يستميتون ليصيروا نوابا ووزراء؟ شهوة المجد هي التي تدفع المسؤولين اللبنانيين أن يقبلوا فرض القرار عليهم. في تصوري أن الحضور العسكري الذي لا تطلب حكومتنا زواله ولا جدولته الزمنية لا يغير شيئا في الانصياع لأن الانصياع هو من طبائع الزبانية ومن شهوتها والزبانية هم أكثر مما تتصورون لأن الشطارة اللبنانية ترفض قول المسيح: “ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا”. أو كما يفسر بولس هذا الكلام: “اعنوا النعم إذا قلتم نعم واعنوا اللا إذا قلتم لا”. نحن في حاجة إلى تحديد المصطلحات وان نسلك حسب التحديد. وإذا أردنا النعم أو اللا فليقل كل واحد من المسؤولين ما يعنيه. ليس احد يرفض الحرية. وليس من خلاف بيننا على الحرية. وهي ليست حكرا على طائفة. ولكن هناك قوما لا يجترئون على اللا ولو قصدوها وهناك من يجترئ عليها وقد لا يقصدها حتى النهاية. وان كان ثمة من حجج مقنعة ولم يكن هناك باطنية فلتتوسع الحلقة لتشمل غير انتماء طائفي واحد. وإذا لم نستطع هذا يكون الخصام الطائفي أوسع مما نتصور أو
يكون التردد بين اللا والنعم فيه منافع طائفية أي فيه إرادة إخضاع جماعة لجماعة. يخفي، إذ ذاك، الاختلاف في القول تشنجات لبنانية.
كل موضوع علاقاتنا مع السوريين تنتابه أزمة ثقة. هل تعالج؟ إذا تركنا جانبا كل الأسباب التاريخية المتعلقة بذاكرة العلاقات وذلك من قبل وصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم نرى أنها في حاجة إلى تطهير وان هناك قراءة سورية للبنان وقراءة لبنانية لسوريا وان هاتين القراءتين في حاجة إلى تدقيق وإعادة نظر. هناك إحساس أن سوريا ترى نفسها الأخت الكبرى وإحساس آخر عندها أن لبنان ولد غير شرعي لاتفاقات سايكس-بيكو ما يعطي سوريا شعورا بأن عليها واجب الحضن لهذا الوليد الصغير الذي تدفعه تعدديته إلى أن يعوض عن صغر حجمه بتطلعات حضارية كان تأويلها في الماضي على أنها عروبة ناقصة. هناك تململ باطن في البلدين يتجاوز الحضور العسكري والمداخلات ذات الطابع السياسي.
أنا لا أنكر وجود مشكلة قديمة ومتجددة ودائمة. ولكنها تحل أولا عندنا. هناك مرض فينا لا نشفى منه بمجرد قولنا نريد الكرامة لنا ولجيراننا. الكرامة لا تقوم فقط على الصعيد التعبيري والحقوقي. أنت قبل تصحيح العلاقة يجب أن تكون أي أن تكون أخلاقيا. مهما كانت النيات السورية ماذا يمنع أن نكافح الفساد عندنا؟ هل نحن في حاجة كيانية إلى بركة سورية لنحاول النهوض وإقامة دولة حضارية؟ كيف يتنقى رجال الدولة من خطاياهم؟ عندما تنخرط الدولة في مسؤولياتها ووعيها على أنها التعبير التاريخي والمتحرك عن لبنان نكون قد أدركنا العفة التي تؤهلنا وحدها لعلاقة سليمة مع أي كيان آخر.
لا احد يستطيع أن يسلبك حرية القرار إن كنت أنت حرا في أعماق كيانك. كن حرا ومت عند الحاجة. هل كنا نعيش في كرامتنا الإنسانية قبل بسط “الهيمنة” السورية؟ وهل نريد الكرامة حقا لكل مواطن أم نحن طوابير متراكمة كانت تشرى وتباع على مر العصور وبلا استثناء عصر لكوننا تجارا صغارا نعيش على حقارة النفس ويسحرنا المال والشهرة واستعباد بعضنا بعضا؟ على هذا نتمرد لنصير كبارا. وإذا صار الكبر ميزتنا لا احد يستطيع أن يسلب منا استقلال الذات الداخلية التي هي كل الإنسان وكل الوطن.
Continue reading