Category
مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.
لم يرَ المثقفون اللبنانيون خروجا من أزمة الطائفية – كائنا ما كان مداها- إلا إلغاء الطائفية السياسية والسبب الذي يدلون به هو ان الطائفية بكل معانيها وامدائها هي العلة. إنها مسلّمة لم يناقشها احد. ما من شك في ان ثمة ذلا لمن كان غير ماروني ان يكتب عليه إلى الأبد أن رئاسة الجمهورية باب موصد أمامه ولمن كان غير سني انه لا يستطيع أن يتبوأ رئاسة الحكومة وهكذا دواليك إلى آخر وظيفة في الدولة. واللبنانيون تسحرهم الدولة وهي مركز همومهم ومكان العدل أو الظلم وهي عندهم ما يفسد المجتمع المدني أو يرقيه. وابتلاع الدولة للمجتمع ليس رؤية الشعوب التي بلغت في الحضارة مبلغا اكبر.
في الحقيقة إن العلمانية تغطي عند أهل الغرب مفهوم فصل الدولة عن المؤسسة الدينية ولعل هذا الوصف غير ما يعبر عنه بكلمة فصل الدين عن الدولة لأن الشرقي لا يحتمل أن يوضع الإيمان في معزل عن الشأن العام. وما من شك أن عبارة “فصل الكنيسة عن الدولة” عبارة فرنسية من مطلع القرن العشرين ومعناها ألا تمنح الكنيسة الكاثوليكية مواقع في الشأن العام. المنطلق التاريخي للعلمانية الفرنسية لا علاقة له بتاريخنا. وتاريخنا السياسي العربي-الإسلامي لا يرى هذه الإشكالية.
غير ان الفكر الغربي، بعامة، تجاوز مجرد الـ laïcité بمعنى الحكم المدني البحت ليقول بالـ sécularisme التي أُعرّبها الدهرية واللفظة قائمة في تاريخ الفكر الإسلامي وفي المنطوق الأوربي وفي شيء من التبسيط المفردة تعني ألا يكون الله وشؤونه مرجعا للفكر ولا للسياسة. وهذا ما رفضه الدستور اللبناني المتحدث عن الإجلال لله. وما من شك أن هذه الدهرية صائرة الآن دين الغرب الأوربي بالتوازي مع استمرار الكنائس والأديان الأخرى التي تتوغل في الغرب. ولكن بعضا من المفكرين يأخذون الآن على هذه الدهرية (بمعنى أن كل شيء هو من هذا الدهر الذي نعيش فيه بلا إله)، يأخذون عليها انها صائرة دينا بحد نفسها وانها آخذة بالاهتزاز ككل عقيدة. ويبدو لي انه ليس عندنا دراسة استعرضت كل التيارات العلمانية القائمة في البلد. ولكن مما لا شك فيه ان ثمة تيارا ولو غير منتشر لا يحصر نفسه في فصل الدين عن الدولة حسب تعبير انطون سعادة ولكنه ينحو النحو الغربي العام في عزل الروحانيات عن كل عمل مجتمعي أو عن بنية الدولة. بكلام ابسط يتمنطق هؤلاء المثقفون وكأنه لا اعتبار لوجود اديان بمعنى انهم يحبون وضعها في الخزانة أو على الرف وهذا – في الظاهرة النفسية – إلغاء. الصحيح ان بعض اللبنانيين لا يؤمنون الا بهذا الدهر ولا يهمهم شأن الدهر الآتي. استبعدوا السماء فلا يختلفون عليها في حين ان كل الموضوع هو اذا ما كانت تبقى الأرض سمأوية كما يريدها المؤمنون ام تبقى ارضا على كثافة ماديتها.
***
هذه أمور لا يمكن هندستها ما لم نشبعها درسا ونعرف ماذا نريد في الحقيقة من أفهومة العلمنة. انا لا اعتقد انه بسبب من التأزم الحالي ينبغي ان نكتفي بالقول ان الأزمات الطائفية تضطرنا إلى إرجاء الموضوع. ففي الأزمات نجبه امور الحياة ولو اختلفنا.
غير ان التدرج قد يتم باتباعنا الطائف فيكون عندنا مجلس نواب غير طائفي ومجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف وبعض الهيئات الأخرى. ولكني لا اذكر ان الشارع حدد العلاقة بين المجلسين. في دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة – وقد عايشته – كان مجلس الشيوخ يعيد النظر في القوانين. لنتخذ الطائف مختبر فكر ونشرّع. لماذا لا نحاول الخروج من الأزمة – في البنية القانونية للبلد – بالإسراع في إنشاء مجلس الشيوخ بحيث تحس الطوائف انها متقابلة ومتلاقية على مستوى راقٍ ولا تشعر بأنها شطبت من الوجود السياسي بمجلس نواب وطني التركيبة؟
غير ان ما جاء في الدستور الجديد يجعلنا أمام تساؤلات عدة لا بد من الإجابة عنها بقوانين سياسية أهمها قانون الانتخاب لأن هذا هو الذي يعطي المواطنين طمأنينة. فإذا قلنا على سبيل المثال أننا نريد لبنان دائرة واحدة لن يعتقد لبناني واحد انه من الإمكان ان يأتي النواب مناصفة في وثيقة الوفاق الوطني. هل تلغى ورقة الناخب إن لم يضع أسماء المرشحين على هذا الأساس؟ هناك حيتان سياسية – وأقولها بالمعنى المهذب والمحب – قد يتحكمون بهذه الدائرة الواحدة فيأتي معظم النواب من لون ديني واحد وينفرط البلد. وليس ما يضمن لي ان هذه الحماقة لا ترتكب. ليس المجال هنا لأدافع عن الدائرة الصغرى وأريد بذلك اصغر دائرة ممكنة لأن النائب المنبثق عن هذه الدائرة هو وحده الذي يمثل تمثيلا حقيقيا ناخبيه. يجب ان نخلص من هذا القول الهزلي القائل بأن هذا النظام يقوي الطائفية كأن الطائفية لا تنتهي عندنا الا يوم الانتخاب اذا وجد نواب من مختلف الطوائف على لائحة واحدة. النائب ينبثق من مكان راهن، محسوس يحمل شعور ناخبين يعرفون من ينتخبون. واذا اجتمع هؤلاء في الندوة البرلمانية يعرفون انهم يمثلون كل الشعب اللبناني ويعملون له دون إهمالهم المنطقة الصغيرة التي أتت بهم إلى المجلس. عكس ذلك إذا أحس سكان الدائرة الصغرى ان نائبهم يشعر بشعورهم ويهتم لمعضلاتهم المحلية يكونون اكثر اندفاعا نحو المجلس كله. اما ان يلحظ اللبنانيون بأن الشيعي يأتي بالمسيحي والماروني بالأرثوذكسي وان المسيحي يأتي بالدرزي على نظام المحافظة أو ما كان اكبر منها فهذا عينا ما يفرق.
***
بكلام بسيط ما من ضربة ممكنة للطائفية الا اذا درس معا مسألة مجلس الشيوخ وقانون الانتخاب الذي لا يشعر فيه احد انه مقصي. لن نهرب من هذا المشهد ان هناك عقدة في الطوائف مرتبطة بقانون الانتخاب وعقدة اخرى مرتبطة بالوظائف الحكومية. هنا اقولها صارما: الإدارة يجب فصلها الكامل عن الأديان ولكن هذا يتطلب إحياء المؤسسات التي تختار اهل الكفاءة بناء على مسابقات على ان تبتر يد النائب أو الوزير الذي يتدخل بالإدارة.
لو وصلنا إلى اعظم توازن ممكن بين الطوائف على صعيد الدولة لا يعني هذا اننا ادركنا وحدة وطنية لأن ما ينبغي ان نتوخاه هو ان نزيل الخوف بيننا اي ان نحب لغيرنا ما نحبه لأنفسنا وان نفرح لنمو الغير وقوته. هل يمكن ان ننقل الصراع على الحكم بين الطوائف الكبيرة النافذة ونجعله في فئات سياسية كالأحزاب والقوى الضاغطة؟ حتى الآن لم نستطع على مستوى العيش الحضاري الواحد بعد إقرار اللاطائفية. جميل ان نرى انفسنا جماعات دينية متقاربة ثقافيا حتى التوحد أو شبه التوحد ومنصهرة في العيش ولا سيما في الاقتصاد. ليس من التخلف ان نشعر اننا نتكامل عيشا من حيث اننا مجموعات دينية مختلفة، تتكامل مواهبها وتراثاتها وتتناضح وتتمايز. ما نسميه تعددا كلمة فارغة اذا عنينا بها التراكم أو التلامس المجتمعي. ما نبتغيه هو التداخل الصميمي بحيث يحافظ كا منا على خصوصيته المشروعة ويلقى الآخر من حيث انه آخر. الآخرية شرط التلاقي.
الإمبراطورية العثمانية شاءتنا مللا بمعنى انها اعترفت روحيا وقانونيا بذاتية كل ملة. هذا لم يكن خطأ من حيث المبدأ. وفي منتصف القرن التاسع عشر اعترفت بنا مواطنين متساوين. هي لم تكن على غرار أوربا دولة-امة Etat-nation ولم يكن للسلطنة قومية. وبعد ان اخترع مسيحيو لبنان فكرة العروبة صارت كل ملة دويلة ذات حلم عربي اي قوميتها منتشرة خارج الحدود التي وضعها الحلفاء بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. لم ننشئ إمبراطورية عربية ولا أنشأنا في الحقيقة الدولة-الأمة أو امة في حدود الدولة. كانت السلطنة تحتضن الطوائف وتغطيها. ثم نشأت دولة لبنان الكبير فلم تكن إمبراطورية ولم تصبح الدولة قوية بحيث تعمل كجسم إمبراطوري يحمي المجموعات الدينية حقا. أخذت كل ملة تحاول الحفاظ على نفسها ولم تستطع وظنت ان الدولة قادرة ان تحضن الجميع بالتساوي ولكنها لم تقدر ان تفعل. السؤال الآن هو هل ان دولة لبنان الكبير راغبة في ان تتكون من طوائف تتلامس وتتداخل ولكنها راغبة في تكوين دولة مضمونها الحقيقي علماني لتتمكن من عدم تسليط طائفة على أخرى؟ امة طوائف متعاونة في ظل كفاءة الأشخاص ضمن دولة يأتي بها المواطنون المؤلفون مجتمعا مدنيا لا يتنكر للخصوصيات الدينية.
هذا الجمع بين الطوائف لا تريد احداها ان تكون دويلة وبنية حكم عصري لا يبدو لي شيئا مصطنعا ويبدو قادرا على النفاذ. ولكن ذلك يقتضي منا حركة وجدانية عامة اسمها اهتداء احدنا إلى الآخر. اجل دولة مؤسسات ولكن المؤسسة بحد نفسها ليست الخلاص. نحن في حاجة إلى توبة تاريخية، توبة الواحد إلى وجه الآخر. مؤسسات يحميها القانون ولكن تنعشها المحبة بآن.
Continue readingلا بد ان يستهجن الأثرياء مقالي لأني لا اعرف الكثيرين يندمون على شهوة نافعة كانت أو ضارة. ويستغرب الفقراء – لو قرأوا – هذا الكلام وكأني اقطع عنهم رزقهم. وقد لا يكونون دون الأغنياء اشتهاء للمال. العفة عن رغبة المال لا علاقة لها بما تحوز ولكن بميل القلب. وهذا ينطبق على كل حيازة. فقد يكون الملك حرا من سلطان ملكه عليه. وقد يكون الأجير راغبا في التسلط. كيف تتحرر من سيطرة الوجود كله عليك؟
استهل شهادتي بأن الخلق صالح وإننا أحسنا لما اخترعنا العملة إذ سهلت بذلك التجارة وكبرت وشاءت القوة، على اختلاف ألوانها ودرجاتها، أن يتوزع الرزق بين الناس. ومن القوة السرقة والاغتصاب والتعدي على الأجراء والاستيلاء على حصص ليست لك في الميراث. ومن التعدي الربا بحيث بات البشر من العصور الغابرة متفاوتي الكسب. فاللامساواة هي القاعدة التاريخية واني لأذكر في طفولتي ان من “الاتقياء” من كان يقول: “الفقير الحق عليه” ناسين او متناسين ان ثمة وساوس من الشيطان تجعل الانسان يحصل على ما ليس بشرعي او عادل أكان من كبار الأثرياء ام من صغار الفقراء. لا ينعم الله الا على من ابتغى من تحصيله إحسانا لأن الإحسان لا المال هو النعمة.
يقول العارفون بالله لا يحق لك ان تفرح باقتناء الا عندما تروم تبديده على المحتاجين او لكون بنيك في حاجة اليه حقا. اما السرور بالمقتنى وهو شعور بالقوة فهذا ليس شعورا إلهيا. وبعامة، كل تعلق بالزائل يستبعدك عن “الباقيات الصالحات”. انت قائم بها وهي التي تصورك روحيا على البهاء. اما اذا تشهيت الزائلات فتصبح مثلها كائنا هشا، قلقا على فقدانها، جزعا لعدم تكاثرها. وتكون نقلت مركزك وهو الله الى ما لا يركز عمقك على شيء.
الإنسان يأتي من رغبته. فاذا رغبت في الباقي اعني الفضيلة فأنت باقٍ بها وان رغبت في العابر فكيانك الداخلي مهتز. المال لا ينتمي الى عالم القيم. انت من عالم القيم اذا عرفت استعماله للخير. عندما يقول الناس: هذا انسان مادي فكلامهم فلسفي اكثر مما يتصورون. اجل هذا الانسان عنده روح ولا يمكن ان تكون تركيبته البشرية مادة محضة. ولكن عند الرؤية الروحية يكون هذا الانسان قد اصبح وكأنه كله مادة لكون عاشقا لها. انت دائما من جنس ما تعشق. انت تصير من جديد كائنا انسانيا عندما تنتقل عن هذا العشق الى رؤية الأبدي فيك. القضية جدية كثيرا، خطيرة كثيرا لأنها تدخل الذات كلها. ما يحدث لنا في الخطيئة اننا بدل ان نرغب في الله نصير راغبين في المخلوق الذي من طبيعته ان يعبر فيزول. عندما يقول بولس ان “الطمع عبادة وثن” كان يعلم ان ليس من عبادتين تلتقيان في النفس الواحدة. احداهما تصبح عبودية.
هناك وثنية اذا اتكلت اتكالا عميقا او محضا على ما بين يديك وان احسست ان مالك يوفر لك مستقبلا وايماننا نحن انك بين يدي الله. “لا تهتموا بالغد” قولة المسيح هذه لا تحول دون سهرنا على اولادنا وتعليمهم والطبابة. انها فقط دعوة الا يصبح هذا الاهتمام انشغالا. اجل في الاقتصاد الحالي لا بد من توفير وتاليا من بعض القوة. قصد الكلمة الإلهية ان تجعل الله متكلك وان تسعى في الاتكال وان تطلب العضد الإلهي ولا تستسلم الى التوهم انك قادر بالسعي وحده ان تضبط الوجود اذ تكون آنذاك قد أنكرت مجانية العطاء الإلهي وان الرب معيلك. وفي هذا يقول القديس كاسيانوس: “لا تستطيع في آن واحد ان تحب روحك والمال”. وذلك مصداقا لقول الإنجيل: “حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك ايضا” (متى 6:12). ما يخشاه اهل المعرفة الروحية انك اذا انكببت على ملذات الدنيا لا يبقى لك صبر على اللذات الروحية لأن ترف الدنيا يحجب عنك فرح الملكوت الآتي عليك كل يوم.
هذه الصعوبة لا تنحل على طريقة الوعظ التافه الذي أخذ يستعبدنا منذ قرون والذي يدعو الى شيء من الإحسان تكفيرا عن الذنوب او طمعا بالجنة بحيث تعطي ما لا يتناسب وثروتك وترضي ضميرك القلق. معلمنا الكبير يوحنا الذهبي الفم يعلن ان “الأغنياء (اي الذين يظلون على غناهم بلا عطاء كبير) والبخلاء هم سراق من نوع خاص”. الفكرة الأساسية عند المعلمين القدامى – وهم المرجعية – ان الله وهب خيرات هذا العالم ليشترك فيها الناس جميعا بلا استثناء وليتمتعوا بها على التساوي. واما ان يحصل بعض اكثر من الآخرين فهذا يناقض المساواة التي ارادها الله في توزيع الثروة وهذه الحال لم تكن في البدء. هذا نشأ مع الأهواء. ان اشياء هذه الدنيا والتمتع بها هو للجميع. انها ليست “لأحد من حيث الملك” كمل يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث. وكلام باسيليوس الكبير قاطع: “انت كوكيل وليس كمستمتع تستعمل الغنى”.
الكلمة-المفتاح في هذا المجال ان المال وكالة من الله. انه يأتمنك عليه لمنفعة الناس جميعا بدءا من عائلتك ما في ذلك ريب ولكن امتدادا الى كل محتاج. ليس عندنا نحن المؤمنين بالتراث المسيحي القديم فكرة الملك. اجل هذا لا ينبغي ان يقود احدا الى السرقة لأنها طمع الا اذا تعرض اولادك الى الفاقة الحقيقية او الى الجوع. تنتفي عند ذاك السرقة. اجل قال الله في الوصايا العشر لا تسرق. كان هذا في الحضارة العبرية حيث كان الناس بداة او مزارعين متساوين في الفقر. اما في الاقتصاد الرأسمالي حيث التفاوت الرهيب فيمكن ان يتعرض المصاب بالفقر المدقع الى الجوع الحقيقي. هذا لا يبرر اختلاسا يقوم على خوف من جوع غير قائم بعد. غير ان اساءة الاستعمال للتعليم الذي أطرحه – وهو مؤسس في تراثنا – لا يلغي القناعة ان ليس هناك من ملك وان الأمر الذي يريده الله هو الكرامة الواحدة لكل مخلوق.
قال الذهبي الفم “ان في الثروة سببا لأحزان وانقسامات ومشاجرات وأفخاخ واحقاد ومخاوف”. وعلى المستوى العالمي ان التفاوت المادي بين الشعوب مصدر للحروب. ان المال اذا لم تعط منه شيئا يمكن ان يجعلك بلا إحساس. ويقول القديس غريغوريوس النيصصي ان ناسا كهؤلاء يفقدون كل ملامح جنسهم ليصيروا مسوخا.
ما يرعب في شهوة كهذه انها تمسي مرضا لا شفاء منه اذ النزعة عند الثري الكبير انه لا يكتفي بما عنده. كل شهوة من طبيعتها ان تغذي نفسها بنفسها. الشراهة والزنا وحب السلطة لا تقف عند حد. ويدخل في تشهي المال المجد الباطل الذي يدفعك الى ان تصبح اقوى من غني آخر. هناك قلق ناتج من المقارنة. ان التخمة تقلق كالفقر الشديد. تتوجع لأنك لست الغني الاول في البلد وتضطرب اذا لم تستطع ان تحافظ على كل ما كسبت. انت بسبب من ذلك في حالة إحباط دائم اهم ما فيه الإحباط على انك سعيت ولم تصل كما صممت. هناك حزن شديد لعدم بلوغ المأرب الذي هو ازدياد الثروة.
ويسيطر على هذه الشهوة ان صاحبها مدفوع الى ان ينظر الى الإنسان الآخر من ناحية المنفعة المادية. الآخر قيمته بما يملك اي بالعلاقات المادية التي تقيمها معه. وفي هذا يقول الذهبي الفم: “ان الآخرين ليسوا بشرا. انهم ادوات للكسب”. الهذيان الآخر ان للمال قيمة مطلقة وانه هو الحياة.
كل شيء عند هذا الرجل ذهب. انه في هلوسة دائمة. وفي كلمة موجزة ليوحنا الذهبي الفم: “ارادتك في ان تفوق سواك في امتلاك الأشياء الجسدية ليس لها مصدر الا برودة المحبة فيك”.
مع ذلك العجائب ممكنة. اما الشفاء الأعجوبة ففي قوله تعالى: “بدد، اعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد”. قال لي صديق كان غنيا كبيرا: “كلما ربحت مبلغا كبير اوزع منه كمية كبيرة لئلا اقع في اشتهائه”. غير ان المعجزة لا يمكن ان تتم الا باهتداء والاهتداء ان تؤمن انك لست مالكا لشيء او انك فقط مؤتمن. لقد شاءت ظروف الدنيا، شرعية كانت ام غير شرعية، ان تجتمع في يديك ثروة. سؤالك نفسك هو كيف اشتري نفسي من وطأة هذا الذي تجمع عندي. الإنقاذ الوحيد ان تعطي بقدر كبير حتى تصل الى الحرية. كيف تعطي، من تعطي ليس هذا هو الموضوع. الموضوع ان تتحرر داخليا من العبودية. قد توزع قليلا اذا ملكت قليلا. اذ ذاك انت حر. تعطي كثيرا جدا ان ملكت كثيرا. اذ ذاك، انت حر. المهم ان تتجرد من كبرياء التملك. اذا أزلت هذه العاطفة عنك تصبح فقيرا الى الله. اذ ذاك فقط تنوجد.
Continue reading