يسوع الناصري / السبت 25 كانون الأول 2004
لن اقول فيه ما قاله أتباعه فيه ولن اردد ما قاله الذين ارتدوا عنه. ومنهم كانوا سفهاء. غير ان اهله المخلصين من ذويه والغرباء في الدين وقفوا منه موقف الاجلال وانشدّوا اليه انشدادًا كبيرًا. وما وددت ان اقوله في ميلاده وهو قمة القول ان ما يسحرك في الرجل انك لا ترى مسافة بين قوله وفعله فكان هذا الانسان نورًا كله.
يلفتني قبل الغوص على الكلام ان انجيليين اثنين، اعني مرقس ويوحنا لم يذكرا شيئًا، عن مولده وان بولس قال فقط انه ولد من امرأة وكأن الاوائل قبل تدوين العهد الجديد لم يهتموا للحدث ثم ان الاجيال اللاحقة التي عرفت البشائر ما اقامت ذكرى للميلاد الا مجموعة مع ذكرى صبغته في نهر الاردن باعتبار الواقعتين سطوعًا للنور الالهي واحدًا. في هذا الخط سمعت نفسي اقول ان المسيح وُلد على الصليب وفهمتني اعني ان دخوله التاريخ والقلوب انما كان هناك مطرحه وتاليًا ان عيد الميلاد لا يتخذ معناه الا من هذا الانكشاف النوراني الكبير.
اعرف انه من الصعب جدًا عرض موضوعي بارد لسيرة المعلم. اولاً هذا لم يحدث في اي دين. التاريخ ليس علما موضوعيًا بالكامل مثل الفيزياء. هناك قراءة من موقعك الوجداني. ولكن لك ان تتجرد ما امكن التجرد من العقيدة لتخاطب الناس جميعًا. الى هذا لا نستطيع ان ندخل في مدرسة النقد العالي، كما يسمى في الغرب، ومحاولة السعي الى “يسوع التاريخي” بالاستقلال عن التلاميذ الاربعة الذين كتبوا عنه. عندي ان المسعى الى “يسوع التاريخي” مجموعة افتراضات ملقاة على النص بتجريده من لاهوت الانجيليين او كنيسة القرون الاولى. انا ليس عندي صلة الا بمن كتب لاعتباري اياه شاهدًا او تابعًا لشهود. فالاناجيل هي الرؤية وأقف عندها حتى نستطيب انا وقرائي جميعًا هذا الموسم.
اذا قرأت الادب العبري اللاحق للعهد القديم وهذا العهد انتهى تدوينه قرنا ونصف قرن قبل الميلاد ترى نصوصًا تشبه الاناجيل. ولهذا لا غضاضة في القول ان الناصري لم يكن آتيًا من الصفر. غير ان المكتوبات العبرية هذه لا يعرفها الى اليهود سوى بعض من دارسي اللغات السامية. لماذا لم تحي هذه الكتابات البشرية كما احياها الانجيل؟ لماذا لم تكن هي الثورة؟ جوابي ان هذا الادب اتخذ من الناصري زخمه وعمقه وقد تمثله يسوع بمحبته وزاد عليه وربطه بسلوكه.
# #
#
ما حدث واقعيًا في قلوب المسيحيين انهم في اتخاذهم ايمانهم عرفوا شخصًا لم ينطق مثله احد ولم يحب مثله احد. وقد عرفوا هذا الشخص مما رواه عنه الرسل قبل عصر التدوين فعاشوا على كلمات قليلة مدة اربعين سنة قبل انشاء الانجيل التاريخي الاول اعني انجيل مرقص وخمسين سنة قبل متى وستين قبل يوحنا. عرفوا تحننه على المرضى ورفقه بالفقراء وغفرانه للبغايا وعرفوا جرأته امام الظالمين وهو اعزل كليًا وفقيرًا كليًا. وبعد سطوع كل هذه الانوار فيه، كان لا بد ان يكشف صدقه بشهادة موت طوعي كان ولا يزال كلمته الاخيرة لبشرية تُذبح كل يوم. في آخر تحليل ربما كان موته القولة الوحيدة التي قالها.
شوهد فيه الرفق كما لاحظ هذا احمد شوقي ولكنه شوهد في الادب البوذي ايضًا. غير ان الهاجس المسيطر على البوذية هو الا يتألم الانسان وان يفنى بعد هذا في النرفانا. وهاجس يسوع الناصري ان تتحرك مشاعرك واعصابك وعظامك لتخدم الضعاف وتتابع الخدمة بتأن? وطول اناة وعلم وتنظيم كي تجعل معذبي الارض في الفرح واذا آمنوا ان يعرفوا ان احدًا منهم لا يفنى في ابدية ضبابية ذائبًا في الكل الكوني لأن كل وجه بشري حبيب الله مثلما كان يسوع حبيبه. والاحباء يلتقون كل على فرادته فيكون العالم مجتمع فرادات على صورة المسيح الفريد.
لهذا ضمن الكرامة الواحدة التي كان يوليها تلاميذه تمايز بطرس ويعقوب ويوحنا ولم يكشف الكتاب السبب ثم اتكأ يوحنا على صدره ولا نعرف السبب. وعلى رغم عنايته بهم على صعيد الفهم ظلوا اغبياء بعامة ولم يستقر ايمانهم به الا بعد ما تسميه الاناجيل قيامته.كيف استطاع ان يحتمل هذا الصف من الاغبياء ثلاث سنوات فكان فيها دائمًا وحيدًا. وفجأة بعد موته بثلاثة ايام استضاءت عقولهم وقلوبهم ونعرف منهم من مات موت الشهادة ونعرف من عُذب ونشأت من هذا الرجل حركة الذين استُشهدوا فشهدوا طوعًا وذلك جيلاً بعد جيل في اصقاع من العالم مختلفة وهم يذهبون الى الذبح بفرح وهدوء وطمأنينة الى قيامة يرجون. سرهم انهم فهموا ان الحب ان لم يكن حاضرا ليصير دمًا يكون لغوًا.
# #
#
يسوع حمل الانسان حملاً كليًا بلا مراعاة لنافذ ولو ذهب به الجبه حتى الصدام. من عرف هيمنة الحزب الديني أي حزب الفريسيين على الحياة العامة في فلسطين آنذاك يتوقع ان يكون معه الآخر لينا حتى المداراة ولو في صدق. بأية قوة تسلح ليقول لهم ولعلماء الشريعة: “ويل لكم أيها القادة العميان… ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لانكم تشبهون قبورًا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة… أيها الحيات أولاد الأفاعي” (متى 23).
هذه الجرأة التي هي في مقاييس العالم تهور كانت تجتمع فيه الى وداعة وتواضع كان يأمل ان يأخذهما الناس عنه. وهذا هو الكمال ان تكون قويًا ولطيفًا في آن، لا تتسلط على أحد ولا تجعل نتوءًا بينك وبينه عن كبرياء ولكنك لا تحابي الوجوه ولا تتقرب من زعيم وترحم بلا حد وترى النور الالهي على وجه البغايا التائبات والجباة التائبين وتتوقع الفهم في حينه من صيادين وتأكل متى وجدت طعامًا وتصوم ابتغاء القهر لروح الشر والشره والاستكبار. وتسكن حيث يتاح لك ان تسكن وأنت حر منهم جميعًا، رفيقًا لاثني عشر أميًّا ولدوا جميعًا في قرى صغيرة مبسوطة حول بحيرة طبريا.
كنت دائمًا أرجئ زيارتي للجليل لما كنت أسافر الى فلسطين الحرة. آخر زيارة لي للقدس كانت السنة الـ 1966. وبعد حرب حزيران فهمت اني لن أرى الجليل في زمن يمكن توقعه حتى أدركت انه يمكنك ان تصل الى أبعد قرية في الأردن الى شماله. هناك استطعت ان أرى بحيرة طبريا بصورة شبه واضحة وفهمت ان خير كلام قيل للناس هو في هذه البقعة الصغيرة من العالم. من كان يقول ان معلمًا دينيًا جوالاً كان له من هناك ان يفتح العالم؟
ما سرّ هذا الرجل؟ من خوّله ليلقي الموعظة على الجبل فيستهلها بـ”طوبى للمساكين بالروح…”. هذه العظة نقلت الناموس من وصايا مفروضة الى حضور الله في القلب النقي والقلب صار العالم. أي روح نزل عليه ليقول: “أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا الى مبغضيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات فانه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين”. لم يأت في التوراة ان الله يحب الأبرار والخطأة حبًا واحدًا ويعنى بهم عناية واحدة. أي الهام كان له لما قال: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض… لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون… لا تهتموا للغد”.
هذا كله نظريًا ممكن العثور على مثله هنا وهناك لكن أحدًا لم يتجاسر عليه. كل قول يشبه أي قول ما عدا قوله هو: “من منكم يبكتني على خطيئة؟”. كل البشر في كل تاريخهم عرفوا أنفسهم على ضعف ما، على نقصان ما أو على معصيات. الناصري عرف نفسه بارًا لا جزئيًا ولا في مرحلة ولكن بارًا مطلقًا بلا أثر لأية هفوة. وعرف ان الناس ان لم يطمحوا الى هذا لن يكونوا على شيء. أحسب انه لهذا قال: “أحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم” أي حتى الموت. فان كنت غير مستعد لتموت عن صديقك أو عن عدوك فأنت مداريه في اطار الحياة الاجتماعية ولكنك لا تحبه بهذه المحبة التي قيل عنها عشر سنين بعد موت الناصري: “ان كان لي كل الايمان حتى أنقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئًا. وان أطعمت كل أموالي وان سلمت جسدي حتى احترق ولكن ليس لي محبة فلا انتفع شيئًا. المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب لنفسها ولا تحقد” (1كورنثوس 13).
“وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة فلست أظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يوحنا 21: 25). أظن ان العالم كله لا يسع المسيح. ان عرفت هذا يكون لك عيد.
Continue reading