Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2004, جريدة النهار, مقالات

عيد رفع الصليب / السبت 11 أيلول 2004

هذا ما يسميه العامة، مختصرين، عيد الصليب ونقيمه في الرابع عشر من ايلول. ولست بمستفيض في الحديث عن اصل العيد ولكل عيد اصول تاريخية.  هذا تذكار لما هو معروف عند المسيحيين  باكتشاف هيلانة ام قسطنطين الملك العود الذي صلب عليه يسوع وتم لها بعد انعقاد المجمع النيقاوي في السنة الـ 325، ذلك ان قسطنطين الكبير اوفد والدته الى اورشليم  وهي القدس  عند العرب كي تبني كنائس في فلسطين. فوجدت خشبة الصليب الحقيقي تحت هيكل عشتروت الذي كان قد بناه الامبراطور ادريانوس وذلك حسبما دلها على ذلك مؤمنو المدينة فرفعه اسقف المدينة مكاريوس وبارك الشعب به وصرخ الشعب “يا رب ارحم”.

ثم استولى الفرس على اورشليم السنة الـ 614 واخذوا عود الصليب الى عاصمتهم المدائن حيث بقي بضع سنين فأعاده ملك الروم  هرقل الى القدس. هذا تاريخ العيد. فوضعت له رتبة طواف في الكنائس وعند الارثوذكس يرفعه الكاهن فوق رأسه محاطا بالرياحين وشموع ثلاث ثم ينزل به  الى الارض ويرفعه خمس مرات والناس يرتلون “يا رب ارحم” ويأتون بعد ذلك للتبرك به. هنا اوضح ان كل ما يحتسبه بعض انه سجود لصورة انما هو انحناء للذي رُفع عليها اعني المسيح  وليس لمادة الخشب او لمعدن. فالقول بأن المسيحيين يعبدون الصليب اذ “يسجدون” له قول خال من الاساس في دينهم.

لماذا احيطت الذكرى بابتهاج كبير اكان هذا في البيعة ام في مسرات  الاولاد؟ من ابتغى الفهم عليه ان ينفذ الى العمق. والعمق ان الفرح فرح بمن عُلّق على هذه الخشبة مخلصا وليس بأن هيلانة وجدت ما وجدت. وما مرادي هنا ان اقنع احدا  بأن خلاصا الهيا وحبا الهيا  شملاه. الكنيسة تنظم اعيادها على طريقة  الرمز وليس فقط من طريق الكلام المتلو. انها تقول من طريق الحركة بما فيها الكلام.  هكذا اذا علّق المسيحي صليبا في عنقه فليس هذا يحفظه من الاذى كأن الفعل الالهي مستقر في هذه الايقونة.  ليس في الايقونة فاعلية لمجرد وجودها. ماذا يريد المسيحي اذا سلمه عرابه عند المعمودية صليبا؟ يريد انه عانق المخلص وانه ينوي ان يبقى له. هذه عملية التزام دائم. ان يحوّل هذا الى اعتقاد سحري، الى طلسم فهذا شأنه، ولكني لست، بسبب من هذا الخطر، الغي رمزا تعليميا يدفع القلب الى تحرك. واذا وضعنا صليبا على قبر فلكي نقول ان المدفون هنا انما يرقد “على رجاء القيامة والحياة الابدية” التي فجرها في الكون صليب المسيح.

كذلك اذا رفعناه على قباب الكنائس فلكي نشهد اننا اخصاء المصلوب واننا ننوي ان “نصلب الجسد مع الاهواء والشهوات” كما يقول بولس الرسول. نحن نحاول حقا ان نتحرر من الشهوة لان المعلم دعانا الى ذلك وتأتي حريتنا من الكلام الذي قيل ومن الرموز التي تجسد الكلام. هذه طريقتنا اننا نسكب الايمان فناً كما نسكبه شعرا. انت تفهمنا من تعابيرنا.

* * *

والامر الجلل اننا على هذا منذ الفي سنة وان من خطابنا عليه ان يدرك هذه اللغة. انا لا اطلب غير الفهم وانت تبقى فهيما ولو لم تقتنع. الانسان اليوم يحاور ولا يأتي فقط من منطقة. فقط من دخل صميم الاخر لا يعتبره يهذي.

المسيحيون عاشوا على هذا الفي سنة واستقاموا به وفرحوا به واستشهدوا. اذا كانت عبقريتهم التاريخية في هذه الشهادة واذا قام عليها الطاهرون منهم لا تستطيع انت ان تقول هذا هراء بهراء. لك ان تسأل من اين اتتهم هذه الشجاعة المذهلة وهذا الاصرار الموصول. الجواب الوحيد انهم آمنوا بموت المسيح على الجلجلة وبقيامته واصروا ليس فقط على التشبه به ولكن لاحظ مؤرخو حركتهم انهم لم يتقووا الا بهذا التشبه. هذا اذاً – على صعيد التأمل – ما تتعامل انت واياه.

يعلنون التصاقهم بحبه اذا صلّبوا وجوههم (أي اذا رسموا اشارة الصليب عليهم). قد تكون عند بعض تحركا آليا. الله يدين. ولكن لمن دخل ملكوت المعاني انهم يريدون انهم متحدون بالمصلوب.

الودعاء منا ليسوا مسؤولين عن الذين سخروا الصليب الى اشارة قتال (كالصليبيين) او افتخار عنصري (كالنازيين). الودعاء ما هم بصالبين. انهم مصلوبون اذ يحملون قضية الانسان المعذب. جراحه جراحهم وما لم تصر كل الشعوب المسيحية في خدمة الانسانية المعذبة لن تذوق هذه الانسانية عذوبة يسوع. كل ما ارجوه في هذه العجالة ان يصبح المسيحيون في حالة التضحية الكاملة لانهم اذا اتخذوا هذه الصورة يراهم الآب.

واذا شوهدوا مصابين بالآلام تراهم البشرية فصحيين. الفصحية هي هذه الانتصار الدائم على الانانية والانغلاق وحدة الطبع والخوف. واذا لامسوا الانسانية بهذه الحلاوة تحلو الدنيا لابنائها وعندئذ فقط يتم لقاء الود بينهم وبين الاخرين.

* * *

اذا فهم المسيحيون الفصح لا يسعون الى تعذيب اجسادهم باطلا. لقد ارتضى المسيح الالم لكي يرفع الالم عنا. فعندما يقول بولس في رسالته الى اهل كولوسي: “اميتوا اذاً أعضاءكم التي على الارض” يفسر انها الزنى والفحشاء والطمع وما الى ذلك. فالجسد مدعو الى الحياة والعافية في سبيل الخدمة فليس في المسيحية هروب من السعادة بمعناها الطيب. هناك يقظة في كل شيء لئلا نظن ان السعادة تعبر، ضرورة، عن الرضاء الالهي. لذلك ليس من تقشف عندنا يدعو هذا وذاك من الناس يوم الجمعة العظيمة الى ان يسمر يديه او ان يحمل بعض القوم احمالا ثقيلة على مسطح خشبي عليه تماثيل ثقيلة. فاذا كان التعذيب لا يقرب الى الله لا نعتبر ان وجع المرضى في جوهره يقرب الى الله. الله لا يبعث بالوجع. يبعث بالشفاء. والصبر هو الشفاء. ان جانبا اساسيا في رسالة المسيح انه شفى البرص والعميان والعرج ومن اليهم ورأى الانجيل ان حصول هؤلاء على معجزات من المعلم علامة من علامات الملكوت.

لا، نحن ديانة الفرح بما يتضمن من اللذات احيانا اذا روقبت واعتدلت. يمتد الصليب فينا قيامة ولا يمتد مسامير وطعن حربة. تحت غطاء التقشف الساعون الى الالم وممارسوه في شيء من المازوشية انما يؤكدون انفسهم بما يشبه التقوى.

* * *

هناك شيء اساسي في مقاربة المسيحية انها ابسط مما تصور الكثير من علماء اوروبا او بعض من كتاب الشرق. هي ليست بناية فلسفية اطلاقا ولا هي بخاصة دمج بين الانجيل والفلسفة اليونانية. ان هي الا وحي يوحى. والكلام فيها هو فقط كلام على محبة الله في ذاته ومحبته للانسان ولذلك كانت صليبا وقيامة ولا يزاد على ذلك شيء. حتى الفكر الكاثوليكي لما استعان بالفلسفة في القرون الوسطى كما عند توما الاكويني ابى ان يكون مزجا بين الانجيل والهلينية. والذين قالوا في هذه المنطقة ان المجمع النيقاوي الذي تحدث عن الوهية المسيح كان محاولة تلفيق بين الانجيل والحكمة اليونانية لم يفهموا شيئا عما جرى في هذا المجمع. كان سعي الآباء في توضيح هذه العقيدة ان يكونوا انجيليين فقط ومن الواضح لمن يتتبع الامور ان جهد الاباء كان دائما الا يتجاوزوا ما تسلموه من الوحي. لا يسعك ان تتصور مدافعا عن الايمان كبيرا يقبل بأن يضيف الى كلام الايمان كلاما بشريا والفلسفة عندهم كانت صنع الناس ولو رأى بعضهم ان بينها وبين الانجيل تقاربا او انها هيئت له. وما سمي عندنا عقيدة لم يكن سوى استعمال لمقولات يونانية لينقل بها الوحي.

في سيطرة الحضارة اليونانية لما كان اهل البدع يأتون هم بمعان يونانية ليحولوا اليها الانجيل او ليقرأوه على ضوئها اضطر الاباء الى ان يستعملوا الفاظا من هذه الحضارة دفاعا عن الايمان. ولو لم تظهر الهرطقات لما لجأ آباؤنا الى استعارة مفاهيم يونانية ينقلون بها الانجيل مع محافظتهم على النص. واي كتاب في العقيدة عندنا انما يسعى واضعه الى ان يبين اننا لم نخرج عن الكتاب الالهي. هو سير التاريخ الذي ارغمنا على ان نتكلم بمقولات التاريخ الحضاري. نحن نزعم اننا قادرون على ان نرد اية عقيدة (الثالوث، التجسد) الى آيات بسيطة ولنا ان نربطها بعضها ببعض دون الاحتماء بالمجموعة العقدية التي عندنا. الثالوث والتجسد والمعمودية والقربان وما اليها ان هي الا طرق مختلفة للتعبير عن الحب الالهي. خارج هذا الحب ليس عندنا شيء لذلك نؤكد سر الصليب والقيامة التي تفجرت منه على انهما تعبير ان في سيرة المسيح عن انعطاف الله علينا. واذا ازلتهما حادثين في ما عاشه السيد لا يبقى عندنا شيء.

ما يسمى الاخلاق الانجيلية مرتبط كله بهاتين الحادثتين. الانجيل بناية متكاملة متراصة تحتوي على الايمان كله وعلى الاخلاق كثمرة للايمان. ولا تستطيع ان تفك المناقب الانجيلية عن الايمان الذي تنبع منه. لذلك اذا عيدنا في الرابع عشر من ايلول لارتفاع الصليب نكون معيدين لصميم ايماننا. ان هذا العيد هو طريقة اخرى نقيم بها سر اسبوع الآلام. نحن نأخذ ثلاثية الجمعة العظيمة وسبت النور وعيد القيامة لنجعلها معمودية وقربانا واعيادا مختلفة. اعياد الشهداء اسلوب آخر لنحتفل بالصليب والقيامة. كل ما عندنا تصوير لمجد وجه المسيح في سر فدائه.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

المال / السبت 21 آب 2004

المال ان اعطيته يغنيك، يتحول فيك الى ثراء روحي. لك ان تجعله صنما او تجعله اداة. هو بحد نفسه ليس سيئا ولا حسنا. يصبح وسيلة عيش للفقراء ومن عف من الاغنياء وعف اي من استغنى قلبه عنه وامتلأ من الكلمة وجعلها كنزه. واما من ابتلع المال يبتلعه المال. اذذاك انت عبده وقد لا يستعبدك شيء مثله بسبب ما وراءه من قدرة. وفي هذا قال الشاعر: المال تزري بأقوام ذوي حسب/ وقد تسوّد غير السيد المالُ. نحن اذاً مع ظاهرة كبيرة الطاقة، كثيرة التعقيد، مع شبكة من العلاقات خانقة فيها خلابة وتاليا فيها مرارة الخلابة. شيء يضج كالعمالقة ويسود العالم كله والتاريخ ويسقط الكثيرون امامه صرعى لكونه يفتح امامهم مجال اللذات كلها التي غدت منذ الدهور آلهة في وعينا وفي غير وعينا والآلهة تخطف العقل.
وهنا يتساوى الفقراء والاغنياء. فالاغنياء يستمتعون والفقراء يشتهون المتعة اي ان المال يسبيهم كما يسبي الاثرياء. والشهوة فيها قوة الجذب التي تغذيها. فالاغراء ليس كامنا في الثراء ضرورة. فقد تكون ثريا ومتواضعا ومحبا. ولكن عندنا، في العربية كلمة اخرى وهي كلمة الغني والغني هو الذي لا يحتاج الى احد في شيء وكل احد محتاج اليه. يقول لسان العرب ان هذا هو الغنى المطلق ولا يشارك الله تعالى فيه غيره. اما اذا بقيت فقيرا الى الله والناس في ثرائك تصبح مسكينا بالروح كما يقول متى في عظة الجبل. غير ان هذا لا يتوافر لك الا اذا شاركت. فإذا فعلت ينقص مالك واذا فعلت ذلك كثيرا ينقص مالك كثيرا واذا احببت كثيرا فلا بد من تبديد الكثير على المساكين حتى اذا دنوا بذلك من شكر الله تكون انت قد دنوت منه ايضا. تكون قد ابطلت رغبتك في الدنيا لتجعل رغبتك في الله. فالمسألة هي ماذا تحب او من تحب. وقدرة التحول من رغبة الى رغبة هي في قلبك. “يا عبد كل شيء قلب”. الصراع كله يدور بين الجامد والحي واريد بذلك الجامد فيك بسبب من الشهوة والحي فيك بسبب من النعمة.

الفضة جامد يتسلط عليك فتجمد مثله. ولا وفاق بين الجامد والحي واذا سيطر احدهما يصبح سلطانا على وجودك. ولذا قال المعلم الناصري: “لا يقدر احد ان يخدم سيدين. لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال” (متى 24:6). في هذا لاحظ المسيح امرا واقعيا اننا لا نستطيع الا عبادة واحدة. للمال تكون او لله تكون. السؤال الذي على الانسان ان يطرحه على نفسه هو من اعبد اي من هو الذي اسلمه نفسي واسوده على جوارحي، من يحركني. وقد تكلم يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله عن المال: “ان حبه يغلب كل حب ويطرد من النفس كل رغبة اخرى”.

لهذا قال بولس: “ان الطمع عبادة وثن” (كولوسي 5:3 وافسس 5:5). وكأنه يقول: انك اعتنقت ديانة وثنية وانت مسجل في ديانتك لأنك ارتكبت الشرك. ذلك ان في هذا التعلق قدسية وتبذل في سبيل ذلك كل قواك وكل وقتك.

لما كنت ساذجا كنت اقول في نفسي لماذا تقوى دائما شهوة الاثرياء اذ لا يستطيعون ان يأكلوا اكثر من غيرهم. والانفاق على الثياب والامتعة والسفر والقصور له حد. غير اني ما كنت افهم في شبابي ان الاثراء لا حد له. ليس الكم هو الذي يحدك لأنك اسلمت الى شهوة اذا هي سادت لا توقفها قوة بشرية. انها مستقلة عن كل اعتبار. هكذا الجنس اذا تحكم واضحى مبتغى من اجل ذاته. انه يولد نفسه بنفسه. هكذا القمار وهكذا الشراهة. كل هذا يأتي من الشعور بأننا ناقصون اذا لم نستسلم للنهم كائنة ما كانت صورته. الانسان لا يكتفي بأن يكون بعضا من الدنيا. يريد ان يلتهمها كلها التهاما اية كانت صورته. من منا يبغي ان يلتهمه الله حتى يتحرر قلبه مما لم يكن الإله. القصة كلها في هذا على من تتكل، بمن تؤمن، ماذا ترجو، هل انت تخشى المستقبل ولا تعرف اذاً ان الله معطيكه وانك قادر ان تتجلى بما فيك من فضائل ولا تتجلى بمتاع الدنيا. المأساة انك عارف بأن احدا في الدنيا لا يحبك بما هو عندك ولكنهم يحبونك بسبب حبك لهم اميسورا كنت ام غير مأسور. من يعرف ان الدنيا مملكة القلوب؟ من يعرف انه بالاقتناء المطلق المنغلق على ذاته يطرد الانسان نفسه من عالم القلوب؟ لذلك قال المعلم: “حيث يكون كنزك هناك قلبك ايضا” (متى 21:6).

لعل بعضا من تشهي المال يأتي من اعتقاد الناس ان ما نملك عطية من الله. أليست العبارة الشعبية: “هذا انعم الله عليه؟”. لم اعثر على هذا في كتبنا. قد يكون ذلك اذا عرفك ربك معطاء. ولكن اذا جاءك هذا من ارث او من مورد غير شرعي فما حكاية الله؟ الكتاب يتحدث عن المال على انه موجود ومن بعد هذا تتداوله. فإن تداولته بما يرضي الله اي بما ينعش المحتاجين اليه فما ينعم الله عليك به هو ما تعطيه لا ما تحتفظ به. وكما يقول سمعان اللاهوتي الحديث ان الاموال “ليست لأحد من حيث الملك”. وكما يقول باسيليوس الكبير: “انت تستعمل الغنى كوكيل عليه وليس كمستمتع” (العظة السابعة ضد الاغنياء). ايا كان مصدر ما تقتنيه اصبحت بالاقتناء مؤتمنا على ملك الله تستعمله لنفسك وللآخرين وفق قاعدة المحبة التي اسمها في هذا المجال مشاركة. المال يذهب الى من يحتاج اليه. له حق فيه ويجب ان يعطاه وجوبا وليس تصدقا ولو كان جذر هذه اللفظة في الكتاب. لا يخيرك الله بين العطاء والكف عن العطاء فإنك عنده مفوض بالعطاء حسب قدرتك.

السؤال اي مقدار اعطي ليس بمحله. فعلى قدر ما تحب تبذل. وعليك ان تقوي رغبتك في البذل لكي تهرب من عبودية المقتنى. الا ان المسألة لا تنتهي هنا اذ لا يكفي ان تشارك وتبقى على البذخ. فأنت مقيد بالحشمة. ان تنفق مبالغ خيالية على ضيوفك واعراس بنيك امر يخالف الحشمة. نحن نحيا في حياء وخفر وعفة هذا يفرض نموذج سلوك. مع ذلك انا لا افرض على الناس العسر فلست اقول لا تقتن مكتبة غنية ان كنت غنيا مثقفا وما انا بقائل لا تشتر لوحات فنية ان كنت حقا ذواقة للفن ولكن انتبه الى لملمة سلوكياتك بحيث لا تجرح مشاعر الناس.

اعود فأقول ان المسيح لم يرذل الاغنياء ولكنه بيّن الاخطار الروحية المحدقة بهم. وهي تحدق بكل من حصل على حسنات الدنيا. فالخطر محدق كثيرا بالانسان الجميل وبالانسان المثقف. الكبرياء مصب ممكن للحسنات المتعلقة بطبيعة الجسد وطبيعة العقل. ليس الغني وحده يعسر عليه دخول ملكوت السموات. انه يعسر على الجميل والذكي ايضا. لذلك لا بد لنا من دوام اليقظة لئلا نقع في التجربة.

غير ان اغراء الغني في آخر المطاف ان يقع في تجربة التسلط. تلك هي الخطيئة التي لا بعدها خطيئة لأنها ليست فقط اقصاء للآخرين. انها الغاء. انها الشعور بالاكتفاء والاكتمال وهي تحديدا نكران لسلطان الله على البشر. قبل ان تستولي على ميسور كبير قد يتعرض للتبجح والمجد الباطل ولكن اذا حلت تفتك لأنها تنكّر لكيان الآخرين وامجادهم المشروعة. انها استعلاء على الطاهرين والمتقين ربهم.

المال قد يستعبد صاحبه ولكن اذا اشتهى السلطان فإنه يسخر الآخرين لمجده ويريدهم متحلقين حوله ومستمدين منه مكانتهم. هو يحدد لهم هذه المكانة. ان الخطايا متداخلة. وتشابكها يحكمه منطق صارم. فكما ان السارق كاذب لا محال وقاتل احيانا يتحول المتشهي متاع الدنيا الى مستبد بمن حوله. الثري الطامع ليس بشرا سويا اذ لا بد ان يذهب عنه ذلك الاستقلال الذي يصنع له انسانيته. فإذا ذهبت روح المشاركة فأنت مستعبدهم، تسكتهم حتى تتكلم وحدك. قبل وصولك الى هذا لا تقدر ان تحس انك موجود ما لم تتب وتفهم ان الله موجدك برضاه. العفة عن الرغبة في القدرة وفي السلطة هي العلامة الاخيرة انك اسلمت لله قيادة حياتك. عند ذاك فقط لا تستعلي. فإذا اتضعت لا تفتخر بما تملك ولا بقوتك اذ تكون قد افتخرت بنعمة الله عليك. تكفيك عندئذ هذه النعمة.

Continue reading
2004, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت ١٤ آب 2004

ليس في الأصول المسيحية عقيدة تتعلق بمريم مباشرة ولو سماها مجمع أفسس (٤٣١) والدة الإله٠ لأن الألوهية طبيعة في المسيح والطبيعتان متلازمتان في وحدة شخصه٠ ومن البداهة قول ان مريم مخلوقة وانها لم تلد الثالوث المقدس٠ والحقيقة ان هذه العبارة استعملت ضد النساطرة الذين اتُهموا على انهم يفرقون بين طبيعتي المسيح. القولة “والدة الإله” هي، مداورة، قول في مريم وهي في حقيقتها قولة في المسيح.

الا ان المجمع المسكوني الخامس نعتها في سياق كلامه عليها على انها دائمة البتولية بمعنى انها بعد مولد السيد لم تقترن بيوسف وان علاقتها به بقيت علاقة قانونية وليست فعلية٠ ولكن اية قراءة متأنية للنص لا تدل على ان القصد منه هو الإقرار بديمومة عذريتها٠ هذه نأخذها من التراث العبادي٠ تلاقينا مريم تلاقي عبادات لا تقل حقيقة في وجدان الكنيسة عن الصياغة العقدية٠

واللافت في العهد الجديد انه بعد سرده رواية الميلاد ذكرها أربع مرات فقط: ١) في اعجوبة قانا الجليل٠ ٢) في ذهابها اليه مع انسباء له ارادوا ان يطلبوا اليه ان يكف عن الرسالة٠ ٣) في وجودها امام الصلب٠ ٤) في اجتماعها مع الرسل والإخوة لما حل الروح الإلهي عليهم في العلية التي كانوا فيها مختبئين.

بعد العنصرة لا نعرف عنها شيئا فلا ذكر لها في رسائل بولس او سواه من التلاميذ٠ ولا نستغرب هذا لأنها ليست هي موضوع ايماننا وهاجس الإنجيل ان يركز على المخلص لا ان يسرد سيرة صحبه.

مع ذلك غدًا نعيد لرقادها اي لموتها وهذا الذكر لم يرد قبل القرن الخامس في مواعظ لبعض الآباء واهمهم يوحنا الدمشقي الذي خصص لهذا الرقاد كتابا٠ غير ان التقليد الكنسي أضاف على موتها انها انتقلت الى السماء ولم يوضح اذا كان هذا بالجسد او خارج الجسد٠ وفي هذا اختلف اللاهوتيون الشرقيون حتى جاء في التحديد البابوي في منتصف القرن العشرين انها انتقلت الى السماء نفسا وجسدا٠ غير ان الرقاد بقي عيدا في الكنيسة الارثوذكسية وهو بمثابة اعتقاد ان لم يكن عقيدة٠ والايقونة البيزنطية لا تقول في هذا شيئا صريحا.

غير ان الحس الكنسي عند الارثوذكسيين يفصح عن قبولهم لهذا المعتقد في اناشيدهم ليدل على ان التي لم تعرف فسادا في حياتها لا يسوغ ان تعرفه من بعد موت٠ في المسيحية التراثية تواتر التأكيدات العبادية له قوة كبيرة ولو لم يكن ثمة عقيدة بالمعنى الدقيق للكلمة٠ هناك حب لمريم وانخطاف اليها يجعلانا مريميي القلب٠ وهذا ما سوف نحاول جلاءه٠

#                  #

اعرف ان بسطاء القوم لا يهتمو لكل هذه التعقيدات ولكني أخشى انحرافاتهم “التقوية”٠ اعرف ايضا ان عندنا في العبادات عبارات تزعج اللاهوتيين مثل توجهنا الى مريم بهذا القول: “يا رجاء من ليس لهم رجاء سواك”٠ واضح اذا اردنا التدقيق ان في هذا مبالغة كبيرة٠ غير ان العبادات البيزنطية فيها كثير من الشعر والشعر لا يحمل بالضرورة طاقة ذهنية تأكيدية٠ ربما شيء مثل هذا ابعد البروتستنتيين عن كنيستهم الأم٠ ربما كان هذا بسبب من تعلقهم الشديد بحرف الكتاب٠ وردت عبارة “خلصينا” وعند الارثوذكسيين المخلص الوحيد هو المسيح وليست هي شريكة في الخلاص والى هذا تنزع الكنيسة الغربية اليوم.

ان في تقوى الشعب البسيط ميلا جارفا الى العاطفة بل الى العاطفية وكثير من الصلوات او الادعية وضعها رهبان لم يكن عندهم تحصيل لاهوتي كبير٠ ويبقى على المؤمن ان يغربل العبادات بوعيه وان يعرف محدوديتها لأنها اذا اكتسبت قوة كبيرة فيكون من شأنها ان تضعف مركزية المسيح٠ المسيحيون يعرفون ان مريم ليست إلهة دون الله ولا نعرف فرقة واحدة في بلاد العرب او غيرها ألهت هذه المرأة٠ ولكن المشكلة سيكولوجية وهذه تفضي احيانا كثيرة الى الانفعالية او التأثر الكبير٠ وكل منا سمع مؤمنين كثيرين في لهفتهم يقولون: “يا عذراء… يا عذراء”٠ وليس على هذا اعتراض ان لم يكن الهتاف حصريا اذ هكذا يبدو احيانا٠ وما يغرقنا في الالتباس ان بعضا من الكنائس تستعمل عبارة “التعبد لمريم”٠ ومع ان العبارة عندهم تعني التقرب من مريم في الدعاء الا انها، في اللغة، مرفوضة بسبب جذر عبد، يعبد٠ ان سلامة النية لا تكفي٠ فالكلام المستقيم اساسي خشية خطأ القلب.

مع ذلك احتسب ان فهم العقيدة الصحيح من شأنه ان يقوم الانحراف التعبيري الذي نجده هنا وثمة وكنت اتمنى ان تأتي كل اقوالنا ضمن مركزية المسيح٠ في ظني انه لا بد من “إصلاح طقوسي” يعتقنا من التركز على مريم٠ ان اقصاءها من الذكر مخالف للإنجيل اذ قالت هي: “ها منذ الآن تطوبني جميع الأجيال” (لوقا ٤٨:١)٠ انها قائمة مع ابنها وتاليا أضعف الإيمان الا نتجاهلها٠ وقد أحسنت الكنيسة البيزنطية انها خصصت لها اعيادا وانها تذكرها في كل العبادات٠ وهذا غنى كبير للنفس٠

#                #

        لماذا يجب ان تكون في الذكر؟ السبب الرئيس ان المسيح “الوسيط الوحيد بين الله والناس” ليس معزولا عن صحبه القديسين٠ انه يؤلف وحدة كاملة معهم في الملكوت كما يؤلف وحدة مع احبائه في الأرض٠ اجل، ليس القديسون وسطاء خلاص٠ غير انهم في حالة الصلاة لله وانت واحد معهم في سجودهم الملكوتي لربهم بمعنى انك اذا ناجيته ناجيتهم٠ ان قيامة المخلص أكلت الموت٠ واذا كان الله “ليس إله اموات بل إله احياء” (متى ٣٢:٢٢) تكون قيامة السيد فاعلة في القديسين منذ انتقالهم اليه٠ ان الذين لا يخاطبون اهل السماء يبدون لي انهم يرجئون هذه المحادثة الى القيامة الأخيرة حيث نكون في حالة خطاب٠ اما الآن فقيامة المسيح حاصلة اذ هو القائل: “انا القيامة والحياة”٠ نأكل نحن اذًا من هذه القيامة الآن٠ لذلك لا تنقطع المخاطبة بيننا وبين الذين انتقلوا الى الاخدار السماوية٠ هناك ما نسميه جسد المسيح اي امتداده فينا٠ المسيح له مدى وهذا المدى هم قديسو السماء والأرض٠ ومع ان كل مؤمن يستطيع ان يتوجه الى المسيح وحده غير انه -في هذه الحالة نفسها- لا يلقاه وحده٠ يجده مع صحبه٠

        نحن لا نعلم ان النعمة الإلهية تنزل علينا عبر مريم٠ هي لا تملك شيئا اذ ليس فيها قوة من عندها٠ غير ان العذراء مقيمة في المسيح اليوم كما كان هو مقيما فيها في هذا العالم٠ فاذا ذكرناه وحده نكون ذاهبين اليها ايضا لان المسيح لا يلغي احدا منا في السماء ولا في الارض٠ لذلك لا يبقى من معنى لاعتراض بعض على تراثنا اذا قالوا لماذا لا تخاطبون المسيح مباشرة٠ ما المباشرة وما المداورة اذا كنا جميعا جسده اي اذا كان هو فينا وكنا نحن فيه؟

        لا يجذبني القول ان قيام مريم في السماء يدل على ان لنا منذ الآن سفيرة البشر في المجد٠ مع قناعتي بصحة هذا اخشى ان ننسى ان البشرية قائمة في المجد في صعود المسيح الى السماء٠ هناك كائن بشري اعني المسيح قائم بجسده الممجد عن يمين الآب وهذا بسبب من بشريته التي اكتملت في الفداء٠ دائما اخشى الا يرى بعض من المؤمنين ان انسانية المسيح كاملة وان احدا لا يضيف عليها شيئا٠ لذلك اخشى التصور ان مريم تقابل السيد٠ في العمق الروحي هي ليست الى جانبه٠ انها في صميمه وان كان لا بد من ان تظهرها الى يمينه ايقونة الدينونة٠ ذلك انك مضطر الى ان ترسم اجسادا٠ غير ان الحقيقة الصوفية هي ان مريم في داخل ابنها وانك لا تستطيع في الذهن والتقوى ان تفصلهما٠ فبعد ان تجسد الكلمة تكون ثنائي فريد منه ومنها وبعد ان صارت مريم هيكل الابن الوحيد وفق قول الملاك اكتمل سر وحدتهما وأغلق الباب٠

        ان تكون مريميا هو ان ترى هذه الوحدة وان تعيشها صلاة وتأملا٠ واذا رأيت هذا تستطيع ان تبث المسيح في كامل ارتباطه باحبائه٠ واذا ولدت المسيح في الناس اي اذا اعطيت إنجيله تكون مريما جديدة٠ في هذا العطاء تطهر وتستعيد بكارتك المفقودة وتفهم عند ذاك لماذا أصرت الكنيسة على اعتبار مريم دائمة البتولية٠ هذا سر ورمز القصد الحقيقي الأخير ان العذرية الجسدية في مريم هي صورة عن ان نفسها لم تنثلم٠ وبهذا المعنى هي دعوة، دعوة ان نحافظ على بكارتنا الروحية اي تنزهنا عن كل شر وشبه شر٠

        مريم بفضل دوام طهارتها تشرح لك المعنى الأخير للإنجيل٠انه ان تبقى واحدا مع الرب بحيث لا يلهيك شيء عن وجهه٠ ان تكون خصيص الله لا تشرك فيه احدا ولكن ان تراه محاطا بالأبرار يكملونه على الدوام تلك هي المريمية٠ لقد استعار الله بشريتنا ليعيش في وسطنا وذلك من امرأة جعلتها طاعتها الكاملة له شبيهة به حتى إذا رأيناها نرى هذا الشبه الذي أقامه هو بينه وبيننا٠

        عسى إذا أقمنا العيد غدا ندرك ان ابنة من جنسنا ازالت كل نتؤ بينها وبين ربها بحيث لا نستطيع ان نشاهد هوة بينهما٠ فاذا اشتهيت ذلك لنفسك غدا تكون قد اقمت العيد٠

Continue reading