Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2005, جريدة النهار, مقالات

هذا الميلاد / السبت في 24 كانون الأول 2005

“لما حان ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة” (غلاطية 4:4). ما تعني هذه العبارة؟ هل تعني ان نفسية الشعوب كانت مهيأة لاستقبال مخلص؟ فكرة الخلاص لم يكن لها في اسرائيل القديم المعنى الذي اتخذته في الانجيل. هل كل شيء في الحضارة نضج لاستقبال الانجيل؟ لست أظن ان الكتاب أراد ان العصور السابقة مباشرة للمسيح كانت حبلى بالوعد الذي قطعه الله قديما بالأنبياء على طريقة “الحفر والتنزيل” في النجارة الشامية. ان النص يوحي بان يسوع هو الملء بمعنى انه مقصد الوجود وتمامه وانه مبدئ الأزمنة الجديدة. كل شيء في الكتاب يوحي بأن الله ينقضّ على التاريخ انقضاضاً وان خلاص هذا التاريخ هو في مشيئته. الله يكتب التاريخ بحضوره وهنا كتبه بإرسال وحيده.

من هنا يبدأ كل شيء. يبدأ على صعيد الله – وهذا المولود العجيب الذي يتكون جسده منها فقط: “ها أنا أمة للرب”. ولأن الله كان في حاجة الى هذه المرأة لإتمام مقاصده جاءت مريم محطة لروح الله ومقراً للكلمة – الابن.

من هذا نقرأ ان الجسد البشري هيكل الله وان الإله الذي يعبده المسيحيون هو فوق وتحت معاً بحيث لا يأتي العلو الإلهي افتراقاً عن البشر ولا التنازل الإلهي ترك الله عرشه أو علوه. كل المسيحية قائمة على التضاد أي جمع الضدين في وحدة فاذا تحدثت عن يسوع تقول انه إله وانسان معاً في تلاحم لا ذوبان فيه. كل قصة الله منسوجة كيانياً في لقائه الانسان لا حكاية تحكى كما كان في العهد القديم ولكن عيشاً يعاش بحيث تقدر على ان تقول أنا في المسيح وتالياً في الله وان الله فيّ بروحه دون أن اهتك جوهر الله ودون ان يهتك الله جوهري. انا معه وهو معي ولكن في ازائية حتى أبد الآباد لأنك على هذا لست ناجياً ما لم يلتحم بك هذا الاله ولست انت اياه، لأن المخلوقية مفارقة للخالقية. تواجهه في الحياة الأبدية كما يواجهك ويدعوك ابناً بسبب أخوة الابن الوحيد لك.

قبل ذلك ظهر “ظهر غضب الله على كل كفر وظلم يأتي به الناس” (رومية 18:1). وباتوا أبناء الغضب “لا فهم لهم ولا وفاء ولا ود ولا رحمة”. فبعد هذا الامتهان وانقطاع النبوة تحركت ابوة الله “لننال التبني”. ثم يتابع بولس منطقه في الرسالة الى أهل غلاطية قائلاً: “والدليل على كونكم ابناء (اي على كوكم صرتم ابناء) ان الله ارسل روح ابنه الى قلوبنا، الروح الذي ينادي: “هنا ينتقل بولس من اليونانية الى الآرامية) ينادي “أبّا” (تلفظ avva)، “يا ابت (هنا يفسر avva للقراء اليونانيين. في الحقيقة ان avva الآرامية تعني يا ابي واذا حذفنا الهمزة تصبح بيّ اللبنانية التي يقولها الطفل لابيه في صورة التصغير للدلالة على دالة الولد على ابيه). المسيحية كشفت عن طريق بولس هنا الحميمية القائمة بين الله والبشر على صورة العلاقة القائمة بين الوالد واطفاله.

ينتج من هذا قول الرسول: “فلست بعد عبداً بل ابن”. هل عرف بولس قول السيد في خطبة الوداع وانجيل يوحنا لم يكن قد دُوّن: “لا ادعوكم عبيداً بعد اليوم… فقد دعوتكم احبائي” (15:15). لقد ضرب يسوع عبودية الانسان للإنسان بعد ان ضرب عبودية الانسان لله. وادخل الانسان في علاقة البنوة. هي البنوة التي تجعلنا احراراً. والحرية بدورها تقيدنا بالمحبة.

كان هذا الموجز اللاهوتي اساسياً لنتلقى المسيح في سر مولده. نحن لسنا نقيم ذكرى مولد باليوم والشهر والسنة. ليس واحد من هذه الثلاثة نعرفه. ذلك لان كتبنا لا تضع المسيح في تاريخ البشر ولكن تضع البشر في سر المسيح. نحن ما ذكرنا الا الفصح. ان ظهور السيد منتصراً على الموت هو بدء فعله في ازمنة الناس وعقولهم. الصليب هو الذي كشف المسيح فعالاً في النسيج البشري. غير ان الايمان المسيحي قال ان اول ظهور للسيد كان عند اصطباغه في نهر الاردن حيث شهد له الآب بقوله: “هذا هو ابني الحبيب”. ولكن الى جانب التعييد لمعمودية السيد عيدت الكنيسة قديماً لميلاده في اليوم نفسه اي السادس من كانون الثاني. فجاء في التسمية الطقوسية هذا اليوم يوم الظهور الالهي حتى فصلت الكنيسة بين التذكارين فكان عيد للميلاد وبقي عيد الظهور المعروف عند العامة بالغطاس. نحن في الذكريين هاتين مع النور. فالميلاد يبقى عيداً فكرياً لا عيد حدث. من هنا انه لا يختلف جوهرياً عن الفصح الذي هو ايضاً عيد فكري او عيد عقيدة. لذلك قال الاقدمون بالعيد الصغير والعيد الكبير. والتسمية باقية عند العامة حتى يومنا هذا. ليس في المسيحية من مضمون روحي الا للقيامة. الاعياد الاخرى تسندها.

نحن لا نجيء من طفل المغارة اذ نجيء من المصلوب لكوننا نجيء من المجد. ولكنا نذهب الى طفل المغارة كما ذهب اليه الرعاة. أي نذهب في بساطة القلب وشفافية الروح. عندما تواجه أنت الأساسيات تجرد نفسك من كل شيء وتدخل في فقر المسيح. المستغنون بأنفسهم لا يقبلون المسيح في تواضعه ملكاً عليهم. لا أحد منا يصير شيئاً قبل ان يتسربل فقر المسيح.

ربما يتوق الى البراءة أولئك الذين جعلوا الميلاد عيداً للأطفال. اليوم يتلقى الاولاد من ذويهم هدايا. في طفولتي ما عرف جيلي هذا. نحن كنا نعرف ان الهدية الكبرى تأتي من الله وهي العيد نفسه في فرح الصلاة والانشاد. غير ان هناك طفلاً واحداً ينتظر منك هدية وهو المسيح. لقد قدم له المجوس ذهباً ولباناً (بخوراً) ومراً. هو يريد الذهب لاخوته الفقراء وان تفتقدهم في هذاالموسم لكونهم أحباءه. وعند تبخير المسيح في الكنيسة يحيل اليك البخور الذي يرتفع من المبخرة الى وجهك اذ ترتسم ملامح وجهه على وجهك ان كنت من التائبين. تعلم في العيد، ان أكلت أو شربت أو زينت بيتك أو فرحت بالأطفال، انه هو صاحب العيد.

لا تقبل ان يحجبه شيء أو ان يعوضه شيء في دنيويات الموسم. لعل هذا هو خطر الأعياد عن الساهين. أما أنت فاسجد لمن ينبغي ان تسجد له وهو يقيمك بعد ركوعك في المجد ويبدأ ميلادك بتمتمات التوبة التي هي أصعب مشروع في العالم وقد لا ينجز فيك حتى عند عتبات الملكوت. ولكن لا تهمل الشوق اليه لأن كل شوق ليس هو حاضراً فيه يصبح بدء استعبادك بعد ان حررك هو وجعلك ابناً لأبيه في طراوة لا يعرفها إلا المقربون. واذا تقت الى حيث وليد بيت لحم يسقط عنك التصحر وتمشي معه مشياً فصحياً في كل يوم وتفرح في طريقك الى الملكوت المكمل في اليوم الاخير والكامن فيك بعد ارتشاف الكأس المقدسة.

ولا ينتهي العيد الا اذا فرح صعاليك الأرض بهذا الذي جاء يغنيهم بحبه وبتحويل دنياهم بالسلام والعدالة. وفي انتظار حرية العالم من الجوع والجهل نقول سلاماً على فلسطين والعراق ولبنان المدعوة الى ان تصبح جميعاً أوطاناً للمحبة.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

قوة الله / السبت في 17 كانون الأول 2005

لا شك في ان الخوف خلق الآلهة القديمة اذ كانت – كالشمس – تملك قدرة لم يمتلكها البشر. لذلك أيضا ما كان بمقدور جيش ان ينتصر في الحروب الا لأن ربه في العلاء هو القائد الحقيقي للحرب. وهذا هو نفسه الذي ينعم على الأغنياء بثروتهم لأن المال هو القدرة. وانه هو الذي ينصر من ينصر في مباريات الرياضة وربما في مسابقات ملكات الجمال. وهو الذي يميت الاحياء لان الموت هو القدرة العظيمة. ولست أعلم ان أهل الذين غرقوا في التسونامي قالوا انه أمر من الله. كما لم أعلم ان قال لهم أحد: ما هذا الاله الذي يسترد من يسترد ويستبقي من يستبقي.

اسرائيل القديم كان أيضا يخاف. ففي جانب من جوانب فكره كان وريث الحضارات القديمة الخائفة كلها. وكان أيضا يؤمن ان حروبه حروب الله. ولكن كيف كان الله ينهزم أحيانا؟ ولكونك على هذا الفكر تسمي هزيمتك نكسة وفي هذا قال إشعياء قديما: «معنا هو الله فاعلموا أيها الأمم وانهزموا». وإذا ألْحَد حكم سياسي يقول ان الايديولوجيا – والايديولوجيا نوع من أنواع الآلهة – هي التي انتصرت.

أجل في العهد الجديد لفظة القوة أو القدرة مستعملة إذا قيل مثلا قوة القيامة أو قوة الإنسان الباطن، لكن هذا لا علاقة له بالبطش والقهر المنسوبين إلى الله قديما ولا علاقة له بإله الحروب والواهب الأغنياء. أما الأقوياء فيقول عنهم على لسان لوقا: «انزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتواضعين ملأ الجياع خيرات والأغنياء أرسلهم فارغين». وأما عن الأغنياء فكل من قرأ الإنجيل يعرف عسر دخولهم ملكوت السماوات. وأما عن القوة العسكرية فيقول لبطرس: «أردد سيفك إلى غمده لان من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ».

***

القوة في العهد الجديد إذًا غير القوة التي جاء الحديث عنها قديما. جانب الشدة في الإله لا يقرأه العهد الجديد. أنا لم أقل ان البطش كان الوجه الوحيد في إله العهد القديم اذ كان عنده رحمة ولطف وطراوة ومرافقة لشعبه وفي هذا أقوال كثيرة. لكن الفظاظة أقصيت عن العهد الجديد وبتنا في ملكوت الوداعة.

أيًّا كانت المفردات هنا وهناك عندنا نحن ان ثمة قراءة واحدة لله وهو كيف تقرأ يسوع المصلوب. ان مشهده على الخشبة هو قراءتنا لله. في هذا الوضع يسميه إشعياء عبد الله بسبب الموت الطوعي اذ يقول عنه: «هوذا عبدي الذي اعضده مختاري الذي سرَت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يكسر». وتتخذ أناشيد عبد الله قوتها ومداها في الاصحاح الثالث والخمسين من السفر نفسه حيث يقول عن المخلص: «لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستّر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها… كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه». ثم تراك أم تضاد (أي تقابل) أو إزائية لا تناقض حيث يقول: «لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل انه سكب للموت نفسه».

كيف ينتمي إلى الأعزاء من كان كرسي عزه خشبة سمر عليها بحيث فقد – في الرؤية البشرية – كل عز؟ كيف يحصى مع العظماء ذلك الذي ديس حتى النهاية وصار أول الاذلة في الارض؟ نحن إذًا مع مقولتين مختلفتين من العز والعظمة، مقولة أهل الأرض ومقولة الله. القصة كلها هي كيف تقرأ الله فتكون على السلوك الذي تمليه عليك قراءتك.

***

بولس رأى هذا لما تكلم على حكمة بشرية تقابل حكمة الله وعلى قوة بشر تقابل قوة الله فعبر عن هذه المفارقة بقوله: «ان جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس» (1كورنثوس 1: 25). لعله أراد – وورد ذلك في ترجمات – مستضعف الله أقوى من الناس. لعل قوة الله انه يبدي نفسه ضعيفا كي لا يأخذنا بالقهر. هو يتنازل إلى وضعنا المعطوب لنحس انه يخالطنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وذلك بالحبيب الذبيح ففي الذبح فقط يتجلى الحب. وفي الموت فقط تنكشف محبة الله.

هكذا نفهم قول بولس: «الذي (أي المسيح) اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرًا في شبه الناس: (فيليبي 2: 6 و7). هنا يستعمل الرسول كلمة عبد التي وصف بها إشعياء المسيح وهي في المفارقة تتضمن العلو اذ يتابع بولس فكره بقوله: «لذلك رفعه الله (أي رفع المسيح) أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم. نتيجة لذلك سيعترف كل لسان ان يسوع المسيح رب. اعتناق المسيح العبودية كان الطريق لإعلان ربوبيته على الخليقة كلها.

لقد كشف الله قوته بضعف المسيح أو بما بدا كذلك. لذلك لم يبق من مكانة للقدرة بمعناها القديم (البدن، الجمال، المال، السلطة). على ضوء هذا يعزي بولس المؤمنين في كورنثوس بعد ان رأى ان الكثيرين منهم ليسوا حكماء (أو مثقفين) ولا أقوياء (غير نافذين) ولا شرفاء (اذا كانوا فقراء) وشجعهم على انهم هم الموجودون لكونهم باتوا بالمسيح «الذي صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء».

لقد انقلبت المقاييس كلها. فالله في جانب الضعفاء إذا اعتبروه قوتهم وهو تاليا يبدو ضعيفا إذا رأى اليه المتسلطون من أهل الأرض وهو ضعيف عندهم اذ يستغنون عنه. وأنت لا تستطيع ان تعتبر الله غناك إذا افتخرت بمالك ولا ان تراه جميلا إذا اعتززت بجمالك ولا ان تحسبه ملكا عليك إذا سموت بملك.

سر المسيح هو الفقر، وأنت اليه إذا احسست ان ما عندك من مال أو حسن أو ذكاء أو سلطان ليس بشيء. أنت في السلطة والعقل وما يشبههما من قوة خادم للملك الوحيد ومصدر العقول كلها والبهاء الوحيد. هذا هو المعنى الحقيقي لذكرى الذي سيولد في بيت لحم في مذود البهائم ليكون نطقنا وفي الفقر الكامل ليصير غنانا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الكلمة الدائمة / السبت في 10 كانون الأول 2005

من الاشياء التي ترعبني ان الكلمة الالهية لم تنزل بقوة او بالكثافة نفسها على اهل المسيح في اجيالهم. سواهم يحيا في سر الله وهو يتدبرهم بحكمته ان كانوا من اهل التوحيد. اما اهل الديانات الآسيوية والافريقية فأنا لا اعرف شيئاً مكتوباً عن مصيرهم وادعهم الى حكمته. لكن معظم الناس الذين لهم كتب لم يقرأوها أو لم يستطيعوا لجهلهم قراءتها وظلوا عن حقيقتهم غافلين وفيها قبس او بعض قبس. والناس من ظلمة هذه الاعين لا يرتجفون وأنا في خوف كثير من ان يستمر هذا الظلام فيهم وفي اولادهم من بعدهم وهم لا يدرون.

ما يقلقني في غيرتي وفي حبي ان هؤلاء الكثير منهم سينجون بفضل رحمة الله من حيث انهم يعاينون الله بسبب من نقاوتهم وهذه في كل حال من امر ربك وليست من باب تأملي الان اذ ينجو الطاهرون من كل جنس مهما قال المتزمتون ولاهوتيو الكتب. ليس هذا ما اعاني منه وعذابي عنهم لا يتعلق بالآخرة ولكنه يتعلق بالاولى كما يقول الاسلام او بالدهر الحاضر كما تقول المسيحية. عذابي في ان معظم الناس لا يفهمون وان بعض المتكلمين هم على لاهوت خاطىء اذ يقولون في الله اشياء مغلوطة. واذا كانت الآخرة امتدادا للأولى فليس فيها كشف الهي يضيف الى ما نعرفه في دنيانا لأن “ما كُتب قد كتب” وانت لا تعرف اشياء جديدة الا اذا قلت ان محبوبيتك عند الله – وهذه نعرفها – كافية للفهم واننا لا نعرف عند ذاك الصلة بين القلب والعقل وقد يكون القلب طاغيا فيفهم ما لم يكن هنا فاهمه دون ان تعبر الكلمة العقل. ما اتأمله في هذه الاقوال يتم عن اني اقيم فرقا بين العقل والقلب في اليوم الاخير ولكن اللعبة قد تكون مختلفة تماما. لعل هذه تحفزات عقلية لي لا تهم بسطاء القوم وقد يقول الله في ذاته ان كلماته انما ينزلها علينا في هذه الدنيا وان له معنا فوق لقاءات ليست من طبيعة اللقاءات التي كانت له هنا على وجود لحمة بين ما هو هنا وما سيكون.

ولعل بعضاً من قرائي يقول لماذا تعنيك هذه الامور ولم يكشف عنها في ما الهمه ربكم. جوابي انك لا تقدر على ان تهمل ما هو لربك أجاء فيه كلام أم لم يجئ لأن هذا يدفعنا الحب اليه. ولعل اهتمامك بالمدعوين الى الخلاص في ما سيكونون عليه أهم ما يكون عليه الفكر الالهي هنا لأن الذين أنت اليهم هنا ستكون اليهم هناك بسبب من وحدة المعشر وهذه المشاركة العظمى التي ستجمع بينكم عند حميمية الله.

لعل ما ليس دون ذلك ايلاماً في ما أسمعه من ارشاد في المعابد ان الخطيب يتحدث باللغة الفصحى وبصورة بليغة أحياناً وأنا أرى الوجوه وهي مقصرة في ادراك العامية فكيف بالفصحى ولعل الواعظ لم ينتبه الى ان القليل قد بلغ سامعيه وان كلمة الله اذاً راوحت مكانها وان شيئاً قدسياً لم يحصل.

يجب ان يتروض الفصحاء على ان قلب سامعيهم هو الذي يتقبل كلام الرب أو لا يتقبله واننا لسنا في مباراة بلاغية ولكنا في تبليغ الحق. ويفرح الواعظ ان الحاضرين كثر وهو يستلذ كلامه الذي لم يصل.

ما من شك في ان الله يريدنا ان نفرح بكلامه وان نغتذي منه بصبرنا ونصيره كي نبلغ القامة الروحية التي من أجل صنعها تكلم وجعل ناساً يتكلمون. أنا لا أستطيع ان أتصور ان الله اكتفى بان يفوض الى ناس أمر ارسال الكلمة ولم يفوض اليهم أمر تبليغها أي ان تشق دربها الى العقول والقلوب كي يصبح كل منا كتاباً الهياً يفتح بدوره بايضاح ما سجل فيه تبشيراً ودعوة.

أجل كان هذا مسعى اذ يصل من الزرع ما يصل ومن استنار من بعد توبة وعلم يبغي ربه منه ان يهيئ النفوس الى السمع وتناول الحق بتوبة وعمق أيضاً حتى لا تعود الكلمة الى مقرئها فارغة في تكامل يبني كل جماعة بالحب والغيرة عسى تصل الى كل منا حبات من الزرع ولا نبقى جياعاً.

أنت، عارفاً، ليس شأنك ان تهمل التعليم وتقول ان الله يرحم من يرحم ويرأف بمن يرأف. انت مسؤول على أعلى درجة كي يفلح الرب كرمه ويفهم من يفهم ويخلص من يخلص. هذا من أمر ربك واما التبليغ فتكليف وأخشى ان اهملته ألا يرحمك ربك ويعدك من الكسالى.

وما يؤذيني ان قلة من العابدين ترغب في المعرفة اذ تتكل على الصلاة وحدها والله يريدنا من العارفين لان المعرفة تقوي فهمنا للصلاة وتجعلنا نستطيبها. أنا أخشى كسل الاتقياء الذين يتكلون على المثابرة ولا يريدون ازدياد الفهم. كما أخشى الذين هم على صلاتهم ساهون. والصلاة تقام في الملكوت على طريقة ما. غير ان المعرفة تبدو في الملكوت أيضاً على كثافة ما والأكمل أفضل من الكامل.

ما يعزيني عن هذا التقصير ان هناك مسجداً غير منظور يجتمع فيه محبو الرب من كل دين يقيمون فيه الصلاة ويتبلغ منهم الكل بقدر حتى يجمعنا الله في المسجد السماوي غير المصنوع بيد ويمدنا الله فيه بالرحمات وربما يزيدنا فهماً لأن الله عقل أيضاً.

ما يحزنني من سنوات عديدة هو ما يبدو لي من ان الهيكليات الدينية على اختلافها تدفعها عوامل كثيرة في أزمنة الناس الى ان تنهمك بنفسها وأنظمتها ورجالها وتهمل الكلمة وادخالها الى ثنايا القلوب. أجل كل الديانات عندها حلقات دراسة لكتبها المقدسة والمذاهب تتسابق في النشاط. غير ان إقبال المؤمنين المسيحيين على العبادات العظيمة والضخمة جعل درس النصوص الالهية يتضاءل جداً. غير ان شيئاً لا يقنعني ان أي نص طقوسي أو نص للآباء مهما سما له في النفس الوقع الذي لكلمة الله. مرة قال لي عالم ليبي في الاسلاميات: لا شيء في الاسلام يؤثر في الانسان مثل النص القرآني. شهادتي المماثلة ان لا شيء أعرفه في كل التراث المسيحي يفعل في النفس المسيحية مثل الانجيل. أضيف الى هذا ان النفوس التي تأصل فيها الانجيل قادرة على ان تواجه تحديات كبيرة من الحضارة الحديثة بما هو اعظم من الايجابات الفلسفية أو اللاهوتية الحاضرة.

“الكلام الذي اكلمكم به نور وحياة”. هذا الكلام الذي نطق به السيد لا يعني فقط معرفة ولكنه يعني تنقية للنفوس وارتفاعها الى الدرجات العلى من القداسة والفهم في آن. طبعاً ليس الملكوت مجمع لاهوتيين والحمد لله ولكن اذا كانت السماء تكمل ما كان في الأرض جميلاً فلا بد من ان تستمر الكلمة الالهية في السماء اذا ما تمجد حاملوها.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

العثرات / السبت في 3 كانون الأول 2005

“ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة (متى 13: 7). في المصطلح الإنجيلي العثرة هي تلك السقطة التي اذا ارتكبتها وعرف بها آخر يعثر على طريقه الى الخير. هي صدمة تهز كيانه لأنه نزهك عن الكبائر كما يقول المسلمون أو الخطايا الجسام كما نسميها نحن. لكونه جعلك في مصف الأبرار أو الطاهرين حتى الكمال لا يتوقع منك سقوطاً كبيراً أو صغيراً اذ تخيل انك لست مصنوعاً من تراب أو أنك تخطيته الى نور كبير عمّ كيانك فأنى لك ان تعود الى هذا التراب المقيت. كأن الانسان الذي يشتاق الى الله لا يستطيع ان يحيا الا باشعاع بعض الوجوه عليه ولا يقدر على ان يتصور دنيا بلا قطع من الجنة فيها هي قامات تضيء وتبدو لنا قادرة على ان تقيمنا من هبوط اذ لا نطيق الهبوط فنطل على النهوض ولا نبقى ناهضين ولكنا نتعزى بأن قوماً منا لا يذنبون بشكل مريع وانهم قد يكونون رجاء تجدد لنا اذا حان أوان الرضاء.

ما من شك في اننا في المسيحية نعيش بسبب من كل هذه الدعوات المتكررة في العهد الجديد الى ان نتعاضد روحياً ونبني بعضنا بعضاً ونحب بعضنا بعضاً لكوننا أعضاء متماسكين في جسد المسيح. وهذا مفهوم الحياة الروحية الجماعية لكون الكنيسة كالصليب فيها بعد عمودي يصلك بالله وبعد أفقي يقيم صلة بينك وبين الإخوة. فكل منا ينمو بالآخر، يتكل على دعاء الآخر من أجله. كل منا يقول لأخيه بالايمان: صلّ لأجلي. في هذا العمق الروحي يحتاج المؤمن الى نماذج، الى ايقونات حية حوله يقتدي بها أو يتكىء عليها تعلمه بضعفه من جهة وبالتكامل من جهة وبأن المخلص ترك لنا من البشر من ينقل الينا هذا الخلاص بصورة محسوسة. من هنا قول بولس لبعض من مؤمني عصره: “تشبهوا بي كما أتشبه أنا أيضا بالمسيح”.

غير ان الانسان الذي تتكل أنت عليه ليقوم مقام الايقونة يتصدع كالايقونة، يشيخ كالايقونة. ولعلك في شاعريتك الروحية استعظمته أكثر مما يستحق واذ بك تكتشف انه بشر ولعلك تكتشف ان فيه بعض هشاشة ما كنت انت مستعداً لرؤيتها بلا اهتزاز فيك.

ثم هناك من كانت عيوبه بادية لبعض وما هي ببادية لك لان خيطاً ذهبياً من العشق يربط برؤية نزلت عليك وعشت بها. كنت ترى بلوراً واذا بالبلور ينكسر أمامك فجأة فينشىء هذا فيك صداماً مرعباً. ليس أحد منا لا يرى في هذا أو ذاك أخطاء مريعة تحدث فيه خيبات موجعة. وتتراكم الخيبات أحياناً. ولكنك اعتدت الصداقة ولا تريد ان تبتعد لئلا تجد نفسك في عزلة تامة. يكفيك، اذذاك، شيء من فضيلة الصديق بعد ان تساقطت جمالات كثيرة. تؤثر ان تتغذى من هذا النزر القليل على ان تعيش في صحراء الحب.

واذا انتاب اصدقاءك هشاشات تعيش انت عليها كما يعيش الفقير على الفتات.

في حصاد الهشاشات قد لا يؤذيك شيء مثل ما يؤذيك وضع كاهن (أو اسقف) رأيت في وجع ان قلبه ليس لله وانه تالياً اخطأ العنوان في اتخاذه هذا الطريق. ربما ما كان هذا الرجل يعرف نفسه جيداً لما انخرط في هذا السلك دراسة ثم التزاماً. بالتأكيد ان اساتذته لم يعرفوه اذ ليس مثل الدراسة ما يحجب التفحص الحقيقي. هذا الشاب مغطى بمظاهر التقوى وما كانت بتقوى أو ان الرجل سقط في ما بعد بما تعرض له في مهمات الرعاية. نحن نعرف على وجه الدقة كيف يجرح الطهر ثم نعرف ان التوبة عسيرة وان معظم الناس يموتون في خطاياهم.

ما كنت مخطئاً في المبدأ ان تعلق آمالاً على راعيك أو راع آخر لأنك تعرف من الكتاب والتراث شروط الانتماء الى هذا المصف. غير ان الداخل اخطأ الخيار أو من اقتبله اخطأ الخيار أو كنت تظن ان أمثال راعيك محصنون لأنهم باتوا أشباه ملائكة وما كان لك النضج لتفهم ان ليس في العالم الروحي حصون وان البشر ركامات تراب مرمية هنا وهناك حتى يرضى ربك ويبني منازل قليلة من هذا التراب.

كثيرون تركوا رعاياهم أو مذهبهم في هذا الشرق لأنهم رأوا ما رأوا في مسؤوليهم. الخطأ كان في اعتقادهم ان الانسان قادر على ان يصنع من المسيح نسخاً وتالياً في اعتقادهم ان التراب له ان يصبح ضياء. هذا غير ممكن وغير مكتوب. ان تعطش انت روحياً لا يعني ان قربك ماء. كنت على حق لما سعيت الى أنوار وجه السيد ترتسم هنا وهناك. لكن هذا حققه قلة ويحققه بعض منا فترات ولكن لا نحققه كلنا وفي كل حين لأن السماء لم تهبط بعد على الأرض ولأن الملكوت لا يزال وعداً.

جميل ان تقفز في أشواقك تواً الى الفردوس وان تحس ان من انت مسحور بهم روحياً فردوسيون ولكن ليس من فردوسي. يبقى سؤال يحز في صدري بشرياً ولا يزعزع إيماني مطلقا وهو لماذا سمح الله بكل هذا التلف وسيسمح به الى الأبد. الجواب الذي أعرفه عقلياً هو ان الرب ارادنا احراراً وان نقبل اليه بحريتنا ولم يسخرنا لمشيئته كما تسخر انت الآلة. وثمن الحرية الارتفاع والسقوط وانت لا تسمو الى الألوهة إلا طوعاً وفي كل لحظة ينبض فيها قلبك وعليك ان تدفع ثمن تقلبه حزناً وان تبكي بين خطيئة واخرى نتتراءى لك صور من الفردوس حقيقية لتحقق الكلمة: “اننا بالرجاء خلصنا” (رومية 8: 24). وفي موضع آخر يؤكد بولس: “انكم بالنعمة مخلصون” (أفسس 2: 8).

واذا عرفت ذلك تفهم قول الله على لسان داود: “لا تتكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص”. أنت مثل المعلم مشلوح على الصليب وأنت وحدك كماكان وحده وليس معه الا الآب. في الأخير الكنيسة هي المسيح المصلوب وليس أحد من البشر مهما علا شأنه يستطيع ان يفعل عمله أو ان يحجبه عنك والكنيسة هي انت والمسيح والذين يحبونه بحق. كافح حتى يسترد المخلص التائهين عن دربه واذذاك تكون معهم ولو لم تر وجوههم. اعلم انت انك حي بمحبة يسوع التي تنزل عليك.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

موجوع أبدًا بحب السماء / السبت في 26 تشرين الثاني 2005

أرى نفسي على جهل كثير. ما تعلمت الرياضيات في صباي حسناً وما اقبلت على الحاسوب. خفت. اجيء من حضارة اخرى فيها كلمات. كلمات – رموز تحكمنا اليوم. تعرفها الشبيبة. لا اعرفها. ربما تعود هي ايضا الى الكلمات التي اجيء منها.

يلحنون اذا قرأوا اي انهم يجهلون قواعد اللغة. عقلك انت يجيء من اللغة بعد ان جاءت اللغة منه قديماً. اذا ألحن عندي قارئ في الكنيسة او ألحن مذيع شعوري الاول ان خللاً عقلياً اصابه وسرعان ما ادرك ان عقله لا يحتاج الى نظام اللغة. كانت عندي خادمة اسمها ليلى اخبرتني اول استخدامها انها امية مع انها كانت تفهم اخبار الاذاعة (الفهم له سراديبه). كانت ترتب مكتبي كل يوم وكان يصعب علي ان اصل الى الاوراق التي كانت متراكمة قبل تدخل ليلى بلا ترتيب. فكنت ألحّ عليها باهمال مكتبي لئلا يحجب ترتيبها عدم ترتيبي الذي كنت اعرف ان استدل منه على ما احتاج اليه.

صرت افهم ان حضارة الحاسوب وما يستتبعه من آليات وتالياً من معارف صندوق مقفل لم يبق لدي وقت ولا قوة ولا فضول لالج اسراره. وفي مطلع شبابي لم يكن يزعجني اني لا افهم الرياضيات التي كان يقال في اوساطنا المدرسية انها تروّض العقل حتى ان المتعصبين لها كانوا يذهبون الى انك ان كنت خالياً من عقل رياضي لا بد ان فيك نقصاناً ما. وانا كنت اذهب الى انك قادر على ان تروض عقلك باللغة فقط وان تصقل احساسك بالشعر ثم ان تتربى على الفلسفة حتى التقيت ناساً لا يتحسسون الشعر اطلاقاً ولا تجذبهم الموسيقى الاوروبية ويعيشون مع ذلك عيشاً معقولاً في التجارة والمال والعائلة. ولاح لي من خبرات متنوعة ان الانسان يستطيع ان يحب زوجه واولاده بلا شعر مسبوك وان يكتفي بالطرب الشرقي الذي يصل الى كل الآذان عندنا والى كل القلوب.

غير ان ما هالني من زمان طويل اني لست فقط مقصراً في العلوم الدقيقة الطبيعية واني مقصر في كل علم. ربما بسبب ازدياد اتعابي وتنوّع امراضي بت منجذباً الى الطب كثيراً ويعجب طبيبي الخاص بوصفي الدقيق لاعراض المرض عندي. ولما قوي انشدادي الى الطب تعمق فهمي للانسان ولوحدته وادركت ان العلوم التي تلقيتها وكلها من نطاق اللغة غير كافية. الحقوق لغة واللاهوت لغة. ذلك انك تعالج نصوصاً تعربها فتفهم وتصير من عندك نصاً آخر فيفهمك الآخر.

كل شيء خطاب. واذا عدنا الى البدايات نقول: “في البدء كان الكلمة”. فإذا كان في البدء فهو قبل البدء اي انه خطاب الله. المسيحي يحمل حديث الله اي يحمل الله لان الله لم يكن يوماً بلا خطاب. فإذا ابتغيت الله تذهب الى فكره وفكره في ما قال او في من قال. الله مقول وبمعنى، ابنه نصه والانجيل نص النص.

هنا تواجه مسألة كبرى انك تصل الى الله من خلال نصه. هذا لا يعني انك تصل بعقلك فقط لان النص ليس فقط عقلياً. انه ينزل الى القلب. يقرأ القلب ايضاً بلا لغة. ومن هنا يقيني ان الله ينقلك الى جوفه بلا كتاب الهمه او اوحاه. هذا شأنه مع عباده. ولكني انا العارف بكتبه مقيد بمعرفتها ولست حراً ان اطلع عليها او لا اطلع. انا لا استطيع فقط ان اتصل بالله من طريق الروح او القداسة – واتصالها اعظم اتصال – اني مضطر الى ان اتصل من طريق الفكر الذي ليس مجرد فكر على طريقة “انا افكر، اذاً انا موجود”. انا اعرف اناساً لا يعقلون امراً الا وهم في قلوبهم. هناك كتّاب تأمليون هم بالدرجة الاولى مفكرون اي يسطعون فكراً مبنياً، مترابطاً، عاقلاً ومعقولاً ولكنه مع القلب دائماً في تماس بحيث لا تعرف اذا كان منطلقهم شعوراً بحتاً او فكراً محضاً ولكنك تشهد مزاجاً عجيباً بين مشاعرهم والعقل.

في تصوري انه ليس من فيلسوف محض على لباس الجفاف الذي تراه عليه احياناً، لا شيء يصدر عن الانسان غير مرتبط بالقلب. انا لا اقول ان المفكرين هم الطبقة العليا من الناس البسطاء قد يكونون اعظم اذا كانوا على كثافة رهيبة من المحبة.

قلت لكم كل ذلك لاقول اني لست نادماً على اني لم اقرأ كل شيء. سأموت جاهلاً ليس فقط للعلوم التي ذكرت لكم اني اجهلها ولكني سأموت وانا لا اعرف في بلدي او في غير بلدي من وددت ان أعرفهم اذ كنت أحس بأن عندهم الكثير مما أردت أن أتزوده، ما لم أعرفه أو من لم أتعرف عليهم فراغات في نفسي او فراغات في قلبي. ولكن ما العمل؟

ما المصير انك لم تقرأ كل شكسبير وكل المتنبي او كل دوستويفسكي اذا أخذت الجمال الادبي. قد تهزك جماليا سورة يوسف أكثر من نصوص كثيرة. انا لم أقرأ متصوفين كثيرين وعددا من آبائنا القديسين. ولكني قرأت اشعيا وايوب وانجيل يوحنا. وهذا يسد جوعي الى الحق. صبغتك بالحق هو النور الذي يصل اليك وهو دليلك الى النور الذي لم يصل. ليس من بشر يعرف كل شيء وفي هذا أحد مفاتيح التواضع والتواضع أعظم من المعرفة.

قد تصل الى الكثير من علم التفسير اذا كنت عاشقا لتداول النصوص اي أنك قادر على ان تصل الى دقائق كلمات إلهية، الى ما تكشف والى ما تخفي وقد تصل الى العلاقات بين سفر وسفر من الكتاب الالهي وتفهم تعاقب الاسفار والقصد الالهي من هذه السطور مركبة، متراصة، ساطعة، راقصة ولكن لا تكون بالضرورة واصلا الى عتبات الله لان الله أعظم من الكلمات التي قالها وهو ان كان فيها الا أنه ألهم واحدا ليقول: “ان الله أعظم من قلوبنا”. أي انه يسكنها ولكنها لا تستوعبه واذا أنت انتقلت اليه في اليوم الاخير تسقط عليك أنوار منه فتحيا بها. ذلك انه دائما يتعالى وانت اليه كالمرأة النازفة الدم التي لمست هدب المسيح فشفيت.

لماذا كل هذه العلوم، لماذا كل هذه الآداب وهذه الحضارة؟ الله خبئ في كل هذه وعليك ان تسعى اليه في مخابئه. وان أخطأت هذا القصد يكون تعاطيك هذه الامور مفيدا لمعيشتك هنا وتكون قد ظننت ان الله مكشوف فقط في الكتب المقدسة، لا تكون قد قرأت كل تجليات الله. أما اذا فاتك شيء من المعارف – كما فاتني أنا – فالله يعرفك بلمساته وبحضوره فيك والمهم ان عرفت أشياء ألا تستكبر. ان جهلت أشياء لا تبرر كسلك اذ يخشى ان تفوتك جمالات الهية خفية في العلوم او الشعر والفنون بعامة. تكون قد أهملت الله، ومع ذلك يغفر الله لك جهلك كما غفر لي جهلي على ما أحسب. انه يعوضك بملاطفات لا يسوغ النطق بها. وفي كل حال الله يغنيك ان كنت من العارفين او من الجهلاء.

إذهب عن هذه الحياة مطمئنا الى الرحمة التي هي تكملك. ذلك ان الجهل جهل الفضائل والمتع السموية. بعد كل هذه النواقص والتحولات في دنياك المهم ان تحس أنك “موجوع أبدا بحب السماء” كما تقول حنان عاد في “لؤلؤ الروح على صهوة القيمة”. اذا بقيت على هذا الوجع تبدأ رحلتك الى القيامة.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

تحب قريبك كنفسك / السبت 19 تشرين الثاني 2005

هذه الوصية التي يرجع بها الى يسوع الناصري هي في الحقيقة من العهد القديم ولكنها جاءت في سفر اللاويين هكذا «لا تنتقم ولا تحقد على ابناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك» (18: 19) ما يشير الى انك تحب فقط بني قومك. وسع العهد الجديد الوصية بجعل كل الناس محبوبين. غير ان الصيغة التي وردت فيها الوصية «تحب» أو «أحبب» توضح ان المحبة امر الهي وانها ليست فقط مجرد تحرك عاطفي فقد يحس قلبك او لا يحس. فالمحبة اذا شريعة معناها هو هذا:يجب ان تحب قريبك كنفسك.

الفكرة الظاهرة في العهد العتيق هي ان هناك ما يربطك بالمحافظين على الشريعة وهم من امة الابرار. هذا هو رباط المقدسين. انت ان احببت تدعم الكيان الالهي-الاجتماعي القائم في امة اليهود.

مع المسيح انت لا تنتمي الى امة. تشكل انت بالحب امة المحبوبين. لذلك عندما سأل احد اللاهوتيين يسوع من هو قريبي حكى له حكاية معروفة بمثل السامري الشفوق الذي تحنن على جريح يهودي كان ملقى على الطريق فأقبل عليه وآواه وطببه. فعن هذا السؤال من هو قريبي اجاب السيد بسؤال: من ترى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص. قال الذي صنع معه الرحمة فقال له يسوع اذهب واعمل كذلك. والمعنى ان كل انسان غريب عنك حتى تطل على اوجاعه وعزلته. لا يسأل اذا عمن ترحم. انت ترحم ببساطة. ومن ساعدته يصبح من الاحبة. وتتشكل هكذا امتهم بالمحبوبية.

لماذا قالت الشريعة يجب ان تحب؟ لا تترك الشريعة احدا على مزاجه. الشريعة لا تعرف حب الهوى فقد تهوى وقد لا تهوى. والذي تخاصمه قد يموت او انت تموت. واذا مات الانسان على الخصام فهو مفصول عن الآخر وتكون عرى الوحدة قد تفككت في الامة المقدسة. واذا اخرجت احدا عن المحبوبية تكون انت ايضا خرجت عليها وما بقي الله مشرقا على وحدة الوجود بينك وبين عدوك والكلمة هي «احبوا اعداءكم». فاذا احببته تزيل العداوة عن نفسك وقد تزيلها عن نفسه وفي كل حال لا تبقيه على غربته.

#  #

#

واذا كانت محبة الانسان للانسان شرعة لهما ومنهاج عيش فهذا يعني انها غير نابعة من صفات من كان عليك ان تحب. فقد يكون قبيحا بكل المعاني ومن كل الزوايا اذ لم يزين كل انسان بالبهاء الالهي ولا بالتهذيب البشري ولم يلحظ عليه احد لمسة من لمسات الحضارة. مع ذلك يجب ان تحبه لتنشئه نشأة جديدة. انت لا تحب احدا لكونه يستحق ذلك او لكونك تتوقع ان يبادلك العطاء فقد تكون نفسه بخيلة، جافة ولم تلطف بأحد. انت لا تنظر الى شيء من هذا لانك تحيا بالنعمة تنزل عليك وحسبك هي وهي وحدها تحول صحراءك الى جنات. فاذا كفاك الرب تحيا بملىء كيانك تدغدغك مودات او تحييك بدفء او تعكس عليك انوار الله ولكنك قد تحيا في صحراءالحب كما يقول مورياك وتحيا مليئا اذا عرفت نفسك حبيب الله.

انت تنجو بمحبة الله اذا قرأتها نازلة عليك وحسبك اياها. احيانا تحس ان احساس احد بك انعكاس لاحساس الله بك ولعل كل قيمة الحب العاطفي ان يجعلنا نشعر بابوة الله لنا. كل ما في الدنيا يمكن ان يصبح قراءة من الله فكل هذه الدنيا كتاب. طوبى لذاك الذي يعرف ان يهجىء اسم الله على سطور.

#  #

#

اذا ما توسعنا بالوصية على ما اراده المسيح فقلنا ان القريب هو من نبادر الى رحمته وخدمته حتى النهاية فاحبب قريبك كنفسك ينبغي ان تعني احبب قريبك على نفسك. اذ نقع في التفاهة لو قلنا انك تغذي القريب بالطعام مثلا كما تغذي جسدك اذ يفترض الوضع احيانا ان تنزع اللقمة من فمك لتطعم الآخر وان تعري جسدك لتكسو جسد الآخر. فالتوازن الحسابي بين طعامك وطعامه او كسائك وكسائه يعني انك لا تحب بالحقيقة حتى النهاية. يعني انك تريد ان تعيش بكل الوسائل وتعطي مما لا يمنع عنك العيش. التوازن يعني لك انك موجود وقد تعني المحبة احيانا انك تنكر وجودك ليحيا الآخر.

ان الوصية لم تأخذ كل مداها الا مع ذاك الذي احب البشر جميعا على نفسه فبذلها حتى الموت موت الصليب ولكونه اعتبر الناس بموته افضل من نفسه يؤهلنا هو ان نصوغ الوصية التي ابتدأت بتوازن اليهودي هكذا: أحبب قريبك على نفسك. فأنت لادراكك محبة الله اياك في المسيح متّ ام امت العالم فيك فلا تشعر انك قائم بذاتك وان فيك شيئا حسنا ولكنك تؤمن ان المسيح يوجدك لانه مات فتحول هذا الوجود المجدد فيك الى كيان الآخر فينوجد بعد ان كان في هزالة الوجود. انك تحب الشخص بغض النظر عن خصاله او عيوبه. فقد يكون قبيحا كما كان وجه المسيح على الخشبة. ليس المهم ان ترى جمال احد لتحبه. انت لا تضمه اليك انت تضمه الى صدر المسيح. انت لا علاقة لك بمن تحبه في المسيح. فقد يحتاج اليك اليوم ولن يكون في حاجة اليك غدا. تحول وجهك عنه لتذهب الى وجه آخر لترحمه. قد تساعده كثيرا وقد تساعده طويلا. ان وجهه صار وجه المسيح. «كنت جائعا فأطعمتوني» وطبعا كان يتكلم عن جوع الجياع لا عن جوع نفسه. فلكونك صرت خادما بالانتباه تلازم من تخدم. توآسي. تعزي. تطعم. تكسو. ترشد  كل هذا تعمله بسبب ظرف جعلك تعرف الحاجة فتقترب وتنسكب.

من اعطيته قد يتأثر بانتباهك وقد يرد لك عطاءك بعاطفة وقد يدخلك قلبه. انت لا شأن لك بذلك. خطر العاطفة هذه ان تجعلك تحس بأهمية العطاء عندك. انت لا تتخذ بالعطاء مقاما في نفسك. انت لست بشيء امام عينيك. انت تحب ليدرك الآخر محبوبيته لدى الله. فاذا رد اليك المحبة تكون قد نلت مكافأة. لا مانع من ذلك ولكن ليس هذا مهما. الاهمية الوحيدة في انسكاب الناس في الناس ان يجاوروا الله جميعا بانشدادهم الى فوق.

في الحقيقة انك تعطي المسيح، لان الآخر يقيم فيه المسيح، بسبب من العوز. المسيح هو الفقير الكامل، المطلق الذي لم يأخذ من الانسانية الا الرفض. فأنت اليه ومعه في المتألمين جميعا. المحب والمحبوب صارا واحدا بسبب وحدانية المسيح الذي بدد بدمه العطاء النابع على الدوام من قلب الله. المقيم في الله يقيم وحده الله في البشر. واما ان اقمت نفسك في الآخر فأنت لا تقيم فقط حلاوتها ولكنك تقيم ما فيها من قباحة ايضا. لك ان ترتضي القليل ولكن هذا لا يشبعك. طبعا العاطفة تغتذي من العاطفة وقد يكون فيها قبس الهي. ولكن الشعور الالهي المجرد من الانا يبذل الانا وعندئذ ينكشف الله للآخرين. المهم ان تنقل الله وايمانك بالله. انا لا انكر عليك شرعية تحركك العاطفي وسرورك بالتبادل بين قلب وقلب. هذا لك أجر فلا تتمسك بمن تعطيه لان مبتغاك ان يحول وجهه الى وجه ربه ليشكر ويحيا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الإناء وعطره / السبت في 12 تشرين الثاني 2005

يعاني المؤمن هشاشة نفسه كل حين اذ يرى جمال الله دوما فيحس انه لم يدرك هذا العلو الذي دعي اليه. فهذا العلو وعد ولن يحقق كله في هذه الدنيا اذ لا ينزل من الوجه الالهي الا انقشاعات تلطف بنا ما دامت ويعزينا رجاء عودة مثيلاتها في الايام المرجوة.

وما كشفته الخبرة الروحية من هذا اكده الوحي على لسان الرسول: “ولنا هذا الكنز في آنية خزفية” (2كورنثوس 7:4). فالذهب يضاد التراب. والتوّاقون الى التوبة يرون الاثنين معا، يرون الذهب في وجه الله والتراب في كل كيانهم ولكنهم يعرفون واجب وضع الذهب في الآنية الترابية التي هي هم حتى يطرح الرب عنا الطين في اليوم الاخير.

وعلى ترابيتنا نؤمن اننا خلقنا على صورة الله بحيث يكون لنا بهاؤه مرسوما فينا كما يكون الشمع مطبوعا بالختم. غير ان الختم يدلهم احيانا كثيرة ويكاد يختبئ. ان تركيبتنا الطبيعية على صورة الله لا تضمن بقاءنا احرارا من الخطيئة لان الكتاب نفسه يؤكد الشبه في المنطلق بيننا وبين الله كما يؤكد السقوط والسقوط قد يأخذ الانسان الى الدرجات الدنى منه. ومع ذلك يؤكد آباؤنا اننا في كل حال نلبث على صورة الله ونتوق الى ان نصير الى مثاله. ولكن حتى اذا احسسنا بالقربى وان النعمة تهبط علينا كثيرا ينبغي في آن واحد الا ننسى اننا نحمل هذا الجسد اناء خزفيا معرضا للكسر وان النعمة وحدها قادرة على جبره اذا انكسر.

وهنا لا بد ان نجتنب الخوف من الكسر اذ نحن مدعوون الى القيامة الاولى في هذا العالم المحققة بالتوبة. كذلك لا بد من اجتناب الاغتباط الذي يقع فيه بعض الاتقياء لكونهم يؤدون الصلاة في أوانها ويشعرون ان قلوبهم امست في حالة الطوبى. الخطأ ظنهم انهم لا يتزعزعون والويل لهم اذا وقعوا في الخطأ الاكبر اعني الاستكبار اذ يفنى عندهم، اذ ذاك، الفقر الى الله.

اما الخطأ الذي يتعرض له الضعفاء او الذين نستضعفهم هو ان يحسبوا انهم فقط آنية خزفية وان ينسوا الكنز الذي تحتويه. ذلك ان الخطيئة تسمرك ان انت حدقت بها كل حين وتجعلك احيانا تستصوبها فتنسى قدرة الله على ان ينيبك اليه ويضمك بحنانه.

واعلم ان الله عطر وانه يعطر الآنية التي انسكب فيها وانها اذا ما انكسرت فتذكر به والاصل العطر لا الإناء. غير ان بعض الناس شديدو الحس بوضعهم الخزفي كما ان بعضاً منهم شديدو الحس بالعطر الذي يحملون.
ليس الانسان قادرا على التشوه الكامل او البشاعة الكاملة. هناك دائما بصيص نور، حضور الهي في كبار المجرمين. لذلك هم قادرون على العودة. ولا يعلم إلا الله العائدين اليه. ان الشرق البيزنطي يقف بقوة ضد من يقول ان الخطيئة افسدتنا كليا. هناك دائما بذرة انبعاث وتجديد الخلق فقد اضحى الانسان بالمسيح خليقة جديدة وما سيكون في حالة البلورية الكاملة في اليوم الاخير انما باشر الله الآن وهنا عملية تبلوره وهذا هو الايمان العامل بالمحبة.

اجل الخلاص شيء جدي لا يتم الا بالعرق والدم ومكانه الصليب الذي منه تسير الى القيامة الكاملة بعدما ذقتها فيه. الخلاص غير مكتمل ههنا لتستريح فيه. لا، انت تكد وتكدح ولكن على الرجاء لأن الخطيئة شيء جدي لا بد من استئصاله. هناك خطأ اول ان تعيش في رعب الخطيئة كأنك بلا رجاء وهناك خطأ ثان ان تعتبرها امرا سهلا مرميا على نعمة الله ورأفته. ولا تعبأ بجسامتها. وقد راعني في حياتي الرعائية ان بعض المسترشدين لا يولون اهمية كبرى لمعاصيهم كما ان ناساً آخرين يستعظمون من ذنوبهم كأنها لا تفنى في طول الاناة الذي يحيطنا به الرب.

لماذا ترك الله الإناء خزفية على خزفيتها مع انه اجرى للانسانية الخلاص في يسوع المسيح؟ بكلام آخر لماذا لم ينه الله التاريخ عند الجلجلة حتى لا يبقى في بشري خزف؟ هذا سر لا يسبر غوره. لماذا لم ينقضّ الحب الالهي نهائيا ليحرق الخطيئة مع ان السيد ابطلها في جسده؟ يقول كولمن وهو احد اكابر المفسرين للكتاب ما مفاده ان الشيطان بعد موت المخلص يشبه عسكراً مهزوماً لا يزال يضرب سهامه مؤخر العسكر المنتصر.

لعل بقاء التاريخ مرده الى ان الله أراد ان نكون شركاءه في الخلاص بحيث نقوم نحن بدورنا فيه، بحيث نقبله. مثل على ذلك مائدة الطعام. هناك من يهيئه ويضعه على المائدة (هذا هو دور الله، هذا هو الخبز السماوي) ثم هناك من يأكل وهذا هو دور الانسان. انت لا تنشىء الخلاص وبهذا المعنى ليس لله شريك فيه ولكنك انت ترتضيه بالايمان ومكافحة الخطيئة. المعنى الاساسي للزمان ان تأتي البشرية كلها معاً الى الخلاص الذي تم. ربما كانت الأزمنة في تعاقبها ومكاشفتها وما قالته تؤتي الانسانية النضج. هذا لا شك فيه على مستوى الثقافة. ولكن على مستوى القداسة لا يعطي تقادم الزمان شيئاً. نحن في الجهل الكامل لحكمة الله في هذا الباب.

ولكن اذا اعتبرنا الانسان الفرد وليس الانسانية بأكملها فماذا يعني له زمانه؟ انت تفهم فائدة العمر للنضجح أعني فائدة الخبرة وعند بعض تكون التوبة اوضح أو أعمق ولكن ليس ذلك بالضرورة فقد ترى الحقد والبغض والتسلط وما اليها كبيرة عند الشيوخ. لماذا طال العمر ربك وحده يعلم. انت عليك ان تفيد من الوقت لتطلب لنفسك السلام.

عند الأسقام والضعفات والهبوط النفسي في سن متقدمة ترجو من ربك التواضع الذي لا يحل عليك الاّ من بعد انكسار. ربما كان من الضروري ان يرضّ هذا الجسم ليدخل الى النفس شيء من السلامة أو شيء من الطراوة اذ القسوة رهيبة في كل حال. والقسوة تحطم الآنية الخزفية الى ان تجبرها وداعة يسوع والذين هم له.

هناك جروح لا تندمل. مع هذا قال غير كبير عندنا ان الذي ارتكب خطيئة تكون هدايته عظيمة. طبعاً لست في حاجة الى ان أبين ان هؤلاء الأباء لم يدعوا الى الارتكاب ولكن دعوا الى الافادة من السقوط اذا حصل. ذلك ان الوجع الحاصل لك من الذنب يبكيك ويرض عظامك. طبعاً ليس حسناً ان تكسر الآنية ولكنها عند تحطمها يذكر الانسان انها كانت تحوي عطراً الهياً فينسى ما تكسر ويبقى على ذاكرة العطر.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

أشياء تخضّنا / السبت في 3 تشرين الثاني 2005

قد لا تجد في هذه البقعة العربية بلدا مثل لبنان يتشابك فيه الديني والتاريخي والسياسي بحيث لا تعرف قدر السياسة وقدر الايمان وما يخالطه من تعصب في هذا الانسان او ذاك. ولعل هذا ينسحب على الطوائف جميعا. قد يختلف مقدار التلاقي بين هذه العناصر من طائفة الى اخرى. قد تكون احدى المجموعات ادنى الى الالهيات الصافية او الاخرويات وقد تتساوى النخب في معظم الجماعات بضعف ديانتها واقبالها على الشأن الدنيوي. وهذا يجعل الرعاة الادنى الى الروحيات منهم الى الدنيا في حال ضيق وحزن وهذا يجعلك في اصطفاف مع ناس لا علاقة لك الا بما هو خارجي عندهم وكأن في كل طائفة حزب الروحيين وحزب المسيسين ومن هم في منزلة بين المنزلتين وقد يأتيك الزمان بمن يبتر قسريا وقانونيا بين هذه المجالات.

المشكلة في لبنان انك لا تستطيع ان تسمي الاشياء باسمائها الا اذا انتقدت طائفة وكنت منها. لا احد يعتقد انك قادر على ان تقوم بدراسة انثروبولوجية (اناسية، اقول) او اثنولوجية او سيكولوجية لاي عنصر مجتمعي في هذا البلد اذ تقول عنك كل الناس انك منحاز او مسيس اذ لا يتصورونك الا انفعاليا اذا تكلمت على الآخرين. مرة سألني احد لماذا غمزت من قناتي في العظة. اجبته هل اعرفك انا؟ قال لا. ثم اردفت قبل دقيقتين وانا مغادر طرح علي سواك السؤال نفسه. السبب يا ابني ان كلمة الله هي التي مستك ومسته. كثيرا ما يطرح على الاصدقاء سؤالا عن مقالاتي في “النهار” قائلين من قصدت وأشتم انهم لا يصدقونني عندما اقول لهم لا اضع صورة احد على مكتبي لاكتب عنه مرة واحدة. في الحرب كتب شاب ماروني صفحة كاملة في احدى الصحف عن الارثوذكس اخطأ فيها مرة واحدة في الوقائع ومرة اخرى في التفسير او الرؤية وكان المقال علميا وهنأت الرجل. طبعا الارثوذكس اقلية لا تنافس احدا وانا لا اعرف مطامعها او حتى طموحها ولكنها ليست بالضرورة “مهضومة” وانا عليم بعيوبها وبالتحليل التاريخي لعيوبها.

غير ان الطوائف الكبرى الالصق بالفعل التاريخي هي المدعوة الى ان تنقد نفسها او تنتقدها. سمير عطاالله وهو من أكتب الصحافيين وأثقفهم اجترأ ان ينتقد الموقف الماروني من مقام رئاسة الجمهورية لكونه مارونيا. اظن اننا نحتاج الى ماروني عميق الروحانية ومتجذر في تاريخ كنيسته ولبنان، صافي الذهن وهادئ القلب كلما يقول المتصوفة الارثوذكس ليبين لنا السبب ليس فقط التاريخي ولكن الروحي للمسالك السياسية عند الموارنة. غير الموارنة يجب ان يصمتوا عند ورود هذا الموضوع.

يعسر موضوعيا ان يوحد المسيحيون موقفهم لو تسيس المسيحيون غير الموارنة في مشاركة معقولة فيها شيء من التوازن وربما شيء من الجديد تحمله هذه الاقليات المسيحية، نوع من التناضح بين الموارنة وسواهم من المسيحيين فلا يأتي الفعل املاء من احد على احد. هذا يعني اننا مصلوبون معا وقائمون معا بلا احساس مرضي باننا ضحية احد. ان الصلاة من اجل وحدة المسيحيين يجب ان تلقي هذه “الشعوب” المسيحية في قراءة واحدة لتاريخها في لبنان والعالم العربي. واريد بذلك تاريخها المدني.

غير ان هذا لا يعني بالضرورة ان المسيحيين مدعوون دائما وفي كل مناسبة الى اتخاذ موقف “مسيحي”. ذلك اننا لسنا معا في مواجهة المسلمين او تلاقيهم. قد يوثر بعضنا موقفا اسلاميا على موقف فريق مسيحي.

جل ما استخرجه من هذا التأمل ان يبرهن المسيحيون مرة اخرى انهم لا يبغون امتيازات لانفسهم بل يسعون الى تعظيم لبنان كله. غير ان الله منّ على المسيحيين بعد هذه الحرب انهم تخلوا عن كل رافعة اجنبية وهم لا يلازمون دولة كبرى او وسطى الآن وان التقت المصالح فلا مانع في بعض الظروف واريد بذلك مصالح لبنان. واذا تعلم المسيحيون ولاسيما الموارنة انه لم يبق لهم مجال ليكتسحوا البلد ففي المنطق نفسه رجائي ان تتعلم كل طائفة كبيرة ان اكتساحها الصاعق للآخرين سيؤذيها. العدد من شأنه ان يؤذي. كذلك الشعور بالتفوق المالي او السياسي يؤذي. لا توازن بين الطوائف اذا استكبرت طائفة على اخرى.

ليس عندنا نحن المؤمنين بالله استقواء الا بالله. واذا استغنى في مجموعتك بعض فعلمهم على محبة الفقراء ولا تجعل هذا الغنى يصير مالا سياسيا لان هذا باب التسلط وافقار الآخرين والتفسخ الجديد اعني التفسخ بين الطوائف فديمومة الصراع والعجز دون الوحدة الوطنية التي تقوم على العدالة بين الطوائف تخل بالتوازن. هذا افظع بكثير من ظلم الطوائف في توزيع المناصب. هذا دائما يكون قليلا وهذا لا يحدث فقرا اجتماعيا.

اظن ان المسيحي اقتنع بان ليس له رافعة خارجية لعلمه ان الدول الغربية وعلى رأسها اميركا باتت علمانية ليس فقط بشكل مبدئي ولكن مسلكيا هي لا تتصرف بأي قربى عاطفية من المسيحيين ولا يهمها الا منافعها وهذه تؤمنها الدول الاسلامية الى جانب اسرائيل. المسيحيون العرب اخرجهم الاميركيون من الدور السياسي وترك لهم الاوروبيون مكانة شعورية لا تحسم شيئا خارج التحرك الاوروبي في الملعب الدولي. اذا كان تحليلنا صحيحا هذا يعني ان المسيحيين ليس عليهم ان يأخذوا درسا لا في الوطنية ولا في القومية. فالدور المسيحي اصبح كبيرا خارج الصفوف المسيحية من حيث انه دور تجميع القوى الوطنية في لبنان الواحد. العزلة لا تهدد المسيحيين اليوم، نحن اليوم امام دعوة الى المعية التي تعني الا يقوى احد منا منعزلا عن الآخر او على حساب الآخر. ليس التوازن ان تأخذ كل جماعة حقوقها كما هو منصوص عليها في الطائف ولكن ان تقوم بما عليها لتتلاحم في ما بينها في الخدمة والعطاء الثقافي والانتاج الاقتصادي. هذا هو التوازن الجديد، توازن واجبات الجماعات.

في الحياة اللبنانية العديدة عناصرها الدينية والمتواجهة في تأريخها كيف نحقق وحدة المسيرة؟ انت لا تجعل مستقبلك رهينا لماضيك بل تنظر الى مستقبل واحد لشعب لبناني موحد الحركة اي مهيأ في وحدة تطلعاته الجديدة بحيث لا تبحث عن ايام المسلمين الآتية ولا المسيحيين الآتية ولكنك تبحث عن نشوء امة واحدة بالعمل المشترك.

قد يتضمن هذا الكلام مفهوما لم نألفه في لبنان وهو العيش المدني وليس فقط الحكم المدني. كل ما هو مجتمعي انا اشطرك فيه واحدا معك وليس لاحد منا انتماء طائفي بمعنى التحرك السياسي. ديانتي واخلاقي وتراثي الروحي فاعلة فيّ وآتي منها جميعا لاخدم هذا الوطن معك بلا امتياز لمجموعة ولكن بضمان الكل للكل، بتماسك الكل.

هنا ينبغي ايضاح العيش المشترك بقولنا انه عيش مدني مشترك لا يتراكم فيه الواحد والآخر ويبقى كل منا على موروثه. اعني ملازمة الموروث وترجمته سياسيا. وهذه هي العصبية. كل ما امكن ان يكون مشتركا اي ما كان خارج العقيدة الدينية والعبادات نقوم به معا او لا يكون. وسعوا حلقات المشاركة في المجتمع المدني لتظهروا امة واحدة ناحتة لأيامها الآتية.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

لا تقتل / السبت في 29 تشرين الأول 2005

“لا تقتل” (خروج 20: 13) من الكلمات التي اعطاها الله لموسى على الجبل ويقابلها الحكم “من ضرب انسانا فمات يُقتل قتلا” (خروج 21 : 12). لقد قال الله هذا في ما قال لان الانسانية مجرمة منذ البدء حسدا ولكل سبب يجعلنا نلغي الانسان الآخر. عابد الله يقر بوجود الآخر لعلمه انه اخذ من الله حقه في الحياة. ويؤمن العابد ان الخالق احتفظ لنفسه بحقه في استرداد وجود هو اعطاه ولم يفوض الى احد هذا. والقاتل يسلب سيادة الله على الوجود.

اتخذ الناصري هذه الوصية وكشف لنا جذورها لنستأصلها فقال: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم ان كل من يغضب على اخيه يكون مستوجب الحكم” (متى 5: 21 و22) ما قاله السيد عن اسباب الخصومة وما دعا السيد اليه للكف عنها مرتبط بالوداعة التي قال اننا نتعلمها منه. غير ان الذروة في كل هذا ما قاله الله عن وحيده على لسان اشعياء واستشهد به متى: “هوذا فتاي الذي اخترته. حبيبي الذي سرت به نفسي… لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع احد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفئ” (12: 18–20) فان لم يلامسك اللطف الالهي فانت شاتم او ساب او غاضب اي انت قاتل في داخلك لانك لم تغفر واذا لم تغفر تكون قد كسرت الصلح المفروض ان يسوس كل علاقاتك وتكون قد حدت عن ايماننا بأننا جميعا ابناء الله اي ابناؤه بالمعية.

ان ضميرك في هدأته يبغي المعية. لذلك يطاردك القتيل ومن تحسب انك الغيته يقض مضجعك ويقال ان بعضا من القتلة تسبب لهم جريمتهم وخز ضمير لا ينتهي الا بالموت. حدثني احد الاصدقاء الصحافيين انه عرف قناصا اعترف له انه لا ينام وقال: استفيق مذعورا وارى الذين قتلتهم في الثياب التي رأيتهم فيها في الحرب يعبرون امامي الواحد وراء الآخر.

امام هول الفواجع قال داود النبي: “نجني من الدماء يا الله”. انها لنعمة على الحاقدين والكارهين والاشداء في الغضب ان ينجيهم ربهم من ان يقتلوا. القضية كلها تكمن في هذه الانا الفظيعة التي لا تعترف بالآخر بغضا ولا تحس باننا معا نستطيع ان نبني هذا العالم وبالتكامل في ما بيننا. ان تشتهي ذاتك مقررا لكل شيء حاسما كل شيء، فارضا رايك على اهلك وعلى غير اهلك. هذا كله سبب الاجرام. وأما ان تعتبر نفسك واحدا من كثيرين، قابلا اختلافهم عنك، وفي الاختلاف متعاونا يجعلك رجل سلام.

السلام بمعناه الشخصي هو ذلك الهدوء الداخلي الذي عبر عنه القرآن بقول هابيل لاخيه قابيل (او قايين): “لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين” (المائدة 28 – 29) ثم يرتفع التنزيل من حالة شخصية الى كشف انسانية بهية اذ يقول: “من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا” (المائدة 72).

احد ولدي آدم اذاً اراد ان يقتل والآخر لم يرد. فهذا يجعلنا نرفض فكرة المولود مجرما بحكم الوراثة التي روجها الطبيب والعالم الجنائي الايطالي لمبروزو المتوفى سنة 1909. اجل لما كان استاذنا في القانون الجزائي يدحض امامنا هذه النظرية وذلك منذ ستين سنة ونيف ما كان العالم يعرف علم الجينات. غير ان هذا العلم حتى اليوم لم يصل الى امر محتوم يتعلق باخلاقيات موضوعة في الجنين. ما من شك في ان ثمة رجالا مجرمين قد يؤثرون في سلوك اولادهم. ولكن هذا ليس قطعيا اذ تأتي ردات الفعل عند الولد مناقضة. على هذه الصورة يأتي ابن الانسان الغضوب لطيفا جدا لاشمئزازه من غضب ابيه او امه. كذلك اولاد السكير لا يبدون سكيرين بالضرورة. ليس عند احد فطرة على الاجرام.

اما البيئة والقانون فيساعدان. عندما يكون السلاح الفردي شائعا بكثرة ويفاخر الذكر امام اولاده واصحابه باقتنائه فمن شأن هذه الحال ان يصبح السلاح اداة للغضب الشديد ولاسيما في بيئات قاسية. مثل على ذلك اذا كان سائق سيارة مسلحا واصطدم بسائق آخر مسلح ولم يتفاهما حضاريا في شأن الخبير يتحول الوضع الى معركة.

ولكن ينبغي دائما ان نصل الى الاعماق في المصادر الانجيلية كونها اظهرت لب المسألة. فالناصري يقول: “سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. واما انا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر ايضا”. (متى 5 : 28 و29). عين بعين وسن بسن قول من العهد القديم لا يبطل يسوع حرفيته ولكنه يتجاوزه بمعنى انك ان صرت في المسيح لا تحتاج اليه ولا تستعمله. عين بعين… موقف حقوقي تجاوز فيه موسى الثأر فقال ان احتكموا للقضاء. هو المساواة بالقصاص اذ يقتص منك القضاء كما اقتصصت من اخيك. هناك يقول يسوع: ان كان هذا اخاك فما حاجتك الى محكمة. لا تقاوم الشر الذي رأيته عند اخيك بمثله. قاومه بطريقة اخرى. هذا قد آذى نفسه ولم يؤذك ان كنت محبا. فالمحب لا يؤتى شرا. تجاهل اذاً انه قصد اذيتك. واعرف انه اوقع نفسه في خطيئة الغضب او الحقد او الكيد او ما اليها وداوه إذ لما اضر هو بك عيّنك الله طبيبا له. فكّر في الخطيئة التي اقترفها او جرحته. فاذهب وعالجه. واذا لم تعمل هذا تكون قد حزنت لما لحق بك من مضرة ولم تحزن للضرر الذي اصاب الآخر. تكون قد انغلقت واشفقت على نفسك ولم تشفق على الآخر.

غير ان قمة الكلام عند يسوع هو في الآتي “سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فأقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم. وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم لكي تكونوا ابناء ربكم الذي في السماوات” (متى 5: 43–45).

شخص يناصبك العداء لسبب في نفسه. عندما فعل هذا اقام نفسه في سوء الخطيئة وظلامها. انت يطلب الله منك ان تزيل عنه العداوة لكونك تريده طاهرا، معطيا، محبا، مكللا بالمجد الالهي. ليس لك من دواء الا ان تحبه اي ان تنتبه الى حاجاته وتعنى به كما فعل السامري الشفوق الذي عالج يهوديا جريحا ملقى على الطريق وهو على غير دينه.

يتبسط يسوع فيقول بعد احبوا، باركوا ثم احسنوا. باركوا اي استنزلوا النعمة الالهية على الخصم ثم انتقلوا الى الخدمة العملية بالاحسان وقمة الاحسان الصلاة. فخصمك ان كان شريرا فانما يرحمه ربه بالرحمة التي يغدقها عليك. المحبة هنا ليست العاطفة التي لك نحو زوجتك واولادك والاقارب والاصحاب. هي ان تخدم مجانا ولا تنتظر مكافأة. فان عاملت خصمك بهذه المجانية تكون خدمته كما تخدم الرب.

انا لا انكر التربية ومساعي الدولة. ولكن الدول قد تسقط وسقطت والعائلة قد تضعف وهي آخذة بالانهيار في الغرب وبعض الشيء عندنا. سلام الانسان لا يأتيه بالهيكليات الاجتماعية بل من نعمة المحبة التي لا أسمى منها في هذا العالم وفي السماويات. “لا تخافوا ممن يقتل الجسد”. المهم الا تبيد قلبك بالبغض لان القلب هو الذي يقتل.

السلام ينزل على قلبك من فوق ثم يخرج منك الى القلوب الاخرى.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الملكوت القائم الآتي / السبت في 22 تشرين الأول 2015

المسيحي معذب أبدا لان الملكوت حل بمجيء الملك اعني المسيح ولم يكتمل اذا لم يصبح كل البشر بعد على صورة المسيح. ويقوى عذاب المؤمن اذ كان يرجو ان تكون الكنيسة مجتمعا ملكوتيا على قدر ما يسمح بذلك الضعف البشري لكن المجروحين بالشوق الالهي لا يرون ذلك كامل التحقيق واحيانا لا يرونه قريبا من التحقيق. وكلما ازداد الانسان غيرة يريد ان يشد الايام الاخيرة الى يومه الحاضر حتى لا ترجئ عيناه سطوع المجد الالهي.

لماذا إلحاح المسيحية على الكمال منذ الآن؟ ولماذا قال المعلم: “كونوا كاملين”؟. لما قال الناصري هذا ما كان اسير الزمن ولو علم ان احدا لا يكمل في حدود الزمان. غير ان يسوع يقتحم هو ازمنة الناس ويشدها الى المستحيل. ولذا اعطى مقولة الشهادة ابعادا لم يعرفها العهد القديم بضراوة. والشاهد ينقل المشهد الذي رآه اي انه كالمشهد. في المسيحية التركيز ليس فقط على السمع ولكن على معاينة الله اي على ذوقه هنا والسلوك الحسن يفهم على انك جئت من إخلاق الله لانك شاهدته في قلب نقي. من هنا ان من رآك يكون قد رأى الله واخذه الى قلبه. من هنا ان مقولة الشاهد في الحياة المسيحية هي اهم من مقولة السامع ومع ان المسيحية تتحدث كثيرا عن البشارة الا ان المبشر لا ينتقل كلامه ولا يفعل الا لكونه عاين في نفسه مجد الله.

ويؤذي اهل الملكوت ان يلحظوا ان المسمين على اسم المسيح ليسوا افضل من باقي البشر وان المعمودية ما نفعت الا قلة. اهل الملكوت لا يرون ان التائبين كثرة وان من ابتغيت منه الشهادة لا يؤديها ولا يطلق بكلام الطيب الذي ينتظر من فمه كأنه ينطق بفم الله وكأن الانجيل بات هدرا او بعضا من هدر، كأن القلة العزيزة فقط احست بالحنان الالهي وانطقها، قولا وفعلا، بلسانه وكأن الكثيرين الذين جلسوا الى مائدة الرب خرجوا الى الليل.

تبدو المأساة اكثر وضوحا في الاكليرس وهي كلمة يونانية تعني النصيب اشارة الى الكهنة العبرانيين الذين لم ينالوا نصيبهم من الارض لانهم جعلوا الله نصيبهم. والذي سموا كذلك في الكنيسة اي العائشون بالاستقلال عن مصالح لهم في الارض قد لا يكونون خيرا من العامة مع ان اغناطيوس الانطاكي المستشهد السنة الـ117 يجعل كلا منهم ايقونة المسيح. والاصول القانونية المتبعة في الكنيسة الارثوذكسية اليوم تقول اذا محوت، بمرور الزمان، صورة القديس عن سندها الخشبي ينبغي ان تحرقها اذ لا يسوغ تكريم ايقونة لم تبق ايقونة.

أجل في الفعل التاريخي المطران او الكاهن بشر والكل يعرف ضعفات بشريته ولست في حاجة الى تفوق عقلي كبير لكي تحلل الرجل ويعسر جدا ان تجد رجلا “بلا لوم” تجعله اسقفا كما تتطلب نصوصنا الموحاة علما بان الرتبة التي يقام فيها رجل عضوا في السلك الاكليريكي تصنف انتقال الانسان من وضعه العلماني الى مقامه الكهنة نعمة مكملة للناقصين.

غير ان الرسائل التي كتبت من بعد العهد الجديد عند الآباء اللاهوتيين او الادب النسكي تشدد على طهارة الكاهن المذهلة وهي ليست كذلك ولن تكون. في التعامل وبعد الخيبات يكتفي الشعب بألا يكون الرجل مرتكب الكبائر، محجما عن الرذائل الجسيمة. غير ان الوجدان المسيحي الحساس لا يقبل بذلك ويريد الكاهن ان يكون على نقاوة نادرة هو واهل بيته. ملكوتيا يكون او لا يكون رأسا لهم اذ كيف يكون قد صار أباً ولم يولد من فوق؟

ازاء ذلك لا يكون كل كاهن أباً روحيا اي قادرا على ان يلد الناس من المسيح. ان تعترف بخطاياك لا تعني بالضرورة ان تولد من جديد. لذلك يلتف الآتون من الروح بعضهم حول بعض على نسيمه ينتقل من واحد الى آخر بالمودة والتقارب الروحي وقراءة الكلمة والبكاء.

الجماعة المسماة مسيحية والتي لم تولد ثانية من السماء تحلل مجتمعيا وحسب الظاهر وتقيم الدعوى على ان الذين احياهم الروح فئة لتقول عن نفسها هي انها الكل اي الكل الفاتر الذي لا التزام عنده. اما انا فأقول لم تزدهر المسيحية الا في الفئات اذا قبلتم هذه التسمية الاقصائية. والاقصاء لناس اساسي عند الاكثرية حتى ترتاح الى التنكر لمقتضيات الانجيل.

المشكلة انه غير مرخص لك بأن تأتي بالانجيل وتحاسب الناس عليه او تدع نفوسهم تحاسبهم اولا لان علو الانجيل يزعج الاوضاع القائمة والناس القائمين على هذه الاوضاع وثانيا لانك تكون قد ادخلت مقاييس غير مألوفة لقيادة الكنيسة وكأنك انشأت كنيسة جديدة.

ان جديد المسيحية بالنسبة الى العهد القديم انه كان نظام الكلمة يذكر الانبياء بها ويخضع لها الشعب او لا يخضع. اما في العهد الجديد فبت في نظام الايقونة وهي – اذا شئت – الكلمة المفعلة والمبتغى دائما تفعيلها بحيث تقول: “تعال وانظر”. انت شاهد والآخرون شهود ومن رآكم يكون قد رأى الله وإلا لا يعبر الله الى احد او يعبر فقط الى من اصطفاهم بلا مساندة شاهد.

“الذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته” باتوا قلة عزيزة. هم الذين يحملون في نفوسهم نصر الله الى ان يملك الى الابد في الكنيسة الظافرة. غير ان الجهاد يبدأ وينتهي في كنيسة الارض بكل وداعة ولكن بكل صدق حتى لا يزول حرف واحد من شريعة المسيح وحتى نبقى بذا نارا متأججة.

الكنيسة فيها ناس قلوبهم في هذه الدنيا ومنها. هم اخوتنا على رجاء ان يتجلوا بالمسيح على قدر قبولهم النعمة حتى يأتي المسيح ثانية ويتوب اليه من يتوب. حياتنا في الكنيسة تأخذ قوتها واستمرار بهائها بالمخلص ولكن يرافقنا اولئك الذين لا يقربون وجهه بصدق وجدية. معنى ذلك اننا متألمون دائما في زمن الناس ولكنا لسنا تحت وطأة الالم اذ نذوق فيه قوة القيامة. لا تحمل انت الصليب الا شريكا للذين لا يطيقونه. هم ايضا يتألمون ولا يعرفون فصحية تنبلج من اوجاعهم.

الحياة في الكنيسة ليست مريحة لانها طلب ما كان غير محقق بالكلية. هذه فرادة المسيحي الملتزم ان لا سقف فوق رأسه الا قبة السماء. بهذا المعنى المؤمن مشدود الى فوق ولا يقف. فهمها يلفت من البر انت دائما جريح الخطيئة. المسيحية توق لكن التوق له وعود الحياة الابدية التي تبدأ معك من اول مسيرتك في التقوى. المسيحي انسان ممكن ليس بمعنى انه يكمل نظاما مغلقا، منتهيا، ولكن بمعنى انه يحيا على الرجاء وفيما هو يحيا يستلم ويحيا ليستلمه الله بمجانية رحمته.

Continue reading