يعاني المؤمن هشاشة نفسه كل حين اذ يرى جمال الله دوما فيحس انه لم يدرك هذا العلو الذي دعي اليه. فهذا العلو وعد ولن يحقق كله في هذه الدنيا اذ لا ينزل من الوجه الالهي الا انقشاعات تلطف بنا ما دامت ويعزينا رجاء عودة مثيلاتها في الايام المرجوة.

وما كشفته الخبرة الروحية من هذا اكده الوحي على لسان الرسول: “ولنا هذا الكنز في آنية خزفية” (2كورنثوس 7:4). فالذهب يضاد التراب. والتوّاقون الى التوبة يرون الاثنين معا، يرون الذهب في وجه الله والتراب في كل كيانهم ولكنهم يعرفون واجب وضع الذهب في الآنية الترابية التي هي هم حتى يطرح الرب عنا الطين في اليوم الاخير.

وعلى ترابيتنا نؤمن اننا خلقنا على صورة الله بحيث يكون لنا بهاؤه مرسوما فينا كما يكون الشمع مطبوعا بالختم. غير ان الختم يدلهم احيانا كثيرة ويكاد يختبئ. ان تركيبتنا الطبيعية على صورة الله لا تضمن بقاءنا احرارا من الخطيئة لان الكتاب نفسه يؤكد الشبه في المنطلق بيننا وبين الله كما يؤكد السقوط والسقوط قد يأخذ الانسان الى الدرجات الدنى منه. ومع ذلك يؤكد آباؤنا اننا في كل حال نلبث على صورة الله ونتوق الى ان نصير الى مثاله. ولكن حتى اذا احسسنا بالقربى وان النعمة تهبط علينا كثيرا ينبغي في آن واحد الا ننسى اننا نحمل هذا الجسد اناء خزفيا معرضا للكسر وان النعمة وحدها قادرة على جبره اذا انكسر.

وهنا لا بد ان نجتنب الخوف من الكسر اذ نحن مدعوون الى القيامة الاولى في هذا العالم المحققة بالتوبة. كذلك لا بد من اجتناب الاغتباط الذي يقع فيه بعض الاتقياء لكونهم يؤدون الصلاة في أوانها ويشعرون ان قلوبهم امست في حالة الطوبى. الخطأ ظنهم انهم لا يتزعزعون والويل لهم اذا وقعوا في الخطأ الاكبر اعني الاستكبار اذ يفنى عندهم، اذ ذاك، الفقر الى الله.

اما الخطأ الذي يتعرض له الضعفاء او الذين نستضعفهم هو ان يحسبوا انهم فقط آنية خزفية وان ينسوا الكنز الذي تحتويه. ذلك ان الخطيئة تسمرك ان انت حدقت بها كل حين وتجعلك احيانا تستصوبها فتنسى قدرة الله على ان ينيبك اليه ويضمك بحنانه.

واعلم ان الله عطر وانه يعطر الآنية التي انسكب فيها وانها اذا ما انكسرت فتذكر به والاصل العطر لا الإناء. غير ان بعض الناس شديدو الحس بوضعهم الخزفي كما ان بعضاً منهم شديدو الحس بالعطر الذي يحملون.
ليس الانسان قادرا على التشوه الكامل او البشاعة الكاملة. هناك دائما بصيص نور، حضور الهي في كبار المجرمين. لذلك هم قادرون على العودة. ولا يعلم إلا الله العائدين اليه. ان الشرق البيزنطي يقف بقوة ضد من يقول ان الخطيئة افسدتنا كليا. هناك دائما بذرة انبعاث وتجديد الخلق فقد اضحى الانسان بالمسيح خليقة جديدة وما سيكون في حالة البلورية الكاملة في اليوم الاخير انما باشر الله الآن وهنا عملية تبلوره وهذا هو الايمان العامل بالمحبة.

اجل الخلاص شيء جدي لا يتم الا بالعرق والدم ومكانه الصليب الذي منه تسير الى القيامة الكاملة بعدما ذقتها فيه. الخلاص غير مكتمل ههنا لتستريح فيه. لا، انت تكد وتكدح ولكن على الرجاء لأن الخطيئة شيء جدي لا بد من استئصاله. هناك خطأ اول ان تعيش في رعب الخطيئة كأنك بلا رجاء وهناك خطأ ثان ان تعتبرها امرا سهلا مرميا على نعمة الله ورأفته. ولا تعبأ بجسامتها. وقد راعني في حياتي الرعائية ان بعض المسترشدين لا يولون اهمية كبرى لمعاصيهم كما ان ناساً آخرين يستعظمون من ذنوبهم كأنها لا تفنى في طول الاناة الذي يحيطنا به الرب.

لماذا ترك الله الإناء خزفية على خزفيتها مع انه اجرى للانسانية الخلاص في يسوع المسيح؟ بكلام آخر لماذا لم ينه الله التاريخ عند الجلجلة حتى لا يبقى في بشري خزف؟ هذا سر لا يسبر غوره. لماذا لم ينقضّ الحب الالهي نهائيا ليحرق الخطيئة مع ان السيد ابطلها في جسده؟ يقول كولمن وهو احد اكابر المفسرين للكتاب ما مفاده ان الشيطان بعد موت المخلص يشبه عسكراً مهزوماً لا يزال يضرب سهامه مؤخر العسكر المنتصر.

لعل بقاء التاريخ مرده الى ان الله أراد ان نكون شركاءه في الخلاص بحيث نقوم نحن بدورنا فيه، بحيث نقبله. مثل على ذلك مائدة الطعام. هناك من يهيئه ويضعه على المائدة (هذا هو دور الله، هذا هو الخبز السماوي) ثم هناك من يأكل وهذا هو دور الانسان. انت لا تنشىء الخلاص وبهذا المعنى ليس لله شريك فيه ولكنك انت ترتضيه بالايمان ومكافحة الخطيئة. المعنى الاساسي للزمان ان تأتي البشرية كلها معاً الى الخلاص الذي تم. ربما كانت الأزمنة في تعاقبها ومكاشفتها وما قالته تؤتي الانسانية النضج. هذا لا شك فيه على مستوى الثقافة. ولكن على مستوى القداسة لا يعطي تقادم الزمان شيئاً. نحن في الجهل الكامل لحكمة الله في هذا الباب.

ولكن اذا اعتبرنا الانسان الفرد وليس الانسانية بأكملها فماذا يعني له زمانه؟ انت تفهم فائدة العمر للنضجح أعني فائدة الخبرة وعند بعض تكون التوبة اوضح أو أعمق ولكن ليس ذلك بالضرورة فقد ترى الحقد والبغض والتسلط وما اليها كبيرة عند الشيوخ. لماذا طال العمر ربك وحده يعلم. انت عليك ان تفيد من الوقت لتطلب لنفسك السلام.

عند الأسقام والضعفات والهبوط النفسي في سن متقدمة ترجو من ربك التواضع الذي لا يحل عليك الاّ من بعد انكسار. ربما كان من الضروري ان يرضّ هذا الجسم ليدخل الى النفس شيء من السلامة أو شيء من الطراوة اذ القسوة رهيبة في كل حال. والقسوة تحطم الآنية الخزفية الى ان تجبرها وداعة يسوع والذين هم له.

هناك جروح لا تندمل. مع هذا قال غير كبير عندنا ان الذي ارتكب خطيئة تكون هدايته عظيمة. طبعاً لست في حاجة الى ان أبين ان هؤلاء الأباء لم يدعوا الى الارتكاب ولكن دعوا الى الافادة من السقوط اذا حصل. ذلك ان الوجع الحاصل لك من الذنب يبكيك ويرض عظامك. طبعاً ليس حسناً ان تكسر الآنية ولكنها عند تحطمها يذكر الانسان انها كانت تحوي عطراً الهياً فينسى ما تكسر ويبقى على ذاكرة العطر.