Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2005, جريدة النهار, مقالات

الصبر / السبت 15 تشرين الأول 2005

كثير يزين له ان الصبر استسلام للقدر، للظرف الخائق، لوضع محتوم عليك في بيتك او عملك او بلدك او اية جماعة تنتمي اليها. فتبقى كما انت او حيثما حللت خوفا من ان يخضك التغيير، ذلك ان الجديد مخيف اذ عليك ان تختار امامه وان تألف ما لم تكن معه على ايلاف وقد يكون في هذا تخلق جديد وانت معشش في العتيق، راض بما تقول انه كتب عليك اذ تنيب الله ان يفكر عنك وان يحل لك مشاكلك بلا إسهام منك. ما من شك في ان الجبرية هي فلسفة الحياة عندنا. ربما البدوي الكامن فينا كان يرى ان ما فوقه اي الشمس هي دائما في محلها وان الصحراء التي تحت قدميه في محلها ايضا. اول استسلام هو للطبيعة ما في ذلك ريب.

وليس دون ذلك ايلاما كل اندراجك في الدولة لان كل دولة تطغى وترى انت ذلك يوما بعد يوم وكأنك مسجل لتاريخ لا يتغير وتستكين الى ان «الظلم في السوية عدل في الرعية» وكأن طبائع الاستبداد عميمة في كل شعوب الارض وما سمي الهدر عميم وتختلف البلدان بأن في بعض قضاة منزهين وفي بعض قضاة يسودهم الاقوياء. واما انت هنا فمن العالم الثالث حيث لا يرى احد في الدولة امكان قوة وترجيح العدل. فحالك ليست افضل من حال جدك البدوي القديم اذ الارض تحت قدميك تميد وعلى هذا هي لا تتغير.

ثم تأتيك تعقيدات شخصيتك وسقطاتك وتلحظ ان ما تفعله اليوم كنت تفعله منذ ازمنة سحيقة وتعرف ان ما في نفسك غير ما يبدو وان فيها نتانة كثيرة وانك غالبا لا تميل الى التوبة عنها لان الاغتسال الحقيقي يكلفك جهدا كبيرا وموصولا وتعرف ان هذا متعب. ولعلك تكون قد قرأت شيئا عن التحليل النفسي ونفقاته كثيرة ثم قرأت في الآونة الاخيرة عن حملة رهيبة في الغرب على التحليل النفسي وتريد الشفاء وليس عند الاطباء شفاء.

امام كل هذه قد تنهزم وقد تستطيب الانهزام وتستكين الى الغلط والغلط في هذا انك تدور حول نفسك ولا تريد الخروج من الدائرة وتتعب وتكتئب ولا تخشى ان تحمل كل هذا الى الموت والموت عندك آخر محطة من محطات اليأس. واذا كنت على هذه الاحاسيس فما من شك في انك مؤمن صغير وانك لا تعرف بعد صبر الابرار وظننت نفسك عليه.

والصابر لا يختلف عنك في انه مقيم بدءا في الاحزان ولكنه ليس مقيما فيها الى الابد. ويخطئ كما انت تخطئ ولكنه يعرف نفسه كذلك ولكنه يعرف ايضا ان الارض لا تميد تحت قدميه لانه ثابت في الله بمعنى انه مقيم فيه. فالله ليس عنده بيوت هنا. انه هو البيت. والصابر مجروح كما انت مجروح ولكنه يؤمن بان له من يضمد جروحه وهو الرب. وحتى يأتي الرب بتعزياته ينتظره باليقظة وقد ينتظره كثيرا، وفي الاخير يأتي.

ليس الزمان يعينه فالزمان لا يحمل مضمونا. انه يتعب حتى الضجر الكثير. كل منا يعيش في الوقت ولكن المؤمن يسود الوقت بما يعلوه اي بأبدية الرب. لذلك يقول الكتاب: «صبرا صبرت للرب». الصابر يرجو الرب القادم اليه بسبب من وعده وبسبب من رحمته. من هنا ان هذا الانسان ليس اسير شيء لانه مولود من فوق، على ما قال يوحنا الحبيب. المؤمن يعرف انه لا يلد نفسه ولا تلده جهوده ولو كان عليه ان يبذلها طاعة. هذا كان فضل اوغسطينس علينا انه كشف باصرار وحرب عقلية ضروس اهمية النعمة بادئة للخلاص. ولعل الفرق العميق بين اهل الايمان واهل هذا الدهر ان اهل الايمان عارفون بانهم يجيئون من الله ولا يجيئون من الارض ولو كانت ام اجسادهم. ان يصبر المؤمن يعني ان ينسلخ من امومة الارض الى ابوة الله له. من هنا ثقته ان الظالم اذا جلده فانما يجلد ما جاء من تراب الارض وهو يعرف ان ما كان من التراب لا يرث ملكوت الله. لذلك كانت عيناه مسمرتين على الحياة الابدية اي المسكوبة من عند العلي لانها حياته هو.

في المراس اليومي كثيرا ما ترتطم بجدار وليس عندك حل ان اردت ان تبقى لله مطيعا تصمد امام الجدار حتى ينقله عنك ايمانك، اذ لا ينفع ان تضرب رأسك بالحائط وانت في حاجة الى حكمة تخرج من رأسك.

لماذا قال يسوع: «من يصبر الى المنتهى يخلص؟» لماذا الى المنتهى؟ كان هذا حتى لا يتحير المصابر بين حل يأخذه من الارض وحل يستلمه من السماء. وسر الانسان الصبور انه يصلي ويتلقى نفسه جديدا بصلاته. فعلى قدر ما ينتظر الله يفرغ نفسه من ادعائه القوة وينفتح في اتجاه السماء حتى تمطر عليه بكل مكرماتها. الزمن فيه شيء واحد ان احتملته ان يجعلك تحس بفقرك وان تحب فقرك.

ان تحصل كل شيء لنفسك، ان تملأها حتى التخمة يجعلك تستغني عن متابعة الله. ان تتابعه هو اليقظة وهذا اسم آخر للصبر. واليقظة موهبة تنزل عليك. لذلك الصابرون لا يستكينون. هم في حركة داخلية دائمة وان بدا الصابر لاهل الدنيا كأنه بلا حراك. هو طبعا يتحرك بصمت والصمت ضد التأفف والتذمر والتضجر لانه اقامة في الله. واليقظة تعني الهدوء، وان تذكر الموت لتجبه به اللذة العابرة وان تتضع وان تحزن من اجل خطيئتك. قال احد آبائنا: «طوبى للذي يجعل خطاياه امام عينيه كل حين لان هذا الانسان يقظ دائما». ان تحزن الهيا اي بسبب اخلاصك لله يديم فيك اليقظة.

هذا التواصل بينك وبين الله بسهر الصلاة يجعلك مراقبا عقلك وقلبك ليكونا دائما في رقابة الكلمة. لتتغذى بالدعاء وتحيا به. فاذا كنت على ذلك امكنك ان تواجه كل تجربة شر تعتريك وتصمد بسبب القوة التي تكون قد اختزنتها.

من هنا قول بطرس: «إن عملتم الخير وصبرتم على الآلام، كان في ذلك حظوة عند الله» (1بطرس 2: 2). الصبر يأتي من الداخل كما اسلفت وابديت في الاسطر السابقة، هذا البناء الداخلي الذي تكون قد اقمته يجعلك مالكا نفسك في كل شيء وواقفا امام كل شيء وما تطلبه مع جميع القديسين هو «ملكوت يسوع المسيح وصبره» (رؤيا 1: 9) والصبر يعني هنا ثباتك انت في يسوع.

واذا كنت ثابتا على هذه الصورة فأنت ذو حيوية رائعة في هذا العالم، محول للعالم. اكرر هنا ان الصورة المغلوطة هي ان الصابر مستكين. انه حركي بامتياز، يحتمل السجون والتعذيب والتنكيل كما يطلب الجبه والنضال لان نفسه لا تعرف اليأس اذ رجاؤه ينسكب دوما عليه.

في احزان لبنان الصبر الى جانب الجهاد سلاحنا للصمود. لا نبقى مسمرين على الخطأ والخطيئات. كلنا في الخطيئات والمهم الا نقطع الرجاء ففي البلد طاهرون لا يقبلون الزغل ولا هذه الشطارة اللعينة التي يتغنى بها الكثيرون وجعلتنا نضل كثيرا منذ اقدم العصور. غير ان الامل في نهوضنا قائم على ان نكون يقظين، حارين في الروح، مؤمنين بالله لان صبرنا لا يأتي من غيره. عيب علينا ان يصيبنا الهوان اكثر مما اصابنا حتى الآن. لا يجوز ان نكذب كما فعلنا كثيرا. الطهارة ليست مستحيلة على من طلبها. منها ينطلق العمل المشترك لتهذيب المجتمع والدولة وجعل اللحمة بينهما بحيث يعتمد الحكم على الطاقات الخيرة في شعبنا ويفيد شعبنا من عمل دولة صالحة.

نحن لا نطلب من الحكم ان يكون فردوسيا ولكن ان يكون جادا لنصبر على نقائصه وندعمه في الخير الذي يقوم به حتى لا يجوع الفقراء ولا يموت كل المرضى ولا يبقى الولد بلا مدرسة. كيف نبرهن للعالم ان لبنان بلد ممكن وقادر الا بتنقية كل منا نفسه في العمل العام كما ينقيها في العمل الفردي؟ كيف نثبت للشعوب انها في حاجة الينا إلمّ نكن على مستوى المسؤولية في كل ما نقوم به؟

هذا يعني تاريخا جديدا واخلاقا جديدة هي وحدها ضمان استمرارنا. ونستمر في الخدمة والتضحيات في اخلاص كبير بحيث نؤمن ان لهذا الوطن حقا على كل واحد من ابنائه وان عليه واجبات لكل من ابنائه فيحيا بهم ويحيون به ويحبونه لا لطبيعته الجميلة فقط ولكن لفضائل شعب يطلب الكرامة.

هذا هو صبر يجعلنا قديسين غير غارقين في اهمال بعضنا البعض، محبين للخير، مبغضين للشر ننتظر من اجل لبنان انبلاج نور عظيم.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

بشرية المسيح / السبت في 8 تشرين الأول 2005

ان تقول ان المسيح انسان جزء من ايماننا وليس فقط حدثا تاريخيا. وللمفارقة انكر ناس بشريته وهم المشبهة اذ قالوا انما شبه للبشر انه بشر كما انكر الآريوسيون (او الاريسيون في الادبيات العربية) كونه إلها فأقر دستور الايمان النيقاوي (325) انه الاثنان معا. وهو في هذا فريد. ما لهذه الاسطر ان تقول كيف يكون هذا وليس لها ان تدخلنا في سجال حول هذه الاثنينية. غير اني بصورة عابرة ألفت الى أن القول بان الله تكلم بكلمات تطرح السؤال عن علاقته بهذه الكلمات التي هي من اللغة اي من جسد هذا العالم. فإذا كان الله قائلها فهو فيها. ما علاقة الخالق بتعابيره التي كانت على ألسنة الناس قبل ان ينطق الله بها. ما الفرق بين ان تقول ان الله عبر عن نفسه بادوات النطق وانه عبر عن نفسه في صورة انسان. عندنا ان المسيح قبل ظهوره على الارض كان كلمة الله وطبعا بقي كذلك.

أليس هذا قريبا من الآية 45 من سورة آل عمران: “اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين”. فسرها سيد قطب بقوله: “فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة وهو الكلمة في الحقيقة. فماذا وراء هذا التعبير؟ فهذه وامثالها من امور الغيب الذي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد”. لن ادخل هذا المبحث اذ انا باسط الرؤية المسيحية اذ تقول انه وحدة، التقاء بين الناسوت واللاهوت في شخص واحد (المصطلح المسيحي القديم هو اقنوم المأخوذ عن السريانية).

ليس مبتغاي ان اتبسط هنا في علاقة العنصرين الالهي والبشري في المسيح وقد سميناهما اللاهوت والناسوت. ولكن جل ما اقوله ان المسيحيين كلهم بلا استثناء فرقة يقولون بذلك ولو سمى بعض هذين العنصرين طبيعتين او سموهما بعد التقائهما طبيعة واحدة. فلقد تبين للباحثين قديما وحديثا ان هذا فرق لفظي ولم يبق شيء من الجدل الذي قام بدءا من القرن الخامس بين اهل الطبيعة واهل الطبيعتين لان مضمون الايمان في المسيحية جمعاء ان المسيح هو اله وانسان معا.

في الحس المسيحي الى جانب موضوع خلاص أتمه المسيح الكامل ما يحرك النفس ان الله بات قريبا من الانسان كما لم يكن في العهد القديم اذ جعل الانسان مسكنه وما اكتفى الله بانه علم الانسان بكلمات. فالله الذي لا يزال يعلو بطبيعته الانسان صار في الانسان. والامر المرتبط بهذا ان الله بات معطى لنا في هشاشة طفل مولود في بيت لحم وفي معطوبيته. وبهذا تنكشف لنا محبة الله ويتضح لنا ان الناصري بات قربانا عنا لله وعطاء الحب الالهي على مذبح الكون. وعن طريق هذا نفهم ان المسيح هو الحَمَل المذبوح قبل انشاء العالم (رؤيا 8:13) وانه بهذا الذبح الطوعي صار مثالا لكل المعذبين في الارض الذين خلقوا على صورة الله ومثاله (26:1) ويصبحون على صورة المسيح المصلوب اذ بعد تجليات الله كلها في الانبياء قديما وفي معجزات السيد وحلاوة كلامه تجلى الله آخر مرة بالمصلوب. في الجلجلة سطعت حقيقة ما قاله مكسمس المعترف: “ان وحدة الله والانسان يمكن تشبيهها بوحدة الحديد والنار في الكور. فاذا القيت سيفا في النار حتى يسطع بالحرارة فالنار والحديد متحدان بلا تمييز واذا صار السيف متوهجا لا يسعك ان تفصل بين الحديد والنار”.

صارت بشرية المسيح كاملة التوهج بالموت. وفي طريقه اليه ابتلي ليعين المبتلين بحيث ان المسيح ملازمنا في كل ألم كما هو رفيقنا في الموت. الانسان لا يموت وحده لان المسيح لصيقه. لذلك يقوم الانسان في اليوم الاخير. السيد معنا ايضا في الخطيئة وهي صورة الموت وان لم يكن في الخطيئة ولكن قي قلبنا حيث يمحوها.

عندما يقول المعلم: “انا معكم حتى منتهى الدهر” لا يريد فقط انه مع الكنيسة ولكنا نريد ايضا انه في جسدنا على ما يعتريه من نقصان او هبوط او محنة لان هذه المحنة نذوقها في دائرة المسيح وليس لنا وجود خارج هذه الدائرة.

لست اعرف ولا احد يعرف لماذا يتزلزل جسد او يتزلزل الكون اي بأي هدف يكون هذا كله. الله ليس معذبا لاحد ولا تسره آلامنا وخطأ شائع ان نعتقد انه هو الذي يرسل الألم ليطهرنا به. الرب ليس ربا ساديا. السادية اذا قرأناها في الله تلغيه لانها تكون كراهية إلهية للانسان. الرب يؤدب بحنان الذين هم له فقد يكون التأديب وجها من وجوه الرفق الالهي لكن الالم ليس نطاق الخالق.

أجل الله هو الضابط الكل بمشيئته اي انه يحفظ هذا الكون وكل امرئ بمفرده. وقد يكون الحفظ بالموت. للحياة حد فاذا فقدناها يتلقانا الله برحمته ولا احد يغوص على حكمة الله في خلقه. جل ما عندنا ان الرب يرافقنا في الحياة وفي الموت والمهم الا يغيب عنا وجهه اذا ا ستبقانا واذا استدعانا اليه.

وقبل هذا النداء الاخير نحن في ملاطفاته. المهم ان نقرأ هذه الملاطفة في الحزن وفي الانتعاش والا تحول محنة دون القراءة. وهنا لا تنفع البطولات فقد تكون هذه كبرياء الأنا المستلذة ذاتها. انا في الجروح لا ابدأ في نفسي. ابدأ من جروح يسوع الحي ابدا فيّ كائنا ما كان شكل جسدي او انعطافات روحي اذ اجيء من المخلص ولا يجيء مني. واذا أسلمت له استلمه بكل ما عنده من رفق وما يفيض منه من تعزيات. ويعني هذا اني أتتلمذ عليه كليا وأتعلم منه في واقع كلومي انه “وديع ومتواضع القلب” فينكسر فيّ كل ادعاء وكل استعلاء واصير طفلا بين يديه.

قد يلازمك عجز كبير او صغير في جسدك او انخلاع في نفسك. والعجز قرر الاطباء استمراره فيك الى يومك الاخير. وتعرف انت ان نفسك غالبا ما تبقى مكسورة في ما انتابها من تجارب تراكمت وطبعتها ولو نوديت الى التوبة. ويبقى الكسر ولو حاولت. ويراك الله على الاقل كما ترى نفسك وعلى الاكثر حسب معرفته وهذه لن تنكشف لك لئلا تخور قواك. وفي هذه الكومة التي انت تبدو امام الله في استعطافه والبكاء هو وحده يمسح عن عينيك كل دمعة وتجيء بنفسك الى قدميه لتقبلهما وليس لديك عطر تسكبه عليهما وتتعطر انت من القبلة وترجو.

وتننتصب في الدعاء الى ان يطلع الفجر وتلح في الدعاء حتى تنزل عليك التعزيات وهي نازلة بلا محال اذا كنت سليما او كنت مكسورا وتنزل اذا تقت الى التوبة في سلامة جسدك او في تهشماته لان الله اعظم من جسدك واعظم من روحك وهو معطيك برفق ولكن احيانا متأنيا كي تعرف انه هو الالف والياء فيما انت في التنعم وفيما انت في الحرمان فإنه هو الذي بحبه الواحد ينعم او يحرم.

اذا انت فهمت بشرية المسيح تفهم كل ذلك. السؤال لماذا انا بت مضروبا ولماذا بهذه القسوة والآن او لماذا مات ولدي وما الى ذلك كل هذه الصرخات تزول اذا انت آمنت ان المعلم يلازمك في كل وضع وانه منتشلك من محنتك بطريقة هو يعرفها وانت لا تعرفها. انت فيك مجموعة خسارات على كل صعيد. الرب وحده يعينك ويشفيك بطريقة قد لا تنتظرها. انه يرى غير ما ترى وانه هو الحكيم حتى تنطبق الكلمة: “وللموت لن يبقى وجود بعد الآن، ولا للحزن ولا للصراخ ولا للألم لن يبقى وجود بعد الآن، لان العالم القديم قد زال” (رؤيا 4:21).

ان بشرية المسيح في المتألمين استباق لقيامته في اجسادهم وارواحهم.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الأنا المقيت / 1 تشرين الأول 2005

ماذا يريد باسكال عندما يقول: “ان الانا مقيت” Le moi est haissable؟ هو يفسر ذلك بكلمتين في كتابه الشهير، الافكار: “للأنا صفتان انها ظالمة بحد نفسها اذ تجعل ذاتها مركز الكل وهي مزعجة للآخرين لانها تريد ان تستبعدهم لان كل انا تطغى على الكل. فاذا أزلت الازعاج لا تزيل الظلم”. سأحاول ان أتأمل في ذلك.

لا تنغلق النفس على ذاتها الا بالامتلاك اي بتملك اشيائها، باستلذاذ الملك. فأنت تصير ما تملك وهو لا يصيرك واذا ما تملكه كان انسانا فهو شيئك فتصبح انت عبده اي شيئه. وكان الشرع الروماني في اولى مراحله يبيح قتل العبد اذ كان يحدد العبد على انه res اي شيء. وانت لا تسود الا بالفقر اذا احببته لانك فقط بالفقر المحبوب يصبح الحب مالكك.

وانت مالك اذا اعتبرت نفسك فردا اي مستقلا عن الآخرين. وكلمة فرد في اليونانية هي اتومس atomos اي ما كان غير قابل الانقسام. وتاليا غير قابل المواجهة اذ الآخرون ليس لهم وجه لكونهم عنده اشياء. انت لا تخرج من ذاتك لانك تعبّ الوجود ليس لان لهذا الوجود وجودا ولكن لانه بالملك جزء منك.

بالفردية او الفردانية individualisme تقيم نفسك في هذا العالم باعتبارك وحدك وان الناس واشياءهم يعودون اليك وانت تعرفهم من حيث انهم في مجالك. ولذلك انت معزول. ولكن في فهمنا نحن للوجود العزلة التي اعتبرتها صمدية لك لم تعطك اية صمدية لكونك لا تخاطب احدا ولو اوحيت بذلك الى الناس. بينك وبينهم كلام وليس بينكم خطاب اذ الخطاب يفترض الانكشاف واذا شئت كلاما فابلغ الخطاب هو التعري الذي يفرض ان الآخر يقرأك وانت تقرأه واذا انتما كتاب واحد. فقط من يراك يرى نفسه فيك. يتكون بك وتتكون انت به. فالوجود يبدأ من العلاقة. فاذا اقمتها لم تبق فردا، صرت شخصا. فتجيء ليس من الخطاب الذي يصدر عنك ولكن مما سمعه الآخر منك.

تبطل الآلة فيك اذا استمع اليك. واما اذا اقمت في الفردية فعلى وجهك قناع اي ليس بينك وبين الآخر من صلة القابع في فرديته، المنطوي فيها يعيش ولا يعايش. وجوده مع الاخرين تراكم. لا تخرج انت من فرديتك الا اذا فتحت حدودك ففيها تستقبل وتستضيف. قبل ذلك انت واصل الى آخر حدودك ومصفح ومن لا تستقبله لا يريد اختراقك.

ليس احد منا موجودا بذاته وان قال انا. في اللغة انا لا معنى لها الا اذا قابلت انت وألا تكون متكلما في فراغ. وانت لا تذهب من انا الى انت الا بحد ادنى من الحب والحب هو اعتراف بالآخر على انه آخر أي على انه مواجه. والحب هو بذل الناس اي انكار للمنطوي فيك وثقب للمنتفخ فيك حتى تعود الى حجم يمكنك من الاتصال. كل اتصال يفترض انقباضا قبله اي اعترافا بأن حجمك الحقيقي هو دون ما تراه وما يراه الناس. ما التواضع سوى ان تقلص ما يبدو وتجعل الحقيقة وحدها تبدو.

ايضا باسكال: “الله لا ينظر الا الى الداخل” اي الى الوجود الحقيقي غير المتضخم. واذا عرفت ذلك تفهم ان رؤية الله اياك هي التي تكونك. انت فقط ما يراك الله. انت ملغى اذا رأيت فيك ما لا يعترف الله به، المال او السلطة او جمال الجسد. الاكثر من هذا ان الرب لا يهمه ذكاؤك او نسبك واي ما يعتد به الناس. لذلك ما نسميه التواضع هو التغاضي عن كل هذا والاقتناع بأن الآخر دائما افضل منك. فاذا شاهدت بهاء الآخر تتلاشى فيك الجمالات الكاذبة وتفهم، اذ ذاك، انك لست فقط تتكامل والاخر ولكنك تصبح واياه واحدا بعدما افتقرت اليه وادركت ان الـ”نحن” الذي تكونان هو فيه الاعظم والاغنى. واذا كبرت في هذه الرؤية ترى انك لست بشيء وانك تاليا مكون بالآخر وقائم فيه.

فالتواضع ليس فقط ان تلغي الباطل فيك ولكن ان تؤمن ان الآخر يمدك بكل ما فيه من خير والخير يزداد فيه اذا افرغ نفسه منه لان الخير لا ينقص اذا اعطيناه بسبب انه “ينبوع من ماء حي”. لا يمكنك ان تتواضع ما لم تكن مليئا فيمتلئ الآخر مما بذلت ولم تخسره. التواضع هو ان يكون الآخر كل شيئاً عندك فيؤهلك هذا ويؤهله ان تكون كل شيء عند الرب. وهو وحده الذي يهب التواضع لانه هو الملء.

أنت لست متواضعا لانك خائف، خائف على مالك وسلطانك وما اليهما. تظن انك تقوى بهما وهذا من باب الاستيهام لان شيئاً من هذه الدنيا لا تقوى به. في الحقيقة انك تظن انك تزيد على حجمك شيئا وكان عليك ان تقرأ: “لا يستطيع احد ان يزيد على قامته ذراعا واحدة”. والقامة هي التي الله معطيها وليست تلك التي نتصورها. هذه فيها تفاهات كثيرة.

عندما نقول ان الشخص يقوم بالعلاقة فلا نعني علاقة عداء لان هذه ليست علاقة. هذه امتداد الموت والعلاقة نقل الحياة الى الحياة اي ان العلاقة حب وهذه لا تتم الا بالاستغناء عن الأنا بالموت لتعود اليها والى سواها الحياة. وعلى هذا قال المعلم: “من اراد ان يكون لي تلميذا فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. فلينكر تعني ان يلغي الانا وما هي به مثقلة فاذا كانت حاملة غير هذا الذي تحب فترزح او تراوح مكانها اذ هي منشغلة بما تحمل. لا تستطيع سيرا الى هذا الذي تطلبه حبا الا اذا القيت عنك ما يعرقل دنوك من الحب وارتميت فيه. تبدأ العلاقة اذا بإماتتك نفسك واستمدادك الحياة من الآخر فتكون ويكون. وقد اشار السيد الى الاعباء التي تميتنا بقوله “يحمل صليبه” الذي هو اداة الموت. غير انه قال “ويتبعني” اي يتبعني الى آخر طوافي وهو القيامة. من هنا ان الشخص لا يتكون الا بالعلاقة الطاهرة.

صورة العائلة المثلى في تنازل ابن الله الذي اخلى نفسه من المجد (اي من اظهار المجد) آخذاً صورة عبد صائرا في شبه الناس. هذا كان تخليه الكامل عن الانا ليجدها في الموت. ولما أطاع حتى الموت “رفعه الله واعطاه اسما فوق كل اسم”. هذا الذي هو صورة الله لم يشأ ان يظهر هذه الصورة الا بمحوها عن الابصار. “لا منظر له ولا جمال لنشتهيه”. هذا “الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل “ما قام به هو الا لما محا نفسه بالاتضاع الفائق. وعند ذاك اقام علاقة بنا فارتفعنا به الى مصاف آلهة وكنا قبل ذلك لا شيء.

لن تستطيع على ضوء هذا ان تقيم علاقة الا اذا صلبت نفسك مع شهواتها وصلب الاخر نفسه بشهواتها فجئتما قائمين من بين الاموات. اذا صرت انت صديقك وصار هو اياك نكون دخلنا اعماق السر. في المحبة لا يطرح السؤال عن ماهيتك وماهية الآخر اذ ليس لاحد منكما حدود. الحدود هي في الملكية الفردية. اما اذا بات كل واحد مملوك الله تمكثان فيه كلاكما وهو لا تعرفه الحدود ولا يبقى موضع لسؤالك عن نفسك او سؤاله عن نفسه ففي الحقيقة لا يوجدك صاحبك ولا توجده اذ ليس في الانسان ولا في الكون من ثنائية. وليست الوحدة ان تذوب فيه ويذوب فيك ولا ان تضمحلا في الله لان الله لا يلغي احدا ولكن في الله يتحول الفرد الذي كنته بالاناوية الى الشخص الذي صرته بالصلة. ولذلك ليس في ذروة اللقاء مجتمع ولا امة. هذا ترتيب للدنيا ولا بد منه بسبب من الزمن ومن التاريخ وهذا له شرعيته ففي الاجتماع البشري افراد كما العقار يحده عقار.

اجل لك جسد هنا وانت ابن ابيك وامك ولك ذرية من بعدك وهذا ايضا له سره ولكن كما ان الله لا يحده شيء فأنت ايضا لا يحدك شيء اذا بلغت ذروة الحب والله يراك بلا حد بعدما صرت على شبهه. وهنا يصح قول الكتاب: “الله في مجمع الآلهة” الذين صاروا كيانا بعدما تشبهوا به. وكما ان وحدة الله ليست رقما فأنت الغيت العدد اذا صرت بالمحبة اخا لآخر لانك بت واياه “غير مولودين من لحم ودم ولا من مشيئة جسد بل من الله”.

هذا هو مشروع الرب في خلقه. ولكن هذه كلمات لا يسوغ النطق بها. انت والآخر الذي اقمت معه صلة الهية اصبحتما في المعية كلمة الله وليس للذين هم كذلك بداءة ولا نهاية.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

اللطف / السبت في 17 أيلول 2005

اللطف موقف وقناعة قبل ان يكون خلقاً وسلوكاً. والموقف هو انك مع الآخر في وحدة وجود وهو منحى المشاركة بحيث تقدر على ان تقول هذا لحم من لحمي وعظم من عظمي. هذا من الـ “نحن” الذي أكونه معه فلا يبقى هو هو الا اذا كان هو أنا وصرت أنا اياه بفضل الله علينا جميعاً. وهذا لا يحتاج أبداً الى ان أصنفه دينياً او قومياً فأنت تحبه ولو قبح وجهه أو ساءت سيرته ولا أنت تتوقع منه تجاوب حب أو مرافقة أو انسجام رأي لأن العطاء مجاني كعطاء الله والرب ما سألك عن رأيك لما أحبك وكنت حبيبه قبل ان تولد أي لما كنت فكرة في أزلية وجوده.

غير انك ذو اعصاب وانفعال وتأتيك الصدمات من كل جانب بدءاً من المثقفين ان كنت منهم. فطراوة النفس لا علاقة لها بالعلم كما لا صلة لها بمستوى معاشك الاجتماعي. والذين يريدون سحقك أو تهميشك كثر اذا كنت ذا مواهب والناس لا يحبون ان تسطع الشموس ولا ان يجلس زملاؤهم على عروش المجد اذا المجد لم يتوافر لهم. لذلك امتلأت الارض شتيمة وحقداً وكيداً. الكثيرون الكثيرون “أظلم قلبهم الغبي” (رومية 1 :21). وما قال الرسول: أظلمت عقولهم فقد تكون مشبعة بالمعارف لكن قلبهم جاف. ويدعون الحكمة وليس من حكمة لأن هذه من القلب. انت تعيش في عالم “بلا فهم ولا عهد ولا حنو ولا رضى ولا رحمة” وتبغي ان تكون ايقونة المسيح لأنك أنت لا تأتي منهم وأنت نازل من فوق وتعالج القوم بما تزودته من فوق اذ همك الوحيد ان يسلموا ويصحوا وينموا بالزاد الذي تعطيهم فانهم اعزة على سوئهم لأن ربك أعزهم وجعلهم ابناءه ولو عاقين.

وأنت تعلم ان القلب يحمل كل طاقات الفساد وتعامله بقلبك أنت الذي يحمل جمالات هم غير قادرين على تخيلها اذ حجب الاثم الحق الذي ربما تراءى لهم في اوان الرضى. وانت لا تقتحم نفوسهم الا بالحق الذي نزل عليك واحتضنك. ليس انك لا ترى قباحاتهم ولكنك تحسبها من لوثاتهم التي تدغدغهم ويحسبون انها فيهم مصدر ذكاء.

طبعا هم موقنون انك غبي. لذلك ليس بينكم من تحاور وما من تقدير متبادل. غير انك تسلك طريقك اليهم، هذه التي رسمها الله لك لما اقامك في حنوه وجعلك مصدر حنو اذ يتم الله عمله بأحبائه. الله ايضا يسعى ولا يقهر وينتظر رجوع المارق الى أبد الآباد.

العهد الجديد يقول ان اللطف موهبة من مواهب الروح الإلهي. فاذا انسكب عليك تعامل الناس به ولا تعاملهم بالغضب الذي هو جواب عن غضب الذين لم ينزل عليهم الروح. والغضب يأتي من روح بشرية لم تسلم لله. وانت لا تستطيع ان تواجه الا بالروح الذي أتى عليك، امامك نتوء، لا تكسره بنتوء هو أصلاً ليس فيك. ولهذا كتب: “لا تقاوموا الشر بالشر” لأنه لا يشفي الشر المقابل، المحب يقابل الشرور بما عنده لأنه هو وحده الدواء. وأهل السماء يزرعون السماويات. قد يحصدون وقد لا يحصدون ولكنهم استلموا الزرع الإلهي الذي يبددونه على كل القلوب ناظرين الى من وهبهم وراجين الإصلاح بروح الوداعة.

لفتني منذ بضع من السنين قولة يسوع: “تعلموا مني اني وديع ومتواضع القلب” (متى 29:11). لماذا لم يذكر السيد فضيلة أخرى في نفسه وفضائله كثيرة؟ كان جوابي لنفسي ان حسنة لا تعلو هذه الحسنة فالوداعة والتواضع واحد اذا كان تواضع الانسان ان يحسب نفسه كلاشيء. ويعرف عند ذاك ان وداعة المخلص قد نزلت عليه. لذلك يصبح على مثال المسيح الذي قال عنه الإنجيل: “لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفىء” (متى 19:12 و20). طبعاً الوديع يلوم في أوان اللوم وقد يؤنب غير صارخ ولكنه في كل هذا لا يستعلي أي انه لا يحسب نفسه خيراً من الذي هو يلومه. قال لغاندي اتباعه: “لماذا لا تقاوم العنف وقد طرد يسوع الناصري الصيارفة وباعة الحمام في الهيكل. أجابهم اذا استطعتم ان تكونوا على وداعة المسيح لما استعمل السياط فهذا لكم”.

لك ان تكون شديداً، حاداً ولكن ليس لك ان تكون عنيفاً لان في هذا كسراً للآخر. تكون قد رضضت القصبة أو كسرتها أي تكون محوت الآخر وبقي على شره وانت طبيب لمن لمست فيه سوءاً . فتغض الطرف عن السوء وتؤتي الانسان الشيء دواء لانك تحب نفسه حباً كلياً أيا كان موقفه منك. وأنى للشرير ان يعرف لطف الله ما لم تلطف انت به لكون الصالحين أدوات الله ليكشفوا خصاله وانت لا تبغي ان يعترف بك الأشرار ولكن ان يعترفوا بعطايا الله لهم.

وقد يتهمك الأغبياء بالضعف لظنهم ان اللطف ضعف. هذا شأنهم وانت معهم على الرجاء الى ان يفهموا قوة الرأفة والرأفة مولدة ذلك الحنان الذي به تضم الآخرين الى ربهم علهم يفعلون. وقد يمتحنك الشيطان ويزين لك ان اخلاقك لا تنفع لانها ليست من هذه الدنيا ولكنك اخترت الا تكون انت من هذه الدنيا لانك لا تأتي منها وتعرفها تافهة مع التفهين وفانية بالفانين. غير انك تقوى بهذا الذي كلفك لعلمك انك اليه عائد في كل حين. هم هزلوك ولكنك لست وحدك لانك عشير الله وهذه القلة من محبيه. تعرف انك تنزل السماء على الأرض.

بصبر كبير موصول. هناك من لا يعيش الاّ بالمشاجرة، بالحكم على الغير، بالدينونة، بالتسلط، ليس للطيف حق في تدبير أمره كما يفهم. ينبغي ان يتبنى فهم القساة، الذين يحسبون ان هذا الكوكب الأرضي لا يمشي الا وفق احكامهم.

الى هذا كله اللطف يمارس بالدرجة أولاً مع المساوين لك في المنزلة ومع من كان دونك في الترتيب المجتمعي ذلك ان الذي كان أعظم منك شأنا في الدنيا كثيراً ما يملي عليك. معظم الذين في المقامات العلى يعتبرون ان مناصبهم تعطيهم الحق في كل شيء. هذه اساءة لاستعمال السلطة ولكن من يرد هؤلاء. أما المساوون لك فكثيراً ما لك ان تناقشهم ولكنك لا تنجح دائما بمسعاك. انت تعرف حقيقة لطفك ان مارسته مع ابنائك وبناتك أولاً وجعلتهم لك رفقاء فكر ورفقاء قرار. ولا أتكلم عن زوجتك فإنها مغبونة في كثرة من الاحوال لتفسيرك الذكوري لنصوص دينية في هذا المذهب وذاك.

غير ان انسانيتك يجب الرجوع اليها باستمرار في معاملتك لموظفيك وللخادمة في بيتك اذ ينبغي ان تعلم ان كل هؤلاء بشر وانك مدعو الى ان تترفع عن الإذلال وشر ما فيه انك تحسب ان المال الذي تدفعه للخادم يجعلهم أسراك.

بالصوت الهادىء دائما، بالكلمة لا عدوان فيها، بشعورك ان الآخر دائما يعليك ويطهرك تسير فقط تحت نظر الله والناس ناسان: من يعيشون برؤية الله اياهم فيتكونون وأولئك الذين يتكونون من رؤية البشر اياهم وتعدمهم هذه الرؤية أحيانًا.

واذا كنت فقط في إشراف ربك عليك ولطفك اسر حقيقة لأنك تعترف بحرية الغير وتراه دائماً أقرب الى الرب منك. هذا الإحساس شرط اللطف العظيم.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

عيد ارتفاع الصليب / السبت في 10 أيلول 2005

تاريخيا هو ذكرى لاعادة الامبراطور هرقل صليب المسيح من الفرس الى اورشليم (القدس) وكان الفرس قد اخذوه. لعلها مناسبة ان اطرح اسسا لبعض حوار مع كل الناس. منهم من قال ان القديسة هيلانة ام قسطنطين الملك هي التي عرفت ذلك العود الذي مات عليه المعلم اي ثلاثة قرون بعد حادثة الصلب وتثبت ذلك باعجوبة. لست اعلم ما اذا كانت فرقة تشك في هذا. الاوضح ان ثمة من لا يهمه هذا الامر وذلك في اعتقادي يعود ان مقاربته لسر الايمان تتجاوز المادة كليا. تجسد الكلمة عنده لا يستتبع تعابير في المقدسات. وسيظهر هذا الاختلاف في العبادات. فالمذهب الانجيلي الكلفيني يستخدم صليبا عاريا اي خشبة لا صورة عليها. الكثلكة (مع اللوثيريين) ترسم وتنحت المصلوب على الخشبة والكاثوليك يقبلون المصلوب لكنهم احيانا يستعملون صليبا بلا مصلوب هنا وثمة.

الارثوذكسيون لا يولون اية قيمة لصليب بلا مصلوب لان الصليب عندهم ايقونة فاذا قبلوها يؤمنون بانهم يتحدون روحيا بالمسيح. فالصليب العاري عند من يستعمله هو تذكر لسر الخلاص. اما الذين يتخذونه ايقونة فهو انتقال بالروح والايمان الى من رسم عليه. لذلك كان من الجهل ان يقال ان المسيحيين يعبدون الصليب. وما هو اعمق جهلا ان يصدق اي مطلع على طبيعة المسيحية ان المسيحيين يؤمنون بالاصنام.

مقاربتك للاديان ان تعرف لغة تعبيرها عن نفسها. فما يسميه البعض التجسيم ليس الا لغة فليس احد في العالم بدءا من الهندوسية المؤلفة تماثيلها يعتقد ان للاله جسما هو من طبيعته. المسيحيون يعتقدون ان الكلمة (او الابن) اتخذ جسدا وهذا خاص بالكلمة ولا ينحصر الابن في هذا الجسد بل يبقى مالئا الكون.

اكرر ان القضية قضية لغة. فاذا جثا الارثوذكسي او الكاثوليكي عند الصليب المرسوم انما هو في علاقة عناق مع الابن. في العبادة الارثوذكسية نخاطب الصليب مخاطبتنا لشخص. من الواضح ان كل من تحرك شهريا يفهم هذه اللغة ومعظم عباداتنا كتبناها شعرا يونانيا.

نحن اهل جمال ورأينا ان نسكب عباداتنا في جمال الرسم والموسيقى وان نعبر عن انفسنا كذلك. فالذي علق له عند معموديته صليب اذا كان له ايمان شعبي – فولكلوري فهذا شأنه وعلينا ان نربيه. الارثوذكسي يعرف انه يحمل ايقونة ولا يحمل طلاسم فعملية الحمل عملية صلاة مقولة او غير مقولة. هذه ضريبة الدين انه مسلم لكل العقول وهي تحمل مشاعر كثيرة. فانت قد تصلّب وجهك (اي ترسم اشارة الصليب على صدرك) بصورة آلية (لست متأكدا من ان احدا منا آلي مطلقا) وآخر يصلب وجهه بوعي اكمل ويصلي. والمألوف في العبادة (القداس وما اليه) اننا اذا لفظنا كلمة سجود او كلمة قيامة نقوم بهذه الاشارة. اذاً نحن في عالم المعاني والمعنى يلازمه شكل دائما في دنيا الشعر فأنت لا تلد معنى ثم تلبسه مبناه. هذان يصدران منك معا.

فلنتفق اذاً اولا على اننا لا نعبد صلبانا وانه من طبيعة الاشياء في مجتمعات متحضرة ان نحترم امرأة تزينت بصليب من ذهب اذا آمنت ان لها به علاقة روحية. للناس حق الاختلاف في اية بقعة من المعمورة وليس لدولة اذا تعاملت واهل ديانات اخرى ان تمنعهم من استعمال رموزهم. “لكم دينكم ولي ديني” سورة الكافرون الآية 6، ان عنت شيئا لقارئ عصري التنفس فإنما تعني حرية قول دينه في الطريقة التي يتحسس بها. وعليه ليس من سلطة مخولة ان تملي عليه له ما يلبس وما لا يلبس ولا تمنع امرأة من ارتداء حجاب وهي مؤمنة بانه من مقتضيات شرعها. وما تريده لنفسك ترضاه للآخرين.

ليس الصليب صنما فالصنم يعني حضور الاله فيه وهذا ما لا نؤمن به. وانت تسال الناس عما يؤمنه به وتفهمهم كما يفهمون انفسهم. هذه هي استقامة الحوار. والعبرة في العلم للائمة لا للعامة اذا جنحوا. ففي هذا جاء التنزيل: “وجعلنا منهم ائمة يهدون بأمرنا” (السجدة، الآية 24). في تدقيق المعنى كلامنا في المصلوب وليس في اداة موته. ونحن نؤمن ان نلنا بموته حياة ابدية لانه ما كان موت فناء بل موت قيامة. والمعنى ان المسيح لما مات لم يتسلط عليه الموت لحظة وما فني لحظة وما فسد. واذ ظن اليهود انهم قتلوه كان لحيظة وفاته حيا وقائما من وطأة الموت. وما نسميه قيامته بعد ثلاثة ايام ما هي الا الكشاف للنصر الذي انتصر به هنيهة اسلم الروح. فالكتاب يقول: “مجدني يا ابتِ (اي مجدني بالموت) بالمجد الذي كان لي عندك قبل انشاء العالم” (يوحنا 17 : 5). الفكرة ان البهاء الالهي الذي كان لي أزليا يتحقق في العالم اليوم بذبحي على الخشبة. هذا سر المحبة التي لا يسبر غورها.

نحن نفرح بالصلب لانه مطرح القيامة الحقيقي. ذلك ان آلام المعلم ما كانت الا معراج جسده وروحه البشرية الى الضياء الابدية الذي لازمه دوما واخفاه بسبب من التجسد.

قال لي مرة واحد من ائمة المسلمين كان صديقا عليّ واداً ومودوداً: “ديانتكم ديانة مأساة”. أجبته: “اذا عربت بكلمة مأساة التراجيديا اليونانية فنحن لسنا كذلك لان الفكر الاغريقي يجعل الانسان الذي في الضيق بلا مخرج تماما كما يراه جان بول سارتر سجين قاعة مغلقة من كل النواحي. نحن نخرج بقيامة المسيح”.

نحن لا نعذب انفسنا لنتشبه بعذابات المسيح ولا نسر بالمرض يفتك بنا بدليل ان المسيح قضى مساره على الارض بشفاء الاسقام وبدليل اننا نخصص صلوات وسرا ندعوه مسحة المرضى التماسا لشفائهم. نحن ديانة الفرح مع كوننا ديانة صبر. والالم موجود في الكون وهو ينشأ من وضعنا الكوني اما الملكوت حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد فموضع بهجة لا تنقطع.

لهذا يقول بولس: “افرحوا في الرب كل حين واقول ايضا افرحوا” (فيليبي 4:4) وزيادة في التدقيق احصيت كل كلمات الكتاب المقدس التي هي من جذر فرح، يفرح فكانت 313 كلمة. الكنيسة التي تأمر بشهادة الدم لا تسر بعذاب الشهداء ولم يمر جيل في هذا البلد او ذاك لم نضطهد (بفتح الهاء) به لا نتفرج نحن على عذاب لهم لا يوصف ولكننا نتعزى بايمانهم بقيامة يسوع وتاليا بقيامتهم. اما اذا انوجد عند المشغوفين بالالم استلذاذ بالالم فهذا شأنهم ولكن ليس هذا ما يقوله الائمة عندنا. ليس صحيحا على الاطلاق عندنا ان الاوجاع كعارة لمن عاناها. قد تكون فرصة للمؤمن الكبير ان يصبر اي ان يفرح بعزاء الرب. اذا صرت بآلامك قياميا اي اذا آلت عندك الى مطرح فصحي فانت تعرف بها القيامة الاولى كما يسميها غريغوريوس بالاماس.

لذلك نقول مع يوحنا الذهبي الفم: “قام المسيح وليس من ميت في القبور”. وعلى هذا نقيم الى جانب العيد الكبير وتهليلاته التي تدوم اربعين يوما بعد العيد، نقيم كل احد عيدا للقيامة. لذلك كان المسيحيون الاوائل يلبسون ثيابا بيضا عند موت عزيز.

فاذا حملنا صليبا في اعناقنا نكون ملازمين الحياة العليا التي لنا بالمخلص. عيد ارتفاع الصليب ان هو الى دعوة الى الحياة الجديدة في المسيح وفي اختبارنا انها ممكنة ههنا الى ان يقيم الرب اجسادنا في اليوم الاخير بالروح القدس حيث “ننتقل من مجد الى مجد” لنسير في الله.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الكرم / السبت 3 أيلول 2005

أراد راهب ان يرسم أيقونة الدينونة وفيها صف علوي للمسيح والقديسين وصف سفلي فيه الخطأة. فيها السماء وفيها النار. وكان هذا الراهب سمع بامرأة داعرة كريمة اليد جداً فأراد رسمها فلم يستطع أن يجعلها في السماء كما لم يقتنع ان يضعها في الجحيم بسبب من فضيلتها فوجد لها منزلة بين المنزلتين.

وإذا أردنا التعريف بالكريم لقلنا انه ذاك الذي لا ينفد عطاؤه أو الذي ألفته عطاؤه وكأنه لا يشتهي الأخذ أو كأنه لا يحب قبض مال الاّ بغية توزيعه. وجهه الى الآخرين وفرحه بفرحهم وكأنه يغتذي من بهجتهم إذا ما أخذوا فكان لهم بعض رزق لهم ولعيالهم وكان لهم فوق كل شيء ان أحد الناس أحبهم فأشركهم بما كان عنده فازدادت كرامتهم من حيث ان أحدا أحبهم ويكون أحياناً قد تجرد كثيرًا حتى لا يتألموا كثيراً.

قلت يكون قد تجرد كثيراً وهاكم قصة. في مطلع الخمسينات في ميناء طرابلس رغبت الشبيبة الأرثوذكسية ان تبني لها بيتاً يكون منتدى للاجتماعات الروحية فجابوا أزقة المدينة ليدخلوا على المحسنين فسمعوا امرأة من خلفهم تناديهم فعادوا اليها وعاتبتهم لأنهم لم يمروا بها فاعتذروا وقالوا نعرف أنك أرملة وفي ضائقة. قالت أريد أن أساهم فتبرعت بستمئة ليرة لبنانية وما كانت تملك إلا هذا المبلغ أي انها ما كانت تعرف ماذا أو كيف تأكل في الغد.

التعريف المقبول للكرم انك تعطي مما فاض منك. مثل هذه المرأة ان ليس للكرم من تعريف. انت كريم لأنك تحب. أو الحب يقاس. والأساسي في ما تعطي ان وجه من تعطي أو لونه أو دينه لا يهمك وأنك ترفض ان يعبر لك عن عرفان خشية ان يكون وقع في شعور دوني وانت الى تضميده ولست الى استعلاء لأنك فقير الى الله ولا تحس انك مالك لما بين يديك وانك فقط جسر الى الآخر. غير ان المال مجرد رمز تقول به انك محب كما الله محب وترى نفسك مؤتمنا على مال الله وليس ما يشير في كتبنا الى ان ما حصلته هو لك وان قضى التكليف الإلهي ان تطعم أولادك والمحتاجين من عائلتك فإن القربى كانت التفويض السماوي. وبعد هذا فالناس كلهم عيال الله.

ومن هذه الزاوية ما من كريم الا من أحس انه فقير الى الله الكريم وحده بالمطلق وانك أنت خادمه فلا مطمع لك بالدنيا ولا ان يقال عنك حسناً ولا شيء أحب اليك من ان تعبر دنياك غير معروف طامعاً بأن يعرفك الله وحده اذ لا تسعى الى أن يكافئك أحد. لذلك لا ترضى أن يُحفَر اسمُكَ  على معبد أو مؤسسة خيرية اذ تكون قد كوفئت في هذا العالم وما سجل الله لك ذلك في سفر الحياة. المجهولية التامة شرط العطاء ولو لم تستطع ان تكم أفواه الناطقين بالشكر. ولكنك لا تفرح بهذا ولا تنتفخ لئلا تهتك المروءة.

ان تكلمت عن إحسانك يضيع ويسقط في ذاكرة الله ولا يحفظه لك اذ تكون قد استكبرت. في العطاء. علاقتك هي فقط مع الله ولا صلة لك بمن أعطيته شيئاً ولو شكر في داخله. عطاؤك غالباً ما أنشأ صلة بينه وبين الله.

صلة المعطي الحصرية مع الله عطلتها مفردات مثل إحسان وصدقة وما إليهما وهي واردة في الإنجيل لأنها من الكلمات الشائعة والسيد كلم الناس ليفهموه ولكنها كلمات مضللة إذ تتضمن ان المال الذي تعطيه انت مالكه واذا ما أعطيته يصبح ملكا لآخر. هل المحبة نقل ملك من يد الى يد أم هي فقط احراق القلب الإلهي لقلبنا وضرب كل أنانية فيه ليحترق قلب آخر (لا بقلبنا) ولكن بالحب الإلهي.

أنت لست مالكاً شيئاً لتخسره. انت مستودع النعمة الإلهية فاذا أعطيت مادة تخفي هذه تحرك عطف الله عليك وعلى ذاك الذي أكرمته فرضي ان يأخذ شكراً لله اذ عليك أن تمنعه من ان يشكرك فقد أمرنا باسيليوس الكبير أن نُسكت مادحينا اذا ما مدحوا.

أنت في العطاء تقرض الله كما يقول الكتاب اذ كثيراً ما يعود المال اليك بالحنان الإلهي وذلك ليس لملذاتك ولكن ليستمر العطاء. وكثيراً ما لا تعرف كيف يعود. ولكن ما أمسى ثابتاً عندي ان الله يرزق وهذا ما لم أكن أؤمن به في شبابي. كنت أحسب ان الرب خارج لعبة المال حتى جاءني رجل وقال ان زوجتي ستجرى لها عملية القلب المفتوح وهي تحتاج الى صمام. سألته عن ثمنه. قال ثمانون ألف ليرة (وكانت على شيء من القوة آنذاك). قلت ليس عندي هذا المبلغ وانصرف. بعد قليل أردت أن أهتف الى معاونتي ففتحت باب البهو الذي يفصل مكتبي عن الباب الخارجي. رأيت هذا الرجل جالساً عند الباب. قلت ما بالك لا تزال هنا؟ قال أريد الصمام. قلت له اني لمعطيك اياه. قال كيف وليس لديك المال؟  قلت منذ دقيقتين أي بعدما تركتني خاطبني رجل من بيروت قائلاً: يا سيدنا أنا مرسل اليك مبلغ ثمانين ألف ليرة (أي المبلغ عينه الذي طلبه الرجل) اذذاك آمنت انك ان اعطيت يعوض الله ليس ليزداد حجم مقتناك ولكن لتستمر على العطاء.

ما تملكه يأسرك. ما تعطيه يحررك. كان صديق لي كبير ثرياً عائشاً في سويسرا وأعماله على صعيد عالمي. عظيم التواضع على هذا الثراء. قال لي مرة: كلما دخلني مبلغ كبير من المال أبذل منه الكثير لئلا أتعلق به. المشكلة ليست في المال ولكن في تداولك اياه. المشكلة في قلبك.

عمق التأمل في فضيلة الكرم لا تبلغه ما لم يتضح لك موقف آبائنا من الملكية. هذه تبدو مقدسة عند الجميع غير ان هذا موروث من الشرع الروماني واقتبسته كل قوانين العالم. وهذا لا بد منه بسبب من قيام الدولة. قدسية الملكية الفردية تبدأ ليحمي الانسان من السرقة ومن تعسف الدولة المعروفة بدولة الحق. نحن، مواطنين، نراعي هذا وان كنا روحانيين، لا نؤمن بالملكية الفردية. فأنت لك ما لك على أساس أرث ورثته من ذويك وكثيراً ما ورد ذويك أو جدودك بصورة غير شرعية. من أين للارث قدسية؟

نحن المسيحيين الآتين من القرون الأربعة الأولى نقول: “للرب الأرض بكمالها، الدنيا وكل الساكنين فيها”. ثم نلحظ ان املاك جاءت كما جاءت وليس علينا ان نناقش مصدرها فلا نباركها ولا نلعنها. واجبك انت يبدأ من اللحظة. يقول تراثنا ان الملك هو لكل الناس وان ظروفاً تاريخية جعلته بين يدي هذا ويدي ذاك. لكن هذا الواقع لا يجعلك أكثر من وكيل الله على هذا الملك وتتصرف به بتقشف لمصلحتك ومصلحة عائلتك بلا إتلاف ولا بذخ ولا بطر ولا انتفاخ وتتصرف به لصالح المحتاجين وهم في كرامتهم.

على ضوء هذا يقول باسيليوس الكبير إن الأحذية والأثواب الكثيرة التي عندك انت سارقها لأنها تخص الفقير الذي ليس له شيء منها ثم يقول: اذا قلت هذه الأرض لي فتشبه من اذا كان أول الواصلين الى مسرح يقول: هذه المقاعد كلها لي. فمن الواضح، شرقاً أو غرباً، في القرون الأولى ان المسيحية علمت بأن عطاءنا للفقير واجب وان ما فاض على حاجاتك حق له.

غير ان الكنيسة لا تحرك الناس بالزجر والاستبداد. تحركهم بالدعوة، بالتقوى اذ لسنا نظاماً سياسياً أو ترتيباً قانونياً . ولكني لا أرى عمق الكرم عند امرىء إلاً  إذا أحس انه يعطي الفقير ما كان حقاً له ولكنه مودع في خزانة عند سواه. الكرم تحرك في القلب قوامه ان تقطع كل صلة شعورية مع الغنى الذي بين يديك وان تهدم الغنى كقيمة وان يحرك فقط محبة الله ومحبة القريب فتكتسب عقلية المشاركة. انت تبذل مالاً وفق ما قال المزمور: “بدد، أعطى المساكين فيدوم بره الى الأبد” لترى نفسك عارياً حافياً  أمام الله لأنك ستمثل هكذا في حضرته في اليوم الأخير.

أهمية الكرم اذا تكلمنا لاهوتياً انك به تتشبه بالله كثيراً لأنه المعطاء المطلق. والله حر مطلقاً . وانت تصير على شيء من هذا ان فتحت قلبك للإخوة المحتاجين وأحببتهم كما الله يحبهم. هكذا يرقون الى ربهم بكثير من الحنان.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

مهداة إلى أمين معلوف / السبت في 27 آب 2005

الهوية ان هي الشيء الذي تؤمن انك اليه تنتمي. ما اهمية هذا الهاجس ان عرفت ان الله يقرأك؟ في الكتاب العزيز يقول: “سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا” والمعنى اني سأنظر اليكم واذا رأيتكم تكونون، اي انكم لستم شيئا قبل هذه الرؤية. وتقرأكم محبتي لابيكم ابرهيم. وابرهيم اول من سار الى الله. وقيل انه ذهب الى ارض الموعد. ولكن كل ارض تافهة او ليس من ارض الا اذا صارت سماء. لقد ذهب الى موعد مع الهه واجلي شعبه المرة تلو المرة لكي يلقى ربه في ارض غريبة. الهجرة هي الطريق الى وجه البارئ – الفادي وكل الوجوه محطات وليس لها تكوين الا اذا ارتسم عليها نور وجهه.

واذا فهم القوم انهم شوهدوا عند ذاك يصيرون شعبا له لانهم قبل ذلك كانوا بعثرة اجساد. وعندما كان الشعب اجسادا قال الرب لهوشع:”سمه ليس بشعبي، فانكم لستم بشعبي وانا لا اكون لكم الها”. ثم يقول: “وسيكون في المكان الذي قيل لهم “لستم بشعبي” انه يقال فيه: “ابناء الله الحي”. فالقضية اولا ان يراك الله برحمته فتكون ثم ان تعرف انك مرحوم فيثبت كيانك. وخارج التقاء عينيه بعينيك لست بشيء.

الا ان اهل الارض اصطنعوا لانفسهم هويات ليعرفوا انفسهم من اهل الارض. ولكنهم ينسون انهم جبلوا من تراب واذا لم يتحركوا بروح الله الذي القي عليهم يظلون من تراب. انهم يحبون ان يلزموا الارض ولهم منها اشياء. اول ما فيها العائلة وتعني ان رجلا اتخذ امرأة بعقد او لا يكون لك نسب لان من انجبك لم يوقع كتاب العقد. واذا اعتبرنا انك ثمرة هذا التلقيح فقد تكون اعظم من ابيك ومن امك وقد تتجاوز كل التهيؤ الجيني الذي وضعاه فيك ويذهب عقلك الوضاء وقلبك المستنير الى ابعد من المجرات وما هو اعمق من التاريخ. بالله عليك لا تنتسب. غير ان ثمة دولة وهي في حاجة الى قيود من اجل موانع الزواج ومن اجل ضبط احواله ومن اجل الميراث وشروطه وربما من اجل الامن.

واذا نظرت الى الاخوال والاعمام ومن اليهم فقد لا تكون لك بهم صلة ولو نفعت الصلة لنمو عاطفتك في احايين. ولكن من هم اذا لم تقم بينك وبينهم رابطة قلوب؟ ولا مانع عندي ان تربي روحك على ذلك اذا رمت بعضا من انتعاش. غير انك في بعض من أحيان تكون اسيرا لهذه الروابط، حادا في التناصر حتى لتشعر انكم كيان ولا تريد ان تفهم ان منافع الدنيا وحدها تقضي بتلاحم يصنعه الخيال وما هو بقائم الا للغلبة او بسبب من الخوف والافتخار. وتجد في هذه العائلة الواسعة كيانا وليس من كيان ما لم يكن هناك نفوذ او مال او سلطة اي اشياء من هذه الترابية التي وصلت اليك من آدم قبل ان يفتديه ربه بالحب.

الى هذا انتماؤك الى جماعة دينية. طبعا هذا ليس من الارض. لذلك يستوقفنا. غير ان في الامر لبسا اذ قد تكون اصلا محبا لله وتكون، اذ ذاك، صعدت بقومك اليه فهذا انتماء اليه. لكن الجماعة الدينية تتحرك بالايمان وما فيه من طاعات او تجمد بجهلها وخطاياها. هل المولودون على المسيحية يحيون بالمسيح؟ هل كل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ لذلك لا يعني لي شيئا تناصر المسيحي والمسيحي في هذه الدنيا اذا تناصرا خارج المسيح. المسيحيون ليسوا قوما. انهم نوعية او لون او بهاء. غير ان هناك مقتضيات الانتخابات وما اليها وهذا كله ترابية آدم. لذلك كانت امة الله تلك التي الله عارفها وهي ليست مسجلة في دفاترنا. هذا ولست بقائل انه لا ينبغي عليك ان ترعى المعتبر انه اخوك وان ترده الى وجه ربه وان تنتظم الجماعة على قدر النعمة في العقل الالهي. غير ان الجماعة التي قيدها الله على اسمه مؤلفة من الذين عشقوه. الى هذه تحاول انت ان تنتمي وقيود دوائر النفوس ليست منسوخة في السماء.

انا ليس عندي اعتراض على سعيك الى اطمئنانات: الحي، المدينة، او القرية، غابة نخيل لهذا ولذاك غابة صنوبر، البحر وما يؤنس. وانا آخر من قال ان المدن متساوية السحر. غير ان هذه بعض من جسدك ولا ينمو ذوقك الا بها. وبها تنتمي الى نفسك واحيانا يأخذك الله بها اليه. ولكونها منك هي تنتمي اليك والى من ذاقها معك وهي حلاوة من حلاوات الوطن الذي جاءك اليه ذووك وارجو ان يكون موطن الله او يشتهيه بعض كذلك.

والوطن صنيعة التاريخ وليس هو سجلا في عقل الله وليس الله ضامنه الى الابد غير انه فوض اليك الحفاظ عليه من أجل خيرك وخيرك في الارض ينبت بين حدوده وينشىء الساكنين بينها اذا سعوا بالجد بعضهم الى بعض، والوطن فرصتك المباشرة والاولى للخير. وانت تنتمي اليه بالخدمة ثم بما يعطيك وتتواصل وكل أبنائه في سبيل هناءة عيشهم وذلك في المشاركة. هويتك الوطنية ليست تلك التي تتقبلها بقدر ما هي انتباهك الى شعبك ومحبته أي انها في حال النمو.

غير ان في الاوطان خرافة كثيرة هي صنع الشعراء الذين يصنعون صورة البلد وهي ليست حقيقية ويدخلوننا في الغرور وهذا ما يصنع الايديولوجية التي ينتفخ بها الناس ليعوضوا بصورة الماضي المصنوع ما فاتهم من تحصيل الحاضر. أجل الشعوب المتخلفة في حاجة الى شعر قومي. تضعه لانها جائعة. انا لا أمنع عن أحد العواطف ولا ان يتغنى قليلا بجمالات لبنان على ان يصنع لبنان في الواقع الساحق. أنا لا أعرف شعبا يمدح بلده مثل شعبنا. نحن ننتمي اذا الى الصورة الشعرية التي ورثناها من شعراء الفصحى اومن شعراء الزجل. فالى اي شيء ننتمي؟ هل الى لبنان الحقيقي أم الى لبنان المصنوع؟ وافرضوا اننا انشأنا يوما بلدا عظيما. أنا متأكد عند ذاك من ان اهتمامنا بهويتنا يضعف وان التغني يتضاءل. انت تشتهي ما لست حاصلا عليه. ولكوننا بلدا صغيرا ومشتهى وضعيف الزخم في الانتاج يتضخم شعورنا بالانتساب.

الهوية اللبنانية تعني في أدنى حد الاخلاص للوطن والعمل من أجله. والاخلاص هنا حصري بمعنى ان ليس لك ولا لبلد آخر. وهذا لا يناقض شعورك بالانتماء الثقافي الى العالم العربي وارادة التعاون الكبير مع الشعوب العربية على ان تعتبر لبنان وطنا نهائيا. عندك تاليا هويتان ليستا على مستوى واحد ولا مضمونهما واحد. فكما لا يتناقض انتماؤك الى العائلة وانتماؤك الى مدينتك والى الوطن من حيث هو كل لا يتناقض من حيث المبدأ هويتك اللبنانية وهويتك العربية بمقدار ما يقبل العرب هذه الثنائية.

الا ان اللبنانية نفسها تفسح في المجال لرومنسية تاريخية تدعو الى القول بفرادة لبنان وانه سليل ستة آلاف سنة من الحضارة كما تفسح في المجال لرؤية أكثر واقعية وأمتن عملا. وفي هذا تختلف الشعوب. فالفرنسيون والروس واليونانيون والالمان يعيشون في غنائية كبيرة ويتشدقون كل بتاريخه وحضارته الخاصة في حين ان الاميركيين ليس عندهم شيء من هذه الرومنسية وليست عندهم قومية واحدة فمنهم الى هذا اليوم الايرلنديون والايطاليون والانكلوسكسون وولاؤهم لوحدة لهم مشتهاة وللدولة.

أما نحن فعلينا ان نصنع هويتنا من العمل، من النشاط الاقتصادي والمجتمعي والثقافي وان نزدهر على كل صعيد. واذا بلغنا مستوى من الازدهار عاليا تأتي هويتنا معبرة عن هذا الازدهار. ولذا كان البحث في الهوية ثانويا للعمل يلهينا عن النشاط الحقيقي.

والشعور بالانتماء يقوى على قدر التخلف او المقهورية. فلماذا لا تجد جدلا حول الهوية في انكلترا وتجد تأكيدها في بعض من بلدان اوروبا الوسطى والشرقية. ذلك لأن هذه البلدان تحررت حديثا بعد سقوط الشيوعية وهي تسعى الى تثبيت ذاتها، وفي وضعنا الاقليمي المتدهور انت لا تثبت انتماءك اللبناني ما لم تقو هذا الوطن الان بصورة لم يسبق لها مثيل.

أنا واثق من ان الجدل في قومية لبنان القائم من نهاية الحرب العالمية الاولى والذي تشدد بظهور ايديولوجيات قومية منذ مطلع ثلاثينات القرن الماضي كان هدرا من الوقت والطاقات. من نحن وما هي جذورنا التاريخية لم يطعمنا من جوع ولم يدفعنا الى الانتاج. الانتاج وحده من شأنه ان يجعل المبحث في الهوية غير ذي نفع او غير ذي نفع كبير. من انا بالنسبة الى التاريخ والى حضاراتنا السابقة نقاش يضمحل اذا أكد شعبي نفسه بالعطاء الكبير. انا عطائي.

العائلية في المدن بعامة وفي القرى بخاصة هدمتنا تهديما كبيرا?. التفاخر بالطائفة وماضيها وانجازاتها الحاضرة وتاليا وقوفها ازاء الطوائف الاخرى كان ولا يزال فيه تبديد طاقات كبيرة. الرؤية الى واقع البلد من اجل التغيير والنهوض هذا هو الموقف المنقذ.
ليس الخلاص في القول بأن لكل منا هويات متكاملة إذا تصادمت تصير قتالة. انا أقول ان هاجس الهوية لا يطعمك خبزا ولا يهبك حيرة ولا يشجع مساهمتك في بناء الحياة الجديدة. كن ما يجب ان تكون وعمّر البلد واحفظ عائلتك واطرح عنك العائلية. ولا تهتم لطائفتك وحدها سياسيا بل اهتم بالطوائف كلها في الوحدة الوطنية. عند ذلك ينبلج في نفسك وبين يديك نور الصباح.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الكنيسة والانبياء / السبت 20 آب 2005

كان يروج في الاوساط المحافظة انك لا تستطيع ان تقول ان الكنيسة خاطئة لان الكتاب المقدس ودستور الايمان يقولان انها مقدسة. وهي كذلك لان رأسها المسيح يقدسها. غير ان الآباء الاقدمين ولا سيما منهم السريان نعتوها بزانية اذا خانت عريسها المسيح.

ان هؤلاء رأوا اليها من منظورها التاريخي المجتمعي وليس من كون رأسها يحفظها بنعمته. صعوبة الكلام على أخطائها في الزمان – وليس فقط على أخطاء أعضائها – يجعلنا نؤكد انها دوما مقدسة وانها – من حيث هي جسم – قادرة على السقوط. من هذه الزاوية اجترأ البابا الراحل يوحنا بولس الثاني ان يعتذر عنها لا أن يعتذر فقط عن معاصي قادة سبقوه وكان في ذلك غاية في التواضع. أظن اننا في مرحلة تواضع هو شرط التحاور مع الآخرين. أجل هي جسد المسيح ولكنها كذلك بسبب من القرابين التي تنشئها وتحييها: غير ان البهاء الذي هي عليه لا يجعلنا نغض الطرف عن كونها جسما سوسيولوجيا تعبره الازمنة الرديئة. هي ما ينظر (بضم الياء) وما لا ينظر، هذا الجانب القدسي فيها، سماويتها يجعلانك تعيش فيها ومنها وبها. أما الجانب الذي يهترىء فيها فيجعلها – من حيث هي جسم – قائم في المكان والزمان قابلة للنقد فلا يسعك ان تختبىء كالنعامة لتقول ان ما أشاهده من السقوط ليس منها.

هناك حقبات تاريخية يزداد فيها التلألؤ وهناك حقبات تتكشف فيها العتمات. هناك التقلب بين الظلمة والنور، يبن ما ينزل عليك من الله وما تقع فيه من أوحال. هذا كله في كيان واحد فلا تكفر أنت بالهيتها ولكنك لا تتعامى عن هذه البشرية المهترئة التي تبدو لك.

انت لا تقدر على ان تتنفس خارج الكنيسة. لا حياة لك بلا هذه العظائم التي كونتها خلال الدهور اذ تجيء من القديسين ولا لقاء لك والسيد اذا لم تسبح بكل كلمات الذهب المتراكمة منذ الفي سنة. لا وجود لك بلا هذه العبادات الخلابة والفكر المتأجج الذي يجعلك ترى جمالات الرب. الذي لم يذق هذه الخلابة يقول أحيانا أنا أحيا وحدي، انا أصلي وحدي. ليس من انسان وحده اذ هذا الجاهل او المتجاهل لا يعرف انه يصلي على انفراد إلا لكونه ابن هذا الكتاب وان دمه من دماء الشهداء وانه يعجز عن ان يتمتم اية كلمة لو لم يكن بولس وصحبه واغناطيوس والذهبي الفم وكل الذين خطفهم يسوع الناصري. لم يولد أحد في صحراء فاننا جميعا شربنا من هذا الماء الحي. فمن ظن نفسه خارجا قد يكون من الداخل وأحياناً من ظن نفسه من الداخل هو خارجاً حقاً.

ليس السقوط محصوراً بالمسؤولين ولكن بسبب من السلطان الذي أعطي لهم من الله وممارسته في الجماعة وتوليهم المال والاوقاف وامساكهم بالقرار واساءتهم الممكنة للسلطة يتفشى فسادهم وتبدو الكنيسة قبيحة بهم. وما من شك عندي ان خطايا الكنيسة كانت تاريخيا خطاياهم. هم الذين يؤرخ لهم. واذا تتبعت التاريخ المسيحي فالى جمالات القديسين حكايا انقسامات وأحقاد ولم يحصل انشقاق بلا كيد واستكبار شخصي أو استعلاء كرسي على كرسي.

الكنيسة كشريحة اجتماعية فيها كل الخطايا التي لك ان تتصورها. لذلك رآها كتاب الراعي لهرماس انها عجوز تلبس أطماراً كما رآها من ناحية اخرى عروساً بهية. الكنيسة فيها قهر كبير وظلم كبير يختفيان وراء قدسية السلطة. عندك اليوم صور مهذبة للاقصاء المهذب لعناصر قد لا تكون دون سواها علماً وتقوى. كل ذي سلطان يتربص التعسف به.

المشكلة ان المطران بشر ويشتبه عليه كلامه وليس عندك معيار لتعرف ما اذا جاء هذا الكلام من الله أم من شهوات هذا الرجل، من جنوحه الى الاستبداد، من مزاجيته. هو وحده اذا تطهر وتاب وأعرض عن شغفه بالدنيا وبنفسه يستطيع ان يقترب من مشيئة الله لينقلها اليك. هذا يتطلب استعفافاً كبيراً وزهداً بالسلطة. فالمفروض ان يمارسها شاعراً بأنه مؤتمن عليها ائتماناً وانه حر من الانفعال ومستعد ليقوم اعوجاج نفسه. عندما يقول بولس عن الرسل انهم «وكلاء اسرار الله» يريد ان ليس لهم كلمة منهم لكونهم استودعوا كلمة الله يفصلونها باستقامة وبلا محاباة للوجوه.

مفروض في الاول بين قومه ان يطلب من الله الحكمة ليتصرف في ظرف محدد بما هو صالح للبنيان. هو يأمر وينهي حسب متطلبات الكلمة ومنفعة الانسان الذي جاء اليه طلبا لنصيحة أو خدمة. يأمر وينهي بما يجعل الناس احسن وأقرب الى معرفة الله. هو مجرد جسر لله.

وإذا كان لا بد من موقف في هذا الوضع او ذاك فيقول ما يقوله كتابه اي ان يستمع الى «ما دفع مرة واحدة الى القديسين» ويترجمه. قد يكون له في الكلام تعابير تصل الى حد الابداع ولكنها كلها من التراث ومن كانوا على التراث أقرب اليه واحب. لذلك لا يصنف احدا ولا يحسب احدا على أحد فيحجبه او ينفيه او يسكته بلا مسوغ اذ لا يتحزب لاشخاص او فئة لكونه حرا من الجميع، خادما للكل، ومثل معلمه غاسل ارجل، غير مقيم على احد خطيئته.

منذ فترة قريبة قرأت لافتة على الشارع العام في قريتي تتضمن دعاء وضعه مؤمنون قالوا فيه انهم يطلبون الى الله «كهنة قديسين». قلت في نفسي ان هؤلاء الاخوة انما تاقوا بسبب صدمات الى ظهور رعاة طاهرين. ويقيني ان ابن الرعية يغفر لراعيه جهلا للاهوت ولا يغفر له نقيصة جارحة.

مشكلتنا ان الكنيسة تقوم على ادارة وتنظيم قانوني ومشكلة المشاكل هي في السلطة اذ الكثيرون يفيدون منها وينتفخون بها ويسيطرون ولا يقدرون الاذى الحاصل من كونهم يتولون الشأن الالهي في زخم شهواتهم وليس طاعة للرب. الكنيسة في واقعها التاريخي مدى يجلس فيه المسيح الدجال كما يقول الكتاب العزيز والمسيح الدجال حسب تفسير كبارنا ليس شخصا محددا بالضرورة ولكنه ظاهرة الدجل.

اذكر عندما اسسنا حركة الشبيبة الارثوذكسية من 62 سنة ان بعض شيوخنا قالوا لنا: من انتم لتعلمونا. وكان الجواب المضمر وغير المقول بسبب التهذيب: من انتم حتى لا تتعلموا. وأتوقع ان يقول لي قارئي اليوم: من خولك حق وصف قيادة كنسية انت منها. جوابي المقول هذه المرة: انا واعظ لأني موعوظ. ومن قال لك يا صاحبي اني لا اوجه اللوم الى نفسي اذا وجهته الى الكنيسة جمعاء. فانا مدقق في امورك وامور نفسي ولا اطيق هدر الطاقات عندما اهدرها انا وتهدرها انت ورجائي ان تعذر وجعي لئلا اذهب انا واياك الى الموت او نقوم منه اليوم لحياة جديدة. الكنيسة ليست ملك احد لأسكت عن تمزيقها.

وعندما اشاهد هذا التلف الكبير لا استطيع ان امنع نفسي من الاعتقاد ان الروح القدس هو الذي قاد كنيسته جيلا بعد جيل. انه استعان بأدوات بشرية خانت من البدء او تعلمت الخيانة بعد مراس. ان تكون هناك نيات حسنة ليس همي. الله فاحص القلوب والكلى بعدل. ولكني احزن للأذى الشديد الذي اصاب البشرية جيلا بعد جيل من الذين كانوا محسوبين نورا للعالم.

ماذا انتظر من كنيسة اليوم؟ انتظر ان يجددها عريسها الالهي بأعجوبة وقد جددها من وقت الى آخر بواسطة الانقياء ودائما كانوا قلة. والحاذقون يهمشون القلة لئلا يميتها توبيخهم الصامت. كيف عبرت الكنيسة صحراء العاطفة وكيف لم تختنق؟ كيف طرحت الثياب الرثة عنها وطلبت الى السيد ان يرمي عليها ثوب العرس؟ كيف مزقت ثوب العرس وعادت عارية كالزانية؟

من يهمس في آذان الطاهرين ليجهروا بالحق ولسان حالهم ما قاله يسوع امام بيلاطس «جئت اشهد للحق». «اللهم اشهد اني بلغت» وليمت بالشهادة من يموت ويحي من يحيا. «تعال ايها الرب يسوع» فالاغصان جفت لان الناس اعداء النسغ. واذا ارسلت انبياءك – وعهدك الجديد يذكرهم – فسيقتلهم الباغي ولكننا نعيش من دم الشهداء وكل ما عدا هذا الدم تندر.

هلا انزلت كلمتك من جديد حتى لا يستشري سرطان النفاق ولا يتحول وجودنا مسرحية! هل تستطيع الدنيا ان تسير مسيرتها وكأنك لم تحل فيها. نحن نعرف من صلبك آنذاك. وانت تعرف من يصلبك اليوم. انت تتدبر شؤونك كما تعلم وحتى يوم التجدد العظيم لا تطلب انت منا الا نتوجع. لا تطلب منا الا نصرخ.

انت لا تريد ان نطمئن الناس بالكذب. لا تبغي منا ان نفعل اقل ما فعلت انت في الهيكل لما طردت منه الصيارفة وباعة الحمام. لا تقبل انت ان تريد لهيكلك غير النصوع. اما قلت مرة بواسطة احد انبيائك: «روح افواهنا مسيح الرب؟». سوف نصرخ ونبح ويتهلل الكثيرون لبحتنا حتى يصموا آذانهم ولكن في صمتنا نبقى لك شهودا.

قبل ذلك قد لا تكون «سماء جديدة وارض جديدة» لقد الفنا القحوط وتعلمنا من الجفاف الكثير. غير ان رجاءنا ان مياها غزيرة قد تنفجر في البادية حتى تسقي الازاهير القليلة التي تكون انت وحدك قد غرستها. وحتى تتفجر الينابيع نصلي ونغفر.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت في 13 آب 2005

في الشرق الارثوذكسي ليس من عقيدة تتعلق بمريم. فاذا سميت والدة الله في المجمع المسكوني الثالث، مجمع افسس 431، فهذا ليس قولا فيها مباشرا. انه قول في ما نسميه تبادل الخواص اللاهوتية والخواص الناسوتية في شخص المسيح. واذا نعتها بالدائمة البتولية نعتا في سياق حديث عنها في المجمع الخامس 553 فان هذا الا من باب تأكيد ما كان فيه التقليد متواترا. الشرقيون لاهوتيون اي يتكلمون على الله وحده ولا يأتون بكلام عقدي عن القديسين مهما سما أمرهم. لكن بهاء الله يسطع عليهم او انت تضمهم الى هذا البهاء في تقواك باعتبار ان كلمة الله يحويهم او يمتد اليهم او هم ملصقون به وليس لهم وجود مستقل قد يدفع مشاعر التقوى فيك الى ان تعتبرهم انصاف آلهة مع كونهم بشرا سويا.

المسيحي الذي يأتي من التراث الشرقي وحده لا يحس انه “يتعبد” لمريم اذا كان الفعل الثلاثي عبد، يعبد. انه يكرم ويأخذ القديسين في دربه الى المسيح وذلك في عبارات من العبادات مركزها الوحيد الله او مسيحه. لذلك لا خطر في الطقوسيات البيزنطية ان ترى مريم منعزلة عن سيدها ومحصورة فيها فضائلها. لا معنى عندنا لعبارات شعبية تجعلك تستعطي مريم في كل حين ناسيا انها مضمومة الى ابنها في مجده اذ ليس لها مجد من ذاتها ولا يسوغ لك ان تنظر اليها على انها تدوس بقوتها الحية. فالمرأة التي تحمل الطفل في البرية ويطاردها التنين ليست هي مريم. انها الكنيسة التي صورها كاتب سفر الرؤيا (الاصحاح 12) بصورة مريمية اذ العذراء الدائمة امامنا هي كنيسة الله.

في تتبعي لكل تراثنا الطقوسي يدفعك التعبير الى ان تظن اننا نخلص بواسطة القديسين. هذا غلط. نقولها ولكن قصدنا ان الذين ارتفعوا الى الملكوت واعلنا قداستهم انما هم شركاؤنا في الدعاء. في هذه الشركة كل منا يصلي للآخر. رجاؤنا فقط ان قوة الصلاة التي يرفعها القديسون مرتبطة بانهم تحرروا من وطأة الجسد ومن الاهواء لان “صلاة البار سماويا كان ام ارضيا قادرة كثيرا في فعلها” (يعقوب 5: 16). المسيح وحده هو المركز ولكن في كونيته واصطفافنا حوله يجعل هو كلا منا يحمل الآخر. سمّ هذا – اذا شئت – توسلات عند الذين هم فوق او شفاعات او ما الى ذلك. لكن القربى بين اهل الارض في الصلاة هي قربى من السيد لا تختلف بطبيعتها عن قربى بالروح سكان السماء. لا نعني اكثر من هذا اذا قلنا: “بشفاعة والدة الاله يا مخلص خلصنا”.

ما يجري حقيقة في قلب الله ان كل اهل السماء يتضمنهم المسيح في ذاته وهم في صحبته عندما يستجيب لنا بمعنى ان احدا منهم ليس جسرا بيننا وبينه فانه الصق بنا من رأسنا اذ قد يقطع رأسنا وهو لا ينقطع من اللصوق. لذلك لا محل لاعتراض القائلين انا ادعو المسيح مباشرة اذ الجواب اني اذا ارتفع دعائي الى قديس فاني لا ازال مع المسيح مباشرة ولكنه هو ليس وحده اذا لبى دعائي لان اصحابه السماويين هم معه ويبقى حاويهم وهم لا يضافون اليه اذ لا تفريق بينك وبين الملتصق بك. هنا الكثرة تغنى في الوحدة والوحدة تبدو بالتعدد. نحن دائما في الشركة.

كل ما في الامر اننا لا ننسى الذين ذهبوا الى المجد وهم لا ينسوننا اذ يجدوننا مثل رجاء او وجود متوقع في هذا المسيح الذي يشملهم جميعا.

مريم لا تخرج عن هذه القاعدة. غير انها اسمى المخلوقات اذ قال الله ذلك بواسطة جبرائيل (او جبريل اقرأ كما تشاء) وفي تأملنا رقادها او موتها واستقبال ابنها لها رأيناها اعظم شأنا من الملائكة. وقد نحا بعض آبائنا الى القول ان الانسان اعظم شأنا من الملائكة. في المصطلح الطقوسي اردنا ان نقول انها حققت في ناسوتها ما لم يحققه آخر واهلها الله لذلك في اختيارها. كنيستنا تعتقد ان والدة الاله ساكنة المجد مع انه لن يكشف قبل اليوم الاخير. وهذا ما نعنيه في اقامتنا عيد الرقاد في الخامس عشر من آب. ولا نوغل ابعد من هذا الحد.

الى هذا، في دنيانا، عندي قولة تتفرع من امومة مريم ان المرأة، كل امرأة ما لم تلد كائنا شبيها بالاله، متخلقا باخلاقه، ناريا كالانبياء، حريصا على نقاوته مثل القديسين لم تلد شيئا. الناس لحم ودم ما لم يصيروا آلهة. الناس كلام ما لم يصبحوا مثل كلمة الله. همّ الله في كل التكوين البشري ان يصنع آلهة.

في قراءة بعض لانجيل يوحنا عندما كان يسوع مرفوعا على الخشبة كان الى جانبه امه وشاب يدعى التلميذ الحبيب. يقول التراث عندنا ان هذا الرجل كان يوحنا كاتب الانجيل الرابع ولكن ليس من اقرار في النص بانه كان يوحنا بن زبدى. هنا قال السيد لمريم: “هذا ابنك”. فهمي للنص وما رواء الظرف ان مريم جعلت اما لكل تلميذحبيب. ليس احد يعرف معنى بنوتنا لمريم. الكلام يتعدى مجرد التحرك الشعوري. ما يبدو انه يمكن القول اننا نولد من نقاوتها النموذجية لكل نقاوة. غير ان التراث يقول لنا ايضا ان من بث المسيح في العالم (بالتعليم والشهادة) يصبح هو ايضا مريميا?. هل هذه تسمية رمزية ام اكثر؟ ان لفي الامر سرا. ولكن ايا كان التأويل يبقى ان لنا مع هذه المرأة صلة حميمية لا معنى لها ان لم نصبح، بصورة ما، مريميين اي مولدين للمسيح في الدنيا.

يبقى ان الادبيات المسيحية في الشرق على الاقل لا تذكر السيدة العذراء من حيث هي امرأة. مقام النساء لا يبدو انك تستطيع ان تستخرجه مباشرة من مريم ولاسيما ان الرجال والنساء عندنا يلوذون بها لوذا واحدا. لا يبدو ان الجنس يلعب هنا اي دور. غير ان ابن الله ارتضى ان يسكن احشاء امرأة. لذا لا يمكن مسيحيا الا ان يكرم المرأة اكراما شديدا لكون رحم امرأة واحدة صار اشرف مكان في العالم. آسف طبعا للرؤية الدونية للمرأة كما ترد عند هذا وذاك من كبار المعلمين. ما اتيح لي ان ادقق في هذا الادب وقد لاح لي من قراءة سريعة ان الموقف لم يكن موقف انتقاص من كيانها ولكن موقف تخوف من الاغراء لان حواء تسيطر على عقل الرجل وعلى مشاعره الظاهرة او الباطنة. غير ان العبادات تلغي هذا التخوف اذا طالعت الشعر الطقوسي المتعلق بمريم. القصة ان ام يسوع كانت المرأة الوحيدة التي سحقت طغيان حواء فينا.

مريم مستمرة هدفا وشوقا حاملة راية العفة ولست اريد بها عفة الجسد وحدها ولكن العفة عن شهوة المال والسلطة. الدائمة البتولية تعني دائمة الانقطاع لله والاقلاع عن اي تركز على سواه. وانت في زواجك بتول ان كان الله لا امرأتك هدفك وتأتي زوجك، اذ ذاك، رفيقة لك في هذا التبتل.

ولكن لا يبدو ان لكلام كهذا مكانة في مجتمع يقوم على عبادة الجسد. ان فحش الازياء رمز لهذه العبادة. لا اعتراض عندنا كبيرا ان يعجب الانسان بقوامه او خلابة وجهه ولكن على ان يأتي هذا طريقا الى الكمال الروحي. الجسد مصلى، موضع سجود للرب ومكان لغة، لا تجعله مصبا لكائن آخر. اذ ذاك يبطل، حقيقة، تواصله. لا تقمه في الهشاشة. شدده بالروح الالهي الساكن فيه لتصير كائنا مريميا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

تجلي السيد / السبت في 6 آب 2005

اليوم نقيم عيدا للنور نسميه عيد التجلي يأتي في سياق حديثين عن آلام المعلم. كلاهما انباء عن الصلب وكأن الانجيليين ارادوا انه هو المكان لانبلاج النور.

الحديث الاول الذي يتضمن اعتراف بطرس بالمسيح تم في نواحي قيصرية فيليبس وهي بانياس التي عند سفح جبل الشيخ. بعد هذا بستة ايام صعد السيد ببطرس ويعقوب ويوحنا الى “جبل عال منفردين”. اي جبل هذا؟ يقول التقليد انه جبل ثابور في الجليل. غير ان هذا لا يتجاوز ست مئة متر في حين ان حرمون او جبل الشيخ ينطبق عليه وصف جبل عال. وفي قداس العيد نقتبس من المزامير: “ثابور وحرمون باسمك يتهللان”. غير ان الحجة التي تجعلني اميل الى جبل الشيخ ان السيد وتلاميذه قبل حادثة التجلي كانوا بقرب الجبل.

ولكن ليس هذا هو المهم. جوهر الحدث ان هيئة المسيح تغيرت قدامهم و”أضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور” (متى 2:7). المسيح لا يغيره شيء من خارجه ولا ينسكب نور عليه. ان التلاميذ رأوا النور الذي كان دائما يلتحق به ويخفيه بسبب من ضرورة اتصاله الطبيعي بالناس فلا يبقى على مظهر ساحر لهم يتجاوز الطاقة الانسانية التي اراد ان يكون عليها وحدها بلا معجزة ضياء دائم تسلخه عن الوضع البشري بحيث يأتي شكله البشري كشكل كل الناس ليتحقق التجسد على قياس البشر. واتخاذ الصورة البشرية العادية نسميها الاخلاء على ما جاء عند بولس: “اخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس” (فيليبي 7:2). والمعنى انه حجب المجد الالهي عن وجهه وجسده.

الامر الآخر ان موسى وايليا تراءيا له وان سحابة نيرة ظللتهم وسمع من السحابة قول يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت “دائما يجب ان نذكر لغة العهد القديم وراء ما نقرأه في العهد الجديد. السحابة هي التي كانت تغطي خيمة الاجتماع في صحراء سيناء. وبهاء الرب يحل بها على المسكن. ذكر السحابة اذا اشارة الى ان حضرة الرب كانت على الجبل. ودخل السحابة هذان النبيان واكد لوقا انهما ظهرا بمجد “وتكلما عن خروجه (اي خروج المسيح) الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم”. وفي قراءتي ان السحابة ضمتهما وان مجدا واحدا كان يلف المسيح ورفيقيه هذين.

لماذا استحضر السيد موسى وايليا؟ يزين لي ان هذين الاعظمين في التراث العبري لم يشتركا في النور الا عندما جمعهما المسيح اليه. في سفر الخروج قال موسى لله “ارني مجدك… فأجابه الله: اما وجهي فلا تستطيع ان تراه لأنه لا يرى وجهي انسان ويعيش”.

كذلك ايليا لما كان في حوريب (سيناء) لم يكن الرب في اي ما حصل هناك من ريح وزلزلة ونار. بعد هذا كان صوت نسيم لطيف وهناك كان الرب “فلما سمع ايليا ستر وجهه وخرج”. وحتى بعد صعوده في العاصفة على مركبة نارية الى السماء لم يصل الى وجه الله.

هناك على ثابور او حرمون ينضم الركنان النبويان الى المجد الذي كان المسيح عليه في السحابة. واثناء خوضهما في المجد كانا يتكلمان معه عن موته لانه هو ذروة المجد. وهذا يفسر ان المعلم تنبأ لتلاميذه عن موته بعد حصول المشهد.

لم يأت يوحنا على ذكر التجلي اذ يكشفه على مد انجيله وعنده باستمرار انه كلما ذكر المجد يريد به الصلب والموت. من هنا ان عبارة “ابني الحبيب” لا تدل حصرا – كما ارى – على النبوة الازلية ولكن على كون المسيح ايضا ابن البشر. لقد سر الاب بما حققه ابنه هنا في الجسد. العبارة تدل على التلاقي بين اللاهوت والناسوت في المسيح. التجلي صورة مصغرة عن كل ما سيحدث للمسيح بين الجمعة العظيمة وصباح الفصح. اصطباغه في الاردن هو كذلك. كل شيء في الانجيل مركز على سر الخلاص مهما تقلبت الصور وتقلب الكلام. الحياة الالهية كلها في هذا الانسكاب.

ما نسميه نور ثابور في الكنيسة الارثوذكسية هو اصلا ما شع عن المسيح وما ينزل في ما بعد على الناس. وفي عقيدتنا ان ما نستلمه من الله نعمة هو نور ازلي ونسميه “قوى او افعالا غير مخلوقة”. هناك الجوهر الالهي الذي لا يمس ولا يخترقه احد لانك ان فعلت ذلك تصر الها بالطبيعة وانت مخلوق. ولكن ان تشترك بالقوة الالهية الازلية فهذا يجعلك مألوها او مؤلها وجوهرك بشري. هذا سر لا يدرك ولكن اهميته انك ان لم تتقبل شيئا غير مخلوق فلست على صلة بالله حقيقية.

لقد شوهدت وجوه قديسين منورة بغير نور الشمس. ولكن بالطبع لا يشاهد أحد هذه الوجوه على نورانيتها ما لم يكن هو نفسه مستنيرًا.

الى هذا قول السيد لتلاميذه: “انتم نور العالم” لأنه هو نور العالم كما قال ذلك عن نفسه. هذه هي استنارة القلب بفضائل الإنجيل وهي مرتكزة على التوبة أي التحرر من الأهواء والشهوات. اللاهوى مقولة في اللاهوت الشرقي تدل على الحرية الداخلية من كل ما يضغط على النفس وما يكبلها بحيث لا يكون المستنير أسيراً لما يعتمل في نفسه من جذور المعصية فيتحول الى وجه الله فيأتي من هذا الوجه انساناً جديداً أو خليقة جديدة كما يقول بولس. طبعا هذه ليست حرية مسجلة الى الأبد في طبيعتنا اذ قد يسقط الانسان اليوم أو غداً. لكن الحرية الحقيقية اذا تأصلت من شأنها ان تصبح ينبوعاً “ينبع فينا الى حياة أبدية”. هذه مسيرة فيها كبوات وليس أحد مضموناً بنعمة يتسربل بها على الدوام. غير ان من عرف الجدة في عمق يكبر حظه في العودة اليها. فكما ان الانسان الموغل في الخطيئة تصعب عليه التوبة كذلك التائب الكبير الذي اكتشف حلاوة الله لا يخطىء بشدة حتى التهور الكبير. الخاطىء انسان تجرحت طبيعته وتشوهت ويحتاج الى ما يشبه الأعجوبة لينهض نهضة كبيرة تحول كيانه من جديد.

غير أنك تلحظ ان بعض الناس الذين ألفوا النور الإلهي لا يطيقون الظلمة ولا يألفونها ويشتاقون دوماً الى النور الذي ذاقوه وتصبح وجوههم مشرقة كوجه المسيح على جبل التجلي.

هؤلاء يهب فيهم الروح ويذهب بهم الى حيث يشاء وكأنهم يقيمون في مسكن إلهي. هؤلاء ينقلون النور الذي فيهم بالشهادة. والشهادة لا الفكر المجرد طريق التواصل بين المحبين. ليس ان ثمة مجتمعاً روحياً صافياً . فالإنسان يحيا بربه وحيداً غير انه يشع ويسطع بالمحبة فاذا انت تقبلتها تتكون فيك صلة بالله مباشرة. هؤلاء يأتون من دواخلهم بعدما تعمدوا بالنعمة النازلة عليهم لأن الله أحبهم وجعلهم لنفسه. وبذا يصبحون ابناء الله في مجانية العطاء الإلهي.

غير ان سواد الناس يعيشون خارج أنفسهم في دنيا هم اصطنعوها وحسبوها كافية لغذائهم. دنيا المال والطعام والشراب والسلطة والمجد الدنيوي. تلك هي دنيا الوهم والتشتت. وهم يتبدون فيها وينالون منها ملذات ترضيهم الى حين ولكنها مليئة بالحزن والقلق والآمال المصدومة وما هو بائد. ينشدون الى آفاق خلابة ليس فيها غذاء ولا فيها استقرار. جوع روحي يستبد بهم اذ لا شيء في هذه الدنيا المصطنعة يقيتك ويثبتك ويقيمك.

هؤلاء لا خلاص لهم ما لم يجدوا نوراً على وجوه الصالحين ويقتبسوه. اذ ذاك تتبدد الأشباح التي اصطنعوها لأنفسهم فيجدون اليقين هذا لا يحتاج فيه المرء الى مادة هذا العالم ومطرباته و”شهوات الخديعة”. لا شيء يغنيك عن ثابور، عن التنقية التي يحدثها الله لقلبك لتصبح قائما بالله والأزل.

Continue reading