Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2008, جريدة النهار, مقالات

الرأي الحر / السبت 15 تشرين الثاني 2008

السوال الوحيد الوجداني الذي يطرح على المجاهد الوطني ان يبدي رأيه بحريّة، ليواجه ويجبه فإن المبتغى ان نعرف أنفسنا قائمين في الحقيقة ونخدمها بحريّة ممن نشايعهم او من نخاصم. هل ترضى نفسك بوقًا تردد قول من جمعتك معهم منافع لتعزيز مصالحك ام تبدع انت رأيك في استقلال عمن تشايع او من تحب لأنك رأيت ببركات بحث او إلهام الرؤية المنقذة؟ اذًا لك ان تكون في تفاهم مع بعض ممن حولك او في تواطؤ فكري ومع ذلك انت تختلف بتباينات (nuances)  قلّت أم كثرت وانت مستقلّ عمّن أحببت في فواصل ترى انت أهميّتها وهم لا يرون.

أضعف الإيمان أن تكون زاهدا بكل شيء من دنياك لا تبغي ربحًا ولا مدحًا ولا استتباعًا ولكنك تجهد في سبيل تبيان موقفك لإيمانك ان الحقيقة تمليه عليك وتحرّرك لتضمن استقلالك وإخلاصك لله الذي لا يقول ابدًا قول كل الناس ولا معظم الناس. انت تأتي من تاريخ اي من سياسة لأنك لست مولودًا اليوم. انت تأتي من قراءتك للماضي والحاضر ومن تطلعاتك. انت وليد الذين تنسجم معهم في البلد وفي العالم ولكنك ايضا مستقلّ عن التاريخ وعن وطأة طائفتك عليك. انت تحبّها لأن فيها أشياء مجيدة وتأخذ هذا المجد لتجعله عظمة الوطن وعظمة الأقربين اي العرب والأبعدين الذين يحملون حضارة محبة تبنيك وترفعك.

انت متجرّد ولو كنت موصولا وتقف من كل الكتل السياسيّة على مسافة تضيق او تتسع حسب قناعاتك التي تتخذها من إيمانك بالقديسين والفهماء من كل قطر ومن ماضي كل الأمم المتأدبة والذين لم يسفكوا فيها دما وتكوّن نفسك من كل بهاء روحي جذبك واخترته فإنك حامل التاريخ الناصع كله وهو وطن روحك الى جانب هذه القطعة الجميلة من أرضنا والتي تدعى لبنان.

واذا اخترت السياسة عملا لك فلكي تشيع هذه القيم المطهرة لكل انسان فيصبح فكرك الحر رأي جميع الناس الذين يتوقون الى حمل الحق فيرصفون نفوسهم بك لأنهم أنسوا الى ما تقول مبتغين ان ينقّوا ذواتهم بما تحمله من حق ويتحرّكون، اذ ذاك، حيث يستطيعون لينوجدوا في سطوع الحق الذي به يحدد أفلاطون الجمال.

انت اذًا مع اولئك الذين يحبونك من اجل الحق الذي فيك المستقل عن قبيلتك واستقلالك هذا هو نزاهتك ولا يحبونك الا لكونهم يشاركونك هذا الحق وتتجلّى، اذ ذاك، انسانيّتهم التي على سعتها تلتزم شيئا خاصا وهو البلد. هذا هو فن الحقيقة وليس من فن الا في الخاص، في المحلي. وليس اذًا من تعارض بين ان تكون من البشريّة وللبشريّة كلها وبين ان تكون من بلدك.

# #
#

هذا الموقف قد يقودك الى الفعل السياسي او الى الفكر السياسي لأن الإنسان كما يعرّفه أرسطو حيوان سياسي. وهذا يجعلك في مواجهة مع الحكم لا دفاعا عن خيار اتخذته، ولكن دفاعا عن الدولة التي تريدها نقية. واذا التزمت هذا الجهاد الوطني لا بد ان تكون موضع اتهام لأن معظم الناس متحيزون ويحسبونك متحيزا اذا وقفت موقفا في قضيّة تبدو لهم صغيرة وتبدو لك عظيمة لأنك تنطلق منها الى إصلاح الدولة اي الى الكل الجماعي الذي تحيا انت برقيه وهو يحيا بإصرارك على الحق.

يهمك ان يكون أوّلو الأمر في البلد على الحقيقة نظرا الى الفاعليّة التي في ايديهم اذ الحكم يصلح الجماعة اذا ارتضى ان يصلحه الخيّرون.

انت تكلّم الناس جميعا بحريتك وتصونها لإيمانك بأنك تحمل الحق الذي يبرّرك امام الله. سوف يضطهدك الكثيرون ويحاكمونك على ما يعتبرونه نياتك. من الأسئلة التي أسمعها دائما: لما قصدتني يا سيدنا لما لِمتَ الرعية في موعظتك. او اسمع سؤالا كهذا: ماذا دفعك ان تكتب هذا المقال؟ يعتقدون انك ترغب في إرسال رسالة «شخصيّة» من وراء كلمات تعتبرها انت من الحقيقة. كثيرون لا يؤمنون بموضوعيّتك او بحبّك للحقيقة. هناك استلذاذ بالنميمة وبتحويل كل كلمة منك او موقف الى انفعال ذاتي ما يعني عندهم انك تنطلق من مشاعرك الخاصة لتعود اليها. في الكلام اللبناني هذا محسوب على فلان وذاك على آخر. قلّة تعتقد باستقلال أصحاب القلم. فإلى جانب طائفتك يخلقون لك قبيلة وهميّة يرصفونك فيها لأنهم لا يتصوّرون الا الفئويّة. من هنا ان الخطاب الحقيقي يبطل بين الناس.


# #
# أطلق رأيك حرا ولا تدارِ احدا الا الفقراء والمظلومين. وليرتطم به من يرتطم. واعلم ان شدّة الفكر يمكن ان تقترن برقة تجاه الإشخاص اذ لا تفتعل انت صداما شخصيا وهم قد يفعلون.

وقد يكلفك هذا احيانا ان تخرج من الحزب ان كنت منحزبا لأن العقيدة تستلبها اللجنة المركزيّة وهذه كثيرا ما يستلبها شخص. العظماء في الإبداع قلّما يطيعون قرارا يُملى عليهم من فوق. وانقسام الأحزاب علامة صحّة في كثرة من الأحوال لأنه اكتشاف الحريّة.

غير اني في تأكيدي المفرط على حريّة الرأي أقول ان القيمة التي تعلو حريّة الرأي هي استقامة الرأي. انت تتراجع عن رأيك بعد مناقشة اذا تبيّن لك ان الصواب هو عند من يناقشك. فالشورى كثيرا ما كانت أعظم إبداعا من رأي الفرد لأنها قائمة على المحبة وبالمحبة تنجلي الحقيقة.

التربية الأولى هي في الانتقال من العبوديّة الى حريّة الفكر والقول والعمل والتربية الثانية هي التعظيم لاستقامة الرأي ولو جرّ ذلك عليك عذابا شديدا.

ما أكّدته الديموقراطيات انها ركّزت على مواجهة الآراء في حريّة شخصيّة ولكنّّها لم تؤكّد على المسعى المشترك الى الحقيقة. ليس في الديموقراطيّة تركيز على الشركويّة مع ان الشركويّة قائمة على استقلال الشخص. الديموقراطيّة اذا فسدت تولّد الشرذمة. فقط اذا نزل هاجس الحقيقة على جماعة سويّة متحابة ولو تنافست في الآراء نكون في مسعى تحويل الدولة الى كنيسة كما يقول دوستويفسكي.

حريّة الرأي شرط استقامة الرأي واذا ما تحقّق الصدق في تلاقي الجماعات نكون قد أقرنّا السياسة والنور.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الهدايا / السبت 8 تشرين الثاني 2008

لي صاحب يتعذّب من الهدايا التي تُهدى اليه. أتكلّم طبعا على الهدايا البسيطة: كتاب، قلم حبر سائل او ناشف لأني لا أعرف الناس الذين يتقبّلون عطايا كبيرة. انا اعرف نفسي- في داخل احاسيسي – اني صبيّ صغير من حارة النصارى في احدى مدننا الساحلية. اعرف ايضا التاريخ الذي حصرنا في هذه الحارة وتقبلت الظلم لعجزي عن ان اقلب التاريخ. واذا قبلت الأزمنة الغابرة مع انها في لحمك يقال انك بليد او عاجز. كيف تكون عاجزًا امام ما مضى؟

في واقعي وشعوري بقيت من حارة النصارى من الذين كانوا يحيون من جمال ما يُتلى ويُنشد في كنيستهم الكبرى التي ساهم جدي في بنائها. غير ان ظروف أبي مكّنتني من ان ادرس ما استطعت دراسته وجنيت منه القليل القليل وظللت اذًا على شيخوختي الطاعنة فتى ممحوا من حارة النصارى ولم أحزن. في هذا السياق يتعجّب كل من أعرفهم اني لا اعرف قيادة سيارة ولم أقتنِ سيارة. تلك التي أركبها الآن بسبب مسؤوليّتي الحاضرة ليست لي. انها للمؤسسة التي أسعى الى إدارتها او رعايتها كما يقال في لغّتنا.

الى هذا أعرف ان أحدًا لا يحب الفقر. انا أحسّ انه يحميني لأني لا أخاطر بخلاص نفسي بالخروج منه. رسمت اذًا نفسي في حارة النصارى مع اني أعيش في جبل لبنان حيث تستطيع ان تبقى فقيرًا او ان تتخلّص قليلا او كثيرا منه. ولكني لست اريد هذا الخلاص. احبّ أن أستغرق في اللاشيء واحبّ فوق هذا الا يعرفني أحد. وأتعذّب لأني لم أبقَ مجهولا بسبب مما هيّأه الله لي من عمل.

أحب ان يعرفني الله وأخشى معرفته اياي في واقعي النفسي. ماذا يعمل بهذا الواقع. هذا ما لست اعرفه قبل اليوم الآخر. أتساءل لماذا أكشف لكم هذا بعد ان آليت على نفسي ان أكون موضع نسيان. هل انا نموذج؟ اي هل احب ان يصبح الكثيرون منكم من حارة النسيان على اي دين كانوا.

فيما يتبقى لي من أيام او سنين – وحسب سنّة الطبيعة هي قليلةـ أقول لكم متواضعا اني أتمنى أن يصبح كلّ منكم – ولو أمسى غنيا كبيرًا- نسيا منسيا اي الا تكون نفسه على علاقة بالمال ولو كانت جيوبه او حساباته مليئة. كان لي في الغربة صديق كبير مليء جدا كما تقولون اليوم ولكنه كان مسكينا بالروح كما يقول متى الانجيلي. ولما كان في بلده من حارة النصارى ايضا، لم يخرج روحيا منها وكان يصر على ان يبذل الكثير من المال خشية ان يحبه. لا تستطيع ان تكون منقبض الكف ومن حارة النصارى في آن.

ما أتيتكم معلّما وأنا لا أزال أتعلّم. ولكني قلت لكم هذا خوفًا مني عليكم. أخشى اذا أردتم ان تربحوا العالم ان تخسروا نفوسكم اي ان تخرجوا من كونكم نسيا منسيا، أعرف كل النظريات التي تدافع عن المال الكثير، المخزون بشغف لأنّه يوهمكم انكم أقوياء ولستم بأقوياء. أخاف ان ترحبوا بوجوده لاعتقادكم انه يزيدكم قوة. وانا لست خبيرا بتوظيفه مع اني مجاز بعلم المحاسبة وأعرف قوّة هذا العدو الممكن ان يتحوّل في جيوبكم أفعى تلسعكم او تلسع الذين تقربونهم اليكم لتحسوا ان لكم عليهم سلطانًا. فاذا تحول فيكم الى سلطان فأنتم آلهة وربكم قال على لسان موسى: «انا هو الرب إلهك الذي أخرجك من مصر، من بلد العبودية لا يكن لك إله سواي» ولكنكم لا تسمعون لظنكم ان ما لكم قوة وهو كذلك في هذه الدنيا ولكنه عدوكم اذا سعيتم الى ما هو فوق هذه الدنيا اي الى نفوسكم الطاهرة التي هي وحدها ترى الله.

# #
#

هل جعلتم مالكم جزءًا من شخصيتكم او جزءًا من تعاملكم ومن كان حولكم؟ اي هل هو مكوّن لطبيعة العلاقة بينكم وبين الناس ام تعدونه للفقير وحده لتدخلوا في الرحمة التي ينزلها ربكم على المساكين فتنالوا بذلك أجركم فتصبح في ذلك قلوبكم فقيرة الى غير ما تمتلكون اي الى الله المعطي لمن يشاء في سبيل خلاصه؟

هل تجمعون حولكم الناس لاستجدائكم ام تبددون أموالكم ليرى الله انكم أعطيتم من نعمته عليكم أكان موردكم شرعيا ام لم يكن. ان ما تعطونه يصبح شرعيا ولو كانت الوسائل غير الشرعية مصدره. انتم قرأتم كتبكم وتعلمون ان اموالكم هي مال الله وحده وانها تاليا للجائعين او شبه الجائعين. واذا بددتموها تصبحون متساوين مع الذي أعطيتموه. قبل العطاء أنتم وحيدون. وليس لكم مع الأبرار شراكة.

ولعلّكم تكنزون على الأرض لخوفكم من مرض او مصيبة. و«المحبة تطرح الخوف خارجًا». اذ يبقى ان من أحببتموه يصير الى جانبكم. وحده هذا الحب يقيكم شر نفوسكم المتعبة.

الأزمة المالية التي حلّت في العالم اليوم كافية لتعلّمكم ان ليس من مصون، ورجائي الى الله الا تصل الى بلدنا او الا تصل بما يهددكم. أنا أصلّي من اجل طمأنينكم اذ أكره ان تهدد الأزمة أحدًا ولكنّها تعلّمنا بالأقل ان أحدًا من الناس غير مضمون بما عنده. ولكنكم اذا احببتم كثيرا يزيدكم الله نعمة ورزقًا لتعرفوا انكم مفوضون على ما رُزقتم به. من له مثل هذه النعمة ان يكون مفوضًا من العلي؟ اعطوا يقوَ تفويضكم ولكن اشيعوا ما عندكم ليصير المسكين بدوره مفوّض الله لا ليصبح مفوضا عندكم. انتم تصبحون شيئا ان بذلتم الكثير مما عندكم ولا تبغوا من ذلك شكورا ولا استتباعا. اعرفوا انكم والفقراء معا خلائق هشة او معرضة للعطب في كل حين. اذ ذاك فقط تعلمون انكم قادرون ان تصبحوا شيئا. تعلّمت مما يقوله كل الناس ان احدًا لا يأخذ معه في الموت شيئًا، غير ان آباءنا النساك علّمونا انه يأخذ في موته ما اعطاه والذين تمنحونهم شيئا يدعون من اجلكم فيسجل الله ليوم الدينونة ما اعطيتموه ربحا لكم.

# #
# انتم تعرفون، بطريقة او بأخرى، ان المال طريق الى السلطة اي الى السلطة على الناس فيما هي خدمة. والسلطة تمارَس سياسة. انا كتبت مرارا في هذه الزاوية ان السلطة مسؤولية اي مسؤولية للخدمة. لا مانع عند الله ان يختزن بعضٌ كثيرا من المال على الا يحسب انه مالكه لأنه فقط مؤتمن عليه. لقد وضع الله في عنق الأثرياء مسؤوليّة الحب. والحب يعطى والا كان كنزًا من الكنوز اي محجوبا. تصرّفوا اذا كالفقراء اي لا تسرفوا في شيء من متاع الدنيا. اما قرأتم: «وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور» (سورة الحديد، الآية20) وقبلها جاء: «اعلموا ان الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم». والسؤال الذي توصي به الآيتان هو كيف تتخلصون من الغرور واللعب واللهو والزينة وتقيمون في الحق والمشاركة والمشاركة توزيع إلزامي وفي ذلك وصية او أحكام حسبما ذهب مذهبكم. فاذا اكتفيتم بهذه الدنيا وزخرفها فليس في نفوسكم رحمة وليس لي انا الصبي الفقير من حارة النصارى ان أبحث في مصيركم في اليوم الآخر. هذا لا يعلمه الا ربّكم ولكن منظر السلطان المنفتح يبكيني وأتوجّع عنكم وقلّما تتوجّعون .

اعطوا ولا ترجوا من أحد شيئا بديلا لتقيموا في مملكة الحق والبرارة التي تنقذكم منذ هذه الدنيا فيكون المعطي بتهليل كالذي يُعطى بتهليل. ليس في المال مشكلة الا اذا انقبض او اشترط صاحبه شيئا على أحد.

اجعلوا الناس في حنانكم ولندخل جميعا ملكوت الفرح في هذا العالم. والفرح ليس من عمل الناس ولكنه منّة من ربّكم عليكم. ان في بلدنا تجمّعا صغيرا يدعو نفسه «واحة الفرح» وهو يهتمّ بالمعوّقين من الأديان كلّها. لماذا لا يكون الأثرياء بعضهم الى بعض واحة للفرح الذي من مكوّناته العطاء المبرور وفوقه العناية الشخصيّة بكلّ من كان ضريرا او أخرسَ او أصم أو مبتور الأعضاء. متى يكون هؤلاء تاجا فوق رؤوسكم لتزول حارة الفقراء وحارة الأغنياء معا من القلوب حتي نصبح جميعا حارة الله او سماءه على الأرض فنصعد اليها منذ الآن اذا امتلأت نفوسنا من حضرة الآخر الذي هو لنا ترجمة لحضرة الله.

هل يصير لبنان كلّه واحة الله ليس فيها استعلاء وليس فيها بؤس ويكون ربّكم مستعيرًا الأيدي التي تعطي والأيدي التي تأخذ ويبدو من أعطى ومن أخذ في حالة الشكر لله وحده ويعلن كل واحد ربه سيدا. النفس التي تحب تنتفض من ذاتها من شغف الزينة واللهو واللعب ولا يبقى في ميدان هذه العلاقات غير وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

نائب رئيس الحكومة / السبت 1 تشرين الثاني 2008

قارئي وعشيري يعلمان اني لست منحازا الى فريق سياسي ولست أدعو الى هذه الكتلة او تلك ولا يعني هذا ان نفسي حائدة وكأني متحيّر عند ما يبدو لي حق غير ان ثمّة أمورا تظهر عند أوّل فحص انها خارقة للمنطق منها قضية نائب رئيس الحكومة. صدام للمنطق ان يتنطّح زعيم كبير ليقول ان مجرّد إثارة الموضوع يحدث فتنة كلنا يعرف ان طائفة اللواء عصام أبو جمرا ليس لها تاريخ في الفتن وان شؤونا ضخمة جدا في هذه السنين الأخيرة لم تحدث صداما دمويا في هذا البلد. الذين أنشأوا ميلشيات او حالفوا قوى عسكريّة أجنبيّة لا يستطيعون ان يلوحوا بخطر الفتنة.

أما الحجة الكبرى فتحصن بعض من كبار القوم عقلا وثقافة بأن نيابة رئاسة الوزراء لم يرد شيء عنها في الدستور فتعني ان اولي الأمر لا يقومون بشيء الا اذا ورد ذكره في الدستور وهو نص توجيهي، تكويني وليس مجموعة دالوز وإمامك العقل وليس حصرا.

ما يلفت في هذه القضيّة ان المنصب يبدو محصورا بالطائفة الارثوذكسيّة فقد تقلب عليه منذ أكثر من نصف قرن جبرائيل المر وحبيب ابو شهلا وفيليب بولس وغسان تويني وفؤاد الخوري وجورج حكيم وفؤاد بطرس وألبير مخيبر وميشال المر والياس سابا وعبد الله الراسي وموسى كنعان وعصام فارس. وهؤلاء ما اختيروا لكونهم لا شيء. كان هناك قصد من الحكمة السياسيّة لم يذكر عنه الدستور شيئا.

وقد نسب الى دولة رئيس مجلس الوزارء الحالي الذي أنا معجب بصبره وهدوئه ومرانه في ديبلوماسيّة متحرّكة فضلاً عن جوانب أخرى في شخصيّته وممارسته الدينيّة، نسب اليه قوله ان هذه النيابة شرف. جوابي ان التشريف تعامل كان سائدا في نظام الملوك في فرنسا وأوربا يوزّعون فيه لقب بارون او كونت او ما إليهما وهؤلاء لم يكونوا بالضرورة في الحكم. كذلك مارست التشريف السلطنة العثمانية والبك والباشا كان اكثرهم خارج الدولة. ومُنحوا الألقاب لمسرّتهم وزعامتهم في بلداتهم او قراهم. ولقب الشيخ الذي تميّز فيه حكم الأمير بشير الثاني استبقى كل شيخ في قريته. كان هؤلاء الأشراف أصحاب عظمة دنيوية لا خدمة فيها للدولة.

بجهد كبير قد أقبل ان المنوط بهم أمر هذه النيابة قصدوا تشريف الشعب الأرثوذكسي بإعطاء لقب لن يكلّف السلطة شيئا. السلطة اللبنانية هي تتشرّف بالمجد الأرثوذكسي الذي أحاط بهذه الدنيا عندما كانت قفرا منسيا. لكني مضطر ان البادئ بالشعر العربي من مذهب انتمى اليه في المشرقية المسيحية كان يستطيع ان يدخل على امبراطور الروم اي ان المسيحيين العائشين في البداوة كانوا على صلة عضويّة مع الحضارة. واذا قفزت الى العصر العباسي متجاوزا الأخطل لا بد لي ان اذكر ان الروم الأرثوذكس ومنهم قسطة بن لوقا قد أسهموا في تعريب الفلسفة اليونانيّة. والأمر المجهول عند الكثيرين انه كان عندنا لاهوتيون في العصر العباسي اذكر منهم في النثر بولس الأنطاكي وفي الشعر سليمان الغزاوي.

غير ان النظام الملكي زال في اوربا وسقطت الامبراطوريّة العثمانيّة وسقطت معها ألقابها وحاول المرحوم الرئيس الياس الهراوي إلغاء الألقاب ولكن التخلّف اللبناني أبى الا أن يقيم في التشريفات لفراغه من الحقيقة.

كففت عن الرد على اعتبار نيابة رئيس مجلس الوزراء اعتبرت “قيمة مضافة” وهي مصطلح اقتصادي ولا سيما ماركسي استعير هنا وانا معجب – اذا لم تقصد السخرية- بأن الحكومة “مجتمعة” قرأت كارل ماركس وغيره من فلاسفة الاقتصاد.

انا لست مشرعا لأذكر الحكومة بأن لها ان تأخذ قرارا مستقلا في إحدى جلساتها ليبقى عرفا او يعدل به النظام الداخلي في بند خاص على طريقة الحكم التفسيري في القضاء. صدقوني اني في هذا حريص على الحكومة التي فيها من نجلّ حتى الإعجاب ونحبّ حتى عمق الأعماق. سؤالي الى مجلس الوزراء الوقور هو هل اتخذ قرارا بأن اللواء عصام ابو جمرا ليس له صلاحيات ام قال ان هذه الوظيفة هي بحد تسميتها فارغة من الصلاحيات. عند ذاك نكون في أمر خطير اي في التنحي عن اتخاذ موقف منطقي.

ازداد حزني لما لاحظت ان احدا من غير الأرثوذكسيين ما احتجّ على هذا الموقف وهو بامتياز موضوع وطني لأنه تكريس لفكرة ان في الدولة وظائف إسميّة من اجل ما يعتبر مجدا وليس من مجد. لماذا يراد ان يحضر اللواء عصام ابو جمرا جلسة ليس من المؤكّد ان له حول طاولتها كرسيا وليس عنده تفويض بأي أمر.

عصام ابو جمرا في الحقوق الإداريّة في التحديد الواضح يقيم في العدم اذا قررت له ذلك الحكومة “مجتمعة” واذا لم يتخذ قرار جماعي يبقى هذا رأيا لواحد او بضعة من المسؤولين ويجوز العودة عنه.

تأمّلت بهدوء في ما يحدث وصدمني حتى الحزن ان تكون الحكومة مستعدة للإنفاق لاستئجار غرفة او شقّة للواء خارج السراي الكبير وان يوضع كرسي تهذيبا له في قاعة مجلس الوزراء. انسجاما مع المنطق وقدسيّة البشر اذا استمرّ أصحاب التعنّت بتعنتهم ان يلغوا هذه الوظيفة ولا “يشرفوا” الطائفة الأرثوذكسيّة. بربّكم لا توزعوا على الناس من هو “قيمة مضافة” او قيمة غير مضافة. فمنّا من يعرف العربيّة وتاريخ الفلسفة السياسيّة ويفهم ما تقولون إن انتم أعطيتم كل كلمة فحواها. نحن لسنا بطائفة نطلب اعتذارا ما. الفهماء منّا يشرحون لكم معاني الكلمات التي استعملت. هذا لا يمنع الحوار بيننا وبينكم.

يبقى شيء أعظم أساسيا من كل ما قلناه ان احدا في الإدارة المدنيّة لا يستطيع ان يقول لنا ماذا يحلّ بالناس اذا ما غاب رئيس المجلس الوزاري وعيّن مثلا واحدًا من المقرّبين قد يكون من الفئة الثالثة او لا صلة له بالحكم إطلاقًا. او هَبوا ان رئيس الحكومة اعتراه حادث صحي اضطر عنده ان يلازم الفراش وقد عيّن انسانا لا يفقه شيئا في الحكم ماذا يحدث للبلد؟ وفي هذه الحال يستطيع رئيس الجمهورية ان يناقش الوزراء ولكن لا صوت له. اما نائب الرئيس الذي يعيّنه الرئيس فيفهم انه عاقل ومثقّف وخلوق وللوزراء ثقة به وهو قادر – اكثر من موظّف من الفئة الثالثة مثلا- ان يصدر رأيا مع الحكومة “مجتمعة”.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

هل من تطوّر في المسيحيّة؟ / السبت ٢٥ تشرين الاول ٢٠٠٨

المرّة تلو المرّة تسمع من يتمنّى تطورًا  في الدين لملاءمة العصر وفي الحقيقة يريدون بهذه الكلمة ملاءمة الشهوات. وهنا وددت أن أتكلّم على المسيحيّة وحدها فذلك أسهل عليّ. لعلّ تشدّد بعض في حفظ هذه الطقوس وحرفيّة التفسير كان من العناصر التي تدفع بعضا الى فكرة تحديث العبادات والعبارات وربما العقيدة. والمنطق عند هؤلاء اذا صفت النيّات انهم، بوعي او غير وعي، يأخذون التطوّر شاملا لكلّ الوجود ويجدون فيه حقيقة الوجود. معيار الحقيقة عندهم التغيير لأن التغيير نتاج العقل ولأن العقل هو كل شيء.

          يذهلني في كل هؤلاء ان أحدًا منهم لم يحدّد العقل ولم يكشف لنا ثبات العقل واذا كان معرّضًا للعطب واذا ما كان واحدا عند جميع الناس. والعقل عند هؤلاء هو العلم والعلم حقيقته لا يجوز النقاش فيها ثم العلم تحول الى تكنولوجيا واستطاب هؤلاء القوم عظم التكنولوجيا ولم يبحثوا في أضرارها او في حدودها.

          إزاء هذا الاقتناع بالعقل تأتي الديانات التوحيديّة لتقول ان الله تكلّم بالأنبياء ولتقول المسيحية انه تكلّم أخيرا بابنه يسوع المسيح. السؤال الذي يتطارحه بعض المؤمنين المدققين: هل هذا حقا هو كلام الله وما معناه اذا ثبت انه كلام الله وهل يُفهم من خلال التاريخ؟ أليست القراءة التاريخيّة تدخل عنصر النسبيّة في إدراك الحقيقة؟

          هذا كلّه أُشبِع درسًا في المسيحيّة ومنذ عصر الآباء دخل الظرف التاريخي في فهم الكلام الملهم. فالكلام الإلهي عندنا يُنسب الى الحقيقة الأبدية ولو كان فهمه متعلّقًا بظروف التفوّه به بشريا. المطلق لا يخسر شيئا من مطلقيّته اذا لوناه بأوضاع الأزمنة التي تأطر بها.

          هذا موضوع الفهم والمضمون لا يتغيّر لأنه صادر عن فم الله. لا تغيير اذًا في المضمون اذا الله قال. كيف يجب ان تفهم ما قال؟ هنا نستعمل النقد الأدبي والنقد التاريخي وسيلة لنصل الى ما جاء مطلقا. اذ ان الله يكلّم التاريخ كلّه في أسلوب التاريخ الذي نزل فيه الكلام ولا بد تاليا من درس الحضارة التي انكشفت فيها الكلمة ولكن الكلمة بمضمونها هي اياها. يبقى ان مقاصد الله قد لا تنجلي بوضوح كامل للقارئ او المفسّر. ذلك لأن المقاصد هذه مسكوبة بقالب معين.

#                    #

#

          الكلمة الإلهيّة نص ونطبّق عليها قواعد فهم النصوص. والكلمات المنسكبة بما فيها من إطار حضاري وتاريخي تبقى الكلمات الإلهيّة التي لا يناقض الله فيها نفسه والا لما كانت إلهيّة. فالنص ثابت وتكتشفه بالنقد التاريخي للنصوص وعلى رغم هذا التأطير والحدود النقديّة لك ان تصل الى معرفة المعنى الإلهي.

          اعترف ان هناك صعوبات جمّة للفهم اذ ينبغي ان تغرق في القواميس اعني قواميس اللغات الثلاث التي استُعملت في العهدين القديم والجديد لتصل عند خروجك من القواميس الى العمق. مع هذا هناك مشاكل لا تنتهي. كيف يلتتقي الفهم الإلهي والفهم البشري. الى أيّة طاقة فينا مرسلة الكلمة الإلهيّة؟ كيف يتم التلاحم بين العقل الإلهي والعقل البشري؟ كل هذا لا بد له من إدراك لتغوص على العمق الإلهي اللابس كلمات معربة.

          المسيحيون يضيفون الى هذا ان فهم المصادر ليس أسير اللغة. هناك الروح القدس الذي بعدما ألهم الكتبة النص هو إياه الذي يلهم القارئ والكنيسة إدراك النص لأن النص لا يأخذ مداه فيك الا بقوّة الروح. فاذا أخذنا بكل هذا نصل الى الوحي ونحيا به. غير ان محدوديّة الكلمة وتاريخيّتها لا تلغيان الحقيقة الأبديّة التي تحملها الكلمة. معناها ومبناها من حيث هو لباس لها.

          تلك هي النصوص التأسيسيّة الصادرة من الله في روحه القدوس التي لا تتغيّر بتغيّر الأزمنة لأن الأزمنة لا تأتي بمضمون ولو أتت حسب التنقيب العلمي بتفاسير تلقي الضوء على الأساس الذي الله واضعه. اما اذا كانت النصوص التأسيسيّة لا تتغيّر ففي المسيحيّة ان العبادات قابلة للتغيّر مع المحافظة على الجوهر. فاذا اتخذنا القداس الإلهي مثلا لا يظل يعني شيئا اذا مسست بماهيّته التي هي تحويل القرابين الى جسد المسيح ودمه. تؤطّر هذا بترتيل يختلف وفق التربيّة التي تريد اعطاءها. الأنظمة تتغير في حدود معيّنة. صورة الصوم عندنا مثلا قابلة التعديل فتأتي نسكه او تقشفه في شكل او في شكل آخر مع المحافظة على روحه. بخلاف ذلك لا يمكنك إقامة جماعة بلا أسقف أو قس لأن هذا بنظر الكنائس التراثية فيه كشف إلهي. تغيير الأحكام والنظم من ضمن روح الوحي.

          ولكن ليس من تغيير لتلائم بشكل هذا الدهرا. لا تبطل الأخلاق التي هي جزء من الوحي لتنسجم مع شهوات اهل العصر. لا تبطيل العائلة مثلا لمسرة المنحرفين: لا تقوم باختبارات على الجنين لأنك بذلك تقتله ولو كان في ذلك انفتاح على معالجة بعض الأمراض.

          لا تزول ماهية المعتقد ولو كان ممكنا نظريا ان تغير الصيغ العقدية لتوضحها حسب العقليّة المعاصرة. لا يسعك مثلا ان تلغي الثالوث ولو استعملت تعابير جديدة للتعبير عنه. فقد لا ينفعك هذه الأيام ان تقول ثلاثة أقانيم لأن لفظة أقنوم سريانيّة لا يفهمها احد في العالم العربي ولكن لك ان تستعمل عبارة ثلاثة وجوه متقابلة كلها من جوهر واحد.

          قد لا تقول للمسيح طبيعتان إلهيّة وإنسانيّة فتقول مثلا انه من عنصرين إلهي وإنساني اذا باتت مفردة طبيعة غير مفهومة لأنها آتية من عقل أرسطو ولكن تبقى مستعملا عبارة تجسد الكلمة اذ لا اجد ما يعرف على التقاء الإلهي والبشري في المسيح اليوم لفظة أفضل. ولكن في كل هذا التغيير ليس من انحراف عن مضمون العقيدة.

          الفلسفات تتغيّر ولك ان تدخلها للتعبير على ما بدُفع مرة  للقديسينا. نحن لسنا أسرى للفلسفة اليونانيّة التي جاءت فيها عباداتنا وانا اعرف ان كبارا في العالم الأرثوذكسي يخالفونني هذا الرأي. انا لا استطيع ان أفهم انك مكبل بالفلسفة اليونانيّة. انا ما قلت مع هارناك ولا مع استاذي الكبير جورج فلوروفسكي ان المسيحية التي نعرفها مزيج من الانجيل والعقل اليوناني. حتى مع إصرارنا على عبارات العقيدة المجمعيّة ولا سيّما المجمع النيقاوي الأول ما كنا سجناء الفلسفة اليونانية ولكني اقول ان توضيح العقيدة للعقل المعاصر هو امر قد يكون مفيدًا لتعميم البشارة.

          اما ان يكون عندك مضمون آخر فهذا يعني ان الله لم يتكلّم بصورة نهائية وكاملة وان كل عصر يأتي بمضمون جديد. من قال ذلك يعني في الحقيقة انه يقف من الكلمة الإلهية موقفا انتقائيا وان العصر ينشئ ايمانا جديدا ليس من النصوص التأسيسيّة.

          لا، ليس من تطور معقول للإلهام المسيحي الذي ظهر دفعة واحدة ولئن كانت الكنيسة عندها حرية كبيرة في تطبيق النصوص التأسيسيّة احكاما وأنظمة وعبادات حتى يبقى الله هو الله.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

حق المخطئين / السبت 18 تشرين الأوّل 2008

إن قلت إنّ المخطئ يجب أن يزول أعطيت نفسك حق قتله. لا يقوم العدل اي الحياة للكل الا اذا قلت ان العدل يساوي بين المصيب والمخطئ في الحياة. الحياة هبة بقوة واحدة لمن اختار الفضيلة واختار الرذيلة لأن الإنسان ولو وُجد من أجل الخير إنّما لا يوجد قسرًا. فإن انتصار الحق ينفي استعمال السيف لنصرة الحق لأن هذه النصرة هي دعوة والدعوة تفترض عطاءها بالحرية وتقبّلها بالحرية ليكون القلب لله او للحقيقة.

الدولة اي المجتمع المنظّم بالقوّة هو الذي يؤمّن حريّة الخيار للحق وحريّة الخيار للباطل اي التلاقي السلمي بين أهل الحق والباطل بحيث لا يضطرّك أحد في الحكم او في خارج الحكم لاقتبال اي خيار الا خيار ان تذهب مذهبك في الصواب او الخطأ. وليس المجتمع السياسي ولا جزء منه مفوضا لاضطرارك على اي نحو تنحوه في الاجتماع البشري الا في ما هو السلام. فوظيفة الحكم الأولى هي تأمين السلام في ما يعني حقّك في اختيار ما شئت من دين وفكر وتأمين رغبتك في الدعوة الى اي ما لا يخلّ بالنظام العام والأخلاق حسب المصطلح عليه في تاريخ الفلسفة السياسيّة عند أفلاطون حتى الفارابي.

هناك دعوات تقوّض الانتظام الاجتماعي مثل حريّة القتل لأي سبب كان مثل إبادة أهل دين آخر أو حجز حريّاتهم وهناك الدعوة الى الزيجات المثليّة على ما يقوم اليوم في بعض البلدان وكذلك حرية الإجهاض والموت الهنيء. وتبقى حرية البحث بما فيها حرية الإلحاد.

أعترف ان ثمّة مسائل خلافيّة على صعيد الأخلاق ولكنّها قليلة في هذا البلد فليس من بلد يقبل بحرية الدعارة او بالتحرّش الجنسي بالأطفال او بالخيانة الزوجيّة وهنا تدخل القوّة الدوليّة القسريّة. ولكن ليس للحكم او لفريق من المواطنين تكفير احد حتى موته وإن جاز له أن يناقش أمور اللاهوت الى الأبد.

مؤخّرًا زارني عالم مسلم كبير غير عربيّ وتباحثنا في أمر الحوار الإسلامي المسيحي وسألني عن تصوّري له. قلت له ليس من حوار صادق بين الأمّتين الا اذا اتفقتا اولا على الا تتذابحا. الا تكون حياة احد منّا بيد الاخر، ان تكون أعزل وأنا مسلّح او العكس يبطل الشرط الأوّل للحوار اي السلام. هذا كلام سابق للمحبة. اما المحبّة فتقضي بألّا تخلط الدين بالسياسة اي الا يكون شرط حوارنا ان تسودني او أن أسودك في الانتظام السياسي. والا يكون لأحد على آخر امتياز في الاجتماع المدني لأن ذلك يبطل صدق الحوار.

# #

#

أعرف أن العلماء من الديانتين تساجلوا في العصر العباسي في حرية كاملة ولكن في عصر المماليك وبعده لم تبقَ المحادثة السلامية قائمة. الحريّة الكاملة في دولة ديموقراطيّة شرط للمقابلة الكلاميّة: في البلدان التي ليس فيها الدين قسريا الصداقات تعاش ولكن اللسان مكموم.

في هذا المنطق لا بد من سماء منقشعة وهدوء قلوب وصدق معاملة لتنفتح النفوس بعضها على بعض بين المذاهب في الدين الواحد او بين التيار والتيار ولا بد من الاعتقاد بأن أحدًا لا يحمل تفويضًا إلهيًا لهدر دم اي انسان لأن الله ليس إله الدم بل إله الحب بين البشر كائنا ما كان معتقدهم وهو يفصل بينهم في اليوم الآخر. افهم ما يقوله توما الأكويني العظيم من أن الخطر لا يحق له أن يبقى ولكن توما لم يفرّق بين الخطأ والخاطئ لأن الخاطئ يرحمه الله في هذه الدنيا وأحترم حياته انا ان كنت لله.

لست أريد أن أتأمّل في خلط المواقف الدينيّة والظرف السياسي في لبنان. أتحسّر على ذلك وأبكي وأنا موقن أن الرب لا يريد ان يودع المخطئون السجون لأن السجن للقتلة وليس لمن أعمى الله بصائرهم. “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (سورة الكهف، الآية 29).

# #

#

تحدّث اباؤنا القديسون الأوائل عن كون الرب خلقنا على صورته ومثاله. أحدهم قال إنّ صورة الله فينا هي الحريّة. هذه يريدها الخالق فينا شرطا للخلاص لأنه لو جعلنا نطيعه بآليات وضعها وننسخ مشيئته فينا نسخا لما كنا على صورته. أخلص من هذا الى القول ان الله يريد لنا حريّتنا نحكم المدينة فيها اي انه يريد ان يكون الحاكم ايضا على صورته فلا يخيف الناس بالاستبداد فيتصرّف ضد منح البشر حريّتهم ليكونوا آلات في خدمة مطامعه.

واذا اعتبرنا عيشهم فيما بينهم لا يكونون احرارًا الا اذا كان كل فريق منهم يعترف بكرامة الفريق الآخر واذا تجادلوا فلكي يقتبس كلّ قسم منهم رأي الآخر يصدر عنه بلا وجل ولا خوف فتتكامل الحريات. وهذا هو العيش الواحد. لا وحدة بلا تنوّع ولا تقابل. ليست الوحدة صبا، انها كالبستان الذي تتعدّد فيه الأزهار وتختلف وجمالها بانسجامها وأنت، مالك عقار، يسجل البستان على اسمك ولكنّه متعة لأصدقائك وضيوفك. وفي نهاية النهايات، كما يقول الروس، انتم مجتمعون وأصدقاء بسبب من هذه المتعة المشتركة.

يؤسفني، كقارئ تاريخ، ان ألاحظ ان التشديد على الحريّة انبثق من الثورتين الأميركيّة والفرنسيّة في القرن الثامن عشر بعد أن عرفت ان قولة المسيح: »تعرفون الحق والحق يحرّركم« لم تنفذ حقا في التاريخ الديني ولكن نفّذها حكّام ابتعدوا عن الكنيسة. أعرف ان الحريّة العميقة، حريّة النفس لا يقدر مستبدّ عليها والدولة المستبدّة لا تقدر على من حرّر الله نفوسهم. ومع ذلك، أتت الحريّة من الأنظمة العلمانيّة ولو كان لها جذور في الأديان على اختلافها هي عطيّة الله. نستمتع بها من حيث جاءت كائنة ما كانت النصوص التي تزكّيها.

انا يهمّني ان تكون، ان ترعى المدينة. لعلّ ارنسان يذهب من هذه الحريّة السياسيّة الى حريّة أعماقه فيتربّى على ألّا تتحكم به شهواته ولعلّ الحرّ ساعده على الكيان الإنساني الحر.

أعرف أن كل هذا حلم وأننا سنناضل الى الأبد او قبل الأبد بقليل لنجعل للملكوت صورة في الحضور السياسي أفي الوطن كان هذا ام في العالم. ليس لأحد سيادة على عالم فيه مَن كان على الصواب وفيه مَن كان على خطأ وهؤلاء كلّهم عيال الله. متى ينتهي العتف؟ متى تنتهي كل أشكال العنف حتى نشتهي ملكوت الوداعة؟

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

سوريا ولبنان / السبت 11 تشرين الأول 2008

نشأ لبنان الحاضر حلما عند أهله في خطفة من الزمن بين إصرار فرنسا على سوريا الواحدة. نشأ سريعا جدا اذ لم يذكره اتفاق سايكس بيكو ولا معاهدة فرساي ولكنه نشأ وكان المخاض عسيرا ولكنه نشأ من بطن هذه الأرض ليسكن سماء القيم وأفراح الحضارات المتلاقية هنا منذ سومر وبابل وكنعان والعرب ممسوحا بزيت البهجة ومسلمًا لله ليقول كلمات ما قيلت معا قبل هذه الولادة الغريبة التكون، هذا المرسل الى العرب ليقيموا في الدنيا ومع الدنيا.

ما أعظمه تحديا للمتخاصمين على هذا الكوكب اذ يقول على طريقته انه يمكنه ان يجتمعوا وان يغنوا معا أنشودة الحب الإنساني الممدود في الأقطار بعد ان نصب الله بنفسه الأرز على جبالنا كما يقول المزمور 103. كيف تنقض ما رفعه الله ليخترق السحاب ويطمح في السماء؟

ما الغرابة في ذلك فليس من وطن مرسومة حدوده امام عرش الله! كل الأوطان مصنوعة. كلها ضم وفرز بعد ابتلاع. ما فرنسا سوى تحقيق لشراسة سيد النطاق الباريسي بكسر الأقاليم وإزالة اللغات المحليّة. ما ألمانيا سوى قرار من بسمارك. ما الباكستان سوى تقسيم بريطانيا العظمى للهند؟ هل من فرق تكويني من مسلمي الهند وهم مئة مليون ومسلمي الباكستان وبنغلادش؟ بلجيكا دولة مركبة من عنصرين كلاهما كاثوليكي ويشتهيان الانفصال.

شاء الموارنة هذا البلد منذ غورو ويوسف الحويك والأرثوذكس والمسلمون آنذاك ما شاؤوه حتى ارتضاه الجميع على مراحل انتهت بالطائف والدستور الجديد. أرادوه لهم جميعًا وهم متّفقون على حدوده الآن وعلمه وتنوعهم وتعدّدهم واختلافهم في ايلافهم هذا الحليف او ذاك او هذا السند او ذاك واتفاقهم على ان يقولوا لا لإسرائيل فيفكروا من جديد بشأن البلد اذا وقعت مع اسرائيل سوريا معاهدة سلم.

قال لي رجل دولة كبير من عندنا في مقابلة له مع المغفور له حافظ الأسد ان هذا قال له بعد ان تنضم موريتانيا الي سوريا سوف أفكّر بضمّ لبنان. الضم مُرجأ وكأنّ الحب عذري. هذه وديعة حافظ الأسد ونحن له شاكرون. هذه وحدها كافية لتمطر عليه الرحمات. لذلك لا أفهم قول اي لبنان نريد. فحكم الدول ان تدول والأحلاف أن تتبدّل. قال لي فلسطيني مسيحي كبير: ستزول اسرائيل لأنها ستنفجر من الداخل. «لست نبيا ولا ابن نبي». وكتب المناضل الفلسطيني العظيم ادوارد سعيد المدفون قرب بيتي في برمانا: انا أتمنى ان تصير فلسطين دولة واحدة لليهود والعرب. هنا ايضا لست أعلم ولكني أعلم كما يعلم المؤمن اننا لن نترك القدس لأن قلوبنا هناك. سترحل اميركاعن العراق بعيد الانتخابات الأميركيّة الآتية. هل بدأ الغزل بين فرنسا والشقيقة الجارة ام غدا حبا شرعيا؟

# #
#

هل الحلم اذا رعاه الله يبقى تحرّك قلوب ام هو وعد بأننا قادرون على استنزال البركات؟ يهمّنا جميعا ان ترتاح سوريا الى قوّتها ودعوتها الأبدية وهي مذكورة على الأقل مرتين في العهد الجديد ونحن مذكورون أكثر من سبعين مرة في العهدين بما كان فينا من عظمة وما كان من هوان.

لم يبقَ بعد ان تقادم الزمان علينا وعلى الجارة ان تخشى مما اعتبرته في عقود غابرات منا تهديدا على لأمنها. وحتى يطمئن قلبها أقول ليست لنا قدرة على أصغر موآمرة. غير اننا نؤمن ان الحب يستدل عليه او يبرهن عليه بعد ان تنشب خلافات بين زوجين او حتى اختلاف.

ليس لنا من مطلب الا ان تعترف سوريا صادقة اننا وطن نهائي وهي فد رعت الطائف. أمانينا أن تعترف بأن لبنان العميق يحبها والحدود ان رسمت علامة على ان الانسجام لم يبقَ هزيلا. لست أظن انها تشتهينا في احضانها فالاحتضان خطر او حزين. نؤثر ان نكون في قلبها لأنه أطهر من الحضن. الحدود المرسومة طمأنينة ولكن حدود القلوب غير مرسومة لأن القلوب لا تعرف الخرائط. والقلب لا ينثلم اذا تحقق الإخلاص.

وفي دستورنا كلام على الأمة اللبنانية. انا لا أتحدّث عن قوميّة ولكني أتحدّث عن مسحة عربيّة، عن ثقافة عربيّة، عن لغة لنا ليس لسحرها مثيل. هذا يكفي للشعور والتعاون والاستقامة في التعامل من اجل خيرك وخير الجار بحيث تشتهي له ما تشتهيه لنفسك واذا كنت طيبا تؤثره على نفسك ولكن في حريته وحريتك لأن الحرية لا تنقسم. وهذه البقعة من الهلال الخصيب انطلقت منها القضيّة العربية وهي باتت عليها وتغذيها وتذكّر بها وتقدّمها غذاء للعالمين.

وبعد أن برهنت أوربا الغربيّة على قدرتها على التلاحم بقي شيئان التلاحم والسيادات الوطنيّة او القوميّة (قولوا ما شئتم). وغدت الحروب عندهم غير معقولة في الحساب البشري وزالت أحلام الضمّ. وانت تموت حبّا بلا ضم. واذا نزل كلامي على الأرض فأشياؤنا الأرضيّة كثيرة ونتبادلها وندخل مسعى التبادل في كل شيء ما عدا الكرامة التي هي اعتراف بنفسك ومواجهة ومواجهة وهي في اللغة ان يكون الوجه الى الوجه حتى اقتراب القبلة وبعد القبلات يأتي تنظيم العيش في ما وهبنا الله من رزقه وفي ما تتبادل العقول النيرة والمتواضعة بآن. ولبنان مرغم على التواضع ولا يستطيع ان يستكبر ومن لا يستكبر لا يطمع الى ان يرتب الله شعوبه ترتيبا يوافقها وتتوافق الشعوب ان هي شفت.

عندنا كلمتان في الفلسفة اليونانيّة تدلان على العقل . عندنا كلمة إدراك وهو يتعلّق بشؤون الدنيا وعندنا كلمة تعني الإلهي فينا وهو أعلى ذروة في الفهم فاذا منحك الله الاثنين تصير انسانا سماويا لا يعلوه الا الملائكة التي لا تعرف الغرائز ولا أطماع فيها. متى يصير لبنان وسوريا ملاكين يتغنيان بالله!

هل تساعدنا سوريا على إطفاء نار الفتن المتأججة عندنا؟ هل تقف دون انهيار الهيكل اللبناني فخرابه خطر على الجميع. انا عشت زمانا كان وطننا هيكلا نعبد فيه الله ونجلّ الإنسان. في سلك الحقوق الذي انتظمت فيه ردها من الزمن كان لنا قضاء نزيه وعالم. كانت تصدر من محاكمنا أحكام ليست دون محاكم فرنسا جلال وحكمة ومعرفة. نحن عرفنا الطهارة او الكثير منها في كل قطاعات حياتنا الوطنيّة. ورأيت الاستقامة في اعمالنا التجارية والصدق في التلاقي. لم يكن لبنان فاسدا في الإدارة بصورة مريعة. كان في البلد بذور الإخلاص. وما كنا نصدّق ان مجالاته كلها محكوم عليها بالفساد.

لبنان له من ربه وعد بالقيامات.كذلك عرفت سوريا تمارس فيها الديموقرطية ممارسة مرضية وبلدا يعج فيه الفكر الخلاق وكنا نحن واختنا الكبرى متشابهين كثيرا. فلماذا البرقع الذي يحول دون رؤيتك الوجه الوضاء؟ اكشفوا عن الوجوه الأقنعة واستلذوها حتى لا يغرى احد بالأجنبي. «وتعرفون الحق والحق يحرركم». لماذا لا نصبح امّتين بارّتين لندخل من هنا باب السماء معا؟ الاتهمنا سماء نحيا بركاتها على هذه الأرض؟ نحن ننتظر ومن انتظر لا ييأس ويبحر الى أقاصي الأرض ليعلم البشريّة الحرف الذي انبثق في اوغاريت شمالي اللاذقية وتبنيناه وصدّرته جبيل. والأبجدية هجأناها في البلدين في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وبحروفنا أبدعت اليونان الفلسفة.

نحن قادرون ان نتفلسف ونبدع ونطعم العالم من عقلنا المتأله ونتلاقى بالعمل وكل نوع من أنواع الخلق وراء حدود مرسومة على الخرائط والأرض وبلا حدود محفورة في القلوب.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

البلد العظيم / السبت ٤ تشرين الأول ٢٠٠٨

الإثنين الماضي صباحًا كانت سيارة متجهة من طرابلس الى محلة البحصاص فيها رجل وامرأته وثلاثة أطفال أكبرهم عمره ست سنوات قاصدين مدرسة الأولاد في الكورة. ولي مع هؤلاء نسب حميمي. كانت المتفجّرة قد تفجّرت ورأى هؤلاء أنفسهم أمام الدخان المتصاعد منها. اي انهم لو وصلوا الى المكان دقيقتين او ثلاثا قبل الانفجار لماتت العائلة كلها.

          لا تعرف من أين يأتيك الموت في لبنان ولا تعرف من قتلك. نحن بتنا جزءًا من لعبة تحتاج الى مجرم والى قتيل والى خبر في الصحف. كل منا يذهب الى موضع عمله ولا يعلم ان كان يعود. القدر الأعمى كتب علينا هذا. من يستطيع ان يتذاكى على القدر او يتفلّت من قبضته؟ هل في هذا البلد سحر يجعلك تلازمه ولا تخشى الخطر؟

          كان تحت بيتي الى جانب الطريق مربض للجيش في الحرب تطلق مدافعه قذائفها على الجبل المعادي والجبل يطلق علينا حممه. واللعبة تجري أمامي ونافذتي المطلّة على المربض عرضها أربعة أمتار ونيّف. وانا اكتب اثناء رقصة القذائف مقالاتي للنهار او ما ينفع المؤمنين وذلك بلا خوف إطلاقا. تربينا خلال سنين طولى على الاستسلام. هكذا عشنا بلا فكر، بلا رجاء استثنائي كما النهر يجري في واديه تدفعه الطبيعة الى حيث يجب ان يصبّ. اذا ذكرت اللافكر الذي ذقته أشعر انه غمرني غمرا لا يوصف. مرة دعاني الرئيس أمين الجميّل الى القصر فناديت سائقي ان يغادر بيته ليلتحق بي في الجبل. فلما وصل الى مقري أخبرته اني أريد منه ان يسوق بي الى الرئيس. قال الإذاعة تبث ان الطريق من هنا الى بعبدا تتساقط عليها القذائف. قلت له اذا طلبني الرئيس فلكي يبلغني شيئا او نتذاكر بأمر. سلّمت نفسي الى الله وسرنا. وحده ربّك في لبنان يحفظك وليس للدولة دور في بقائك حيا. انت تنال وجودك نعمة.

          انا لست أعرف من فجّر المتفجّرة في البحصاص ولكن ليس مقبولا ان تقلب السلطات كل الاحتمالات ونجعل هذا حديث صالونات لأن الموت بات مألوفًا. سألني أحد الأصدقاء اليوم لماذا تكتب كثيرا في هذه الفترة عن الموت. أجبت بت في هذه السن أليفه. ولكن هَب أن أقربائي الأطفال كانوا في السيّارة وبقي واحد منهم كيف تفسّر له ان القتل يحبّه قوم عندنا. كيف تفسّرللطفل ان القتل شيء عبثي فالطفل يلعب مع الطفل بكل حب. لماذا لبنان ليس مملكة الفرح؟ لماذا يحمل الطفل الدمية ودمية البالغ سلاح يلغيك. لا يفهم الولد لماذا كانت القاعدة ان يلغي القوي من لا يستقوي بأحد. أتصوّر أقربائي الصغار كانوا يغنون وكثيرا ما أسمع غناءهم ويفهمون اللغة التي يستعملون في الغناء. ولكن ما هو الفهم الذي يحرّك القاتل؟

#                       #

#

          المنفّذ عمليّة الإبادة لن يقرأني وقد لا يقرأني باعثوه واذا فهم فله منطق آخر. والأصل الفلسفي لكلمة منطق يوناني ويعني العقل او الفهم. وهذا الذي يريد إلغاءنا يلغي الحياة في مطلقها لأنه لا يعرف هويّتنا اذا أتى القتل عشوائيّا.

          لأذهب اذًا في منطق الآمر بقتل الجنود في البحصاص. هو ليس خاليا من العقل المنظّم وربّما من الذكاء. ولكون الاعتداء على الجند ليس المرة الأولى فبلا ذكاء مفرط لنا ان نتبيّن الخيوط التي تربط كل الجرائم ضد العسكر. واذا افترضنا ان المبعث ليس واحدا فالفلسفة التي ألهمت كل الجرائم السابقة وجريمة البحصاص واحدة. لا لزوم اذًا الى بحث كبير وتدقيق عظيم لمعرفة الجناة.

          هذا يوضح ان ثمّة من يريد الانتقام من الجيش. ولكن هذا أضعف الإيمان. ما يتضح من تراكم الجنايات وتتابعها وكثرتها ان ثمّة عداءً للجيش واننا لسنا امام عمليات صغيرة رمزيّة. هناك تصميم على كسر الجيش وربما دعوة الى تفتيته لأنه يحمي المصالحات الوطنيّة. من المستفيد  من هذا التفتيت؟

          ولكن الهدف الأخير هو القضاء على لبنان ومحوه من الخريطة. وممكن ان تثمر المصالحات ولا تنتهي خطة تقويض البلد. هل يُراد تخريب لبنان عن طريق الإخلال بأمن طرابلس وجعلها تيأس من قدرة الدولة على أمن المدينة؟ لقد آمنت عاصمة الشمال بلبنانيّتها منذ تولي المغفور له عبد الحميد كرامي رئاسة الحكومة بصورة واضحة او من بعد انكفائه عن الدعوة الى الوحدة السورية في السنة الـ ١٩٣٦ ولم نشهد بعد ذلك ما جعل الناس يشككون بلبنانيّة المدينة. فالقول بأنها أمست بؤرة للأصوليّة الإسلاميّة لا يأتي تاليا من أهاليها. هل هناك بؤر دخلت اليها خلسة. هذا لا يعسر على الدولة معرفته ولا يعسر  عليها تاليا حفظ كرامة الطرابلسيين وتعقّب أعداء طرابلس اذا كانوا متغللين فيها.

          وكما ضرب الجيش أعداء الوطن في نهر البارد لا يصعب عليه ضرب من يماثلهم او يشبههم في أحياء المدينة اذا كانوا قابعين فيها. ولعلّ من أهداف إحداث تفجير في البحصاص خطة تقسيميّة تعزل الكورة عن طرابلس ومئات التلامذة الذين يذهبون كل يوم من المدينة الى الكورة وان ينعزل في الكورة اهاليها تسهيلا لمهمة الذين يهوون عزل الكورة بسبب مذهبي او غير مذهبي. هناك تشابك او أسباب مفترضة كان لها جذور في الماضي وتؤول جميعا الى برعايةا الشمال او احتضان الشمال من غير القوى اللبنانيّة.

#                        #

#

          ان تصير الدولة دولة هو المواجهة لكل الافتراضات والجواب عن كل الأسئلة. الوطن كله تهدده هزالة كبيرة أقوى من كل المصالحات وبحث قانون الانتخابات والاستعداد لها. من ضمن تقوية الجيش من كل جوانب القوّة بحيث يخشاه المتسترون وراء قوى نجهلها والمتغذية منها. اسرائيل هي العدو الوحيد؟ هل هي وراء الاغتيالات والانفجارات؟ بانتظار معرفة ذلك تقديري ان عدوّي من يقتل أهلي وجيشي. انا أواجه اسرائيل باستقراري اولا اي بقمع المجرمين في الداخل ولا أحد يقنعني ان الدولة عاجزة عن معرفتهم وتاليا عن إدانتهم في مراجع القضاء بعدالة كاملة لأن الدولة جسم لا ينتقم من احد. أريد ان يصل الولد الى مدرسته وان يعود منها والمواطن العادي ان يذهب صباحا الى عمله ويعود وان يتنزّه الناس في الشوارع عند المساء.

          كل التأويلات المتعلّقة بالمذهبيّة تزول حتما اذا عاشت كل المناطق بسلام فلا يشك أحد بالآخر على هذا الأساس ونتقابل ونتلاحم. كل تشهير بكتله اخرى يسقط على نفسه اذا تعايشنا بسلام وما اقتنعنا ان هذا البلد مكتوب عليه الموت الى مدة طويلة جدا. الحلول لا تنزل علينا آليا من الجو. تقرأها السلطات وتتابع تنفيذها. وعند الهدوء يقتنع الجميع ان البلد ليس بحاجة الا ان يرعى نفسه فينصرف الى العيش المنتج والتقدم على كل صعد الوجود ويثبت لمن يهمّه الأمر او لا يهمّه انه قادر على  قامته ان يصبح بلدًا عظيمًا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الموارنة / السبت 27 أيلول 2008

ليس في الدنيا حياد. لأن الدنيا قراءة للسياسة والسياسة، منذ أفلاطون، قراءة للإنسان الحر. العبد عنده خارج المدينة. بعده اي في الأزمنة القريبة أدخلنا المرأة الى المدينة وربما ساعدتها اذا ادخلتها الى مجلس الأمة ولطفت رجاله. ويَدخل القوم المجلس أفواجا وأديانا، في ظلال الأرز الذي الله ناصبه كما يقول المزمور. وتعلم في كل ذلك انك لا تستطيع التنطح الى الألوهة. هذا ما فعله آدم فعوقِب في الخروج من الفردوس. والمبتغى العودة الى الفردوس ومنه السياسة الحكيمة.

الرشد السياسي بدا انه نزل على المسلمين والعقل نزل على الموحّدين الدروز ومرشدهم الروحي يدعى شيخ العقل. وحدهم الزعماء الموارنة الذين يتأبّطون في ظهورهم الكلامي بقية المسيحيّين في حاجة الى أن يؤمنوا بجوهر ديانتهم او بكل ديانتهم أعني المحبة. ولكنّّم في حالة انتظار حتى يأتي الترياق من العراق.

لماذا سميت الزعماء الموارنة؟ لأن دنيانا الصغيرة لبنان قائمة على الزعامات او لأن المسيحيين الآخرين ليس فيهم زعماء او لا يريدون هذا النمط من القيادة او لا يستطيعون ولأن القليل اذا عيرته بقلّته او لم تعيّره مضطر على الإنزواء في بلد التوازنات المستحيلة او قد يجد نفسه على غير صعيد ولكن هذا لا يرى في الطاحون السياسي الذي «اسمع فيه جعجعة ولا أرى طحينا».

لنقل اذًا الموارنة لأنهم الوحيدون في الميدان حتى تأتي الإنتخابات بالموارنة الجدد. حرجي في هذه الأسطر اني أسقف أرثوذكسي واني لا ألقّن درسا خارج نطاقي ما يضطرني الى كلام متواضع ولست مدعوا بحكم هويّتي ان التزم احدًا او ألازم أحدا من الإخوة الموارنة وان ضممتهم جميعا الى صدري بحكم كأس الخلاص الواحدة التي نتناولها في القداس. انا تعلّمت على مقاعد اللاهوت انك ان اكلت جسد المسيح وشربت دمه فلكي تأخذهما معك الى خارج الكنيسة اي الى سياسة المدينة. اللاهوت الكاثوليكي يعلّم انه يجوز لك في الدنيا ان تختلف مع اخيك المسيحي لأن للسياسة قواعدها وللكنيسة قواعدها. وهناك طرق للاختلاف ولكن ليس هناك طريق للخلاف ولا للإنشقاق لأنك ان دخلت هذا تكون في الكنيسة قد شربت دينونة لك فيما كنت تحسب انك شربت دم المخلّص. الحاجة اذًا الى منطق، الى ان يستوي الجميع على آرائك الحب.

هناك عبارة تتكرّر «المسيحيون ولا سيّما الموارنة». لماذا «لا سيّما» والموارنة وحدهم يصنعون السياسة ويقولون انها سياسة للمسيحيين جميعا. يخطئون وحدهم لأنهم وحدهم في المواجهة ويوقعون المسيحيين الآخرين في الجب الذي حفره الماروني للماروني ويتألّم الجميع ويضطَهدون في أزمنة الفواجع حين لم يخطئ الجميع.
# #
#
كتب مرة القديس يوحنا الدمشقي منذ ألف ومئتي سنة تقريبا في المجال اللاهوتي «لانمورنن» ولكنه كتب باللغة اليونانيّة التي ألصقت بالأرثوذكسيين. اما في المجال السياسي بعد انقضاء كل هذا الزمان فالمارونية السياسيّة وحدها قائمة ويقع على قادة الكنيسة المارونية ومؤمنيها ان يصحّحوها لأن تجربة الحرب بيّنت انها باطلة وانها أسهمت في اندحار المسيحيين وعلى تهميشهم فالمسيحيون قاسوا جميعا نتائج الغلطة التي يرتكبونها. وحان حين التوبة والاستغفار الصادق وهما وحدهما ينقذان الموارنة وفي الإنقاذ نحن واحد وما كنا واحدا في الغلط.

اذًا «تعالوا الى كلمة سواء» وعندنا نحن اتباع الناصري هي كلمة محبة اي كلمة التلاقي في الحياة الوطنيّة. انا كتبت غير مرّْة اني لا احب التكتل المسيحي لأنه يناقض التكتل الوطني. في الشأن الكنسي الوضع آخر حيث كل المسيحيين واحد. اما في امر دنياكم فالمسلمون والمسيحيون واحد كما قال جبران تويني. ولكن بعد التفسّخ العميم بتنا مضطرين الى تلاقي الموارنة بعضهم الى بعض وفي المبدأ ليس لأحد ان يعلّمهم درسا في المحبة ولكن في الواقع أشكر الله انه جمع السنة والشيعة كما يبدو وجمع الموحّدين الدروز ويبقى ان يجتمع اهل المسيح في هذا العالم المجتزئ لنتساوى في الإخاء الوطني.

ما من شك عندي ان الشعب الماروني الطيب يريد الخلاص في الاتحاد وان يصبح زعماؤه الحاليون دعاة الاتحاد وهذا ليس إزاء المجموعات الأخرى ولكن تأكيدًا لمحبة الماروني للماروني ومحبة الماروني للمسيحي الآخر على طريق المصالحة التي تتضمّن المصارحة بين اللبنانيين جميعا. متى يصيرون واحدا في الوطن كما هم واحد في المسيح؟

هذه دعوة انسان متألّم من الفرقة. فهذا بلد غير معقول بلا موارنته لا في نشأته ولا في آتيه. متــى يعقل الموارنة هذا بلا افتخار ولكن بروح الخدمة التي دعوا اليها ليكونوا مع الجميع بلدا واحدا؟

رجوعا الى الزعامات وهي لا تبدو كثيرة. نريد بينها تلاقيا كبيرا في قواسم مشتركة. انا لا افهم الكثير في السياسة أولست منخرطًا فيها. ان انكفاء الزعامات في المارونية عن التوحد المعقول يؤذن بخرابها وخرابنا جميعا. التضحيات مطلوبة ولست أقول بلا فكر ولا نقاش. هناك تلاحم بالقلب يؤتي التلاحم بالعقل. هذا ما يقوله اللاهوت الأرثوذكسي الذي أجيء منه. فالقلب المستنير يسقط نوره على العقل حتى يتلاحما. لا يفتكرنّ أحد بالاستغناء عن الموارنة. انهم أركان ولكن لا يفتكرن الموارنة بالاستغناء عن أنفسهم. فاذا سقطوا في هذه الخطيئة يموتون ويموت البلد معهم.

أنا لا أعرف الآلية التي يتّخذها الإخوة الموارنة ليصلوا الى الصلح فيما بينهم. هم يعرفون بعضهم بعضا وفن المحادثة عندهم. ولكني استنجد بطريركهم ليجمع كل طاقاته الحيّة ليعود الى ندائهم وجمعهم، ليطهرهم من داء الافتراق والى وحدة فيهم خلاقة. ناشدته في هذه الزاوية مرّة ان يناديهم امام المذبح المقدس اذ لا يبقى له أبوّة ان رفضوا هم بنوتهم له ويفقدونها ان لم يوحدوا قدسيّة كنيستهم الى قدسيّة لبنانيّتهم. انه يستطيع بروح النبؤة ان يتذكّر قول الكتاب: «اضطرهم على الدخول» الى بيت الصدق والعطاء والى التأمّل في حاجة لبنان اليهم. «اليوم، اليوم وليس غدًا» يا سيّدي. اليوم قادة الموارنة السياسيّون يجب ان يتّقوا الله من أجل نفوسهم ومن أجلنا حتى يصير البلد معافى. وبعد توحّد كل اللبنانيين كل في عشيرته لكل حادث حديث. والوحدة إن تمّت تولد الوحدة.

وأنا أصلّي، وأبناء كنيستي يسمعون صوتي على ما أحسب. بقيت وحدتكم يا أحبّتي الموارنة شرطا لنهوضنا جميعا في ظلال الأرز.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الذين غابوا / السبت 20 ايلول 2008

الأحياء اذا غابوا عنك وهم لا يزالون على قيد الحياة لا يموتون. يجعلونك تذوق بعض موت. ولكن الحياة كلّها غربة حتى يخطفك الله الى ملكوت الحياة التي لا تنصرم وهو القائل عنك لمن غيّبك: »أعطني هذا الغريب« لأنه يريد أن يجعلك رفيقه.

وقد تكون سببا لهذا الاغتراب او يكون صديقك او كلاكما كذلك حتى نعود الى الوطن السماوي حيث يجلو الملكوت وتغني مع الملائكة الإله الذي ارتضى بدم ابنه ان يجعلك له حبيبا. كل تواصل في الدنيا نسبي فمن اخترته لك قريبا قد تكتشف بعده عنك او بعدك عنه وترمى في الصحراء وتعطش فيما تتبدى على رجاء الواحات. ولكنّ الواحة قد تتفجّر او لا تتفجّر واذا أنقذك ربّك من البادية يبدو حولك جنات ما كنت تتوقّعها. ولعل الوجود كله يقذفك بين العطش والارتواء حتى ترتوي في اليوم الأخير بما أعدّّ الله من ماء الحياة الذي لا خيبة فيه. وهذا ليس لك فيه اختيار. ولعل كل الناس موتى عطش حتى يحييهم ربهم برحمته عليهم بالخيرات.

وتقضي وقتك وأصدقاؤك ما عرفوك. رسموا لأنفسهم صورة عنك وقد ينقضي معظم زمانك لقاء صور بحيث تغدو غريبا لمن حسب انك لصيق.

اما الذين ارتحلوا من موت فهم ألصق بك لأن الموت لا فراق به ولو بدأ لوعة لأن اللوعة مواجهة لا خصب فيها والموت فراق العيون لا الوجود عن الوجود ولاسيما اذا كان الذي ذهب قامة من نور فهو يضيئك والحي يطفئك احيانا او انت طافئه اي ان واحدا منك لا يقتبل الضياء الذي هو وحده الحياة كما يقول يوحنا في مطلع إنجيله. ولا ندرك كيف تنزل عليك من الذين ارتحلوا مودات ولكن هذا يقع في أعماق النفس. وتتقبل هذا المطل عليك من فوق وترنو اليه في الضيق لتتعزى عن الآخرين او عن نفسك ويساقط هذا عليك ثمار السماء واذا نزلت عليك مائدة من السماء تكون لك وله عيدا ويكون الحزن قد انقطع.

واذا أدركت الشيخوخة ورأيت انهم يذهبون الواحد تلو الآخر لا ترى نفسك، بالضرورة، وحيدا لأن الفراق ليس مقاطعة وربما كان اللصوق بالسماويين أقوى من ذاك الذي على الأرض لأن الله مشيئته فيك وفي هذا الذي صار عندك أقوى في الرفقة وأقوى في النسابة وعلى الأرض ليس من نسابة حقيقيّة الا التي لا تظهر.

هنا كل شيء من عالم المحسوس اما اذا انقضى الجسد فتذهب معه احاسيسه وينشأ فيك وفي من رحل إحساس لا يسجّل في بدنك ولكنه جقيقي أكثر من البدن الذي انت فيه الان.
# #
#
كثيرون ممن عاصرت وعايشت وأحببت منذ وعيي اي قبل سبعين سنة ونيّف ارتحلوا فاصدقائي من الأطفال والكهول والشيوخ يقيمون في الرحمة. انا بعضي هناك. نحن نعيش على هذه الأرض وفي الحقيقة اننا نحيا فوق على رجاء امحاء خطايانا وكسب الرأفة الإلهيّة. غير انه لا يسوغ القول ان من ذهب من الأحبة يحيا فيّ. ويسوغ القول انه يحيا معي اذ ليس من عشق بيننا وبين الأموات. فالتحرّك نفسي بمعنى التواد اللاهب للنفس ليس له مكان هنا. ولذلك لا نعيش في التوجّع وبعد مدة من الفراق يزول الحزن ايضا. »لا تحزنوا كما يحزن باقي الناس الذين لا رجاء لهم«.ويجوز لنا ان نفرح للأحبّة الذين غابوا لأنهم في مطرح أرحب من قلوبنا وأهم. وهم يعيشون مع أمثالهم الأبرار ويشدونا ليس الى أنفسهم ولكن الى ربهم.

واذا ذكرناهم في الدعاء ففي الحقيقة نطلب لهم الرحمة لأنهم قادرون ان يذوقوها. ذلك ان التراب لا يدوسهم ولو غطّى أجسادهم. ان اجسادهم في رعاية الروح القدوس وهو جامعها منذ الآن الى الله على رجاء القيامة والحياة الأبديّة. الشيء المشترك الواحد بيننا وبينهم هو الرجاء.

لما تأمّلت في هذه الأمورمنذ فترة قصيرة وفي عودة الى دستور الإيمان عندنا لفتني فيه قولنا »اؤمن بإله واحد« وبالابن والروح القدس وعندما نصل الى القيامة نقول: »وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي« وذلك لنؤكّد اننا مشدودون اليها اي لأنها وعد. لماذا لا نقول فيامتي ولكن قيامة الموتى. ذلك اننا واحد معهم وان الجماعة التي تكوّنت هنا هي اياها التي تقوم مجتمعة بالحب الإلهي الذي ينزل عليها لتستيقظ من رقاد الموت. ويزول، عند ذاك، سر الموت اذ بديله سر القيامة.

انا احيا تاليا مع أصدقائي القياميين ولذلك يعطونني الآن ما كان أعظم وأجمل من الذين كانوا يعطونني لما كانوا معي على هذه الأرض الزائلة. كل بذل هنا بين حبيب وحبيب انما يشوبه الضعف البشري. وإحساسي ان ما آخذه اليوم من الراقدين ليس فيه انثلام الأنا التي كانت للصديق ولي. انا الآن أبذل نفسي عنهم بالعطاء وهم يبذلون لي ما يستمدونه من الحضرة. ولذلك بات ما نتبادله أنقى بكثير مما كنا نتبادله هنا حتى يرفعنا ربّنا الواحد الى الكنيسة الظافرة في يوم حكمته.

لذلك وجب علينا ان نساعد المدنفين على لقاء ربهم وهذا بات علما اليوم وله مؤسساته وفيه نباهة النفس ورأفة كبيرة حتى لا يخشى احد الموت بل يستقبله باىمان واتكال على ما ينزل عليه من الحنان الإلهي وقد يلمس ان حنونا مستقى من الحنو الإلهي فيشكر ويسلم لربه بفرح او بعض فرح مع خشية طبيعيّة وقد يبكي لخروجه من حضن هذه الأرض التي كثيرا ما كانت حبيبة. وربما تجلى الله لكل من دنا أجله لعله يتراءى له شيء من الأنوار الإلهيّة قبل ان يغمض عينيه. هذا الجسد فيه اقتبال للأنوار لأنه مثل جسد المسيح. ربما زال عنه شيء من الفساد قبل ان يفارق ولاسيما اذا فارق في غبطة القديسين.

# #
#
في هذه الحال هل غابوا؟ انا يحزنني ان يقول بعض اننا لا نستطيع ان نقول شيئا قبل ان تأتي الدينونة اذ ليس عندنا في الإنجيل ما هو قبل القيامة. جوابي كيف تقبلون كلمة الرب: »الله ليس إله أموات بل إله أحياء«. هنا ايضا لست في مقام سجال ولكني في مقام الحب. هؤلاء الأعزة التي حدثتكم عنهم هم معي وانا معهم وانا اعرف ان الأمر أمر لقاء دائم وليس تخيلا. هناك أربعة او خمسة من الناس أذكرهم دائما وأذكر واحدا كل يوم لأنه كان عملاقا روحيًا وعالمًا لاهوتيًا كبيرا. ليس للخيال مكان في ذكرى عظيمةة كهذه. والى شهادتي كخاطئ يصلّي هناك ايضًا خبرة القديسين الذين اناجيهم ويناجونني واكتب واتكلّم عند املائهم واذا كانوا لا يستكتبوني فأنا أتفه المخلوقات. انا اعرف انهم أنقذوني من محن كثيرة أدعوتهم صراحة ام لا أدعُ. هذه أبعاد في الوجود لا يعرفها الا الذائقون.

لذلك أكرر الا تبكوا على الأحبة اذا توفاهم ربهم اذ تكونون تبكون على مشاعركم الأرضية وتحبون الا تنقطع دموعكم التي هي من الأرض بل افرحوا لمن بلغ السلام ولمن يستطيع ان يستنزل عليكم راحة هي من التعزيات العلوية. »افرحوا في كل حين واقول ايضًا افرحوا«. اذكروا انكم فصحيون وان هذا الفصح قادر ان يستقر فيكم. لم يفنَ شيء فالمصاحبة قائمة فوق وهنا وأجواق الملائكة والبشر تنشد معا واذا اجتاز الكاهن عندنا درجات الهيكل عند الدخول بالإنجيل يقول لله: »اجعل دخولنا مقرونا بدخول ملائكة قديسين«. واذا كانت الكنيسة مطرحا للسماء فالفرق بين الذين دعاهم الله اليه والذين استبقاهم ان المستبقين لا يزالون على الخطيئة واولئك بانتظار المجد الأخير.

كلنا توّاق الى هذا المجد بعض في هوان وبعض في قوّة حتى يزول الهوان.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

عيد رفع الصليب / السبت 13 ايلول 2008

مرة سألني واحد من شهود يهوى: لماذا تكرّمون الصليب، هل تكرم ام قتل ولدها بمدفع العدو هذا المدفع؟ أجبت: عند المسيح أداة موته هي اياها اداة حياته. وغدًا الذي هو تذكار رفع الصليب يحمل الكاهن في كنيستي الصليب على صينيّة مليئة بالرياحين او الزهور ويطوف به بين المؤمنين خمس مرات ويسجدون حتى تلمس جباههم الأرض اي يلتحمون بها كما يلتحم الميت بالتراب ثم يقومون كما قام المخلّص وفيما هم ينتصبون يقول الجوق: يا رب ارحم ويتصاعد النغم ما صعدوا.

وبعد السجدات يقبّلون المصلوب ويدفع اليهم الكاهن ريحانة او زهرة حتى تزهر حياتهم من سر المصلوبيّة التي ارتضاها السيد لخلاص العالم.

هذا الوصف يوحي اليك ان الكنائس التقليديّة تستعمل الرموز لتتكلّم. هي لا تكتفي بالتلاوة ولكنها تجعل مؤمنيها يتحرّكون استجابة للنعمة التي تنزل على لسانهم وجسدهم. ماذا يعني ان يقبّلوا الصليب؟ لا يمكن ان يعني الا انهم يقبّلون المصلوب تأسيسًا على هذا المحسوس عند جميع الشعوب التي فيها شِعرٌ ولحن ورموز اي تعبير. هذا هو أساس الأيقونة القائمة على ان ثمّة قفزة لعيني المؤمن من الصورة الى المصوّر عليها، من الأرض الى السماء. هذا يجري في النفس التي تحس المعنى وظاهره معا. اما الذين حاربوا الأيقونة ليس فقط في امبراطوريّة الروم بين القرن الثامن والقرن التاسع وكل محاربي الصور في الدنيا المسيحية وربما في الحضارات الأخرى توقفوا عند الكلمة المقولة باعتبارها الأيقونة الأخيرة اي المطهر الأخير لذاتها.

واذا قلّدنا الطفل عند معموديّته صليبًا معلقًا في سلسلة فليس لأنه يحمل في ذاته قوّة شفاء او تقديس ولكنه مكان تخاطب بينك وبين المسيح اما اذا كان يحمل بحدّ نفسه قوّة فاعلة يكون تعاملك وإياه سحرا.

يوم الخميس العظميم مساء وقت للطواف بالصليب وهذا بعد قراءة إنجيل وعندما نضعه في وسط الكنيسة نقول: “نسجد لآلامك ايها المسيح فأرنا قيامتك المجيدة”. فكيف يقول بعض: اننا عبّاد صليب او خشبة؟ آسف ان حرب الأيقونات جعلتنا نتعلّق بالصورة لغة. من يكفّرنا بسبب من استعمالنا الأيقونة يقف عند ألوهيّة المسيح دون العبور الى بشريّته والى اعتبارها مملوءة من الألوهة. الصليب عندنا أيقونة اي صعود الى السماء بالفكر والقلب قبل القيامة العامة.

الصلب عندنا كشف لله على وجه مسيحه ونصر لله في عذاب مسيحه.

# #
#

اما كان لله كشف قبل مجيء السيّد؟ ما من شك ان الرب كشف عن ذاته بالأنبياء، بكلمات هي من عنده. ولكن اذا سمّى الإنجيل يسوع الناصري كلمة فمعنى هذا ان الكلمات القديمة انصبّت فيه. مع ذلك نلجأ اليها لأنها كتبت عنه وهيّأت له. وعندنا انه مطرح الله الأخير وتجلّيه الكامل فيه. عندنا ان الله سكن بشريّة الناصري سكنى كاملة وانتهى بذلك النهج النبوي وفي المسيح انتهت الوساطة بين الله والبشر. ما كان الأنبياء الا مرسَلين. صحّ ان المسيح يقول ان الله أرسله ولكن معنى ذلك انه أرسله في البشرة وانتهت بذلك السيرة النبويّة ليحلّ محلّها الإعلان الكامل عن الله. ذلك ان المسيح هو كلمة الله. والكلمة قائم بقيام الله. اي لم تكن لحظة في الكيان الإلهي بلا كلمة في هذا الكيان. من هذه الزاوية نقول ان المسيح من حيث كونه كلمة أزلي.

به اذًا تغير المنهج النبوي ليحلّ محلّه نهج بلا مرسلين، نهج كلمة الله فيه بابنه مباشرة وان استعمل بولس هذه العبارة ليدلّ بها على بشريّة السيّد وتحققها الكامل بالخلاص.

قضيّة الصلب في كل أبعادها هي هذه: هل الله بشّر قديمًا بالخلاص الجامع الشامل لكل من آمن به؟ نظرة الأنبياء القدامى ان ثمّة مشروع خلاص أعدّه الله لكل الذين يحبّونه اي انه مشروع تكافل في الحب بين الله وعبيده او تناجي حب وليس فقط وعدا بالغفران لكل من تاب. هذا الغفران عندنا نحن هديّة إلهيّة لكل الجنس البشري مجتمعا. هي علاقة الله بالإنسانيّة وليست فقط علاقة عمودية بينه وبين كل فرد يتوب. الحقيقة هي ان الله مخلّص او ينتدب مخلّصا للقيام بعمل يمسّ البشر جميعا. هل الخلاص هو للبشريّة المفتداة بدم يسوع اي بحب يسوع للناس جميعا ويكتسبه بنوع خاص- وما قلت بنوع حصري- من آمن بهذا الحب؟ هل هذا تلاقٍ بين الخالق والخليقة كلّها في زوال الشر والخطيئة والموت وانت تدخل في هذا المشروع بانتمائك الى الجماعة التي وُعدت بالنجاة؟

ما هو أسبق اذًا من حادثة الصلب هو الإيمان ان هذا الصلب اذا حدث فإنّما هو ينبوع الخلاص وتلقي الخلاص. اذًا لا بدّ لنا ان ننتقل من حادثة الخلاص الى فكرة الخلاص. والى الايمان بمحبوبيّتنا عند الله.

في اعتقادنا ان تعريفنا عن الله ينتج عنه تعريفنا للإنسان الذي أصبح وجه الله بعد ان رسم يسوع معالم وجهه المنور على كل وجه.وبهذا المعنى نصبح سماء ونندمج بأزليّة المسيح وأبديّته.

# #
#

عيد رفع الصليب لا ينحصر بأن هرقل قد أعاده الى القدس من بلاد فارس بعد ان وضع الملك خسرو يده عليه وبعد ان غزا اورشليم في العام 614 وعاد به الى عاصمة المدائن حتى تمكّن قيصر الروم هرقل من استرداده وإعادته الى كنيسة القيامة.

المسألة لا تنتهي بهذه الحادثة. فالأعياد عندنا وان استندت الى وقائع الا انها اعياد فكر. الفصح فكر القيامة والباقي يتفرّع عنها. والفكر تنقية قلب تشارك العقيدة. واذا شهدنا لصلب يسوع نكون قد دخلنا عهد حبّه. وكل من أحبّ فهو شهيد ويحمل في نفسه المصلوبيّة. وهذا يعني ان عيد غد دعوة الى التطهّر ومن مكوناتها ان تتنقى من الرذائل وان تتسربل البهاء الإلهي لكي تقيم في الحياة الأبدية، لكي تصبح انسان الملكوت ولو كنت تعدو على الأرض. فاذا تأمّلت في علامة الصليب حيثما حللت يقيم الله بينك وبينه رباطا وقفك رتباطك بمعاصيك وبذا تصبح انسانا جديدا اي عبدا للبر بعد ان كنت عبدا للخطيئة.

تلك هي طريق الحياة. لذلك أخطأ الصليبيّون الإفرنج لما أراد هؤلاء قتل اهل هذه البلاد اذ كانوا على دين آخر او مذهب آخر. الصليبيّة كانت الشرخ بين الغرب والشرق، كل الشرق في منطقتنا. لذلك لم تكن لنا علاقة نحن المسيحيين الشرقيّين بهؤلاء الغزاة ولم يكن للصليب علاقة بهم. جاؤوا ليجعلونا مصلوبين.كنا عائشين في السلام مع أهلنا الآخرين وفرقنا هؤلاء المحاربون باسم علامة المحبة. وبهذه العلامة الطيّبة فتحوا القسطنطينيّة السنة الـ1204. لماذا وجهوا الحملة الصليبيّة الرابعة الى عاصمة المسيحيّة الشرقيّة ولماذا دنّسوا كاتدرائيّة الحكمة المقدسة.

نحن نسينا وغفرنا ورئاستهم الروحيّة اعتذرت مؤخرا عن هذه الفاجعة. في هذا الشرق نحن نقدّم لسكان بلادنا صليب وداعة لا تقتل احدا. اذكروا ان الصليب نسميه شجرة كما في الطقس البيزنطي يوم هذا العيد ممتدة الى السماء عموديا والى الآفاق جميعا. علامة لا نرذل بها احدا ولكنا نعانق من كان مستعدا لمعانقتنا. نحن نصلب شهواتنا لنكون مؤهّلين للعناق الكوني ومنه يفيض النور.

عيد رفع الصليب بات اذًا تهليلنا بالكونيّة ووعدا بلقاء المحبّين من كل صوب. نحن نقدّم مصلوبيّتنا ولا نقدّم صالبيّة. نحن نُمات كل يوم لنحيا ويحيا الجميع، لنبقى هكذا شهداء للرب ويصبح كل انسان على طريقته شهيدا. ليس في عقيدتنا مضمون غير الحب. فمن رفضه رفض ربّه، هذا الذي نقول في لغّتنا انه ابو الناس جميعا.

Continue reading