Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2008, جريدة النهار, مقالات

القداسة / السبت 6 أيلول 2008

القداسة ابتغاؤنا. كل شيء عظيم بعد نفحات النعمة ينشأ بالجهد. النعمة يجب ان تحبّها وتتلقاها وتعمل على إثمارها لأنك أنت التربة. وهذا ممكن لأن الله يحبك ولأنك قادر على طاعته، الطاعة حتى شهادة الدم إن طلبها الرب.

عندما ندعو أحدا الى القداسة كثيرا ما يقول: «شو أنا المسيح؟» المضمون في هذا الاعتراض أن القداسة استثنائيّة او هي لنخبة نادرة وبخاصة جماعة الرهبان. ربما لأن أكثر المطوبين منهم ما خلا الشهداء ولكن عندنا في التقويم مجموعة من المتزوّجين منهم ملوك وعسكر وفلاحون اذ المسيحيّة ليست كمّ الصلوات لكن طهارة القلب واستقامة المعتقد والبساطة والتواضع والغفران والمحبة. فالفضيلة ليست حكرا على أهل الأديار وخدام الكنيسة. انها نوعية وجود بقهر الشهوة الضارة والبقاء على الرغبات الشرعيّة وان تصير النفس والنيّة انجيلا حيا فحيثما يتجلّى المسيح في انسان بالكلمة والسلوك فهناك رسالة لله غير مكتوبة.

هؤلاء المرتبطون بالسيّد والمتعلّقون به منذ نشأة المسيحيّة حتى اليوم هم الكنيسة. هؤلاء كان الروح القدس معلّمهم لما كان كاهنهم تافها او مؤذيا. الكثيرون من الناس في الكنيسة نفايات بشر والقلّة التي تنقت رباها الله من السماء. قامت بالممارسات التي كان القيّمون عليها يتممونها بلا روح، بلا فهم، بلا قناعة ولكن مضمونها، ملفوظًا، ينزل في القلوب بدفع إلهيّ.

هذا لا يعني اننا نستغني عن البشر- القدوة. فهناك تشبه بالذين هم للمسيح الذي يرتسم فينا سلوكهم. الفضيلة فيها جانب تقليدها من جيل الى جيل وكل الرهبانية قائمة على أن المبتدئ في نسكه يتربى على يد أب روحي وهذا ينشئ المسيح فيك. وابن الكنيسة البار المنتمي الى مصف العوام (يسمونهم اليوم علمانيين) يتخذ ايضا لنفسه أبا روحيا من المتقدمين في معرفة للنصح وتقويم السيرة بالمجاهدة وكفاح الخطيئة. غير انه ليس كل كاهن أبا روحيا. نعت الأب الروحي معطى للكاهن قائم في كتبنا الطقوسية ولكنه كثيرا ما كان تجاوزا للواقع اذ ليس كل كاهن يلدك في المسيح. غير ان القديس نيل المتنسك في برية سورا الروسية يقول ان لم تجد ابا روحيا فاتخذ الكتاب المقدس ابا وفيه من الإرشاد ما يكفي. ولكن هذا يفترض ان يجعلك الرب مبتلعا لكلماته، ممتصًا اياها في جوف كيانك لتصيرها.

هكذا ينشأ الراغبون في القداسة على القابض على تراث البر او تطول قامتهم الروحية بكلمة الله المباشرة.


# #
#

»إرادة الله قداستكم» (1تسالونيكي 4: 3). هذا كلام مرسَل الى جميع الناس وليس فقط الى طغمة معيّنة ذات مناصب او مسؤوليات معيّنة في الكنيسة. ذلك ان الله قال ايضا: «كونوا قديسين كما اني انا قدوس» (1بطرس 1: 16). وهذا ليس المقصود فيه القديسين المطوّبين. فغير القديسين في السماء لم تعلن الكنيسة قداستهم. والقديسون على الأرض كثر ويتعاطون جميع الأعمال في دنيانا. والقداسة مطلوبة من جميع الأعمار والأجيال. وليس صحيحا ان الأبرار فقط من الكهول والشيوخ اذ القداسة ليس لها عمر ومداخلة الله في كل القلوب ممكنة حسب مقدار الطاعة. ذلك ان الجهد يريد الله كل أبنائه ان يبذلوه. والطهارة ممكن تقبّلها في اية سن.

القداسة ليست نزاهة عن كل ضعف او سقطة لأن القيام ممكن بعد كل وقعة. ولكن المهم الا يستسلم المرء الى أهوائه ورغباته الساقطة وان يؤمن ان قيامة النفس من الخطيئة ممكنة ابدا. ان الذين اطّلعوا على تاريخ آبائنا القديسين يعلمون انهم عانوا التجارب وان هذا او ذاك منهم لم يتمجّدوا طوال حياتهم على خط مستقيم وقيامات مطردة. هناك سقوط وهناك قيام. المهم ان يعرف المؤمن قواعد القيام وان يتوب في عمق وان يصمم على استضافة الله في قلبه بعد كل إغراء أصابه. المهم الا يصالح الانسان خطيئة وقع فيها وان يكرهها كليّا. المهم ان يحب معايشة الرب. «ما أحلى الرجوع اليه». المهم ان يجد فرحه في المسيح وان تتمزّق أحشاؤه ان هو أخطأ. المبتغى ان يسعى الى ان يكون انسانا فصحيا لا مكانة فيه للاستلذاذ بالشر وان يبغض الخطيئة في كل انسان آخر حتى نخرج جميعا الى القيامة لأن القيامة هي الحرية.

وحيث الحرية فهناك روح الرب ونصبح، اذ ذاك، روحًا واحدًا معه. عند ذاك لا مجال لعبوديّتنا للشر. ليس من الحقيقة ان الانسان ميال الى الشر بالدرجة الأولى. هناك عشاق للخير وغلابون للميول الفاسدة فبهم. هناك من تلألأ بالحب الإلهي وجعله صبغته الدائمة كائنة ما كانت الجهود لحفاظه على البر. ذلك ان البر مكلف والتدثر به تعزية لا توصف. نظهر اننا ندوس غبار هذه الدنيا ولكننا معلقون حقا في السماء. ورأسنا يصل كل يوم الى عتباتها حتى يخطفنا الملكوت في فرح يفوق بلا تصوّر لذات الدنيا.


# #
# لم يمنعنا الرب عن اللذت الشرعيّة في دنيانا ولكنه لا يريد ان تدخل الى قلوبنا. هو حريص على ان يسكن وحده القلب البشري. والدنيا نستعملها ولا تستعملنا. نستعبد الأشياء التي في حوزتنا لأن من ساده الله يسود هو كل شيء. والدنيا تترجَم مالا وحذّرنا يسوع ان نعبده عبادة لأن الله واحد ولا يقبل الشرك. نتزوج وزوجتنا اخت ورفيقة درب ولكنها مشاركة ايانا في محبة الرب. الطريق الى الرب تستعمل كل الطرق المؤدية اليه. الله هو المحبوب الوحيد والأخير وان كانت لنا مودات اباحها الخالق وأباحها الفداء واذا كان لنا جسد فلا نطلبنّ ان نكون ملائكة ولكن نسعى الى ان نتخلق بأخلاق الرب وان نتأله بالنعمة.

هكذا نكون واحدا مع جميع القديسين الذين في السماء والذين على الأرض. نناجيهم ويناجونا ويكتمل فرحنا بهم. هذا ما نسمّيه مشاركة القديسين. وهؤلاء هم أهل الله وهكذا ننجو من العذاب ولو أصابنا المرض وكثرة من العذابات. وهذا هو الصليب الذي لا يبلغ احد بدونه القيامة وهو نفسه بدء القيامة هنا. فالمسيح هو مركز وجودنا أكنّا أصحاء او مرضى، مثقفين كنا ام غير مثقفين. فاذا استنار القلب بالروح القدس يكون للعقل سلامة الله ولا يبقى العقل معقدًا او مرتبكًا او شاكًا اذا كان فيه ما سماه بولس «فكر المسيح».

وبه نترك كل فكر مناقض ونعقل كل الوجود كما يعقله الله. بذا نصبح عشراء الله ومن لحم المسيح وعظامه اي كل من المقدسين يصير مسيحا بدوره كما تعلّم كتبنا. العقل، اذ ذاك، يتمسحن وكذلك القلب ونغدو كيانات من نور وتزول عنا الترابيّة فنغدو في الأخير نورًا محضًا ويرانا الله من ضيائه. وفي اليوم الأخير بسبب من تنوّر البشر يصير الكون المادي كله نورا كما يعلّم مكسيموس المعترف ونورنا يتعرّف الى نور الكون. وهذا النور المعمّم يصبح مسكن الله.

تلك هي القداسة التي نعرفها من الكتب الإلهيّة ومن تراث الطاهرين. ويلحّ الله علينا ان نتسربل هذا النور كما هو متسربله. نحن مدينون فقط لهذا العطاء النوراني ولا نستطيع ان نرتضي شيئًا دونه اذ لا تبقى رغبة الا فيه.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الطفولة / السبت 30 آب 2008

لا تأمّل في موضوع كهذا الا بقدر ما يهم الله. ولقد قادني سبحانه الى رؤية وجه الطفل منذ سنين قليلة بعد ان كان محجوبا عني. ولست أعلم ان كانت شيخوختي سببا لهذا الالتفات. ربما لأن اقتراب الأجل يجعلك أقرب الى البدايات.

هذا يذكّرني بقول المزامير »ما أعظم اعمالك يا رب، كلها بحكمة صنعت«. المشهد اننا نمو »في الحكمة والنعمة والقامة« كما يقول لوقا. لماذا النموّ الساطع المحضون في الذبول المتوقع؟ لماذا يتبع السقوط النمو اذا كان الجسد مكان الحالتين؟ هنا ايضا يصدعني السر. هنا لم أكتشف شيئا لأني لست بباحث. ولكني أنقب بعدما تتبين لي الرؤية.

لا أعرف شيئًا يذكر عن الرضيع الذي فيه كلمات ولكنه لا ينطق بها. غير ان الأم تعرف ولها معه تواصل خفي يأتيها من حدس واستساغة للوليد. اما بعد هذه السن فتبدأ تمتمة تنتهي الى كلام يزداد وضوحا فترة بعد فترة. النظريات المتعلّقة بالكلمات وبربطها وتركيبها كثيرة ولست أغوص عليها لعدم اختصاصي ولكني أحاول انتهاك السر بعقل هو غير عقل الطفل وكأننا ننتمي الى عالمين لم يلتقيا بعد وكأن بعضا منا يبقى طفلا او شبه طفل ولو كبر سنا لأن من الناس من لا يبلغ الرشد.

أرى كثيرا أربعة أطفال من أنسبائي. لماذا واحد وله من العمر أربع سنوات متفوّق تفوّقا مذهلا وكأنه يعيش في أعماق لا أفهم وجودها في هذه الطفولة المبكرة والآخرون على ذكاء بيّن حتى أدركت أن الوليد المتفوّق يسهر عليه ذووه لتمرين دماغه تمرينا حادا وكأنه يبتلع شيئًا من الحكمة. هل كان آينشتين عند تكوّنه في البطن هو اياه ما صاره عالما؟ أميل الى الاعتقاد اليوم ان النشوء هو كل شيء لا تزيد عليه التربية الا القليل ما عدا هذه الأعجوبة التي نسمّيها التوبة التي تجعل منك خليقة جديدة. كنت أنتظر من البرفسور فيليب سالم عن تهيوء جينة او اكثر للسرطان في كلام الناس الأحد الماضي ولكنه لم يفعل وكلّمنا على أسباب كنت أجهلها في نطاق الالتهابات. هل هناك جينات ذكاء او جينات فضيلة؟ لما كنت أدرس الحقوق الجنائيّة تعرّضنا الى نظريّة لومبروزو القائل بأن الجريمة مسجّلة في الجسم ودحضها أستاذنا ولكن لماذا تجد طفلا شرسًا، ضرابا وغالبا ما يبقى كذلك وتجد طفلا وديعا غالبا ما يبقى كذلك. نحن من جديد في عالم سر لا يٌكتنه. لماذا يقرأ علماء الفلك في السماء في سهولة كبيرة وعلماء النفس والمربون والأطباء اي المتعاطون الإناسة ليسوا مطّلعين بهذا المقدار. هل الإنسان وحده سر الأسرار لكونه ذا نفس معرفتها أصعب من معرفة الأشياء الفيزيائيّة وهل لأن التركيبة النفسيّة- الجسدية psychosomatique  معقدة الى حد ان العلماء يتمتمونها ولا يبلغون في شأنها الا القليل؟

لا تقنعني النظرية القائلة ان الانسان ابن مجتمعه. افهم ان هذا يصقله الى حد، يحسنه ويفسده الى حد. ولكن لماذا يصمد الكثيرون امام الإغراءات ويسقط الأكثرون؟ افهم ان ذويك يقودونك الى الله من حيث انك تأتي اليه اذا هما أتيا اليك وقد أثبت ذلك الدكتور كوستي بندلي في الأطروحة التي قدّمها لجامعة ليون. ولكن هذا ترجيح وليس حتما. كان عندي صديق نشأ مثل أخته على طهارة كبيرة ولطف شديد ولم أعثر عنده على اي خبث او لؤم او ضغينة. كان وردة فواحة وكذلك باتت شقيقته. عرفت بعض الطاهرين وتحسّرت كثيرا على غيابهم. في حسي ان هؤلاء كانوا يصنعون الرجاء ويصنعون الفرح ويعزونك عن الصدمات التي تأتيك من كل صوب ولا سيما اذا كنت تتعاطى شأن الناس.

# #

#

تنطوي اذًا الطفولة. واذا اعتبرتها براءة فعند بعض لا تنطوي. تحسرت كثيرا على ارتحال صديق آخر روسي مهجري هو من أعظم مؤرّخي الآباء القديسين وتاريخ الكنيسة. اذكره كل يوم ولكن السرطان أكله في بضعة أيام. ظل طفلا كما عرفته منذ ستين سنة، طريئا. ما بدت لي خطيئة في مسالكه. هؤلاء يأخذونني ليس فقط الى الأحلام ولكن الى السعادة. أهي شهوتنا لافاق السماء التي لا يسكنها الا أعزة الله المقربون الذين لم يجذبهم الا وجهه الكريم.

ظننت اني أخصص هذا المقال كله للأطفال واذا بأماني العميقة تأخذني الى من كانوا أطفالا. انهم رشدوا عقليًا وحافظوا على قلب الأطفال. أليس هذا ما قصده يسوع الناصري بقوله: »دعوا الأطفال يأتون اليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات؟« (متى 19: 14) .لم يقل لا تنمو فأبوه وضع قاعدة النمو ولكنه أراد: لا تعرف قلوبكم الشيخوخة المملوءة بالأعراض الجسدية والنفسيّة. لا تمرضوا في العمق. اذهبوا ما شئتم في حب الآخرين وفي إيثارهم عليكم لأنكم في هذا تجدون أنفسكم ويضعكم الرب في ذاته وفي تعليم آبائنا انكم تصيرون كأنكم مثله لا بدء لكم ولا نهاية. الله يراكم مثله ولا تعلمون انتم ذلك لئلا يجرح تواضعكم. انتم تنظرون الى الحقيقة وتعرفون انها تنجيكم ولكنكم لا تعرفون كيف ان الطفل لا يعرف ذاته ولا يعرف انه يخطئ. يكسر الصحون ولا يدرك انه أخطأ. هذا لأنه لم يعرف بعد ان يميّز بين الشرّ والخير وينمو هكذا أمام الشمس او يقف كالعذراء مريم على القمر ولا يفهم اذا قالوا له انه جميل اذ لم يعرف القباحة ليقارن. لم يأكل بعد من شجرة معرفة الخير والشر ولم يصر كإله. لذلك لا يؤدبه الله ولكنه يرعاه في حياده عن الخير والشر متمايزين. لذلك يقيم الطفل في السماء ونحن نظن انه بيننا ونحسب اننا نرعاه وفي الحقيقة ان الله راعيه وكثيرا ما يحيد به أهله عن الرعاية الإلهية هذه.

والطفل ليس مثلنا مرتبك الفكر ولو تململ لكون أمه حرمته قطعة من الحلوى ونحن ابدا في تذمر من الحياة وفي ضجر. هو يطمع ولكن أمه تعالجه بالحب وكثيرا ما لم يعالجنا احد وكثيرا ما لا بفهمنا اكثر الناس وان لم نطلب مديحا ولا شكورا. الناس معظمهم محجور عليهم في عزلتهم والطفل يرى حوله كل العائلة ويقيم عيد مولده ويدعو أترابه اليه ويحب عالم الطفولة ومعظمنا يحزن على إدراكه الكهولة والشيخوخة لكوننا نخشى الموت وان نبقى مظلومين. ونموت احيانا مظلومين الى ان يحق الله الحق في يوم الدينونة العادلة.

وليس عند الطفل غريب الا اذا اعتدى عليه ونحن كثيرا ما نعيش في عالم الغربة عند هذا وذاك في حين كنا نظنّ ان الصديق لا يدين ولا يحرمك من حرارة وجدها. وكان أرسطو يقول: »يا أصدقائي ليس من صديق«. انا لا أذهب الى الحد الذي وصل اليه المعلّم الأول ولكني أعرف ان الوحدة انسانية نادرة وان الله وحده هو الصديق لأنه »ليس عنده محاباة للوجوه« ولأنه يحن عليك لأنك ابن أحشائه وكل قربى في هذه الدنيا محاولة لكي تستطيع في هذا الجسد ان تهجئ علاقتك مع خالقك وفاديك. اما الأطفال فهم عالم الصداقة لأنهم يتلاعبون صادقين واما نحن فنتذاكى اي اننا نستكبر ونستكبر لأننا نستعلي ونستعلي لأننا نظن أنفسنا شيئا ولايعرف أحدنا انه كالسقط كما رأى بولس الرسول نفسه.

# #

#

كيف تصبح راشدا في العقل وتظل طفلا في القلب. بولس يقول ايضًا: »بالنعمة انتم مخلَّصون«. يجب ان ينزل الله عليك لتحافظ على طراوة الطفولة وان يتشبه عقلك بعقل الله. واذا لم تطمح الى ان تتخلق يخلق الله تصبح مسخًا آكلا للبشر قاضيا عليهم بالكبرياء، منشئًا لنفسك زعامة سيئة فمسيئة، ترمي الناس في عزلة وسأم، غير قادر على المحبة اي مرميّا في الجحيم التي ترمي نفسك فيها وانت في دنياك. والله وحده يعيدك الى طراوة الطفولة.واليها تسعى فقط بالتوبة والمعجزة قد تحصل. ربما ينقذك اخفاق نفسك وحزنها. واذا افتقدك الرب بنعمته تخرج من نفسك المنغلقة ويجعل الله روحه فيك فتصير بشرا سريا ويستقيم عقلك وترى شجرة معرفة الخير والشر ولكنك لا تقطف ثمرة الشر. فلإدراك بساطة الله لا بد لك من إحجام فتجد في نسكك الفرح كما يفرح الطفل بأصغر هدية. وهدية الله اليك هداه وقرباه وأبوته حتي لا تتحير وأبوته حتى لا تتحير بين البر والمعصية ويبيت، اذ ذاك، فيك الملكوت. وتصاحب الملكوتيين وان اشفقت على العصاة بشفقة الله لأنهم هم ايضًا أبناؤه ولا تستعلي عليهم كابن الانسان الذي كان يعاشر الزواني والعشّارين فترحمهم كما كان هو يرحمهم وتعتبرهم إخوة بسبب من الأبوة الإلهية الواحدة. فتضمّّهم الى الملكوت الذي انت فيه وتقيم معهم السماء على الأرض.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المسمّون معوقين / السبت 23 آب 2008

المعوّق هو الناقص جسديا او عقليًا، المبتورة ساقه او يده، المفلوج، الضرير، الجالس على كرسيّ أبدًا او المتوكئ على عكاز، الذي يسمّيه المجتمع معوّقًا لأن الناس معيارهم سلامة العقل او الجسد وهم وضعوا قاعدة السلامة قائلين: “العقل السليم في الجسم السليم”. من البداهة القول انّ من أصيب بعاهة يمكن ان يكون أستاذا جامعيا.

كلّنا في الحقيقة معوق بصورة او بأخرى. المرض المستعصي لون من ألوان التعب او الانهيار احيانا ويحسب نفسه مرشحا للموت قريبا وقد يخطئ الأطباء. ولكن الناس تعتبر علم الأطباء لا يخالطه سوء تقدير اذ لا بد ان تتّكل على من يكاشف في حالتك الصحيّة وتماشي الأطباء على الرجاء اذ تأمل أحيانا ان يكونوا مخطئين وان قوة عليا تنجيك. مرة سألت طبيبا كبيرا: “هل الطب علم ا هو فن؟” أجابني: “انه فن وأخلاق”.

وعلى رغم سلامة العقل عند هذه الفئة من البشر لا نزال نتحسّر على من نعتبره ناقصًا لكوننا نعتبر ان الكمال كمال الجسد. في الحقيقة ان ليس من إنسان غير مصاب قليلا او كثيرا. كل امرئ يحمل أذى في جسده وليس الذكاء نصيب كل مخلوق عاقل. أصحاب العقول الوضّاءة قلّة في الدنيا.

أبدأ بالأمراض العقليّة بما فيها الجنون المطبق كما كان يسمّى. غير أن الأخصائيين يقولون لي ليس من جنون مطبق. المجنون هو الذي اصطنع عالمًا غير الذي نعيشه، له قواعده ولكنه لا يلتئم مع قواعدنا نحن المدعوين أصحّاء. ثم قد يعود المختل الى عالمنا الحقيقي فيرصف بين العقلاء. ولكن بعد اكتشاف فرويد العقل الباطن صار كلّ منّا موضوع الأطباء النفسانيين. اي ليس في العقل الباطن او اللاواعي من إنسان سليم. ولكن قد يجهل معظم الناس هذا ولا يطلبون علاجا لئلا يتهموا بالخلل العقلي. الجنون عالم قائم بذاته، سرّ كبير مهما تصدّى له المعالِجون. والمجانين اخوة لنا كذلك المصابون بعصاب.ونحن نصبح وإياهم دنيا واحدة اذا حكمتها المحبّة.

مرّة فيما كنت أدرس اللغة الألمانية في ألمانيا وهذا قبل أربعين سنة ونيّف رأى أساتذتي لأتمرّن على اللغة أن أساكن عائلة قائمة في قرية كبيرة مخصّصة لمعالجة داء الصرع واطّلع على أحوال المرضى وأخاطب الذين لم يبلغوا في المرض مبلغا كبيرا. رأيت حالات مروّعة تتراوح بين الجنون الكامل والقدرة على الصناعات اليدويّة وكان الكلام مع هؤلاء ممكنًا. ما تاريخ هذه الضيعة؟ قس إنجيلي رأى فيما كان يتأمّل في هذا المرض ان المصابين به في حاجة الى ان يحبّهم واحد واعتقد ان لاشفاء الا بالمحبّة. ولما أدركت هذه القرية رأيت فيها عائلات تطوّعت لمرافقة المصروعين بمشاركة حياتهم فتأسست مدرسة ثانوية لصبيانهم ومدرسة للإناث وكلية للمرضات ووجدت كلية لاهوت لإعداد القسس للخدمة الروحية لهؤلاء المرضى. كان يجب ان يعتني احد بهم، ان يعنى بهم إنسانيا وليس فقط على صعيد الاستشفاء.

# #

#

اما على الصعيد الجسدي فأخذت الإنسانية المعاصرة تفكّر بأنه ليس من إنسان ساقط من الاجتماع البشري وان ليس ممن أصيب جسديا لا يصلح لشيء وفهمنا ان كل واحد من هؤلاء قادر أن يستعيد قواه بالعمل لأن العمل هو التأهيل اي الدعوة الى اندماج المريض بالصحيح اذ ليس من إنسان لا قدرة له على العطاء فالعطاءات تجمعنا وتؤلّف منا جماعة موحّدة متراصّة فلا نتيه في تقديس للجمال الجسدي.

ثم هل من جمال او قباحة الا في النفس؟ هناك أعضاء ناقصة او وظائف ناقصة لا فرق وتعوّض عن الناقص بفضائل عظيمة والانسانية تقوم بالإنسان الطاهر لا بالإنسان الجميل. وخارج الأنقياء القلوب ليس من وجود.

لي صديق كبير لبناني ضرير يعلّم في احدى الجامعات الأميركية له مؤلّفات في المادة التي بدرّسها. يذهلني بمعرفته للأديان التوحيديّة وغير التوحيديّة. كيف جمع علمه وكيف يعطيه بدقة علميّة كبيرة؟ صاحب نظرية التفجر الكوني Big Stephen Hawkins Bang مفلوج ولا يتكلّم ويعطي دروسه بإشارة الأصابع وأعطى للعلم الحديث ما لم يعطه الكثيرون. انه اذًا لموجود وفاعل مع ان إعاقته ذروة الإعاقات. المهم ان نقول لهؤلاء ايضًا انهم اخوة وانهم ذوو قدرات وأن المعطوب في كثير من الأحوال هو كالسليم لكونه مثله معطاء ولكون حياته قائمة على ما في داخله من بهاء.

مرة، يوم أحد، كنت اصلّي في طرابلس وعرفت ان صديقًا قديمًا لي فقد بصره وبترت له ساق بسبب من مرض السكري. فبعد القداس ذهبت اليه لعيادته وأخذت في الطريق أركّب الجمل التي عزمت قولها لتعزيته. فلما وصلت اليه أخذ هو يكلّمني عن الرب فلمست سلاما فيه وهدوءًا أغناني عن إرشاده وكان هو مرشدي.

# #
#

الإعاقة تحديدا هي ما يعطل الحركة في بعض من جوانبها وما لا خلاص منه. انها وضع تتأقلم معه بلا حسرة لأن الحسرة تقتل وتكون قد زدت على النقص نقصًا. المهم ان تقتنع انك كامل الإنسانية لأن الإنسانية ليست بالجسد ولا تبقى أسير محدوديّته وتبذل ما استطعت وبهذا تتحد بالإنسانية المسمّاة سليمة وقد لا تكون كذلك الا بالظاهر. نحن كلنا متآزرون في سلامة نفوسنا. فاذا بقي معوق نفسيا تحت وطأة إعاقته نعمل ما نستطيع لخدمته وتوجيه ما له من طاقات حتى لا يقع في الحزن وتاليا في إهمال واجبه نحو الجماعة البشرية مصابة كانت ام غير مصابة فيتم التلاقي بيننا بالرجاء وجمع قوانا لإنهاض الكل.

واذا كان لا بد من الاختيار لعمل معيّن بين المعوّق والسليم في انتاج القدرة نفسها فاختيارنا يذهب الى المعوق حتى لا يبقى هذا عاطلا عن عمل يقدر ان يقوم به ويتحرر من رواسب الأسف في نفسه او اليأس فنبرهن له واقع الحياة المشتركة. اننا نرحب به ترحيبا كاملا فلا يتحسّر عن النقص اذ هو في نفسه مؤهل بحبنا له.

# #
# كان لي صديق لبناني في احد البلدان الأوربية معطل الساقين دعاني الى زيارته وظننت اني سأستأجر سيارة للذهاب اليه واذ بي أرى انه يسوق سيارة مصنوعة خصيصًا لهذه الفئة من المعوقين. سمعت منه فيما كنا قاصدين منزله لهجة حسرة على وضعه. قلت له انك دكتور في الفلسفة وتكتب بثلاث لغات وتلقي دروسا في الجامعة. وكنت حليف المسيح في بلدنا وهنا ومستواك العلمي مثل مستواي او أعلى فممّ تشكو؟ وهذا الشاب يتلقّى من زوجته حبا عظيما وقد اقترنا وهي عالمة بوضعه اذ كان فائقًا على الصعيد الروحي وعلى رقة نادرة وراعيا لجاليتنا هناك ويعد كتبًا في الفكر العربي والإسلامي.
فاذا كان المعوّق مع الله فالله يعوض له بحضوره فيه ما يحسبه الناس نقصانًا. الرب مكمّل وجودنا منتقصًا كان الجسم ام كاملا وليس من كيان كامل من هذا المنظار ام ذاك فكل جسم مضروب بمقدار والنفس لها ان تكون كاملة او شبه كاملة حتى يردّنا الله الى سلامة الملكوت. في هذا الوجود الأرضي لنا أن نتلقّى الكلمة التي تنزلب علينا من فوق.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الموت / السبت 16 آب 2008

لا مرد للموت منذ بدء الخليقة. تتجاوز كل حادث بالرجاء ما عدا هذا وان كنت تترجى «قيامة الموتى والحياة الأبدية». اذا وضعت رأسك على الوسادة لا تعلم ان كنت تفيق غدا او لا تفيق. اذ ذاك تدعو أن كنت من المؤنين. السؤال الذي يطرح نفسه هو ان «الله يميت ويحيي» كما جاء في الكتاب بمعنى ان الله سبب الفراق او سبب البقاء. لا نجد ان الآية هذه تتكرّر في العهد الجديد غير ان أفصح قولة فيه أن «أجرة الخطيئة هي موت» (رومية 6: 21). هنا يتكلّم الرسول على الموت بمعنى مزدوج: الموت الجسدي والموت الروحي. دليل ذلك انه بما تبقى من الآية وهو قوله: «وأمّا هبة الله فهي حياة أبدية».

في آيات عدة من القرآن جاء ان الرب يحيي ويميت. هل يعني هذا ان الله هو السبب المباشر لموت كل فرد ام ان سببية الله قول عام يتعلّق بالبشريّة جمعاء من حيث ان الموت ناموس. ولكن ما معنى ااية الـ 42 في سورة الزمر: «الله يتوفّى الأنفس حين موتها». في تفسير الإمام الرازي ان الله يتوفاها عند الموت اي يمسكها ولا يردّها الى البدن اي ان هذا المفسّر الكبير لا يقيم فرقا بين التوفّي والموت. هنا اتخذ المفسّر الواو بمعنى عطف الشيء على مرادفه ولكن جاءت الواو بمعنى التخيير كقولهم «نأت فاخترلها الصبر والبكاء» اي أحدهما. من هذه الزاوية لا شيء يمنع لغويا ان يكون التوفي عمل الله والموت حدثا بيولوجيا في الإنسان. ولكني أفهم ان الرازي لم يستطع ان يخرج من السببية الإلهيّة.

من الواضح ان الخطاب الإلهي لا يتعرض للمقابلة بين البيولوجي والإلهي. واذا تمسّكنا بالناموس الطبيعي لا يمنع ذلك قول المسيحيين: خُلق الإنسان للخلود وان الموت قصاص. كذلك ليس من شيء يلغي الحقيقة التي أعلنها الله على لسان بولس. «ان أجرة الخطيئة موت». لذلك يقول المسيحيون الأرثوذكسيون ان الناموس الطبيعي جاء من بعد الخطيئة وهذا نظام يرعاه الله. وتاليا لا شيء يمنع من الزاوية الإهية ان يموت الجسد بسبب من هذا الخلل الذي دخل هذا المختبر الخيميائي الذي هو الجسم.

اجل الله يمد بعمر هذا وذاك بسبب من مقاصد له ويحسّن وظائفه البيولوجيّة كما يشاء وانا موقن كل اليقين ان هذا التحسن فرصة لتوبة المسنين. وبهذا المعنى يرعى الله الجزئيات لأن الدعوة هي الى الحياة الأبدية. وأما ان نقول مع العامة ان عمر هذا الإنسان او ذاك مسجّل في الأبدية عند الله ويبعث بالأمراض حتى يحين الحين فهذا ما لا أراه. مؤكّدا في الكتاب الذي أدين به.

وضع بشري والتفاتة إلهيّة لكي يموت الإنسان على البركات وفي الرضاء والتأهّب للفراق هذا ما يبدو لي توفيقا معقولا بين ما هو في السماء وما هو على الأرض.

#   #   #

لا يصح عند عامة المسيحيين ان تقول ان الله صالحنا مع الموت اذ يقول بولس: «آخر عدو يبطل هو الموت» (1كورنثوس 15: 26). لقد صالحنا المسيح مع الله بموته هو لا بموتنا. وتتم المصالحة الأخيرة عند انبعاثنا من بين الأموات. ذلك ان موت المسيح حياة لنا. وهذه هي المفارقة انه كان لا بد من موت آدم الثاني لتفعل حياته فينا.

اما لماذا نهرب من الفناء الجسدي بالطعام والرياضة والدواء؟ ذلك لأن الحياة على هذه الأرض مسؤوليّة ورعاية لمن هم حولنا اذ «كل إنسان راعٍ» كما قال الإمام علي بن أبي طالب. والخدمة التي نقوم بها لنا وللآخرين هي تحقيق لهذه المسؤولية. ليس محرما ان تطلب الموت ولكن الحرام اليأس من صعوبات الوجود. فقد يريدك الله مريضا او عاجزًا ومكسورًا. فهذا ليس شأنك وعليك ان تعالج نفسك كأنك تعيش ابدا اذا توفرت لك وسائل العيش. اما ان تستسلم للفقر والمرض والكسل ان كان باستطاعتك تجاوزها فتلك هي مشيئة الله.

لقد وهبنا الله الحياة ودعانا الى ان نحفظها ونحافظ عليها وذلك بكل جدية فينا وإخلاص له وللأحبة الذين نوليهم انتباها خاصا.

نحن مدعوون الى مكافحة الموت ما استطعنا الى ذلك سبيلا حتى نشهد ان الله حي وبغيته ان نحيا حتى تحين ظروف انتقالنا اليه فنسلّم النفس بالرضاء لعلمنا انه مهيمن على الدنيا ويريد إنقاذنا من العذاب. والرضاء يستجيب له الخالق بالرحمة لأن الرحمة هي باب الملكوت الأوحد وهناك نلتقي من حررهم ربهم من وطأة هذه الدنيا وملأ قلوبهم من حنانه. وهذا هو الفرح الكامل.

#   #   #

واذا كان أمرنا مع الله كذلك لا محال للتفجّع لإن هذا إقرار مبطن بأننا نؤثر للميت بقاء في الأرض والحق اننا نأسف على الحب البشريّ والتعزية البشريّة اي نؤثر وجهًا مكشوفًا على وجه حجبته الرحمة عن أنظارنا.

تبقى الأحزان الطبيعيّة التي لا يرفضها الرب وقد دمع يسوع على صديقه لعازر. المهم الا نقطع علاقاتنا مع أحد ونكمل الخدمة ونقوم بالصدقات والتلاوات المقدسة حتى تنزل علينا السلامة. والسلامة هي رباطنا مع الذي أُخذ عنا الى مساكن القديسين ونحن كلّنا رجاء من أجل خلاصه وتحرّره النهائي من وطأة هذاالعالم. الوحدة بيننا وبين الذين توفاهم ربهم هي السلام.

الى هذا نرث فضائل الذين انتقلوا عنّا بمعنى اننا قد نراها اليوم وكانت محجوبة. بهذا المعنى نتقدّس بالأموات. هناك ذكرى الحسنات التي نقيمها في العبادات. ففي الذكرى العبادية يتم التواصل الى أن يجمعنا ربّنا في اليوم الأخير.

لا نعيش هذه الذكرى بالانفعال ولكن بالدعاء والتمثّل بأخلاق الذين واراهم ربّهم عن اأنظار. لا تعيش مع الراقدين بالرب الا بالسلامة الواحدة التي يغدقها عليهم وعلينا. بهذا المعنى لم ينفصلوا.

الى هذا الجانب الثقافي الذي يجعلك وريث الأدباء والمفكّرين والعلماء الذين يمدك تراثهم بما وصلوا اليه بالتنقيب والشعر والأدب ومختلف أنواع الفنون. من هذا المنظار لك ان تقول ان المتنبي وشكسبير ودوستويفسكي وبتهوفن وأمثالهم ما ماتوا. لهم تعبيرهم في الملكوت وامتداد تعبيرهم في الأرض.

مرة فيما كنت سائرا مع صديق كبير عارف بالموسيقى. سألني ماذا يبقى من السمفونية التاسعة؟ قلت يذهب الرنين ويبقى الجوهر.

هذه مظاهر مختلفة لتقبل الرب في الحياة الدنيا على رجاء لقائه في السموات. هنا يهون الموت ويقوى لصوقك بالرب العزيز. واذا كانت نفسك عروسًا لله فهي والروح يقولان لله تعال. اذ ذاك تزول فيك مملكة الموت.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

لا تقتل / السبت 9 آب 2008

من الوصايا العشر لا تقتل (خروج 20: 13). لماذا؟ لأن الرب وحده سيّد الحياة والموت. فمن قتل اتّخذ سلطان الله على الحياة والموت. في بدء البشريّة «قام قايين على هابيل أخيه وقتله» (تكوين 4: 8). إزاء ذلك لم يسمح الله بقتل القاتل. وكانت إبادة الأخ لأخيه نتيجة الغضب. لذلك قال يسوع في موعظة الجبل: «قدسمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم ان كلّ من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم» (متى 5: 21 و22). الغضب اذًا سبب لإزالة الحياة ممن تغضب انت عليه. مليء التاريخ من هذا ومليء الكتاب في عهديه من التحريم.

لماذا لا يحاور القاتل من يريد قتله؟ لماذا لا يحلّان معا الخلاف الذي يوءّي الى الموت؟ لماذا لا يتحرّر الإنسان من هذه الشهوة؟ من ليس الله وروحه فيه لا يرى ان الله وروحه هما في الآخر. الجريمة هي في النيّة كفر بأن الله خالق ويمدّ بالحياة من شاء. من تعدّى على الآخر لا يعترف بحق الله مهيمنا على الوجود ومالئا الوجود بنعمته. انها الأنا المتضخّمة الناكرة لكيان الآخر ولعبادة الله معًا. لذلك جاء في القرآن: «إن انت بسطت يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي لأقتلك. انّي أخاف الله ربّ العالمين» (لمائدة، الآية 28). أن اؤكّد أناي وحدها هو إعلان سلطاني على كل الوجود. ان اعترف بك وبحقك في الوجود هو ان أقرّ ان هذا الوجود مشترك، ان الإنسانية واحدة وان الأرض تتّسع للجميع.

ايّة مشكلة تحلّها الجريمة؟ هي تنشئ في المجرم حزنا ومرارة يعسر عليه التخلّص منهما عندما يفهم فظاعة إثمه وجسامته. ويبدو ان الكثر ممن أجرم تلاحقه خطيئته مدى الحياة ويستمر على إثمه ولا ينهض منه حتى يعتقد ان الله ليس بغفور. يميت نفسه روحيا طوال حياته ويموت في عزلته ان لم يعدمه القضاء. انه لقد وضع نفسه في عزلة لا تُطاق ويدرك انه كان بإمكانه الا يرتكب هذه الفعلة. كانت هناك مشكلة وحسب انه يحلّها واذا به يصبح مشكلة لنفسه وعقدة فيها ما لم يتب. ولو تاب يرافقه الحزن الى الأبد وهذا هو موت الروح. انه يقيم جهنّم في ذاته في هذه الدنيا لأنه لم يرَ ان وجه الآخر قائم للفرح. انه لقد أبطل المواجهة فزال وجهان واحتجب وجه الله عنه اذ لم يكن يرى هذا الوجه.

# #

#

من أسباب القتل عندنا وفي قلّة من أماكن أخرى في العالم الثأر وهذا ناتج من الذهنيّة القبليّة تعبيرا عن العدالة في قوم لا يؤمنون بالدولة. ولا فرق في هذا بين متعلّم وجاهل. واذا قالت التوراة: «العين بالعين والسن بالسن» ثم جاء هذا ايضا في القرآن فليس لتبرير الثأر ولكن لكي لا يأخذ به أهل المغدور حتى النهاية وفق تفسير الفيلسوف هنري برغسون لما قال: «هل تساوي العين كل عين والسن كل سن؟» ومن الطبيعي ان المرء لا يقدر ان يكون حكما وفريقا بآن ولذلك كان اللجوء الى القضاء المفروض انه لا يتحيّز لقبيلة. واذا مات واحد فيها فما الضرورة ان يموت آخر؟ انت تعف لأن العفو عند المقدرة كما يقول المسلمون ومعناه انك لا تستعمل قوّتك وانت قادر على الغفران.

في الحياة غير القبليّة كان أهل الغرب ينتقمون للشرف اذا مُسّ (بضمّ الميم) وزال هذا عندهم الآن. فإذا خان أحد الزوجين رفيقه يذهب به الى المحكمة او يغفر له ولهما الطلاق المدني ان لم يتمكّن أحدهما من الاستمرار مع الآخر.

في المسيحية الأولى كانت الحروب ممنوعة على المجنّدين لأن الكنيسة رددت قول كتابها: «من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ» (متى 26: 52). ليس المجال هنا لأبحث في شرعيّة الجيوش. غير ان المغبوط أغسطينس لم يبارك كل الجيوش وتكلّم على الحرب الشرعيّة. طبعا بعد تشكّل دول مسيحية كانت كالأمم الوثنيّة تحتاج الى الدفاع عن نفسها.

على صعيد آخر لا تزال الكنيسة الشرقية تمنع الإكليروس والرهبان من الدفاع عن النفس وأباحته فقط للعلمانيين. ولكن هذا المنع عن فئة من الدفاع عن النفس دلّ على اتجاهها الأساسي انها ضد سفك الدماء. ولا تزال الكنيسة في حقها القانوني تمنع من الاستمرار في الكهنوت كاهنا قتل بغير عمد كما في حالة التسبب بموت في قيادته للسيارة. هذه قدسيّة الحياة في المسيحيّة.

التمنّع عن إبادة آخر منصوص عنه ايضًا في الإسلام. «من قتل نفسًا بغير نفس او فساد في الأرض كأنّما قتل الناس جميعا» (المائدة، 32).

هذا يطرح السؤال عن تشريع السلاح الفردي. هذا يذكّرني بحادثة. مرة مرّ أمام مكتبي ما نسمّيه القوّاس اي حارس الأسقف او القنصل في بيروت حسب التشريع العثماني وبدا تحت سترته شيء نافر وكأنه يحمل مسدسا. قلت له: ما هذا؟ قال يا سيدنا هذا مسدس ولكنه مرخّص. قلت له لا أريد سلاحًا مرخّصًا او غير مرخّص فإذا اعتدى عليّ أحد يفعل ما يشاء. فحياتي ليست أثمن من حياته. انا رجل عازب فلا مانع من أن أموت. أمّا موته هو فمؤذٍ لعائلته. وجرّدت الحارس من السلاح.

# #

#

لبنان بلد مسلّح الكثير من أبنائه ولو بسلاح خفيف. هذا يقود الى القتل في حالة الفتنة. ولست مقتنعًا من قول ضعيف الإذاعات ان هذا معروف من زمان. المألوف لا يشرح ذهاب التحزّب الأهلي الى إبادة الآخرين. القلّة تضبط نفسها والآلة الحربيّة أداة للغضب. مرة قرأت ان معظم سواقي سياراتهم يغضبون واحيانا يشتمون من كان قريبًا من ان يحدث حادثة. الآلات غضباء. انها تثير الأعصاب ما لم يتروّض الإنسان روحيّا. قال لي مرّة أحد الأجانب: انتم اللبنانيين تطلقون الرصاص في الأعراس وتطلقونه في المآتم. ما معنى الرصاص عندكم. لم أجبه ولكني فكّرت ان كلّ القصّة ان نُظهر أنفسنا موجودين. ولا وجود لنا في أعيننا الا عن طريق الضجّة. مرّة لم أستطع أن أنام الا عند الفجر بسبب من موسيقى صاخبة في عرس. لماذا يجب ان أتعب بسبب من زواج. لماذا لا نجعل القلب مركزا للابتهاج ونحتاج الى تعكير الصفو عند الجيران؟

يبدو اننا نحن سكّان بلاد الشام ليس لنا وسيلة أخرى لتثبيت أنفسنا وذلك في أعين الآخر. ولكن ان تكون قائما فقط في حضرة الله فهذا لا يكفي الأكثرين. وأقصى تثبيت للذات محو الذات الأخرى. مرة قلت لواحد على شيء من الامتعاض: هل تعرف لماذا اللبنانيون عرب اقحاح؟ قلت انهم أعراب لأنهم بدّلوا الخيمة بفيلا والجمل بكاديلاك. هذه بداوتنا الأبدية حتى يحرّرنا الرب من الجاهليّة الأولى كما يسمّيها القرآن. هذا هو لون تبرجنا الأبدي حتى يقنعنا بأنه وحده سرورنا.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

المسيحية ام وحدة المسيحيين؟ / السبت 2 آب 2008

يندب المسيحيون وعقلاء المسلمين انتقاص المسيحيين في بعض من بلدان الشرق. أضحوا 2 في المئة فقط في فلسطين ولا أحد قادر ان يتكهّن عن عودة المسيحيين الى العراق بعد ان هجرها الأكثرون. وأظنّ ان احدًا لا إحصاء عنده دقيقًا لمن غادر منهم لبنان. ولهم قدرة على التأقلم في الخارج على ما يبدو فيسكنون الى الأمم الثابتة او شبه الثابتة اقتصاديا في الغرب والعودة هي من افريقيا اكيدة بسبب من إرادة الأفارقة ان يحكموا هم بلدانهم. وهي أكيدة كليا من جزيرة العرب ونضج المحللين السياسيين في الخليج مسرّ ما يعني ان العرب في مستقبل قريب لن يحتاجوا الى ذوي الاختصاص من اللبنانيين. هناك عودة الى الوطن جزئية وقيل لي مؤخّرا ان الذين استقروا في الغرب يرجعون فترة من السنة ليعلّموا أولادهم عندنا.


غير ان هذه القضيّة تحتاج الى عناية من قبل الدولة كبيرة وعلميّة للوصول الى صيغة او مجموعة صيغ بحيث لا نخسر قسما من شعبنا كبيرا ونبقى مع ذلك مواجهين لموضوع ارتزاق المغتربين وحفظ كرامتهم من الفقر. اي ان القصّة لا يحلّها حب وطن بات غيراخضر وحكمه غير منظم وأخلاقه (رشوة وما الى ذلك) ضعيفة. انت في حاجة الى وطن قادر ان يستوعب بنيه بحضارة له حقيقيّة تترجم اولا في نظام الدولة وانتظام المجموعات الطائفيّة بعضها ببعض على اساس تسامح لا نفاق فيه وعلى اساس اكتمال الكل بالكل في المعرفة والقدرة وإلغاء الطائفية كاملة في الإدارة العليا فأنا الأسقف الأرثوذكسي أرفض مثلا ان يعيّن أرثوذكسي تافه جاهل في منصب يستحقه مسلم او مسيحي من انتماء آخر.


لست أعلم على وجه الدقّة ان من اغترب يخشى تصاعد الأصوليّة الإسلامية. لا شك ان هناك اصطفافا إسلاميا كبيرا في الحياة وفي الدوائر. لا شيءعندي ضده ان كان الناس مستحقين ولكن المسلمين لا يزكي اصطفافهم شيء. فالمسيحيون اذا بقوا لا يخيفون أحدًا وكذلك المسلمون من حيث انهم مواطنون أمر مبتغى وقد يتطلّب هذا اندراجهم (واندراج المسيحيين) في الحداثة. قد يتطلّب هذا فتح باب الاجتهاد وتطورا في التفسير وعلم الكلام والفقه وفي هذا لا يستطيع المسيحي ان يشاركهم فيه. ولكن هذا التطوّر هو خلفية الحضارة المتجدّدة المدعوّة ان تندمج في العالم وتواجهه بآن. لن يقيض نجاح للمواقف الاعتذارية التي يبرر الانسان بها جموده والمحافظة المتشددة في كل حقول الفكر. هل نكرر الى الأبد ما قاله الأسلاف الذين لم يواجهوا اكتشافاتنا الحديثة والفكر الكثير التنوّع في اوربا.


طرح عليّ هذا السؤال مذيع خليجي كسبب ممكن لهجرة المسيحيين قلت له لا يكفي ان يقول أبرار المسلمين نريد المسيحيين ان يبقوا. المشكلة هي هذه: الفكر الاسلامي لتروا فيه قبولا للمسيحيين عميقا، ما يجذبني كثيرا عند المحللين الخليجيين او بعضهم انك تشهد تحت الجلابية والكوفية والعقال منطقا اوكسفورديا ولا تلمس هذا دائما عند ضيوف على الإذاعات اللبنانية مرتدين الثياب الإفرنجيّة.


في المنحى نفسه السؤال الكبير هو ان المغترب المسيحي اذا عاد اية مسيحية يحمل. هل هذه هي المسيحية الخرافيّة، المتحجّرة، المبغضة (وهي موجودة) بعد محافظته على لهجة القرية في اوستراليا وعدائه للقبائل المسيحية الأخرى والكنائس الأخرى. هل نحن نريد عودة المسيحية الى لبنان لتلقحه بحرارة الوجد وسحر المحبة والرقي الحضاري وروح التقارب والود بين الكنائس. بأية مسيحية نملأ لبنان فيتم عند ذاك لقاء الإنجيل الصافي بالإسلام الصافي الذاهب الى عمق أعماقه. تراكم مسيحيين ومسلمين لا يعطي شيئا وهو قادر على تصفية حسابات قديمة. ثلاث حروب أهلية في القرن التاسع عشر وصدامات توالت منذ الـ 1975 ولم تنته. عندما أقول للأجانب: نحن شعب لطيف وبلد جميل ومتلاقون في الحياة اليومية يواجهونني بهذه الأحداث.


مرة كنت استضفت الدكتور مانوكيان النائب السابق ورئيس مستشفى العصفورية اي الاختصاصي بالأمراض العقلية. قال لي: لبنان عنده أعظم نسبة مجانين في العالم. قلت لماذا. قال لي: البلدان الراقية فيها مستوصفات وعيادات للأمراض العقلية يتابع الأطباء فيها من كان مجنونا وظن القوم انه شفي مثلما عندنا نحن مستوصفات للأمراض غير العقليّة. من يدمّر عصفورية لبنان الشاملة؟ ما علاقة هذا بحروبنا. انا من وقت الى آخر آخذ حبوبا تتعلّق بالأعصاب ومع ذلك أكتب في «النهار» مقالات معقولة وتبدو جملها مترابطة.

هذا يقودني الى السؤال: أية مسيحية تهيء كنائس لبنان لأبنائها اذا عادوا؟ هل هي تفكّر بإعداد دروب القداسة والمعرفة ومحبتهم غيرالمشروطة للمسلمين بلا تخوّف من تعصّب او أصوليّة لأنّ المحبة الإنجيلية تذيب الأصولية. الشيء الثاني: هل للكنيسة قدرة أن تجنّد الأغنياء والموسرين تجندا كبيرا ليحبوا فقراء المسيحيين ويخدموهم في مشاريع منتجة؟ في القرن السادس عشر في القسم الأثوذكسي من بولونيا عندما كانت الأرثوذكسيّة مهدّدة بالانقراض بسبب من انقضاض إرساليات «مسيحية» عليها طلب كل أغنياء الروم الاجتماع الى المجمع المقدس وقالوا له: نحن قررنا ان نفتقر كليّا فجئنا بثرواتنا نضعها عند أقدامكم لمساندة الفقراء الذين كان الآخر يغزوهم.

هل للكنائس مجتمعة او منفردة سياسة لدعم المغتربين الفقراء في اي مجال من مجالات العيش وان تدخل في طور التنظيم العصري في سبيل الطعام والطبابة والتدريس؟ وقبل ان يغترب من له رغبة في ذلك هل للكنائس إرادة انشاء لجمهور مسيحي كريم لأنه يسد حاجاته او بعض حاجاته من كنيسة تحبّه بعد ان تكون تخلّت عن كل نشاط سياسي فلا يتشرذم أبناؤنا بسبب من جعل هذا المسؤول الديني مفكرا سياسيا فيتحزّب بالضرورة وتنقسم بسببه الرعية.


الرب لا يريد جبهة مسيحية ولا تراصا مسيحيًا وخصوصا لا يريد خوفا مسيحيا. مشكلة الاغتراب حلها بالتشرق اي بالعودة الى شرق راقٍ اعتنق الحضارة وقَبِل صادقًا التعدد الديني الذي كان عندنا وترتيب هذا التعدد بالفهم والعدالة اي بقبول للآخر حقيقي، بالدفاع عن الآخر من أجل حريته وحريتنا تمجيدا لله وتقوية للإنسان وإيلاد اللبناني السوي ومتابعة نقاوة له كرؤوس جبل لبنان الذي كانت تذهب منه عرائس يوم كتب نشيد الأناشيد.

هل يصبح لبنان نشيد الشرق؟

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الوداعة والتواضع / السبت 26 تموز ٢٠٠٨

التحرّر من الشهوات يسمّى في التصوف الأرثوذكسي هدوءًا حيث الروح الإلهي فاعل وانت متقبّل اي ان آخر ينشئ الوداعة فيك. واذا كتب يوحنا صاحب سلّم الفضائل الناسك الكبير في صحراء سيناء عن الهدوء يقول انه اللاهوى ويحدّد هذا على انه الكمال المتشبّه بالله والسماء الأرضيّة وقيامة النفس قبل القيامة العامة. لا كلام بعد هذا الكلام لأنك ان بلغت هذا العلى لا تبقى في حاجةالى تعبير لساني.

          ويوضح القديس يوحنا هذا في المقالة الثامنة ان الوداعة هي بسكون النفس وتقبّلها للإهانات والكرامات بحال واحد على السواءا. ويتوسّع في الكلام على الرذيلة المناقضة وهي عنده الغضب وكما عرف الوداعة بالهدوء يعرّف الغضب بالاضطراب. عند الشتيمة تسكت. هذه درجة اولى من الخير. اما الدرجة الثانية فتحزن من اجل شاتمك والدرجة العليا ان تتصور الضرر الذي احدثه الشتم في الشاتم  وان تبكي على خطيئته بكاءً حارًا.

          لعل أهم ما في فضائلنا الاعتراف بالآخر. الوداعة فضيلة ثالوثية بامتياز لأنك انت لا تلقى الآخر على انه آخر الا لاعترافك  بأن الله يوجدك لأنه يوجده. ان يوجده الله هو ان يوجد شخصيّته. وانت بدورك تحافظ عليها لأن الرب أرادها كذلك. انت تقيم في الرقة اي في ذلك التخلي عن الصدام الذي لا تندم عليه الا لانتفاضك.

          الغضب ومشتقاته هي ثنائيّة التقابل في الظاهر وفي الحقيقة هي وحدانية الإبادة. اما الرقّة فهي إلغاؤك انت لأناك ليقوم الآخر ليس في أناه ولكن امام الله الذي يوجده بنعمته من جهة وبالرقّة التي سكبتها عليه النعمة.

#                           #

#

          ليست الرقة فقط اعترافا بالآخر. انها قابليّة على تكوينه لأن الفظاظة قتله. عندما تصبح الرقة وداعة انجيليّة تنفي العنف في النفس. غير انها ليس لها وعد بخلاص الآخر حتمي اذ الودعاء يُقتلون (بضم الياء). هم مرشّحون للموت بصورة او بأخرى لأنهم مسحاء الله وفي كل حال هم نسيٌ منسيٌ لأن القداسة لا تكتب التاريخ. انها تكتب الملكوت. الأشرار يكتبون الأزمنة الى أن يحل الله في الأخير مملكة الوداعة.

          في حياتنا اليومية ليس مثل الرقة يوحد الأجيال. انت تتذمّر من ولدك لكونه يضج عليك. دعه يضج لتفرح بنموه. مرة شكت لي أم وليدها لأنه يكسر الصحون. قلت لها: هكذا يكبر ولدك. فقولي لزوجك ان يضع في ميزانيته مبلغا من المال لشراء التي يحطمها ابنه. وليس مثل الوداعة يوحد الأزواج الذين كثيرا ما يصرخون فاذا أحسست بالاضطهاد بسبب الصراخ فمن العسير عليك ان تعود الى الوحدة او هي وحدة هشّة.

          الغضوب مجنون بحيث انه يختلق عالما غير العالم الحلو الذي هو مناخ معايشتنا الطبيعيّة. وهذا الجنون تحديدا ان تعيش في دنيا تصطنعها ومتى تحصل على الهدوء لا بدّ لك ان تبتهل من اجل ذاك الذي يثير فيك الاضطراب «ابتهالا خالصًا» كما يقول السلّمي وانت في حال الهدوء. وهكذا تتروّض على الصبر وعلى تنقية النفس والغفران. فلينصب دعاؤك على الذين يغيظونك علّهم يعقلون وفي هذا قال أشعياء: «الى من أنظر الا الى الوديع الهادئ»؟

          اذا ذهبت الى انسان وديع تعرف قبل المقابلة انه لن يفترسك وانك مقبول بدءًا وان حظك في الاقناع ممكن او قوي لأن الآخر سيصغي اليك.واذا كان كل الناس ودعاء فالبشريّة انسان واحد اذ لا يكسر وحدة الناس الا الغضب. الدعوة الى الوحدة هي وحدة في الطهارة والثقة لأن المحبة تثق. ولكون الدول لا تثق بعضها ببعض تكتب معاهدات. وبسبب الخطيئة يكتب المدين للدائن سندا «يستوفيه بالمحكمة» اي بخوف القوة لضياع الرقة يحتاج المجتمع الى التدابير القسريّة.هذا التأمّل يقودنا الى تأمّل آخر يمليه علينا قول المسيح: «تعلّموا مني اني وديع ومتواضع القلب» (متى 12: 29) لماذا هذا التلازم؟ يزيّن لي ان ما يجمع بين الكلمتين هو ان الرقة والتواضع كلاهما موت عن الأنا ويدعم قول بولس: «من ظنّ انه شيء فهو ليس بشيء» (غلاطية 6: 3). التواضع ان تنزل الى قاع الوجود بل تعتبر نفسك انك غير موجود وان كل ما تعمله من صلاح انما الله عامله فيك وبك. الله يمربك لوصولك الى الآخر ولا تصل اليه الا اذا محوت الأنا فيك. وفي هذا قال بولس: «اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء. واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود» (١كورنثوس 1: 27 و28) ومعنى العبارة الأخيرة كما أفهمها ان الله اختار من ظنّ نفسه غير موجود ليبطل من ظنّ نفسه موجودًا.

          انت لا وجود لك الا بمحو نفسك امام الله وامام الآخرين وبهذا جاء في انجيل في انجيل لوقا: «أنزل (الله) الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتواضعين )لوقا 1: 52) والمعنى ان الأعزاء هم من اعتبروا أنفسهم كذلك. هؤلاء يلغيهم ربهم من أمام عينيه ويرى فقط الذين لا يحسبون انفسهم كبارًا فينوجدوا في عينيه. في هذا المنحى كتب احد أمراء مولدافيا في القرن الرابع عشر لولي عهده: لا تشته ان تكون رئيس دير ولا اسقفا ولا اميرا (وهو المزمع بحكم الإرث ان يصيره) لأن كل هذا من مجد العالم». ذلك ان مجد الله فيك ـ اي الفضائل ـ مجد الله وحده المجد. وانت لا تعيه ولكن ربك يظهره. ما كان مجدًا باطلا يلغيه الله في مسيرتنا الى الملكوت. هذا ناتج من ان الظلمة (اي المجد الباطل) والنور (اي مجد الله) لا يلتقيان في الإنسان المعاصر.

          اجل يجب ان تعي النعمة التي نزلت عليك كما يأمرنا بذلك القديس سمعان الاهوتي الحديث ولكن تنسب في وعيك هذه النعمة الى الله وتدرك انها تمر بك ولكن لست انت منشئها. انت مجرد ممر لك لتوزّعها على الآخرين. القديس لا يعرف نفسه كذلك وجهله لهذا يرفعه الى مرتبة القداسة. وهذا حاصل لمن عرف نفسه خادما مؤتمنا على النعمة وليس بمالكها لأن الله وحده مالك الوجود والنعمة هي إشعاعه وحده.

          رقة اولا وتواضع ثانيا يتم بينهما التلاقي ليصير بهما ملتقيين الإنسان سويا. وهذا ممكن للفقراء والأغنياء والشابعين والجياع، للمواطن العادي ومن يمثّله في الحكم. ليس من وضع بشري تستحيل فيه الرقة ويستحيل معه التواضع والعلى مكتوب فقط لمن نزلت عليهم الوداعة والتواضع لأنّ هؤلاء وحدهم اهل الله.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الحكم والشعب / السبت 19 تموز 2008

لن أكتم هذه المرة حبي للبنان مع ان هذه الصفحة زاوية إلهيات. ذلك اني موجع وراجٍ معًا. ما انا بمداح وان كانت قلة من الوزراء من أصدقائي وعصبة أخرى أقدّرها وبعض منها على الامتياز. هل تكون الحكومة في نطاق رجائنا وعلى الفهم الشائع في أفراد منها ليصير هذا الفهم فاعلا في تقواها فتحمل حكم الله بين يديها فتفرض علينا إجلالها وتنمو أملا في «الباقيات الصالحات» في فكرها وإجرائها.

تعبت من اتهام الحكام لأن هذا يوقعنا في اليأس. والاتهام كما أسمعه أحايين قد يكون تعميما ظالما فكيف نستعمل نصحنا حتى نرشد مَن مال الى الاسترشاد. الا يسمع من له أذنان للسمع؟ الا يلتقط العطاء الإلهي مَن حرّك قلبه لتلقّي العطاء؟ مَن كان في حاجة الى التوبة فقد حان حينه. ونرجو للجميع جلاء النفس وصفاء النيّة وقوّة العزم لتبقى وديعة البلد سالمة في الأشهر القليلة القادمة.

وقد يعزّينا ما سمعناه من الرئيس في خطاب القسم وفي هذا التصريح او ذاك وراقنا شعور الرقي الذي صدر عنه ما يفرحنا في هذا الزمن الرديء. وأظن انه يصلح لي أن أقول للإخوة ان الإنسان فوق النصوص لا لأنه يتخطاها ولكن لأن النصوص لا تحييك الا اذا رجوت الى الله ان يُنعم على الذين يقرأونها بصدق ليعيش البلد. اظن ان الامام الغزالي هو القائل: «من الناس من يعرفون الحق بالرجال ومنهم من يعرفون الرجال بالحق». اسأل الله المبارك ان يعرفنا بما هو عليه الرجال بالحق الذي يحمله هو.

المبتغى الثاني الا ترجئ هذه الحكومة أي أمر الى غد. نحن نطلب منه فكرا وعملا وطهارة. وهذه كلّها ليست من المستحيلات اذا شاء من شاء. قيل: الحكم ملح الأرض بمعنى انه يحفظ البلد ويعطيه نكهته ويوطّد العزائم اذا خارت. ذلك انه اذا وجد جبابرة روحانيون يستغنون عن كل متاع الدنيا الا ان معظم البشر في حاجة الى من يخدمهم فيقويهم. الناس يتشددون بالناس فاذا فسد الحكم ييأس الكثيرون من إمكان الفضيلة. سمعت مرة اسقفًا يقول عن كاهن عنده: «ان الله لا يهمه» ثم أردف اذًا أخطأ العنوان، كان خيرا له ان يكون بقالا اذ عنده من معرفة البقالة الكثير. اتمنى أن يعرف وزراؤنا جوهر الحكم وأن يتقنوه على قدر ما نعاونهم ونعمل ما يطلبه التعايش المدني.

قلت غير مرة في «النهار» ان من البلدان ما يصنع الحكم اذ الحكم فيها يطلع من القاعدة ومن البلدان. ما يتكوّن فيها الحكم من المجتمع. أظنّ ان أهلنا في لبنان من يتطبّع بالحكم وأخلاق حامليه. الحاكم الرشيد فوق العامة. انه من الخاصة او من خاصة الخاصة كما يقول الغزالي ايضا. غير اننا بتنا من الوضع الذي نحن فيه ورجائي ان يلهم الله الوزير العادي ان ينتمي روحيا الى الخاصة او خاصة الخاصة ولا سيما ان الحكومة مجتمعة تقرر. قال بولس الرسول: «تنافسوا في الحُسنى» حتى تخرج من حزن عميق وانتظار طويل ونشدّ أزر بعضنا البعض لإنقاذ البلد.

# #
#
هذا يقودنا الى تأمّل نظام البلد. انا مع السيّد البطريرك نصر الله صفير لما قال هذه البداهة: ان ثمّة أغلبية وثمّة أقليّة.وهو على ما أعرفه عنه وعن تقواه ان هذا هو الأصل وتلك هي الديموقراطية وانت لا تستطيع ان تنشئ ديموقراطية غير تلك التي تحدّث عنها افلاطون والفارابي ومونتسكيو. واما الديموقراطية à la libanaise  فأكذوبة الأكاذيب. واذا تكلّم عن التوافقيّة فهذا كان حلا لأزمة مستعصية وهذا ليس بالأصل وليس ما يحرّك عجلة الحكم.

عند تنوّع الأطياف والطوائف والساسة والأفراد الأصل الاختلاف. في الدول الراقية جدا الأصل الاختلاف. في الأديان نفسها على وحدة العقيدة الأصل الاختلاف في التفسير والاجتهاد والنزعات والمواهب. عندنا تقدم الحكومة مشاريع قوانين يقبلها المجلس او لا يقبلها. فاذا كانت الحكومة واحدة المشروع فالمجلس يناقشه واكثريّته تقرر. واذا احببنا ان نقرأ مشاعر دينيّة او طائفيّة من النوع التاريخي فكل الطوائف الصغيرة في لبنان لا قرار لها مجتمعة في الشأن السياسي. واذا أخذنا الطوائف الكبرى المتقاربة العدد وافترضنا وحدة القرار في كل طائفة ماذا يمنع ان تكون هذه الطائفة غالبة او مغلوبة ثم يأتي دورها بالتداول.

لماذا لا نتعلّم ان نختلف ونحب؟ لماذا الفكر يجب ان يشطب الفكر؟ افهم اننا في وضع متأزّم أصررنا ان ننتخب رئيس جمهورية توافقيا صلاحيّاته الدستورية قليلة ولكن أنّى يكون التوافق في مجموعات كثيرة كمجلس الوزراء ومجلس الأمّة؟ كيف يتمّ توافق بين طوائف ثلاث هي السنة والشيعة والمارونية وهي الأهم عددا وقدرة؟ انا لا أفهم التوافقيّة الا ترسيخا للمواجهة الطائفيّة؟ ماذا نعمل بالدستور الذي يتحدّث عن الغاء الطائفية الدستورية وما فائدة مجلس الشيوخ عند ذاك؟ ماذا يبقى له اذا توافق الجميع؟ أليست وظيفته إدخال عنصر التوازن؟

ولماذا هذا الادعاء اللبناني اننا دولة فريدة في العالم والديموقراطيات الوحيدة في العالم هي الديموقراطيات الغربية بعد سقوط الديموقراطيات الاشتراكية وانضمام ما تبقى منها الى النموذج الغربي حتى الالتحاق او شبه الالتحاق بالديموقراطية الأميركية؟

يبقى التدرّب على الذهنية الديموقراطية وقبول التنافس نموذجا حيا للتعامل بين الأغلبية والأقليّة.
# #
#
ماذا عن الشعب؟ هذا شعب يجب ان يأكل وان يتأمّن له الأمن ما يحتّم على الحكومة الحاضرة اذا ما نالت الثقة ان تنصرف اولا الى هذين الأمرين اللذين عند انتفائهما لا يبقى مبرّر لوجود أيّة حكومة. شعبنا أكثره فقير والأعاجيب فقط تحول دون جوعه.وكل الحديث عن هجرته مرتبط بهذه الواقعة وانعدام الأمن او هشاشته وقوّة التعصّب الديني الذي يسمّى تهذيبا تواترا طائفيًا.

الى هذا شعبنا يحتاج الى ثقافة روحية اولا والى مدنية ثانيا لتنبثق عنه ديموقراطية فاعلة في الحكم. ومسؤولية ذلك واقعة بالدرجة الأولى على وزارة التربية ورفع مستوى المدارس وعلى وزارة الثقافة المنوط بها تثقيف كل الأمة اللبنانية.

مواطنونا انتقلوا من دور القبائل الى شكل دولة لا الى عقل دولة. والدولة تعني جباية ضرائب وجيشا نظاميا كبيرا وكهرباء ومياه وطرقات ومدارس وطبابة وزراعة وصناعة. وهذا كله يشكّل نقصًا كبيرًا. من يقيمنا من هذا الجب؟ لا أشك في ان بعض المسوولين أطهار ويحبّون البلد واذا أظهروا ذلك فنحن متمسّكون بهم.

هناك تفاعل أساسي خلاق بين الحاكم والرعية.ولن تستقيم أخلاق الناس ما لم نشرع بهذا. هل تقوم حركات تطويعية لتثقيف الناس على القيم الكبرى وعلى محبة الوطن والسعي الجماعي. ليس من موآنسة ممكنة بين محبة الشخص لذاته ومحبته للمجموعة الوطنية. ما من مجتمع مستقيم بلا دولة قادرة ومستقيمة. وما من مجتمع سليم اذا لم تطوعه دولة قوية تستعمل الوسائل القسريّة لإحقاق الحق والقصاص بحق المجرمين وبلا ايماننا الكلي بأن القانون يربينا. الهروب من القانون هو الهروب الى المنفعة الشخصية اي الى كسر الدولة.

المواطن غير القادر ان يحب الوطن لا بد من ضبطه. أرقى شعوب الأرض لا حياة لها الا بالقصاص وهذا يعني استقلال القضاء الكامل عن السلطة التفيذية التي تستهويها السلطة أحيانا بما فيه الاستيزار وشهوة جمع الناخبين بالباطل احيانا.

نحن في حاجة الى ثورة بيضاء يقوم بها الناس وتقوم بها الدولة. واذا كان علينا ان نختار بين الحق والحاكم فلا مجال الا اختيار الحق. نحن قبل كل شيء ينبغي ان نتعلّم اللاعنف وان نسوّي أمورنا بالسلام ولكن هذا يقتضي احيانا الخشية من العقاب. لابد من حماية المواطنين من المجرمين بما فيهم من يسرق الدولة. ومن سرقها لا تحق له الضريبة. في أقصى الحدود يكون العصيان المدني هو الكي. ولكن وقانا الله من الكي لحل خلافاتنا بالسبل السلميّة التي هي غير ممكنة الا بالتعليم والإرشاد الدائم والندوات الفكرية ومساهمة الأديان بالإرشاد الى حكم صالح والى طاعة القانون الذي يحمينا من خطايا كثيرة. فاذا أخطأت الى القانون الحق فأنت مخطئ الى الله. الدين ليس فقط عقيدة وعبادات. هو قبل كل شيء طاعة لله ومحبة لمن تعايشهم اي لتنتظم بينك وبينهم علاقات سلميّة وسلامية.

قد يقتضي هذا عقودا من السنين ولكن لنبدأ على الرجاء في جدية كاملة والله موفقنا الى مشيئته ومن مشيئته الحفاظ على الدولة من قبل مستلميها والمواطنين. هكذا يتجلّى الله في وطننا الذي لن يكون جميلا الا بأهله.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الأم / السبت 12 تموز 2008

في اللغات التي أعرفها اوأطلّ عليها كلمة الأم تتضمّن ميما. نجد هذا في اليونانية القديمة وألسنة اوربا الغربية وتلك المشتقة من السلافي كالروسية ومثيلاتها. الكرجية تخرج عن هذه القاعدة. هذه الميمية الشائعة تبدو آتية من ان اول صوت يتلفّظ به الرضيع هو صوت الميم.

وحتى لا أوغل في التفلسف واضح من السلوك ان حبل السرّة ولو قُطع جراحيا الا انه يظلّ قائمًا نفسانيا بمعنى ان الوليد ولو كبر يبقى على علاقة عضوية بأمه وما لم تكن بالغة النضج تتصرف تجاهه على انه لا يزال في حاجة اليها. لا ألجأ هنا الى فرويد الذي يميّز بين علاقة الصبي وعلاقة الإبنة مع الوالدة على أساس الجنس. وقبل فرويد وبالاستقلال عنه نرى الفتاة معجبة بوالدها وبقوّته. ربما هيّأتها الطبيعة لإعجابها بعدالبلوغ بمن تحب.

البحث العميق الدقيق يتطلّب معارف لست أملكها. اني آتي أساسا من الاختبار ومن بنوتي. الواقع يقول اننا كنا أجنّة اي قائمين في بطن امرأة. تتغذّى مباشرة تسعة أشهر من امرأة وتتكيّف من الحشا بكثير من جوانبها البيولوجية وان كنا قائمين منذ البدء من لقاء رجل وامرأة ويستمر فينا اذًا عطاء الوالد. غير ان الجنين على رغم تكوّنه الأول ينمو بما يأخذ من والدته ويتطبّع بأحوالها المتقلّبة. الى هذا تنشئ الرضاعة علاقة مميّزة تؤثّر ليس فقط على الوليد ولكن في الأم ايضًا. يبدو ان الرضاعة ليست مجرد انسكاب لبن في جوف الطفل ولكن أحاسيس ذات طابع شعوري وتغيّرات تحدث في الأمّ وعلى رأسها الضم الى الصدر وما ينتجه من ارتباط بين الأم والوليد.

شيء من حميمية خاصة تجعل الأب عميق العاطفة اذا أخذ ولده كيثرا على صدره. شيء قريب من انضمام الولد الى أمه.

بعد الوالدية في طورها الأول اي قبل انتهاء الخامسة كل شيءممكن في هذه العلاقة. هناك تعلّق مرضي عند الولد بذويه وتعلّق مرضي بالذرية ما يخل بالعلاقة الى الأبد. بهذا المعنى ليست الأبوّة الصالحة او الأمومة الصالحة هي القاعدة التي تجرف الجميع. الخطأ يأتي أساسًا من التربية كما يأتي من رفض أبوة او أمومة ذميمة. أظن ان الشعراء الذين مجّدوا الأم كالشاعر القروي عندنا عمموا الحكم اذ جاؤوا هم من اهل طيّبين.

# #
#

في التكوين البيولوجي تطبيع او تطويع استهللنا به هذه الأسطر ولكنه قد يقود على طريق السهولة فتحسب الأم ان حنانها ينسال من نفسها الى المولود – وهذاواضح عند الحيوان- لأن الحيوان غير قابل للفساد «صلاحه» اذا صح التعبير منطبع فيه ولكن الحنو الكبير لا يأتي من الفطرة. هذا واجب صقله وواجبة تغذيته بما ليس من هذا الجسد وهذه الأعصاب. الإنسان نتاج عناصر متعدّدة المصادر لأنه حيوان اجتماعي كما يعرفه أرسطو. تنصبّ فيه روافد الأرض وروافد التاريخ. وبسبب من ذلك «حيوانية» ما في الأم في مرحلة الطفولة الأولى ليست سيئة الا اذا طغت طغيانا كثيرا.

هناك لا بد اذًا من ان تتثقّف المرأة كثيرا فتؤتي الولد العلم بمعناه الواضح. واذا كانت مرتبطة بالله تصلح ما اعوجّ في طبائعها وسلوكيّاتها لتنقل الألوهية التي حلّت فيها كما نقول في المصطلح المسيحي او اذا تخلّقت بأخلاق الله كما نقول في الإسلام. هذا ما يسمّيه انجيل يوحنا الولادة من الروح وطبعا يريد الروح الإلهي. كذلك يقول يوحنا اننا نولد ثانية من فوق. لهذا كان العلامة الاسكندري اوريجانس يكره تعييد الانسان لمولده. كان يعتبر ذلك أمرًا وثنيا لإيمانه ان الإنسان يولد من ماء المعمودية والروح القدس.

في الخلق الأول المستمر في الحبل والمولد تولد انت من لحم ودم. ولكن «اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله». يبعثك في اليوم الأخير الروح القدس الذي يرعى الى النهاية العظام الرميم.

غير ان هذا السمو الروحي الذي أشرت اليه لا يحول دون القربى الجسدية التي تشير الى القربى الروحية التي يجب ان ترعاها انت حسب القاعدة الذهبيّة الثانية: «أحبب قريبك كنفسك». ومع ان الكتاب لا يتحدّث هنا عن النسابة الا ان ذويك يشيخون او يفتقرون او يمرضون ومن طاعة الله اذًا ان ترعاهم ولهم أوّلية في رعاية تعزيهم فيما العمر يطويهم. هنا تنشئ انت قربى جديدة تدل على طاعتك الله ويؤسفني ان ألاحظ ان الجمعيات الأهلية او الخيرية فقط في لبنان تهتمّ بالمسنين وان المجتمع الوطني ممثلا بالدولة لم يقم ازاء مسؤولية عن «الرياضة والشباب» مسؤولية مماثلة تجاه المسنين او ضمانا للشيخوخة وفي ذلك تكلّم كثيرا الرئيس اميل لحود غير ان شيئا لم تحققه الحكومات على هذا الصعيد.


# #
#

لا بد في تكويننا التنافسي ان نتمرّد بطريقة ظاهرة او غير ظاهرة على الأهل والحياة تقضي الا تفهم دائما في فتوّتك ما أخذت عن ذويك. وأنّي أحمد الله على ان الاستنساخ المعنوي غير صحيح فهناك من كان اكثر استقلال او اقل استقلالا عن اهله. ولكن في طور من أطوار حياتك يختلف بين الناس تفهم انك تجيء من حسنات ومن سيئات ذويك ثم يغرقك الحب في جلاء رؤيتك لهم والأهم في هذه الرؤية ان تقرأ النعمة الإلهية التي حلّت عليهم فتستعيد بالذكرى وتاليا بشيء من السلوك ما ارتسم فيها من جمالات الله.

وفي هذا تنتصب مريم نموذجا لمن ولدنا بالروح. هي ليست مثال المرأة. انها مثال الجميع برعاية نقيّة للمسيح. المسيح مولود امرأة لا رجل لها. هل ان ما يربطنا بالسيّد ينشئ عندنا روحا مريميّة. وهل اننا نسقط طهارة مريم على أمّهاتنا ونرفض بالرغم من العقل الفاحص كل كلام ملوّث عن أمّهاتنا. وجد رجل واحد في التاريخ المسيحي هو القديس مكسيموس المعترف قال: ان من ولد المسيح في الآخرين (في البشارة او التعليم) هو مريم ثانية.

بطريقة او بأخرى تتراوح بين الوضوح والغموض نريد ان نجعل امنا على مثال مريم في عطاء الذات والنقاوة غير المنثلمة ربما في حضارات اخرى شيء يشبه ذلك. ولكني لست أعلم. غير ان ما اعرفه ان الأم هيّأتها الطبيعة اولا ثم تهيئها الرحمة الإلهية على إمكان ان تصير كائنا عظيمًا يسهم كثيرا واحيانا -وليس في كل حين بالضرورة- يُسهم في خلاصنا وتقديمنا الى الرب آيات مذهلة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الجسد / السبت 5 تموز 2008

الجسد للإنسان دون غيره من الأحياء. وهو في الفكر العبري جزء أساسي من الكيان البشري. وبهذا ليس مجرّد مادة. وهو يحتوي العقل والروح. لذلك يجب أن نرى الارتباط بين كل مكوّنات الإنسان حتى نتمكّن من التحدّث عنه. هذا يقودنا الى الصحة والرياضة البدنيّة او الظاهرة كذلك والى مسابقات الجمال.

الصحة وديعة إلهيّة ونحن مسؤولون على الحفاظ عليها وتنميتها: «ليس أحد يبغض جسده قط بل يربّيه ويقوّيه» (أفسس 5: 29). كل شيء من الله وكالة. فالجسد لله ونحن نرعاه من اجل الله صاحبه. نحن لسنا أصحابه لنفرط به. عهده الرب الينا لكي نحضره له سليما، معافى. لذلك لما رأى باسيليوس الكبير بعض الرهبان يهملونه كتب اليهم انهم مدعوون لاستخدام الأطباء قائلا ان إهماله بادّعاء ان الله يرعاه مباشرة يشبه من يزرع زهرة ولا يسقيها. اجل لا يتنازل الله عن رعايته ولكنك مسؤول عن تغذيته.

طبعا هذا يطرح مسائل عديدة لم يتفق علماء أخلاق الحياة عليها. هل تهمل العناية الطبية الملحّة اذا كنت قريبًا من الموت؟ لا أحد يعرف ساعة الموت وأنا أميل الى ما يسمّى عند الفرنسيين acharnemet médical  الا في حالة اليأس الشديد من الشفاء. هذا لا ليس انتحارًا ولكن يجب التأكّد من ان الوضع البدني أدرك حالة اللارجوع الى الصحة هذا يقرّره الطبيب لا المريض اذ المريض لا يستطيع ان يشخّص حالة اللارجوع.

هذا يطرح ايضًا سؤال الموت الهنيء حيث نقرّر قتل النفس بسبب من الأوجاع الكثيرة التي يعسر علينا احتمالها. كل علماء الأخلاق متّفقون على نبذ الموت الهنيء الذي هو في حقيقته افتعال الموت اي الانتحار. ذلك ان الألم مهما اشتدّ يحتمل إمكان الشفاء من جهة ولأن النفس البشرية في هذه الأحوال الصعبة لها حياتها الخاصة، فيها فكر وتواصل وصلاة. والوقت الباقي للإنسان المتوجّع وقت يمكن قضاؤه لقول أقوال عظيمة وللتوبة. وهذا الوقت متروك لله يملأه بأجمل ما عنده من نِعَم. ليس البدن الغارق في الآلام يملي علينا إنهاء الوجود. لو كان البدن شيئا محضا لا علاقة له بكياننا الروحي او هو فقط ملتصق به آليا لأبحنا هذا النوع من الانتحار ولكن الإنسان وحدة متكاملة يتفاعل فيها الجسد والنفس وهي الذات الداخلية لقلنا اننا أسياد على إفنائه ولكن قد تؤذى به النفس العاقلة والمحبة ونكون قد اتخذنا قرارا عن الله في وديعته.

أن تدع نفسك في المرض دون استشفاء خطيئة لا ريب في ذلك. بسبب خطأ الإهمال هذا قد نعرض الذات للانهيار او الموت ولا نبقى أمناء للوديعة. المهم الا تعالج نفسك بنفسك والا تشخّص الداء فقد لا يكون الرشح مجرّد رشح ولكن إصابة رهيبة في الرئتين. لا تعالج قياسًا على داء شبيه حلّ بك ولا تصف لنفسك دواء ولا تشتر دواء بلا وصفة من طبيب. كل هذا إهمال وانتحال صفة. وبخاصة لا تداوِ نفسك بما يسمّى الطب العربي او على كلام متواتر من الأجيال السابقة. هذا كله فيه تهوّر.

الى هذا فالصحة تقتضي غير الأدوية. هناك حالات كالفالج او الفالج النصفي او عجز في العظام او ضعف في العضلات كبير تحتاج فيه الى علاج فيزياء ومنه التدليك واستعمال بعض الأشعة وكثيرا ما كانت منقذة.

من الصحة الرياضة البدنية وأهمّ ما فيها المشي والسباحة وهما كفيلان في أحيان كثيرة بدعم للعافية قوي بما لهما من تأثير مباشر على قوة العضل والدورة الدموية والنشاط وما الى ذلك. واذا كان لديك وقت فهناك ألعاب ككرة القدم وكرة السلة مفيدة جدا والا فالمشي والسباحة كافيان بتقديم صحة قوية لك جسديا ونفسيا.

عند الشيوخ التمارين البدنية نتخذها باعتدال اذ لا يجوز عند المسنين التحرك العنيف. وفي مجال الرياضة بعامة الإفراط مضرّ. الا ان ثمّة احترافًا للرياضة بمعنى ان الدولة او الأندية الرياضية تخصص شبابا براتب لا يتعاطى مهنة أخرى ويكثر من التروض كل يوم.

سواء كنت محترفًا أم لم تكن الخطيئة الا تجعل الرياضة شغفا يشبه التدين. فلا تعبد جسدك ولا جسد الأقوياء. التظاهر بالقوة والجمال الذي تعطيه وثنية ولو كانت مهنتك الرياضة لتمثيل بلدك.
# #
#

غير ان البدن ليس فقط بدنا محضا في حقل الجراحة التجميلية التي تُجرى للنساء بامتياز. عمليات الأنف كثيرة اذا كان ضخما. لماذا لا يكون ضخمًا. عمليات الشفاه وأعضاء أخرى معروفة لماذا لا تبقى كما جاءت من حشا الأم؟ وقد لا يناسب ان أتكلّم على مواضع في الجسد اخرى. التدخل الجراحي أراه فيها شيئًا تافهًا: ما القصد من كل ذلك سوى إذكاء الشهوة عندالرجل وكأن المرأة المتزوّجة قائمة لإشباع رغباته او كأنها تعترف بأن كيانها الروحي والفكري والثقافي غير كاف للاحتفاظ بالرجل. او كأنها تفتش عن عرض الجمال غواية.

قد تقول المرأة انها تقوم بذلك لإرضاء نفسها بالجمال لكونها لا تتقبل ان تبقى على شيء من القبح. السؤال هو لماذا لا تتصالح والقبح او بعض منه. لماذا القبح قبيحًا؟ الشخصية الرائعة روحيا او فكريا لا تحتاج الى غير البهاء الداخلي الذي هو قوة جاذبية تؤثر في الرجل السويّ تأثيرا أعظم. المرأة التي شذ أنفها او غير أنفها عن المألوف كائن كامل. والقبح والجمال في الرجل والمرأة واحد عند الله. قيل لي ان بعضًا من الرجال يُقبلون أيضا على عمليات تجميل. هؤلاء أشدّ من النساء سخافة. مَن لا رجولة في فكره وقلبه ليس عنده رجولة. ومهما يكن من أمر لا يقدر امرؤ ان يطهّر نفسه ليكون بل الله مظهره والجمال الحق أعني جمال الكيان الإنساني العميق ينزل عليك من فوق. غير هذا باطل وباطل الأباطيل.
# #
#
أخيرا أجيء الى مسابقات ملكات الجمال. هو تمييز بين اللواتي يتقدمن الى الامتحان. وهذا فوز واحدة على المتسابقات وليس على كل صبايا البلد. ولست اعلم في المستوى العالمي ان كان النفوذ او السياسة لهما دور في الاختيار. أعرف ان هناك مقاييس دخول، عرض، أناقة، فهم وما أشبه ذلك وما من شك عندي ان الجمال هو الغالب في الاختيار.

ما معنى ان تتباهى الملكة بتفوّقها؟ ما تأثير ذلك على تواضعها وتواريها؟ كل امرأة سليمة العقل، طاهرة، كاملة عند الرب. لماذا اذًا الانحصار في الجمال لتبيان الفضل؟ في الأخير ما فضل الجميلة على القبيحة في الحيّز القيمي وكل المسابقة تقوم على أمور رقمية في البدن. ما البدن وحده؟ هذا انزال الذات الى اللحم ويخدع المتفرجون بسؤال واحد في الذكاء قد يرجح منزلة احدى المتفوقات.

مسابقات الجمال طبعا صنع الرجال الساعين الى جسد المرأة ولو كانت لجنة الحكم مختلطة بين الرجال والنساء. كذلك خياطة الازياء العليا haute couture كما يسمونها صنع الرجال ما عدا استثناءات قليلة مستجدّة. «باطل الأباطيل، كل شيء باطل» وأوّل الباطل في هذا الحقل، الأزياء.

لست أريد أن أستفيض في موضوع الزي. لقد زالت الحشمة من بلادنا ومن غيرها. التعرّي او شبه التعري يطرح سؤالا على المرأة. اذا كان على الأرض جسدك لغة بينك وبين زوجك فلماذا تخاطبين به رجلا آخر. واذا كان موضع حب وارتقاء بشري في زوجيّة مقدّسة ألست تقيمين زوجية غير مقدّسة؟ واذا قلت ان هذا العري يحلو لك، أسألك بدوري لماذا يحلو ولا يحلو التستّر. انا وايّاك مختلفان اذًا على القيم وليس على البحث في الطول والقصر.

تقولين ما فكّرت في الإثارة. أخذت هذا عن مجلات الأزياء. وانكِ لم تفكّري بالسوء. مأخذي عليك انه كان يجب ان تفكّري. هل عقلت أن الجسد ليس قيمة مطلقة وان الإنسان بكماله قيمة مطلقة وان الفكر أعظم من البدن والروح المقدسة أعلى من الفكر.

للجسد قداسة ينبغي أن نكتشفها لئلا نصبح خلائق بلا فكر، بلا قلب، بلا روح.


Continue reading