Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2009, جريدة النهار, مقالات

ماذا بعد غزة؟ / السبت 24 كانون الثاني 2009

لا يمكن ان ترى الى ما بعد غزّة الا اذا قرأت اسرائيل دولة قاتلة مشبعة بالنازية. دماء الأطفال والنساء والحوامل منهنّ كانت تمرينا لقتل العرب، تمرين إبادة لمن يقف في وجه الدولة اليهودية التي تبرّع جورج بوش بنعتها كذلك. والمعنى البادي لهذا النعت ان المشتهى الا يكون في هذه الدولة قوم غير يهود. هذه العقيدة القوميّة – الدينيّة العنصرية حتى الشوفينية تقضي بإجلاء الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائلية او بقمعهم حتى يهاجروا او يرموا أنفسهم في صحارى العرب.

صواريخ حماس والفصائل ذريعة للهجرة الوحشية على غزة، هذا بغض عتيق لهاجر ولاسماعيل منذ تدوين سفر التكوين وصراعنا ليس مع هذا الكيان الهجين وحسب ولكن مع ما يحمله من بغض يؤدي منطقيا الى الإبادة. لست أود هنا أن أدخل في استجلاء معنى «الشعب المختار». هذا له معنى النعمة المجانية التي سكبها الله على ابراهيم وعنى الله بها خدمة التوحيد وليس فيها استعلاء ولكن الشعب المارق ابتدع الاستعلاء فعبد نفسه وادّعى حقّ الإبادة واعتقد انه تفويض إلهيّ وهكذا وضع هتلر على منطقة (زناد) كل جندي الماني العبارة الكتابية Gott mit uns  اي معنا هو الله..

وتعلمن المفهوم وتباعد عن الإيمان شطر كبير من مواطني اسرائيل او من معظم مواطنيه. ومع ذلك بقيت الدولة المتعلمنة كثيرا، بقيت يهوديّة بالمعنى المجتمعي. والذين ليسوا على اليهوديّة ليسوا، في الحقيقة، من هذا الكيان الذي يدّعي انه وحده ديموقراطية في الشرق.

عندما تقول الإدارة الأميركية ومن يقول قولها من الأوربيين انهم يريدون إنشاء دولتين متجاورتين على أرض فلسطين التاريخيّة ماذا يعنون؟ المبتغى ان يكون الفلسطينيون «عاقلين» ويرجوا دولة يهوديّة عاقلة ايضا. ولكن هل تعقل فلسطين بلا قدسها؟ هل تعني كل الأرض شيئا بلا القدس؟

الكلام عن دولتين يعني المسالمة بين واحدة لا تقيّدها ايديولوجيّة واخرى أسيرة الايديولوجيّة الصهيونيّة. قد يحلّ بينهما سلم ظاهر ولكن هذا ليس بتفاهم. هذا التباين يظهر شعبًا عربيًا يؤمن بأن الانسانية واحدة وشعبًا صهيونيًا تنفي فلسفته الاعتقاد بانسانيّة واحدة. ماذا يعني الجوار بين شعب لا جيش له وشعب كلّه عسكر يرتدي البزّة متى شاء لكونه مجتمعا حربيا. دولتان بلا توازن بينهما مشروع حرب كامنة في نيات الطرفين.

السؤال الذي يفرض نفسه نظريا هو هل نريد اسرائيل ان تبقى؟ هل صولِحنا مع هذا الكيان المغلوط الذي حُبل به بالإثم ووُلد في الخطيئة. مفروض علينا ان نشرعن ولادة زانية. مع هذا لست أدعو الى محو اسرائيل بالسلاح. أخشى الا يكون هذا ممكنا في المستقبل المنظور. والأهم من كل ذلك أخشى، تنفيذا لهذا، ان نقع في خطيئة الإبادة التي وقع فيها اليهود في غزة وقبل غزة. انا أريد ان نحافظ على اليهود مع رفض للدولة اليهوديّة. هذا يستتبع تساؤلات عديدة حول قوّة العرب اذا اجتمعوا. وعلامَ يجتمعون اذا أرادوا؟ ثم متى وكيف يلتقي الفلسطينيون ليُبدوا رأيًا في انتصار ما على اسرائيل؟ هل يعتقدون ان صاروخًا من هنا وصاروخًا من هناك من شأنه ان يُنهي الكيان العبري؟ هل أوافق حماس على قولها ان فلسطين كلّها وقف إسلامي؟

# #
# انت لا تقدر ان تلغي ايديولوجية يهودية بايديولوجية إسلامية. هما قول واحد. انا لا أفهم ان يرفض العرب دولة يهودية لكونها يهودية وكل دولهم ما عدا لبنان دول إسلامية في دستورها وواحدة منها رئيسها مسلم وجوبا. انت تحارب اسرائيل بفكر آخر او هي غالبة.

واذا افترضنا اننا ضربنا الغطرسة اليهودية بإسلام متسلّح ونتيجة ذلك اننا اقمنا حكمًا إسلاميًا في فلسطين موحّدة اين مكانتي أنا المسيحي العربي على أرض «فلسطين المستعادة»؟ عنوان مكافحتنا اسرائيل هو تاليا العروبة او الإجماع العربي.

لا تنتهي القضية بترتيب البيت العربي في فلسطين مصغّرة، خجولة، هزيلة. المسألة ليست في إنشاء هذا الكيان ولكن في اعتراف الفلسطينيين او عدم اعترافهم بالدولة اليهودية. اذا تضمن إنشاء الدولتين تبادلا ديبلوسيًا بينهما انتهت القضيّة الفلسطينيّة. لاسرائيل ان تبقى على مستوى الواقع لا على المستوى الحقوقي de jure .  ليس فقط لأننا نتمنى ان تتوحد كل أرض فلسطين التاريخية ولكن لأننا ننكر الايديولوجية الصهيونية. اذ نحب ان يتحرر اليهود من هذه الايديولوجية القاتلة كيانهم الروحي وانسانيتهم السليمة. نحن ليس عندنا رفض لشعب اليهود في العالم لأننا نحب خلاص نفوسهم ولأن عندهم على مدى العالم طاقات فكرية وعلمية عظيمة. من كان عدوًا للإنسان اليهودي لا يستطيع ان يخدم قضيتنا. نحن نبغي تحريره من عقائدية سلبية ورافضة للإنسان الآخر.

بمجيء السيد اوباما الى الرئاسة الاميركية قد تُمارَس ضغوط رهيبة على العرب حتى يعترفوا جميعا باسرائيل ويبادلوها البعثات الديبلوماسية ويطبعوا العلاقات معها. قد يضطر الفلسطينيون ان يُحشروا في بقعة صغيرة من بلادهم مع قبول بعض المؤسسات غير العسكرية. أخشى ان يجيء زمان مظلوميّتهم. لا ينبغي اذا هم قبِلوا بذلك ان يسترخي بقيّة العرب.

انا أدعو الى الرفض العربي، الى استمرار رفض الكيان الصهيوني. المقاومة العسكرية ستزول بإيجاد الدولة وبقبول ضمني او صريح عند العرب للدولتين. المقاومة العسكرية وجه من وجوه الرفض. الرفض هو المبدأ في مواجهتنا اسرائيل سياسيا وفكريا وهو ممكن مع السلام. غير ان تشكيل الدولتين يفترض قبول الفصائل به. كيف؟

ولكن من الآن لا بد من توحّد الفصائل وتوحيد الحكم الفلسطيني واستمرار المفكرين والأكاديميين والصحافيين في ذهنيّة الرفض وروحانية الرفض. هذا على رجاء ان يقف حمّام الدم في غزة وغير غزة. هذا يعني انسحاب الجيش الاسرائلي كليا منها وإعمارها او الشروع بإعمارها.

وهذا يعني ان تموت الصهيونية في العقول بما فيها العقول اليهودية. وعلى مدى طويل الا تبقى ايديولوجية الكيان الاسرائيلي. لا شيء يدلّ على ان اسرائيل باقية الى الأبد. قلّة من المحلّلين تعتقد ان فيها عناصر تفسّخ يزيل اللحمة بين مواطنيها. هذا ليس شأننا الآن. ان شأننا ان يتوحّد العرب. هذه المقاومة العقليّة تعني لي الوجه الجديد لعروبة مثقّفة ترتضي تعددًا للدول العربية والتفافها نضاليا بعضها حول بعض في حداثة تضاهي حداثة الغرب.

ولكن هذا يوحي ان يرفض العرب الإرهاب. ان هذا مسؤول جزئيًا عن إثارة الاسلاموفابيا في الغرب. الإرهاب خيار جنوني يُقنع الغربيين بتخلّف العرب. سلام النفس العربية وتخليها عن العنف كليا من شأنه ان يقنع الدول الأخرى ليس فقط بمخاطبتنا والتعامل الودي معنا ولكن بإشراكنا في السياسة العالمية. العرب اساسيون في المعايشة الانسانية الشاملة اذا تخلّوا عن العنف نهائيا في فكرهم ونشاطهم.

غزة بعد غزة هي العبارة الرمزيّة التي تدلّنا على نحت السلام العربي بصورة ان من أراد تمزيقه يكون ظالما، مجرما. آن الأوان لدخولنا الحياة الحضارية الكاملة التي روحها السلام. هذا وحده يمنع الأشرار من قتل العرب والغاء حياتهم الطيّبة التي قامت أمنة طويلة على العطاء الحضاري والمشاركة الانسانية المولّدة للحب.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الجسد / السبت 17 كانون الثاني 2009

الجسد يحمل بهاء مخلوقيّته. كل الخلائق جميلة ويكشف في تكونها يد الله. غير ان الطابع العضوي لما في الجسم البشري يوضح لك عقل الله. منذ بضع من سنوات لفتني ما كنت دارسه ولم يحركني في شبابي. انا الآن دهشة امام الترابط المذهل بين أعضائنا. كيف يصبح طعامك بعد الهضم جزءًا من شعرك، من عينيك، من صدرك. كيف تأتي من أب عادي وأم عادية لتصبح أفلاطون او أينشتين. هذا اللحم البادي منا وبه نتواصل لم يكن ليكون كامل المعقولية لو لم يعقله احد. هو اذًا موضع رؤية لهذا الذي عقله. عن المخلوقات في سفر التكوين «ورأى الله انه حسن». اما عن الإنسان فيقول: «فخلق الله الإنسان على صورته». ان نظر الله الى الانسان يقول الله: «ونظر الله الى كل ما صنعه، فرأى انه حسن جدا». لماذا لم ينبهر الله الا بالانسان كأنه دون كل الخليقة محاوره.

هذا الجسد على سحره تراب، والترابية تضغط على كل ما فيه حتى تمنع النور عنه والنور كان في البدء ونحن اليه مثلما نحن على التراب ويتلاعبان حينا ويتناقضان احيانا ما دام الإنسان. على ركيزة جسده يبصر الانسان قوة الله وجلاله وحنانه وتنكشف أسرار الله لنا اذا كنا اليها بكل ما فينا من قوى ونتواصل والآخرين بكل ما فينا من قوى ايضا اذا لا ترى ربك ما لم ترَ عباده الطيبين. هذا لا يجري فقط بالفكر فالعين تفرح واليد تصافح اي تصير عضوًا واحدًا مع يد الآخر لأننا موصولون بخيوط من ذهب مخفية الى ان تتجلى وحدة البشر عند هبوط ملكوت السموات علينا.

الجمال وما يبدو لنا قبيحا كلاهما من الله وكلاهما لغة، والقبيح لا ينفر اذا اجدت لغته اي اذا تجاوزته الى الكلمة التي تتضمنها تعابيره ومخاطبته الله. فليس الإنسان في سحر وجهه ولكن في سحر وحدته مع الآخرين وفي حريته على صورة الله. وما هو أسمى من ذلك الانسان المحب البشر اي في وحدته مع الآخرين وفي حريته على صورة الله. انه لسرٌ عظيم الا تكون انت اياك في ذاتيتك ومسؤوليتك وانت تحيا في إناسة الآخرين معا. ان نكون واحدا ومتمايزين معا هذا وحده يلغي العبودية القائمة إما على الانغلاق او الانصهار الكامل. انسان واحد في ذاته وموحد بالجماعة في آن . حتى في الملكوت يبقى الانسان ذاته ولكنه متحد لتظهر محبة الله.


#      #

#

بين يدي الله مفاتيح الحياة والموت. «كل نفس ذائقة الموت» (عمران، 185 وغيرها من السور). الجسد مهيأ للموت في تركيبته. الخلايا لا تعيش الى الأبد. وعندنا نحن ان «الذي مات قد تبرأ من الخطيئة» (رومية 6: 7). بهذا المعنى الموت رحمة، وفي الايمان المسيحي انه لقاء مع الرب. والنفوس في قبضة الله وهي ترجو القيامة. والموت اول مواجهة مع الله في ما نسمّيه الفردوس او الملكوت على رجاء رؤية النور الإلهي في السماء عند انتهاء الزمن.

في الزمان الأخير تُستدعى الأجساد الى القيامة ومنذ موت صاحبها يحنو عليها الروح القدس بنعمته بحيث ان الروح الالهي يرعى النفوس والأجساد معا حتى يجمعها في اليوم الأخير . اذ ذاك أمكن القول ان الجسد بعد الموت قائم ولو ذهبت عنه الحركة التي كانت في كيانه.

قدسيّة الأجساد تمنع عندنا إحراقها. نريد استمرار جسد ما لكيانية ما ولو بدت مفكوكة. الجسد ممسوح بالميرون بعد المعمودية. لذلك كان للكنيسة مدافن كانت تبنى الى زمن قريب حول الكنيسة بحيث يشعر المؤمنون الأحياء انهم واحد مع الراقدين على رجاء القيامة.

من هذه الزاوية ليست الكنيسة مشدودة الى انفصال النفس والجسد، ولكنها تشدها جميعا الى رحمة الله. الانحلال الذي يصيب الجسد فرصة لقائه مع الرب اي انعطاف الرب عليه. هناك من يخشى الموت، وهناك من لا يخشى. المهم ان يتهيأ كل منا لفراق هذا الوجود وارتقاء الى وجود السلام. نحن نعد من يرحل عنا بالصلاة وتعزية الكتب كما يقول الرسول. وانشئت مؤخرا في اوربا مؤسسات تُعنى بإعداد المرضى في مراحلهم الأخيرة للموت وهي مختلفة عن المستشفيات. حبذا لو كان في كل عائلة مؤمنة من كان أقرب الى العناية بالمريض في ايامه بالكلام الطيب. اجل ممكن للكاهن القيام بهذا الواجب اذا درس ما يجب ان يقوله ويعمله بما يتجاوز مجرد الصلاة.

هذه الرعاية تفترض ضمنا اننا في الموت نصير الى المرحلة الأخيرة من الحياة الدنيا، وان هذا الجسد كريم وانه في حال الوعي يتناول بالزيت ما نسميه سر المسحة الذي يفترض ان الإنسان كيان واحد قبل الموت وبعده ما يحول دون التأكيد اننا مؤلفون من مادة تزول ونفس لا تزول. الجسد عندنا شيء من الكيان البشري ليس أدنى من الروح في حقيقة الوجود وحقيقة المصير.

# #
#

فيما أتأمل في هذه الرؤية اللاهوتية أحمل غزة في ضلوعي. كل من سقط فيها هو عند الله وفي تاريخ القداسة. لماذا يقطفون الأطفال- الزهور؟ ان يموت المحاربون امر طبيعي. ولكن كيف يحتمل شعب له انبياء دعوا الى العدل موت النساء والشيوخ وليس فيهم مسلح؟ لماذا هذا الدمار الذي يشبه آخرة العالم؟ ما الفائدة من إبادة مئات من اهل غزة. هؤلاء كلّهم أجساد مقدسة جعلها الظلم قرابين لله.

ليس الوقت الآن للصلح. المبتغى ان تتوقف إماتة ناس عزّل. واذا جاءت التهدئة يبدأ منطق السلم. المهم ان تبقى هذه الأرض فلسطينيّة ولا توزّع بين العرب. لقد أثبت التاريخ منذ ستين سنة ان الفلسطينيين متمسّكون بحريّتهم على أرض لهم. كيف تكون حال الشرق الأدنى في المستقبل القريب؟ هذا موضوع بحث أساسه ان يتجمع اهل فلسطين على أرض يحبونها حول الزيتون والبرتقال ومياههم، وان ينصرفوا الى بنيان مجتمعهم كما يشاؤون مشاركة منهم في الحضارة.

اوقفوا حمام الدم وهو زكيّ. هم لم يكونوا من الأمة الألمانية لما أحرق قائدها اليهود بشكل وحشي. لماذا الذي كان أبوه ضحيّة النازي في اوشفيتس ينبغي ان يحوّل كل مدينة في قطاع غزّة الى اوشفيتس أخرى. سلام على أجساد أحبائنا المطهّرة في فلسطين كلها. إخواننا هناك مدعوّون الى المجد. وسنناضل مما أوتينا من وسائل لتحقيق هذا المجد.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الانسان الجديد / السبت 10 كانون الثاني 2009

تسآل أساسي وهو أي لبنان نريد لا يقود، ضرورة، الى تطويع الإرادات ليظهر هذا الكيان السياسي المتجدد لأن لبنان الجديد او المأمول بجدته بنية يكون اي ان السؤال مطروح على مستوى البنى وليس على مستوى العمق الروحي الذي نرجو ان يكون عليه الأشخاص لتنبثق الدولة من «الخلائق الجديدة» او المتجدّدة. تقول نريد البلد حرا، مستقلا ويبقى هذا على صعيد القول لأن المواطنين لا يتصرّفون وكأنهم طالبون هذه الحرية وهذا الاستقلال. ان تعبّر عمّا تريده للبلد لا يحوّل رغبتك بالضرورة الى فعل. ان تطالب بالتعبير لسانيا وفي نضال منظّم لا يخرج من جعبة الساحر وطنا حقيقيا.

لبنان يصنعه ناس صاروا في دواخلهم كيانات عميقة، إلهيّة، تتسامى دائما لتقيم لله بيتا على الأرض. الوطن، عند ذاك، يتشكّل بنيويا، يتصوّر جسد له سياسي من هذه الروح. يبنى الوطن من خارج الإطار السياسي من خارج الحكي السياسي. تقوم أسسه على حياة روحية تنزل عليه من فوق.

على الصعيد السياسي فقط لك ان تصرّ على ان الوطن يتجاوز الطوائف، ولكن لفظة طائفة مزدوجة وتعني عندنا الله الذي يحلّ على الطائفة ومكوث السياسيين فيه او تملك السياسة عليها فتتحوّل الى كتلة جامدة وقاتلة بانكماشها على نفسها وزميلاتها. الطائفة بمعنى الجثة المنتنة، المفسدة للكيان الوطني تضرب الله في ذاته. نحن لا نستطيع ان نتجاوز الطائفة الى وطن الا بمعونة الله الذي يكون قد كشف كليّته لا كليّة الطائفة.

اذا حلّت النعمة في قلب كل لبناني، لا مشكلة في انتمائه الى احدى الطوائف الثمانية عشرة، ولا حرج عليه اذا افتخر بتاريخ هذه الجماعة بلا عنصريّة او عصبيّة. غير ان المرتجى منا ان ندين بدين الحب ليس انه دين آخر او مغاير ولكنه التركيز على يقيننا بأننا نحيا روحيا بالآخر وحريّته واعترافه بحريّتنا على ان نؤثر ما يجمع على ما يخلف ونصطف صفا واحدا في ما يجمع فلا نثقل عقولنا بقباحات التاريخ ولا نرمي بشاعاته الى قلوبنا حتى تصفو القلوب وتتحرّر الرؤية وتطهر الأفئدة.

وهذا يعني ان نغفر لمن أساء الينا في الأزمنة الغابرة ولا نحمّل ذاكرتنا وزر الظالمين ولا نجعل مشاركينا في الوجود اليوم مسؤولين عن مغبات الأعمال التي انطوت، فالوجوه التي تواجهنا اليوم قد تكون على كثير من النور، وقد تصبح طيبات القلوب عند من اعتبرناهم خصوما طعاما لنا. أجل يجب ان نقرأ التاريخ عسانا به نتّعظ، ولست أدعو الى أن ننساه ولكن الا نصير أسراه. واذا كانت جودة المسجّلين أخصاما كثيرة فنخلع عنّا الخصومة لنحسّ اننا متحاورون في الحق وطالبون اياه وسائرون على صراطه.

#    #  #

انا لا أنكر على أهل البحث صدقهم وسعيهم الى أن يعرفوا عند الآخر كل شيء، ولا أنكر عليهم نقدا او تحفّظًا فالحقيقة لا تلوي لاسترضاء الآخر. ولست أطلب من العلماء توحيد الأديان فهذا يناقض ايّة معرفة جدية صارمة. فالانسانيّة متعدّدة المشارب والقناعات. والأشياء هي اياها كما تراها. ولكن الحوار يفرض نفسه إجلاء للحقيقة ودفعا للهوى وطلبا للقربى وليس في ذلك سجال ولكن في هذا ايضاح واستيضاح حتى تعرف موقع فكرنا وموقع الفكر عند الآخر.

غير اني اعتقد ان بيننا قربى في مطارح كثيرة من العقل وان ثمّة خلافا بين المفسّرين لسوء التدقيق في النصوص او ان نهجا تفسيريا عندي لا يوافق نهجا عندك. هنا تكمن صعوبة الحوار، ولكن لا تكمن هنا استحالة له.

الا ان همّي في هذه العجالة ليس الحوار بل لقاء الحب الممكن في هذا النص او ذاك. فاتخذ التماسا للحب نهج النحلة التي لا تذهب الى هذه الزهرة او تلك ومعروفة مصادر العسل عند النحالين. ولك انت دون ان تتنكر لمصادرك ان تختار فيها ما يدفع الى المحبة وليس ما يدفع الى الجدل. وهذا لأني لا أنكر على أحد حقه بالتمسك بكل ما في كتبه، ولكني ألتمس منه في فقري ان يسعى في مصادره الى كل ما يقرّبه مني وما يقرّبني منه.

لا أعرض عليكم دينا جديدا ولكني ارجو اليكم قراءة جديدة لأنكم قررتم ان تحبوني وقررت أن أحبكم. استخرجوا من تراثكم ما يدعم هذا الحب.

الوحدة من ايمانك وايماني. هي وحدة الانسان والانسان في ما نزل على كل منهما من الرحمة. الله الناطق سلوكا في هذا يخاطب نفسه فيّ. ممكن ان نكون ماكثين معا في خطاب الله. لست أحصر هذا في الوطن ولكن أهل وطني أقرب الى المعروف فأبني بلدي على لغة المتألهين وتعاطيهم. والتأله بمعنى التخلّق بأخلاق الله والدنو من الطاقات التي يمدّني بها وارد في المسيحية والإسلام.

تتكوّن، اذ ذاك، جماعة هي في نسيجها الحقيقي واحدة.

# #  #

أنا بذا لا أنكر السعي السياسي، ولكنّ هذا بلا حضور للأبرار الصادقين الأطهار ليس بشيء. لأن الحكام يسوسون المجتمع الخيّر ولا يسوسون مجتمعا طالحا لأن هذا الذي لا يخضع لله لا يخضع للقانون او للحكم او للمؤسسات. هذا حد أدنى من الصلاح المجتمعي تقوم عليه دولة. انها لا تقوم على عناصر فقدت فهمها الإنساني وإحساسها الانساني. والمجتمع لا ينتظم فقط بعلم الاجتماع ولا ينتظم بقوة العسكر. هذا يدفع الشر الذي يقع تحت قانون العقوبات ولكنه لا يدفع الى الخير القائم على طاعة الله بالحب.

أنا أفهم جيدا الساعين الى دولة القانون الرافضة في طبيعتها دولة القبائل. وأدرك أهميّة المؤسسات التي ينتظم فيها المواطن الصالح. ولكن المواطن الصالح ليس فقط ذلك الذي يخشى العقاب ولكن ذاك من شأن التعايش الحر واللائق. لولا الشر لما كان القانون ولما كانت الدولة. أعرف أن هناك ضرورة للقمع على ان يكون بلا استعداء للمخالفين أنفسهم.

أما اذا اعتبر اللبنانيون أنهم اذا أصدروا قانونا وسهروا على تنفيذه فهذا يكفي للعيش الهنيء الصالح فهم مخطئون. نحن لا نرتقي الى العلى بمواطنين صلاحهم انهم لا يذهبون إلى السجون. نحن نصعد الى العلى بأناس وضعوا السماء بقلوبهم ويسعون الى تحويل صحارى القلوب إلى جنات.

هنا دور دين الحب اين توجهت ركائبه. عندنا اذًا سعيان: سعي سياسي عصري فيه كل التمدّن، وسعي إلهي فيه الخلق الكريم والتماس وجه الله ووجه الآخر. ان نتروّض ان نرى الله في الآخر ونحب وجهه هذا ما يجعلنا نفهم ان الله نور السموات والأرض وان ملكوته يبدأ فينا وفي الأرض.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

غزة / السبت 3 كانون الثاني 2009

أرهقتني فلسطين وأرهقها العالم. ولكن بدء المعالجة ان اسرائيل لا توحي الثقة ولا تريد نهاية لقتل أهل فلسطين لأنها غير مقتنعة عميقا بأي حل وغير راغبة في الدولتين. هناك قليل من الواقعيّة اكتسبوها مؤخرا ولكنها بعد ترقب غير بطيء ترتاح اسرائيل الى شراستها لتدخل في عقلية الإبادة وتُطبّق على الناس ما طبّقه هتلر فيها. لا يذهلني أن دولة اسرائيل فقدت كل رحمة، ولكن ما يجرحني ان احدا لا يؤدّبها او يصرخ في وجهها لعلها ترتدع وتقتنع ان إلغاء شعب آخر سوف يرتدّ عليها. أمنية قلبي أن تدخل اسرائيل في ملكوت الفهم لئلا تتآكل ذاتها ولا يبقى فيها من يعقل حلولا فتخسر هي نفسها ونخسر بها.

في هذا الضيق الكبير ماذا يعمل الفلسطينيون؟ في البلدان التي تحترم نفسها يوضع حد للخلافات السياسية عند نشوب حرب، وتؤلّف حكومة وحدة وطنيّة. انا لا أملي شيئا على إخوتنا الفلسطينيين. لهم هم ان يجدوا صيغة حكم امام الوحش الهاجم عليهم. هناك غلبة مطلوبة وربما شراسة مطلوبة او سِلم محقَق. لا يجوز ان يموت أصدقاؤنا هناك كالعصافير. إراقة الدماء اذا كانت ضروريّة جدًا تصير شهادة. إيقاف شلال الدم يفرض نفسه في طريقنا الى الهدوء. بعد ذلك البحث في إنهاء الكيان الصهيوني وارد. ولكن هذا يتطلّب جهودًا كبيرة وقد ينتهي من نفسه داخليا. ولكن الوضع العالمي الآن لا يسمح به. ومن هنا ان تسويةً ما تفرض نفسها. انا لست مع الدولتين الى الأبد. لست مع الثنائية. مشتهى قلبي أن أرى فلسطين مستعادة ولكن قد يتطلّب هذا مراحل وجهودا شاقة وكلمة واحدة للعرب.

في أيار 1948 التقيت كمال جنبلاط في باريس. سألته عمّا حمله الينا. قال لي انا في طريقي الى انكلترة لأشتري سلاحا للبنان. لم يخطر على باله آنذاك ان كل جحافل العرب المجتمعين لمحاربة الميليشيات اليهودية لن تثبت بضعة ايام قبل تخاذلها. وحدة التخاذل اذا استمرّت لن تبقي فلسطين الا اذا تدهورت اسرائيل بسوس من داخلها. هل عندنا شروط نفرضها على باراك اوباما في حال الانحدار المالي العالمي؟ اذا لم تمت الخطابية العربيّة في مقولة التنفيذ فلسنا على شيء.

نحتاج الى قوّة روحية كبيرة وليس فقط الى استدلال سياسي ليجتمع المناضلون الفلسطينيون والمناضلون العرب فإن الطاقة الروحية العظيمة تعطيك قوة عقلية عظيمة تجعلك في صميم السياسة التي يجب ان تتدبرها، فالعالم تغيّره قلّة من الناس كما قال لنا اندره جيد في محاضرة ألقاها في بيروت في مطلع الخمسينات. والعقل يتنافى والصراخ. النعوش تحيي همم الأحباء ولكن لا حاجة الى النعوش اذا استطعنا غير ذلك. لا حاجة الى التنديد باسرائيل. يجب قهرها بالطرق الملائمة، المدروسة، الممحّصة بتدقيق.

# #
# لن أدخل جدل الفصائل حول استعمال القوّة امام مشهد القتلى الكثيرين في غزة. هل من نقاش حول المسؤول الأول عن السلاح؟ هناك لحن في اسرائيل يقول: «العرب لا يفهمون الا القوّة». ماذا يفهم الاسرائيليّون اليوم غير القوة؟ وهذا الشغف بالقوة ناتج عن الخوف. هل يخاف اليهود حقا العرب وقد دحروهم مجتمعين في ايار 1948؟ هل نستطيع نحن واياهم ان نقضي على الخوف لنبدأ المساءلة الحقيقيّة عن فلسطين؟ بعد عذاب الفلسطينيين لم يبقَ من مجال للبحث التاريخي او البحث عن حقوق الانسان الفلسطيني وكنت خصصتُ صفحات طويلة لهذا السؤال. اليوم يجب ان نخرج من المأزق، ليس ان لي ثقة بالدولة العبرية اذا تكلّمت، ولكن لا بد من الكلام على رجاء التواصل.
اذا هدئت غزة قبل صدور هذه الأسطر او هدئت في الأيام المقبلة يجب ان نفهم انها مسيح جماعي. فاذا كانت فلسطين قلب العرب والبشرية المتمدنة تكون غزة قلب القلب بعد ان كانت في القرون الاولى للميلاد مركز روحانية ورهبانية عظيمتين، ويجب انطلاقا من اوجاعها ان نركز كل همومنا على فلسطين متلألئة ومنبعثة لصالح سكانها جميعا. نحن نريد خلاص الشعب اليهودي وتنقية نفسه من الكراهية التي تقتل كل انسان. نرجو ان يعود هذا الشعب الى كلام أنبيائه ليخلص بالحق.

والى ان يُحلّ هذا لا يجوز لأي حكم عربي ان ينطوي على نفسه وان يفتش عن سلامة قطره. في حضرة الله لا وجود لعربي لا يبالي بالقدس. ومن لا يبالي بالمقدسات لا قدسيّة فيه، والقدسيّة الأولى ليست للأماكن الدينيّة ولكن لشعب فلسطين. هو المَقدِس الحي لله. الهدف الأساسي لموقفنا الفلسطيني لا ينحصر في استعادة الأرض. نحن وراء استعادة الانسان وشرفه. كتب العالم والفيلسوف الاسرائيلي يشاياهو ليبوفيتس: «في اسرائيل الكبرى لن يكون عامل بناء يهودي ولا مزارع يهودي. سيكون العرب شعب العمال ونحن شعب الإداريين والمراقبين وموظفي الشرطة وبخاصة الشرطة السريّة. هذا البلد سيكون، ضرورة، دولة بوليسيّة. واهم دوائره ستكون دوائر استخبارات. وسيكون لهذا تأثير أكيد على الحياة الروحية وأخلاق البلد ويسمّ النظام التربوي… كل هذا سيكون في القطاع اليهودي في حين ان السلطة الاسرائيليّة في القطاع العربي تبني معتقلات ومشانق. ان دولة كهذه لا تستحق الوجود ولا تستحق ان تستمر».

ما يحزن القلب ان ليس من فريق دولي يبدو انه يهتم لفلسطين اهتمامًا جديّا. هل وضع فلسطينيي اسرائيل وضع مقبول ام انهم مهدّدون بالترحيل، بما سمّي الترانسفير Transfert؟ هناك أوطان عربية مختلفة، وكل منا يحب مسقطه وان يحيا فيه ويموت فيه. ليس من كيان عربي بديلا عن آخر. وهنا تبرز قضية المخيّمات ولا سيّما في هذا البلد. هناك حديث عن تحسين اوضاعهم الاجتماعية ولم نرَ شيئا حتى الآن من هذا. المخيم تحديدا مؤقت. المحجة اذًا فلسطين. اية دولة عربية تؤمن حقًا بذلك؟ كيف ينجو لبنان من التوطين حتى ينجو حقا؟ ليس من أفق عند الدول الكبرى لعدم التوطين.

أين لبنان من كل هذا؟ ما تأثير غزة عليه؟ هل سيحتفظ بكل مياهه؟ هل يُدمّر جنوبه ايضًا وايضًا لحل مشكلة ما؟ اذا كان قتل الفلسطينيين بيد اسرائيل وهم كبار في الاحتمال، ماذا يردّها عن اجتياحنا ايضا وايضا؟

لا يكفي ان أكون توجّعت بسبب من غزة. ما حصل فيّ اختلال عظيم. الانسان اليهودي يجعل نفسه مثل الله صاحب الحياة والموت. من يردع اسرائيل حتى لا نخاف؟ من يضمن الصغار؟


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

٢٠٠٩ / السبت ٢٧ كانون الأول ٢٠٠٨

إن أطللت على السنة القادمة لا بد ان تودع العام المنصرم في كل بشاعاته. تودعه بالغفران للذين قتلوا وأتلفوا الجمالات التي رأوها جمالات ولكنهم ظنوا ان قبائلهم تدوم بالميتات اذا اقترفوها. انا أبقى وأنت لا تبقى لأن الدنيا لا تتسع لنا كلينا اذ ينبغي لي ان أسكت الآخر بإهراق دمائه. قطرة دم باقية في الآخر تهددني.

          ظاهرة الإبادة من خصائص العالم الحديث فالحرب العالمية الثانية لم تنته. تشرذمت في أقطار عديدة. تغيرت الأعداء فقط. عداء يفنى وعداء آخر يبدو. نلازم قلوبنا الشريرة هنا وثمة. يصغر عدد المقاتلين وتستيقظ البغضاء بين عناصر قديمة او دينية ويبدو انها كالمغطاة تحت تعددية طلبت الوحدة ولم يتوفر صدق الوحدة لأن الوحدة كانت تفترض زوال الأنا المقوقعة ولكن هذا الزوال لم تتوفر شروطه فانكفأ القوم الى القبائل يطمئنون اليها وما من طبع القبائل ان تتشارك. وقد تبقى الاوطان على أعلامها وحدودها ولكن القلوب تصدّعت وتناثرت موداتها.

          الموت كان الصورة الصارخة في العام الذي ينصرم. واذا لم يوجد مصدر سلاح تشتريه وتفتقر فقد تقتل وتجوع معا اذا كانت الجريمة غذاءك العاطفي والجريمة أبقى فيك من غذاء الجسد. لم يبق في الحياة الا بطولات الموت والبطولة، صحيحة كانت ام كاذبة، دائمة فيها استكبار.

          الفاجعة الكبرى في التشنجات الاثنية المركبة على التشنج الديني فاجعة روحية كبرى لانها تكشف في جماهير كثيرة ان ايمانها كان سطحيا للغاية كما تكشف انها ليست مجموعات روحية تطلب الله ولكنها تطلب طوائفها حيث يكون المعتقد الديني قشرة تبث احقادا عتيقة راسخة في منافع الذي يغذون عداء الجماعات بعضها لبعض حتى بات كثير من الناس يذهبون الى ان الأديان مصادر عداء. هذا سؤال ليس سخيفًا اذ بان حقيقة تاريخيّة والأمر الرهيب ان اهل كل دين توحيدي ينسب الى أهل الدين الآخر طاقة موت وينبش حوادث الاقتتال التي التبست بالدين. هذا ما يغذي الخوف. ما يجعلنا نشكّ في ان المسؤولين روحيا عن الامم قاموا قليلا بتأكيد العدل الواجب لكل امة وبتثبيت المحبة في كل أمة. وما يعزز الشك ان الامم الوثنيّة القائمة في افريقيا وآسيا كانت ولا تزال أقل الديانات هجوميّة او تحرّشا.

          وتنتهي السنة بالمجزرة المالية التي عمّت العالم وهبوط المستوى الاقتصادي في بلدان من العالم عدّة وانتشار الحاجة بصورة مروعة بسبب من الرأسماليّة المتوحّشة ورمي الفقراء في قعر العوز ويقول العارفون ان معرفة ما قد يحصل في الأزمة كان متوقعا عند اهل الاختصاص مما يوحي بأن ثمة جرائم بلا سفك دم.

#                      #

#

          مقابل هذه الفظائع عندنا وعند سوانا لا ريب ان المجتمعات عرفت ايضا بهاء كبيرا في حقول العمل الاجتماعي والتعاضد والأدب والفنون الى جانب حياة روحية صافية، هادئة، مقدسة وان ناسا كثيرين لم يتدنّسوا. طبعا الأعمال الصالحة لا تدون لأن الكثير منها على مستوى شخصي. في هذه الدنيا أبرار كثيرون ولكنهم يؤثرون الخفاء والخفر وحسبهم ان الله يراهم وهم يحلّون بالبكاء خطايا الآثمين. وجود القديسين في الدنيا يعزينا والخيرون منا يحاولون التشبّه بهم كي لا يلعن الله اهل الأرض.

          غير ان الصالحين لا يؤلفون جمهورا ولا فاعلية لهم ملحوظة في أنظمة الحكم. يحملون شهادة البرّ وببرهم أنت تتزكى. الذين لا يحسبون لأنفسهم حسابا بالمال او الزعامة او تبؤ المناصب يقول عنهم الكتاب انهم قلة عزيزة. انهم دائما في حالة الإصغاء الى الآية الكريمة: بفذكّر انّما انت مذكّر. لست عليهم بمسيطرا (الفاشية، الآية ٢1). متى يبيد المسيطرون بسبب من وداعة الودعاء؟ متى تصبح الأرض سعيا الى ملكوت الله او بعضا منه لنكون وحدة حب ب فالحب ديني وايمانيا كما قال عظيم من عظمائنا!

          أينشأ الحب في الناس ويثبت؟ جاء ابن الانسان ورتب عيد مولده مع نمو ساعات النهار إشارة الى ان خطة الله أن يزداد كل منا نورا على رجاء ان تزول عتماته ويصبح كله قامة ضياء. هذا الميلاد دعوة على رجاء سمع السامعين. هكذا يبدو ان تاريخ الناس بعضهم مع بعض هو بسبب من كثرة الأشرار تاريخ الخطيئة وان تاريخ الله مع الناس هو تاريخ حبه لهم وحبهم له وهذا هو النور يكشف بعضه ولا يكشف جله حتى يدين الله سرائر الناس على قدر المحبة التي بذلوها.

#                      #

#

          مرة تكلم بولس الرسول عن بسر الإثما ومن الطبيعي ان يستوقفه هذا السر. لماذا كل هذه الكثرة من المعاصي؟ لماذا الايغال في التمرّد على الرب؟ لماذا القلب البشري وكر للأفاعي؟ من مكامن هذا السر ان الخالق لا يضرب حرية  العصاة. لماذا هم قادرون على حكم الناس الذين يهوون لذاتهم.

          هذه الرؤية الرهيبة لا تُنهي الرجاء للعام القادم وربما لكل الزمان الآتي. يقول اسحق السرياني الذي كان اسقف نينوى بالقرب من الموصل في القرن السابع: بلكم تمنح كل الخيرات وكل شرف للكافر، للقاتل لأنه هو ايضا اخ لكا. ثم يردف: بمتى يعرف الانسان ان قلبه بلغ الطهارة؟ عندما يعتبر ان كل البشر صالحون فلا يبدو له احد دنسا. هو، اذ ذاك، نقي القلب!ا.

          هذا لا يعني بالتأكيد ان البار لا يرى المآثم ولكنه لا ينسبها الى الأثيم نفسه. يبصر الأعمال ولا يدين الشخص لكون الرب وحده هو الديان الذي لا محاباة عنده للوجوه. اجل تعذبك مشاهدة البشرية المذنبة وانت تكافح ذنبها وعليك ان تقتحم بنى البلد والعالم بالضياء الذي يخرج منك وبالكلمة الطيّبة الحلال ومشاركة اهل الخير ليعظم نضالك وتؤثر في كل المجالات بما فيها مجال السياسة. هذا يفرض ان تدرس وسائل السياسة الطاهرة ويمكن اهل السياسة ان يكونوا طاهرين.

          نحن نعتزل الشر ولكن لا نعتزل مرتكبيه اذ نرجو لهم الخلاص والهدى واذا اقتحمت في مجتمعك زاوية من زوايا الضلال فأنت ناشر لملكوت الله. وهذا يتطلّب جهدًا موصولا وحصول قلبك على حركة إلهية فيك. حذار ان يتعرّض فكرك وعملك للكبائر حتى لا ييأس الناس من الطاهرين اذا وقعوا. وهذا يتطلّب منك تطهّرا دائما ورجاء لا ينقطع.

          هذا رجاؤنا لمضمون السنة الـ 2009 عسى تصير سنة لله مقبولة.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

العيد / السبت 20 كانون الأول 2008

غدا هذا الأحد يسمّى في كنيستي أحد النسبة تُقرأ فيها أسماء مَن اعتبرهم متى الإنجيلي أجداد يسوع الناصري ثم يأتي سر مولده من العذراء. الخط يبدأ من ابراهيم لأن متى وجّه إنجيله الى العبرانيين ولا سيّما الى كهنة الهيكل الذين اهتدوا الى المسيح فعزلتهم سلطات شعبهم عن الهيكل فافتقروا وكانوا في حاجة ان يتوطّدوا في ايمانهم ان يسوع الناصري سليل أبيهم ابراهيم وملكهم داود. نحن اذا مع اطروحة لاهوتية قد لا تكون كاملة الدقة من الناحية التاريخية وما كان هذا همّ متى الرئيسي ولكنه لم يخترع الأسماء. انها جميعًا في العهد القديم. ركّز الكاتب على النسب الإبراهيمي للمعلّم.

لوقا يورد لائحة اخرى على طريقة اخرى يمكن ان نسميها صاعدة اذ يبدأ من السيد ليصل الى آدم. كان همّ لوقا عالميًا او كونيا اكثر مما كان يهوديًا. هو ومتى أرادا ان يكشفا ناسوتية المسيح متأصّلة في التاريخ القديم. كلاهما مع ذلك يؤكّدان ألوهية المخلّص.

كلمة عذراء المأخوذة من الترجمة السبعينيّة (اليونانية) هي استشهاد متى من اشعيا وفي النص العبري لإشعيا تسمى العذراء في سن الزواج علماه ولم تستعمل هذه اللفظة في العهد القديم لأية حالة غير العذراوية. تاليا اشعيا ومتى ولوقا ينسبون العذراوية الى ام يسوع. اما قول متى: «لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر» فيؤكّد ان صلة جنسيّة لم تكن بين يوسف ومريم قبل ولادة يسوع ولا تؤكد اطلاقا انه عرفها فيما بعد. هي تنفي العلاقة ولا تقول شيئًا عن علاقة متأخرة. اما عبارة «ابنها البكر» فليست واردة في النص الأصلي. يسوع لم يكن بكرا لأحد واما عبارة «اخوة يسوع» في الإنجيل فهي أوسع من المدلول العربي وتُطلَق على ابن الخال او العم او الخالة او العمة عند العبرانيين وينفي التراث المسيحي وجود أبناء آخرين لمريم. والمجمع الخامس يؤكّد أن مريم دائمة البتولية. في التقليد الشرقي هؤلاء منسوبون الى يوسف من زواج سابق له.

لم تتوقف الكنيسة عند نسب يسوع الناسوتي الوارد عند متى ولوقا عندما قررت ان تعيّد للميلاد والمعمودية في يوم واحد ورأت انها تعيّد للأصل الإلهي ليسوع بتسميتها هذا التعييد الظهور الإلهي استنادا الى قول الآب في المعمودية: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت». هذا الكلام كُرِر يوم التجلي. لذلك لا نعرف اليوم ولا الشهر ولا السنة التي وُلد فيها المخلّص. هو وُلد غالبًا ست سنوات قبل التاريخ الميلادي الذي نحن فيه. الذي وضع التقويم الميلادي قرونا بعد الحدث الراهب دنيسيوس الصغير أخطأ بخمس او ست سنوات.
# #
#
لم يخطر على بال المسيحيين في البدء ان يضعوا تقويمًا لأنفسهم لأن البدء عندهم لم يكن ميلاد السيد بالجسد اذ كانوا يؤمنون ان المسيح من حيث هو كلمة الله كان بلا بدء. لذلك اتخذوا تقويم الامبراطورية الرومانية التي كانوا فيها يعيشون وهو التقويم اليولياني. والتركيز على يسوع كان عندهم التركيز على الصليب والصليب مولد الانسانية بالحق وإعلان الحق كاملا كان بالقيامة. ولذلك في الأيقونة جاءت صورة المذود شبيهة بمغارة القبر التي دُفن فيها المخلّص. عتمات كاملة والصبي مقمّط بأقمطة بيضاء ومريم ممدودة طويلة، تنظر الى الكون الذي ينتظر إنجيل هذا الطفل اذا حان أوان بشارته.

والزمان الذي تهتم له روما يجري زمانا للملوك ولكن الزمان الحقيقي الذي يقرأه الله هو ذلك الذي قال عنه الرسول: «ولما حلّ ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنّي» وقد كنا قبلًا أبناء الغضب الذي هو الخطيئة ولكن لما جاء ذاك في جسد من أجسادنا حلّ رضاء الله علينا فجعلنا أبناءه وبِتنا نهتف لله: «افا» وهي اللفظة الآرامية التي نسمي بها الآب يا «بيّي» (بصورة التصغير) لأننا بتنا أمامه أطفالا لا ننمو الا بنعمته علينا ونجالسه كما جالسه المسيح بعد قيامته من بين الأموات.

هذا العيد الذي نحن مُقبلون اليه ليس عيد مولد Birthday  او anniversaire  لأن ظهور يسوع بالجسد لم يكن بدء الذي لا بدء له. فاذا أقمنا العيد ولا بد من أعياد تجدّدنا ننتقل الى اللابداءة وننتقل بها الى الحياة الأبدية التي فيه. لذلك نرنّم في سحر العيد: «إن مملكتك الأبديّة تجدّدت أزليّتها». ليس عندنا اذًا في العيد بدء. إن هذا الطفل قائم في أزليّته. والآن هي تسطع لنا نحن المؤمنين به. العيد يبدو نزولا وهو كذلك في جسد هذا الصبي ولكن العمق هو ان نصعد ونرسم منذ الآن صعوده الى السماء بعد القيامة وبه يتم وعد صعودنا.

الأطفال يلتهون بالهدايا لحسبانهم انها بطريقة ما هدايا يسوع لهم ونحن الذين بلغنا قامة الإيمان نعرف انه هو وحده الهدية وأن أزليته تخترق زماننا لتجعله من الأزليّة.

مع ذلك لنا عيد لا بد له من حنان وهذا ليس من شعور بشري محض لأنه حنو الله الذي يحرّك قلوبنا. امام مذود بيت لحم عندنا هذا الملفوف بخرقة، المشلوح على كومة قش الذي سوف يهدّده سلطان بلاده. انه مكتوب على الدم منذ ظهوره وعلى الظلم ومحسوب بين الفقراء حتى لا يدين الى أحد او شيء من هذا العالم. منذ الآن مكتوب عليه من أبيه ما سطّره اشعيا: «لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه. محتَقَر ومنبوذ من الناس، وموجع متمرس بالحزن» (إشعياء 52: 1و2). الآن في هذه اللحظة نقرأ ايضا في النبي: «كان كنعجة تُساق الى الذبح، وكخروف صامت امام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه» (إشعياء 53: 7). نحن في الفصح يا إخوة، نحن فقط في الفصح، مع انكسار الجلجلة وظفرها. لذلك نرتّل في الميلاد ترتيلة جديدة اي التي لا تأخذ معناها كاملا الا عندما يسيل من جنبه دم وماء.

لذلك قال آباؤنا: هذا هو العيد الصغير. ليس لكونه قليل المعاني ولكنه يحبل بالمعاني التي تتفجّر فيما بعد ليكمل الفرح.

قال عظيم في المسيحيّة (باسكال): «أحببت الفقر لأنه هو (اي يسوع) أحبّه». السؤال الشرعي الوحيد في هذا العيد هو هذا: هل انا قابل مثله ان أكون مشلوحا في هذا العالم لا املك منه شيئا على رجاء الا يتملّكني بانتظار الحلّة البيضاء التي يمنحني الله اياها عند قرعي باب الملكوت وانا اعرف، اذ ذاك، اني لا أملكها فهي هبة من الآب لأنه يريد ان يراني مكسوًا. المسيح وحده لم يَستعر النور الإلهي. في ثابور او حرمون انبلج النور منه انبلاجا ولم يعرف التلاميذ انه منه حتى رأوه على هذا الضياء لمّا دخل عليهم وهم في العليّة.

فاذا أقمتَ العيد في الأسبوع القادم اعلم انك عارٍ وانك مرميّ على هشاشة هذا العالم كما كان السيد في المذود واطلب الحلّة البيضاء لكي تتمكّن من الدخول. هذا العيد اذًا ترجمة السماء بشكل أرضي، تصوير لله بشكل طفل. واذا انت أدركت الطفولة التي تحدث عنها، تقدر ان تخترق سر يسوع وأن تقيم العيد.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

أحد الأجداد / السبت ١٣ كانون الأول ٢٠٠٨

هذا الأحد في كنيستنا يدعى أحد الأجداد أي أجداد المسيح لكونهم أعدّونا للميلاد. أرادت الكنيسة به ان تكشف تواصل الإنسانية التي هيأت ظهور المخلّص ليس لتقول المسيحية ان يسوع الناصري سليل البشريّة منذ بدئها ولكن لتقول، بخاصة، ان البشرية القديمة، بصورة او بأخرى، تحمل بذار المسيح ولو كان مباشرة وليد مريم وعندما يقول الإنجيل انه نزل الى الجحيم في موته لينقذ الذين سبقوه من عبودية الموت فلكي يعني انه مخلص العالم مذ وُجد العالم لأنه ليس فقط الكائن الكامل ولكنه ايضا المخلص الكلي، الشامل لأزمات الناس جميعا. ومن هذا المنظار ليس هو بدءًا كليا الا بمقدار انه انصباب كل خير وحق تجليا في الانسانية القديمة كما سيكون منطلقا للإنسانية الجديدة اذ يتعمّد فيه الذين سبقوه والذين تبعوه.

        بهذا المعنى يمكن ان نفهم قول بولس عنه انه “باكورة الراقدين” (١كورنثوس 15: 20). وكذلك يقول الرسول نفسه: “في المسيح سيحيا الجميع”. واذا حيا الجميع فيه “يكون الله الكلَ في الكل” (١كورنثوس 15: 28).

        سؤال شرعي بسبب من بشريّة يسوع ان تفتش عما اذا كان المسيح في عقله البشري مدين للحضارات الدينيّة التي سبقته ولا سيّما ان البلد الذي نشأ فيه يسمى “جليل الأمم” اي منطقة وُجد فيها وثنيون يتكلّمون اللغة اليونانية. وما من شك ان من بين تلاميذه من كان يحمل اسما يونانيا مثل اندراوس وفيلبس. هناك أسطورة اخترعها كاتب انكليزي في القرن التاسع عشر ان المعلّم سافر الى الهند. الأكيد انه ليس من وثيقة هندية او يهودية تثبت ذلك وان ليس من تعليم هندوسي او بوذي ظاهر في الإنجيل. كثرة الآلهة في الهندوسية والتقمّص ان اكتفينا بذكرها يناقضان الأناجيل. وعدم وجود الله في البوذية يجعلها غريبة كليا عن المسيحية. فاذا كان الناصري لم يقتبس من ديانات الهند شيئا ماذا يكون قد عمل فيها.

        الى هذا ان تكون الفلسفة اليونانية ببعض أبعادها الروحية قريبة من المسيح فلا يعني هذا انه قرأها ولا سيّما ان فلاسفة اليونان يتكلّمون عن عدة آلهة. الفلسفة اليونانية تلمّست الحقيقة ولكن هذا لا يعني أن السيد استمد منها شيئا. ولا شيء يدل على أن يسوع تكلم غير الآرامية. ربما عرف بعض الكلمات اليونانية ولكنها لم ترد على لسانه وما كانت كافية لتطلعه على نصوص يونانية. الى هذا ورد في انجيل يوحنا بعد اقامة لعازر ما يأتي: “وكان بعض اليونانين يرافقون الذين صعدوا الى اورشليم للعبادة في ايام العيد، فجاؤوا الى فيلبس، وكان من بيت صيدا في الجليل، وقالوا له: “يا سيد نريد ان نرى يسوع. فذهب فيلبس وأخبر أندراوس، وذهب فيلبس وأندراوس وأخبرا يسوع” (12: 20-22). لماذا توسط هؤلاء اليونانيون التلميذين الوحيدين اللذين يحمل كل منهما اسمًا يونانيًا؟ ولا سيّما ان يسوع ما كان محتاجًا الى بروتوكول ليكلّمه الناس. أليس لأنه لم يكن يفهم اليونانية؟

        من الأناجيل الأربعة لنا ان نعرف ان السيد كان يقرأ العبرية وتكلم بالآرامية المحكية في فلسطين. يقول لوقا انه دخل مرة الى مجمع الناصرة “وقام ليقرأ فدُفِع اليه سفر اشعيا”. طبعا هذا من التوراة وفي العبرية. بعد هذا توجه الى الناس ليعظهم اي ليفسّر لهم هذا الذي قرأه. هذا لم يكن ممكنا الا باللغة المحكية آنذاك في فلسطين وهي الآرامية.

#              #

#

        بقي لنا بعض من التراث الآرامي وكان منتشرًا جدًا بين القرن السادس والقرن الرابع قبل الميلاد ولكن لم تكن مكتبة آرامية في ايام السيد ولا يعقل ان يطمح ابن النجار كما كان يُسمى الى معرفة عالية. هذا ما يخوّلني ان أقول ان يسوع الناصري كان يعرف التراث العبري فقط أعني العهد القديم وذلك الأدب اللاهوتي الذي بدا بعد الانتهاء من وضع اسفار التوراة. من الواضح أن يسوع يعرف جيدا العهد القديم وانه مفسر مبدع له ولك ان تتبيّن خلافه مع هذا المذهب التفسيري او ذاك كما لك أن تتبيّن قرباه اللاهوتيّة من مذهب الفريسيين ولو قاوم سلوكهم الخلقي وربما قرباه من فرقة الأسينيين دون التصاق بهم كما قد يُظن.

        لا غرابة ان يكون المسيح في خط الأنبياء القدامى اذ كان يعتبر ان كلمة الله انسكبت في “موسى والانبياء والمزامير” وبعد هذا تحققت فيه فمضمونها مضمونه ولو تجاوز الحرف القديم بتجليات كبرى. “ما جئت لأنقض بل لأكمل”. الحقيقة قديمة ولكنها لا تتخذ مداها الا بموته وقيامته ولا تتحقق الا بمحبته. من ظلال العهد القديم نهتدي الى القائل: “انا نور العالم” وعند سطوع هذا النور نعود الى هذه الظلال لنفهمها تداعيات لهذا الضياء.

        بالنسبة الى العهد القديم يتحتم القول ان يسوع لم يأخذ تراثا غريبًا. انه لقد أخذ من نفسه. هذا وقد حافظت الكنيسة على المسيح غير مختلط بشيء آخر. لقد أخطأ هارناك قديما وأخطأ كتاب عرب بزعمهم ان المسيحية هي مزيج بين الإنجيل والفلسفة اليونانية. لقد أردنا ان نستعير ألفاظا يونانية لتبليغ الشرائح المثقّفة في الامبراطورية اليونانية فحوى الإنجيل ولكنا لسنا مدينين في جوهر تعليمنا للفكر اليوناني. ليست بذار الأقدمين مزروعة فينا. نحن زرع الله فقط.

        فاذا أقصينا التمازج العقدي بيننا وبين من سبقنا لسنا ننكر أن هناك افكارًا او صورا في الحضارات القديمة شبيهة بما عندنا وهذه ما سماها احد كبار آبائنا يوستينوس الفيلسوف الشهيد الكلمات المزروعة وكان من نابلس وقد رأى وجه الشبه بين حقائق قديمة والحقيقة الساطعة في المسيح دون ان يكون هناك تلقيح. قال الكلمات المزروعة بمعنى ان الله نفسه زرع في الحضارات القديمة ما يهيئها لاستقبال المسيح. بهذا المعنى فقط للمسيح أجداد. ولكن كل فكر قديم يجب ان يقتبل صبغة الله التي هي معمودية الفكر فيجمع بين الصواب الذي كان فيه والصواب الكامل الذي في الانجيل. وكما ان الانسان البالغ يتحرر من خطاياه بالمعمودية هكذا يتحرر الفكر القديم من أخطائه ليتعمد بالفكر الجديد، الدائمة حقيقته. بهذا المعنى يصير القديم جديدا.

#                 #

#

        السؤال الأخير هل للمسيح أحفاد بالمعنى الفكري اذا اعتبرناه مركز التاريخ او اذا اعتبرناه هزة أرضية دون ان نؤمن به. لست أريد هنا ان أتبنى مجانا حديث هنري برغسون مع ريسة ماريتان Maritain زوجة جاك ماريتان وريسة اليهودية كانت قد تمسحنت وبرغسون مستعدا للاهتداء. هنا برغسون قال لها ما مفاده ان كل شيء عظيم وجليل جاء بعد المسيح نحن مدينون به للمسيح.

        طبعا هذا يحتاج الى توضيح. فالماركسية عندي بحد نفسها فيها شيء من مسيح. كارل ماركس اليهودي الأصل كان مسيحيًا معمّدًا. السؤال هو مَن محرّك القلوب لتحب الفقراء؟ ولئن كان فيها شفقة من دفع تاريخيا الى هذا الاشفاق. من دفع روسيا في آخر القرن العاشر الى الحضارة سوى رهبانها؟ هناك الشأن ملموس. مَن مدّن أوربا بعد سقوط روما وهجمات البربر سوى الرهبان الايرلنديين؟ هل يمكن ان تُفهم الحضارة العربية الاسلامية دون مساهمة المسيحيين في بنائها في تكوين الأبجدية والطب والعمارة ونقل الفلسفة اليونانية وما الى ذلك؟ روح العطاء الكبير في كل المجالات بلا كلل في سبيل استمرار الحياة واستقامة الفكر مع كونه نزعة في الوجدان كان يجب تفعيله تاريخيا والسهر عليه والتذكير به في التربية. ان تذهب فتاة ارستوقراطية غنية تاركة أهلها واي خطيب متوقع او موجود لتهتم بأطفال الأفارقة ولكن من دفع يسوع الى هذه النفس حتى تحقق انجيله هناك.

        ليسوع أحفاد او أبناء او إخوة عاشقون له يقترفون معجزات في كل مكان وفي كل أزمنة الناس.

        أحد الأجداد هذا استعدادا للميلاد ينبغي ان نفهمه ايضا على انه احد الأحفاد ليبقى السيد مركز القلوب.

Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الدينونة / السبت 6 كانون الاول 2008

صورة من صور الله انه قاضٍ لأن الإنسان جاءه تكليف ليرعى هذه الأرض لتعود خيراتها رزقا للإنسان وتاليا قربانا لله اذ كل ما خلقه يعود اليه بقوة وتعزيز. وما كان ترابا يلبس النور في اليوم الآخر ليعترف الرب ان هذا كان خلقه. ما يقوله الخالق للمخلوق ان أدِّ حسابك عن نفسك وعن حراثتك للأرض بما فيه كم الجهد ونوعيّته ولانهائية إنتاجه فيظهر الانسان بذا انه اقتنع على انه خلق على صورة الله ومثاله.

الإنسان والخليقة واحد والسؤال المطروح عليه في اليوم الأخير هو: ماذا فعلت بنفسك وبأخيك وبالأرض التي سلّطك عليها تخدمها حتى تخدمك؟ والسؤال يتضمّن هل أهملت نفسك وأخاك والعالم ليحلّ الجدب في هذه الخليقة التي لما خلقتها ذقتها.

هل تذكر هذا: «وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور انه حسن» (تكوين 1: 3 و4). وفي تأويلي ان هذا لا ينحصر فيما بدا ضوءًا محسوسا. ولكنه نعمة هذا الضياء على الخليقة كلّها فاذا استنارت الدنيا تأتي منها الخلائق التي يذكرها سفر التكوين. وما ينزل على الخلائق حسن لأنه يتنزّل من فوق وبعد هذا تجبله بالتراب الذي انت منه وبالتراب الذي منه الخلائق.

والإنسان يتحوّل الى نار اذا قبل ان مخلوقيّته هي بالكلمة. في سرد قصة الخليقة ظهرت الموجودات كلّها بالكلمة وبعد رقي كبير جاءت النبوءة بالكلمة بحيث تصير انت انسانا آخر مكوّنا من هذه الأرض ومن السماء معًا. وترابيّتك تسقط اذا عرفت ان توظّف النور الذي انسكب عليك. غير ان العتمات قد تهاجمك لتطرد النور الذي فيك او تدفع نورك ليطارد العتمات. انت مسرح الظلمة والنور فاذا قبلت ان تصبح مسرح الله فقط، تجاهد جهادًا حسنًا ليبقى الله وحده صاحب المكان. كل نعمة الله هي فيك فقط. ولكنك لن تجاهد جهادًا شرعيا الا بأسلحة النور اذ لا تعلم الله شيئا عن فنون الحرب الروحية التي يجب ان تخوض. هو يعلّمك كلّْ شيء وهذا نسمّيه النعمة. فإن رفضت ان تخوض حربه تكون سلّمت نفسك الى العدو.

في هذه الحرب التي نخوضها ولأنّ الرب سلّمك نفسك تصبح مسؤولا عن استعمال السلاح الإلهي فيك فتمسك به او تهرب الى اللاشيء.

وما نسمّيه الدينونة هو سؤال ربّك ايّاك : هل استعملت السلاح الذي سلّمته ايّاك ام هربت من المعركة فاستولى العدو عليك. هل كنت أمينا على تفويضي؟ وانا سلّمتك ما كنت تستطيع ان تحمله ولن أسألك عن أكثر منه. هناك من كان أعلى منك قامة فوهبته ما كان قادرا على احتوائه. هذا أسأله كثيرا والفرق بينك وبينه أمر لا يعنيك. انا وحدي عارف بالأحجام.

يبقى اني سأقاضيك لأن الأشياء التي كانت فيك هي لي. انها ودائعي. واذا فرّطت بها ففي قوانين البشر هذا يسمى سوء ائتمان. أرجو الا تتكل على حناني بدون معرفتك بقضائي. اما كيف أجمع بين القضاء والحنان فهذا أمر لا تعرفه ولن أكشف لك الا عند حصوله في اليوم الأخير اذا حصل.

ليس من حقّك ان تقول للملاك الذي يسوقك الى يوم الدينونة: لماذا لا توفّر عليّ هذا المثول؟ ان واحدا من أحبّتي كتب: «هائل هو الوقوع بين يدي الله الحي». كيف لا تكون من الواقعين اذا انا مددتك بالنور وعدت اليّ بالظلمة؟ كيف أقرأ عتماتك نورا وهي ليست بذلك. هل تسمي هذا حنانا ورأفة ومغفرة؟ انا تحدثت عن الغفران لئلا تقع في دنياك في غيبوبتك اذا شاهدت نفسك مفتّتة. انا استطيع ان أرحمك في دنياك ولكني لا اقتحم نفسك اقتحامًا. يجب ان تدعوني اليك وهذا يسمى التوبة. ولكن غفلتك عن نفسك تجعلك ترجئ التوبة لكونك توكّلت على غفراني. انت مدعوّ ان تعمل معي. شيء من مطواعيّتك مطلوب. ولكونك مخلوقا انا أعطيتك حريّتك وما قلت لك اني بديل عنها. اذا ذقت محبتي فهي ترشدك الى جميع الحق ولكن اياك ان تعتقد اني أجرّك اليك جرًا لأن في هذا اقتحاما لحرية فيك انا ابدعتك عليها لتفهمها وتعرف كيف تلقاني بها. واحد قال اني دفعت اليك وزنات لكي تستثمرها. سوف أسألك عن الوزنات فاذا أغفلت عن توظيفها على طريقة اهل الدنيا الذين يعرفون كيف يوظفون اموالهم لن يبقى لك مني ميراث، هذا الذي اعددته لك لو كنت طائعا.

سأسألك عن كل خير وعن كل شر لأن الخير منّي والشر منك وكان يجب ان تبدده. لا تقل جاءتني ظروف فاضطرتني على الخطيئة. هل نسيت اني جعلت لك ظروفا افضل وهي ظروف النعمة واني احببتك كما لم تحب نفسك؟ ولكنّك لم تعرف ان تحبّ نفسك وأحببت عليها خطاياك.

لا تظنّ اني دفعت لمن ارسلتهم وصاياك ليضيقوا الحياة عليك. فأنا ليس من طبعي تعذيب من أحب وأحببتك ولم تفهم وخدمتك ولم تحس. خطيئتك انك لم تحس بي وأحسست فقط بخيالات رأسك وشهوة بطنك. واستكبرت بجمالك وما ظننته جميلا فيك وكل هذا من صنع البشر.

ستحضرك الملائكة امامي وأذكّرك بما فعلت لأنك لا تحب ان تنسى اللذائذ التي استسلمت لها وما أحببت ان تستسلم للفرح الذي تؤتاه من الفضائل التي حدّثتك عنها لتعظمك.

سوف أقول لك هذا لأنهضك من الغيبوبة الطويلة التي وقعت عليك، لتقرأ نفسك وما أحببت ان تقرأها. سأكشف لك ذاتك بما اقترفته بالفعل وبالقول وبالفكر اذ كنت تغمض عيني نفسك لكي لا تراها.

في اليوم الآخر سأريك نفسك كما انت. غالبا ما ترتجف لأن الإنسان لا يستطيع ان يرى القباحة ويحيا. انا إله الفهم ولا أخلّص إنسانًا غبيًا. لذلك كان لا بد لك في اليوم الأخير ان تقرأ نفسك كما أنا أقرأك.

وبعد أن تشاهد بشاعتك واستطعت ان ترى عليّ لمحة من نور وتطلب مني ان أبدّد بشاعتك فسأنقيك بماء كلمتي الأخيرة: أنا أحبّك لأنك ابني على رغم انك سهوت كثيرا وأردت ان تؤذيني. سأخلق فيك من جديد محبّة لجمالات السماء.

انت الآن امامي واقف عاريا. سآمر ملاكك ليلقي عليك الحلّة الذهبيّة التي تجعلك مؤهّلا لمجالسة القديسين الذين أرضوني وأوحّد بينهم وبينك مع انك لم ترضني على الأرض واذا رأيتك وانا أعبر طرق السماء لن أشاهدك الا لابسا الحلّة الذهبيّة وقد أيقنت الآن اني انا القيتها على عرائك.

تعال الآن ايها الحبيب فإني ولو جلبتك الى محاكمة الا اني لن أجلبك الى الدينونة.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

أي لبنان نريد؟ / السبت 29 تشرين الثاني 2008

من زمان طويل كان المرحوم الشيخ بيار الجميل الجد يرى المسيحيين عندنا ينتمون الى الثقافة الغربية والمسلمين الى الثقافة العربية وتغاضى عن ان الأديرة المارونية باعتة للثقافة العربية وعن ان المثقفين المسلمين لايتنازلون عن ثقافتهم الغربية. صلاح ستيتيه مثلا يكتب الفرنسية ببلاغة لم يتجاوزها مسيحي. المغاربة معظمهم يكتب بالفرنسية. وهل ننسى ان اهم عالمين بالعلوم الطبيعيّة في لبنان كانا مسلمين شيعيين وهل نجهل ان اهم علماء الإسلاميات هم آباء يسوعيون؟ هذا التفريق الى معسكرين فكريين سقط. اذًا لا نزاع يبقى على المستوى الثقافي ولا انتماء فكريا مزدوجا في بلدنا.

في المجال السياسي واضح ان المتقربين من ايران هم من كل ديانتي هذا البلد. وفي الفكر ايضا ايران تقرأ الثقافة الفارسية القديمة بنهم وتحس بأنها آرية. ولو تعلّمت العربيّة في الثانويات. في الوقت نفسه تنزع الى الحضارة الأوربيّة والشرائح المتغرّبة فيها لا يزعجها أحد في السلطة والقرآن العربي المبين فيه مفردات من الفارسيّة وغير الفارسيّة. والموسيقى العربيّة في مطالعها فارسيّة وفي مسيرتها تركية وفيها عناصر غربية مع محمد عبد الوهاب والرحابنة. معنى ذلك ان ليس عليك ان تقف موقفا حادا صارما بين الفرس والعرب.

اما الخيارات السياسيّة ففي تقلّب دائم. على سبيل المثال الغرب كان يعني لنا الاستعمار. والآن يقدّم نفسه دعامة للعرب كبرى. أميركا تستتبع بعض عرب ولكنها لا تريد هذا الاستتباع عداوة لإيران. ما يهمّ الولايات المتحدة الوحدة النفطيّة التي تجمع العرب وإيران. وكل خبراء. السياسة الخارجية يميلون الى القول ان لن تقصف اميركا ايران ولن تجرؤ اسرائيل على فعل ذلك لئلا تعرّض نفسها الى رفع الغطاء الاميركي عنها.

الذين يرون هويّة لبنان في صداقة الغرب لا بد ان يعرفوا ان الغرب السياسي هو فقط اميركا وان اوربا لا تتمتّع في السياسة الخارجيّة الا بالهامش الذي تتركه لها أميركا. الباقي ثقافة وعواطف تقليدية نحو الشرق. على الصعيد السياسي ليست أوربا حاسمة. لقد ولّى نظام الحمايات الذي فرض نفسه بانتهاء حوادث الـ 1860 وبعد زوال الانتداب. واذا لم تقم روسيا او الصين بدرجة أدنى فعلى اللبنانيين ان يفكّروا مليًا بالحليف الجدي الذي يختارونه. اميركا ليست صديقة احد الى الأبد. وهذا اذا قامت من كبوتها المالية الحاليّة. لا يستطيع لبنان ان يركّز سياسته الخارجيّة على اميركا. ان هذه لم تقتنع ان لبنان معشوقها. لا يمكن تغيير الأم الحنون.

فلنصادق اميركا الى حين وفي حذر (اي حسبما يوافق مصالحنا). ولنقف على مسافة معقولة من كل بلد بما في ذلك البلدان العربية وهذا يعني طبعا الابتعاد عن سياسة المحاور.

اما مسألة ولاية الفقيه فخيار شيعي والجدليّة كلها شيعية. والذين يأخذون بهذه الولاية لهم ان يقولوا اذا كانت تشمل اوامر عسكرية تصدر عن الفقيه. هذه تصبح، اذ ذاك، جدليّة وطنيّة. ولكن بصرف النظر عن ولاية الفقيه سياستنا تجاه الجمهورية الايرانية الاسلامية مسألة من مسائل سياستنا الخارجية. وهذه تبحث بين دولة ودولة. وهي مرتبطة بعوامل عديدة ومتغيّرة. من هنا أقول ان الذين يجعلون آمالهم في الولايات المتحدة ليس عليهم ان يرتضوا آليا موقفها من قضية تخصيب الاورانيوم في ايران. لماذا عند اسرائيل رؤوس نووية (اي قنبلة ذرية) ولباكستان الاسلامية القنبلة الذريّة؟

هل يهم أميركا أن نماشيها في رغبتها في معاقبة ايران. ماذا نستطيع ان نقدّم لها؟ اذا كانت الولايات المتحدة تسعى الى توازن مع العالم الرسلامي بما فيه ايران اولا فنحن لا نقدّم ولا نؤخّر في هذا التوازن.

المسألة التي تبقى في سؤال «اي لبنان نريد» هي مسألة الحرية والديموقراطية. في بلد مولّف من 18 طائفة لا احد يجرؤ ان يقول انه يريد الحرية لقسم من اللبنانيين دون آخر. فالإسلام باقٍ في لبنان الى قيام الساعة والمسيحيّة كذلك وأئمّة المسلمين وزعماؤهم يناشدون المسيحيين الا يهاجروا وانا اؤمن انهم صادقون لمعرفتهم بما قدم المسيحيون ويقدّمون لعزة هذا البلد وللونه الخاص في دنيا العرب… هل قرأ المسيحيون في آخر انجيل متى ما قاله المخلص: «انا معكم (ومعكم في لبنان) حتى منتهى الدهر». لماذا اذًا يشكّون باستمرارهم؟ المسلمون العقلاء يكرهون التطرف والإرهاب ويخشونه كما يخشاه المسيحيون لأنهم يريدون البقاء اسيادا في لبنان حر وديموقراطي.

وما يذهلني ان سياسيي هذا البلد اتفقوا على الديموقراطية التوافقيّة التي لا تعني شيئا في الفلسفة السياسيّة. الديموقراطيّة تقوم تحديدا على تنافس بين اكثرية حاكمة واقليّة غير حاكمة وعلى التداول عندما تتكلم عن انتخابات حرة تكون مقتنعا بأن الديموقراطية التوافقيّة لا معنى لها. وعجبي ان الأفرقاء المتخاصمين اليوم يريدون شيئا واحدا جامعا بينهم وهو الديموقراطية التوافقيّة اي في السياسة الخارجيّة التوازن بين الغرب العلماني والشرق المسلم.

نظريا ايضا او كلاميا اللبنانيون متفقون على ضرورة علاقة الندية والود بآن مع سوريا. العلاقات العملية خاضعة للنقاش لتأمين الندية والود. وهذا ينبغي ان يكون صحيحا، صادقا.والصدق هنا يعني صدق الطرفين واقتناع كل طرف ان الطرف الآخر موجود وانه يناقَش وان شيئا لا يُملى عليه. واللبنانيون الذين اختاروا الديموقراطية والحرية اختاروهما لأنفسهم وليست المرة الأولى في التاريخ حيث الأنظمة الحرة على الطريقة الغربيّة تقيم علاقات سلاميّة مع أنظمة يغلب فيها التشدد. نحن نقيم صلات مع سوريا التي تحكم نفسها كما تشاء وهي لا تنتظر ان نعلمها الحرية كما نحن نفهمها. يخطئ من يريد البلد في أحضان سوريا كما يخطئ من أراد ان يقاطع النظام الذي يسوسها.

الشيء الوحيد الذي نرجو ان يلهمه الله سوريا ان قراءة للتاريخ حادة بحيث تقرّ في وجدانها ان لبنان بلد قائم بنفسه وحر في سياسة خارجيّة له لا تعادي سوريا. ربما اخذ هذا ردحا من الزمن والسياسة ممدودة على الزمن وتتخذ خطوات عمليّة لتكتمل. المبتغى ان تؤمن سوريا بنا كما نؤمن نحن بها.

الأمر الهام هنا ان سوريا ولو ببطء تسير نحو حل الخلاف بينها وبين اسرائيل بمفاوضات غير مباشرة بانتظار التفاوض المباشر ومعنى ذلك انها آخذة بالتقارب مع الغرب وتاليا بردم الهوّة بينها وبين الفريق اللبناني المحسوب على الغرب. لا يعني هذا انها ستتخلى عن تقاربها مع ايران الذي ينتظر حركة مصالحة مع الرئيس المنتخب اوباما. طبعا من المبكر ان نتوقّع تفاهما سريعا بين ايران واميركا. غير ان النزاعات في التاريخ لا بد ان تنتهي الى سلم.

اذا كان هذا التحليل على شيء من الصحّة فإنه يعني ان الفرقة بين اللبنانيين المتنازعين أضيق مما كان يظنّ وانه حان وقت الهدوء والثقة بيننا لنقيم على فلسفة سياسيّة نابعة من مشاكل البلد حتى نقترب من وحدته بحيث نتفق على نوع من التوازن في سياستنا الخارجيّة بين الشرق والغرب. ولا نخشى ان يهتزّ لبنان حتى مشارف الزوال.


Continue reading
2008, جريدة النهار, مقالات

الشعب السلبي / السبت 22 تشرين الثاني 2008

نُسب الى أحد كبار المستشرقين قوله إنّ الشعب اللبناني شعب سلبي un peuple negative. كان يحب العرب كثيرا وتردد قبل إبداء رأيه في شعبنا. ربما كان هذا رأيًا غالى فيه او كان تعميما ظالما. وسأحاول دون أن أتبنّاه أن أرى فيه بعض الحق.

أن نكون سلبيين هو الا نكون بنّائين بالقدر الكافي، ان نعفي أنفسنا من مسألة الفكر أو مسألة العمل، أن نخاف من الالتزام ومن تكوين أنفسنا فرديا او جماعيا. هل نحن محبون للجهد او كسالى او متكاسلون؟ ربما لم يكن في البلد إمكان جهد كبير لقلّة الموارد الثابتة او لا تزال الذاكرة الجماعيّة عندنا مثقلة بكارثة الجوع التي قصد جمال باشا السفّاح ان يحلّها بنا. على ذلك نسعى الا تخشى طائفة طائفة وان نتفاهم في سبيل وحدة نعيش في ظلّها بلا تسلّط للواحد على الآخر.

يبدو حتى الآن اننا نريد اجتماعنا كما هو في هذا التنوع المذهل الذي يكاد ان يكون تبعثرًا. انه شبيه بالتعدّد في الهند. ولكن الهنود الذين تعددهم أعظم مما عندنا يعيشون في التزامهم بلدهم وقبل كل شيء في ديموقراطيّة ثابتة. الدولة عندهم ترعى تراكمهم ان لم تستطع ان ترعى التحامهم. فاذا كان الالتحام عندنا صعبا لا داعي ان نبقى سلبيين تجاه الدولة التي هي حظنا الوحيد في التلاقي. غير ان الدولة لا تجمع ان رفضنا التلاقي الوجداني الذي يفترض حدا أدنى من ذبح المصالح الدنيويّة. فالتسابق على المناصب ان غابت طائفة عنها يعني في الحد الأدنى اننا نأبى الإنسان الكفوء في مكانة ما ظنّا منا ان هذا المنصب مسجّل لنا الى أبد الآبدين وان قوتنا هي فيه واحترامنا به حين لا تعظم جماعة بواحد منها ينال منصبا ولا يتدهور البلد من غياب هذا المنصب عنها. الاقتتال المعنوي على وظيفة مؤذٍ لوحدتنا. وهذا يهم القليل من الناس. من قال انه لا يقتتل يخفي الحقيقة ومن اقتتل له فكر المتسلّطين وجموحهم . كلا الطرفين رافض للبلد او هو سلبي كما قال ذلك العالم الأجنبي.

# #

#

غير ان عقلاء كبارا: مهندسين، أطباء، محامين، أساتذة جامعات يتقن كل منهم مهنته. غير ان قسما من كبار المثقفين لا يشتركون في توجيه الأمّة وبعضهم منحصر في مجاله المهني فلا تنصب المعرفة في تكوين الدولة. هناك إهمال للشأن العام وما تهمله يهلك. الانكفاء سلبيّة ان أيقنت أنك على هدى.

لعل الإهمال على كل صعيد هو السلبيّة. في اختباري القضاء المذهبي عندنا مدة أربعة عشر عاما لاحظت ان رفض الرجل لزوجته وأولاده أكثر شيوعا مما كنت أظنّ. ليس أنه يخون بالضرورة ولكنه يهمل حضوره وقد لا يقوم بأية عناية. كسل لست أعرف سببه أحيانا. ان ترمي انسانا في جوعه الى خبزه اليومي والى حضورك هو ان تلغيه وبجانب ما انت ملغٍ نفسك. لماذا أهملت نفسك في عجز رؤيته وعجز حبه ومن المؤكّد انه مهما كان مستواك الاقتصادي انت قادر ان تحضر.

مرة شكت لي امرأة زوجها وهما ميسورا الحال. استدعيته وسألته عن الأمر فأخذ يحكي لي كم يغدق عليها من أموال ومما يتيح لها فرص السفر. فاتحتها في ذلك فقالت انه لا يحرمني من شيء ولكنه يحرمني ذاته.

أعرف أن ثمّة ناسا منهمكين في الواجب المهني وان الوقت الذي يبذلونه لرعاية اولادهم قليل وأحيانا يساوي الغياب. المشكلة ان الولد لا ينمو وحده ولا يفهم وحده ولا يتهذّب وحده. اعرف ان الظروف تختلف وانك احيانا لا تستطيع ان تعيل ذويك ما لم تغب عنهم ولست هنا لأعرض عليك حلولا ولكنك تواجه مسؤوليّة رهيبة بجعلك هذه الزهور المحيطة بك تنمو بلا سقاية.

# #

#

شؤون وشجون أخرى تفضح شعبنا وكل شيء يتطلّب ان نصبح شعبا مجددا بالحضور في المجالات التي نحن عنها مسؤولون.

للمسيحيين من قرّائي أقول ان علاقاتنا بعضنا ببعض ضعيفة أحيانا اولا في الغياب عن العبادة وفي عدم الإبداء للرأي القويم اذا كان اهلنا متعبين روحيا او مهمَلين. فنترك الأمور تمشي او لا تمشي. نتشكّى ولا نقدم على الإصلاح، نتذمّر ونيأس احيانا ولا نقول للمسؤول المخطئ انه اخطأ ولا نقدّم حلولا ان كان في استطاعتنا تقديمها ونثرثر في المجالس ليقوى حزننا وحزن السامعين والثرثرة غياب.

لماذا ننتقد ولا نواجه او لا نتكتّل للمواجهة؟ لماذا لا ندعو الى الخير بلا انتقاد هدام؟ في الحقيقة في اي مجال من التي ذكرت انا موقن ان السلبيّة في معاملتك أهلك ومواطنيك والدولة والناس بعامة مستحيلة ما لم تكن على صلة بالله لأنه هو الذي يدير وجهك الى الوجوه ونفسك الى الهيكليات التي انت عنها مسؤول. والواضح انه اذا سكن قلبك يتحرّك قلبك وإهمالك لذويك والدنيا والساهرين على الأمّة وكنيسة الله انما يصير فيك لأنك حجبت وجهك عن رؤية الله لك. الإنسان ليس كائنا من مجتمع فقط وما هو بجسد محدود او منغلق دون بقيّة الناس. كل إنسان زرع الله في بستان الإنسانيّة. فإن لم تصبح هذا الزرع يجف بستان الإنسانية وتمسي أنت في قفر والذين لم تحبهم يموتون عطشا وبعد هذا تسأل لماذا الدولة عاجزة والكنيسة مشلولة والإبداع غير قائم؟ هل صدق المستشرق برؤيتنا شعبا سلبيّا؟ لست أعلم على وجه الدقة وقد لا ينفع السؤال. سلْ نفسك وحدك في فحص قلبك ان كنت انت سلبيا، ان كنت غائبا، ان حجبك سبات عميق عن حركة الوجود. هل رجوت الرب ان يتحرّك فيك، ان يجعلك في خدمة دائمة، معطاء؟ المهم ان تزيل عنك اسباب الغياب حيث ينبغي ان توجد اذا أردت ان يوجد الله فيك.

Continue reading